باب مصر

الوسم: المسرح

  • ياسين محجوب: رحلة البحث عن الإشراق في الموسيقى المستقلة

    ياسين محجوب: رحلة البحث عن الإشراق في الموسيقى المستقلة

    ينسج الفنان السكندري ياسين محجوب تجربة موسيقية لا تشبه غيرها. i, مغني يمتلك مشروع موسيقي شامل ومتعدد الأنماط والمستويات، يجمع بين التلحين والتوزيع وتأليف الأغاني والإنتاج والإخراج الموسيقي والهندسة الصوتية.بدأت مسيرته الغنائية في عام 2010 عند أسس فرقته السابقة “قرار إزالة” ومنذ ذلك الحين تعاون مع العديد من الموسيقيين من خلفيات وأنواع موسيقية مختلفة ومتنوعة.

    أصدر 3 ألبومات، وقدم أكثر من 200 حفل موسيقي مع فرقته، بالإضافة إلى العديد من العروض المستقلة والمسرحيات والأفلام والمهرجانات الدولية والأعمال المشتركة. وصولاً إلى مشاركته في مهرجان الفنون العالمي «بينالي فينيسيا 2024»، وحصوله على جائزة الدولة التشجيعية في التأليف الموسيقي من المجلس الأعلى للثقافة 2024.

    في هذا الحوار يكشف محجوب كيف يصهر الروك المتطور والموسيقى الأوركسترالية والروح المسرحية في بوتقة واحدة، وكيف يرى في «التناقض» هوية إبداعية كاملة قادرة على إعادة صياغة التراث بروح العصر.

     داخل الاستوديو: ياسين عبر عدة قبعات

    في استوديو محجوب للتسجيل الصوتي، وبعد أن تأملت الآلات الموسيقية (الدرامز والجيتار الكلاسيكي والجيتار الإلكتريك والكيبورد) في أركان غرفة التحكم والبروفات، جلست لأتابع ياسين، بينما يوجّه عازف الساكسفون الذي يعزف مقطعًا ضمن track (مقطع موسيقي) جديد.

    هنا كان يرتدي ياسين قبعة مهندس الصوت، بعد أن خلع قبعة الملحن والموزّع الذي عمل على اللحن والتوزيع. ووسط كل هذه الأدوار، وبعد أن انتهى من التسجيل، بدأنا الحوار. سألته كيف يعرّف نفسه كفنان، أو بأي هذه الأدوار يفضّل أن يعرّفه الناس.

    يجيب ياسين: «عندما بدأت علاقتي بالفن، لم تنطلق من الغناء، جرّبت أن أمثّل وأكتب وألقي شعرًا، حتى غنيت. بالتأكيد ما أفضل أن يعرفني الناس به هو أنني مغنٍ أولًا وملحن/ مؤلف موسيقي ثانيًا، وأحيانًا أعمل كمهندس صوت في الاستوديو الخاص بي، وما يدخل ضمن عملية الإنتاج الموسيقي عامة بأنواعه. وتأتي الأدوار الأخرى كالتمثيل والإخراج في الأعمال الموسيقية كخلفية لتجارب أحب أن أخوضها».

    ***

    ويستكمل، ردا على سؤال حول ما إذا كان هذا التنوع قد أضاف ثراءً إلى تجربته أم كان من الأفضل أن يركّز في الغناء: «في البداية لم أكن أتصوّر أن أقوم بكل هذه الأدوار. ما كان يحدث أثناء العمل على أغنية أو مشروع ما، أن أتعثر في وقت معيّن، فأجد نفسي متوقفًا على مساعدة شخص ما في تنفيذ الموسيقى.

    فوجدت أنني أحتاج أن أتعلم، خاصة في مرحلة مع فرقة “قرار إزالة”، مررت بعدة سنوات لا أستطيع إنتاج ألبومي. فمثلًا كانت لديّ أفكار موسيقية معيّنة، ولا أمتلك لغة تواصل مع مهندسي الصوت لتنفيذها، فاضطررت أن أتعلم هندسة صوتية حتى أستطيع الإنجاز».

    ورغم ذلك، لا يريد ياسين الاستمرار في القيام بكل ذلك، عند سؤال حول مستقبله المهني، يتابع: «بالطبع أريد أن أستمر مغنيًا ومؤلفًا موسيقيًا، وليس من طموحي مثلًا أن أستمر في عملي كمهندس صوت، بالعكس أريد أن أتعاون مع آخرين من كل التخصصات في صناعة الأغنية.

    كوني أقوم بكل ذلك منفردًا يضع عبء مهام وضغطًا أكبر، والإنتاج يأخذ فترات أطول، وهذا يؤخر الإنجاز، لكني أراه مفيدًا على المدى الطويل. ليس بالضرورة مستقبلًا أن أنفذ كل شيء بيدي، لكن المهم أن أكون مثل المخرج السينمائي؛ حتى وإن لم أصوّر أو أمنتج، أعرف كيف تعمل الأشياء، حتى أستطيع توجيه فريقي».

    الفنان السكندري ياسين محجوب.. الصورة بإذن خاص منه
    الفنان السكندري ياسين محجوب.. الصورة بإذن خاص منه
    بين الضجيج والذكر: من “قرار إزالة” إلى “الله معين”

    هذا التنوّع في أدواره الفنية يبدو امتدادًا طبيعيًا لشخصيته وتجربته الموسيقية؛ ففي العمل الكورالي متعدد الأصوات الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية «الله معين»، يراه ياسين التعبير الأمثل عن مشروعه الموسيقي، كأنه بطاقة تعريف يقدّمها للناس ليقول من هو كموسيقي.

    هذا العمل، الذي يمزج بين الصوفي والروك والأوركسترالي، يصفه ياسين قائلًا: «الله معين أعتبرها خلاصة رمزية لرحلتي الفنية والإنسانية، مررت فيها ببحث وتجلي وطمأنينة وخوف وتعبير ومناجاة، والكثير من التغيرات والتقلبات. تجربة موسيقية دسمة، رحلة كاملة من البداية للنهاية، بها صعود وهبوط، فيها كم كبير من الأصوات، تنقلات مقامية، وتغييرات في الحالة، وتداخلات صوتية، واختيارات آلات متعددة.

    يقوم العمل على تصور موسيقي واسع يمزج بين الأوركسترا وProgressive Rock (الروك المتطور) ولمحات من Fusion Jazz (مزيج الجاز)، مع إيقاعات شرق أوسطية وعناصر إلكترونية وكورال أوبرالي، في بناء صوتي مركّب يعكس رؤيتي الموسيقية».

    اقرأ أيضا: في مئويته: هل كان «يوسف شاهين» ممثلا مقموعا صار مخرجا ديكتاتورا؟

    ***

    بدأت ملامح مشروع ياسين الأول مع تأسيس فرقة “قرار إزالة”، وهي فرقة موسيقية مستقلة قدمت الروك المتطور ممزوجًا بالألحان الشرقية، كما حملت مرجعية فكرية من الاسم، يقوم على مواجهة العادات والأفكار السلبية، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، والدعوة إلى إصدار قرار بإزالتها وتغييرها نحو الأفضل.

    هذا النوع من الروك الذي قدمته الفرقة، أتاح له إمكانيات أوسع في البناء الإيقاعي والهارموني وتركيب الجمل الموسيقية، فهي موسيقى تقوم أساسًا على كسر التوقعات، سواء في Timing أو بنية الـ track، يوضح كيف تشكّلت رؤيته في التجديد، انطلاقًا من استيائه من نمطية الأغاني الدينية: «كان عندي شعور دائم أن هذه الموسيقى فيها نوع من الـEnergy (الطاقة)، الكبيرة المناسبة جدًا لحالات صوفية كثيرة. فعندما بدأت أعمل على أول تراك “صوفي”، بدأت أدمج هذا الشكل الموسيقي، بمنطق موسيقى الروك، مع الإيقاعات غير المعتادة.

    فالـStructure (البنية) كله أخذ هذا المنطق: جزء Orchestration (توزيع أوركسترالي)، وجزء Orchestra (أوركسترا)، مع إيقاعات أساسية مختلفة، وليست أربعة أربعة بشكل مباشر، كما أن الصوت مبني على الـDistortion (التشويه الصوتي/الصوت العنيف)، مع الإلكتريك جيتار الذي يعطي Power (قوة) معينة.

    ***

    كان الشكل فعلًا أقرب إلى Heavy (ثقيل/صاخب)، لكن اعتمدت أن يكون اللحن قريبًا من الذائقة السمعية. طريقة الغناء فيها شكل موّال، وهو ما هو معتاد في الأغاني الصوفية، وأضفت مردّات أو ما يُسمّى “بطانة”، أجاد فيها الفنان محمد سرور. بينما الإطار العام ستسمع فيه أصواتًا غير معتادة بالنسبة لهذا النوع: Distortion (تشويه صوتي)، Synthesizer (مُركِّب أصوات إلكتروني)، Keyboards، وDrums تعزف بشكل Heavy، وهكذا».

    ويستكمل في وصف التحول داخل البنية الموسيقية نفسها: «تلك كانت التجربة الأولى: أن أضع هذه الحالة الصوفية داخل قالب موسيقي مختلف. مشاكلي لم تكن مع الألحان، بالعكس كنت أعتقد أن الألحان مظلومة؛ اللحن في النهاية هو الإسكتش، لكن الأهم: في أي إطار سيوضع ليحكم شكله النهائي. لذلك، التوزيع الموسيقي هو ما يجعل لحنًا ما ينير أو ينطفئ، مع إضافة طبقة سمعية مختلفة فيها مزيد من التجريب والتعبير. فالموسيقى في الأساس لغة تعبير، والحالة الروحانية لها أشكال مختلفة، ربما تكون صاخبة».

    ثم مع تطور التجربة ينتقل إلى مرحلة جديدة عبر مشروع “مداد” عام 2018، حيث يعيد النظر في أدواته من زاوية أكثر هدوءًا، متسائلًا عن إمكانية الحفاظ على نفس منطق كسر الإيقاع والهارموني ولكن داخل صوت أقل صخبًا، فاستبدل االجيتار الإلكتريك باالكلارينت، والدرامز بآلات وترية أو إيقاعات مختلفة، مع الحفاظ على روح التجريب.

    ***

    ومع انتقال المشروع إلى القاهرة، اتسعت دائرة التعاون ليشارك فيه الموسيقي أدهم السعيد من فرقة وسط البلد، إلى جانب المنشد مصطفى الشافعي، الفائز بجائزة منشد الشارقة، حيث تم العمل على عرض موسيقي قُدّم في مركز جوته بالقاهرة. ومن داخل هذه المرحلة خرجت عدة تراكات مثل “صلوا عليه” التي حملت طابع Fusion (مزيج)، و«الله معين»، الذي احتفظ به محجوب لفترة قبل أن يعاود إنتاجه بالشكل الذي يراه أكثر اكتمالًا.

    يلخّص ياسين فكرته في إعادة التفكير في تصور شائع حول الأغاني الدينية، والتي غالبًا ما تُقدَّم في إطار حزين أو منكسر، لكنه يتحفظ على هذا التنميط. ويطرح تساؤله في هذا السياق: «لماذا لا نمنح هذه الألحان والكلمات مساحات لونية أكثر اتساعًا، ترتدي فيها نبرة أكثر إشراقًا وبهجة بدل أن تظل محصورة في أجواء قاتمة وكئيبة؟».

    الفنان السكندري ياسين محجوب.. الصورة بإذن خاص منه
    الفنان السكندري ياسين محجوب.. الصورة بإذن خاص منه
    إعادة اكتشاف الموسيقى من الاستوديو إلى المسرح

    ينتقل ياسين إلى المسرح، حيث يعمل كمدرب للأداء الصوتي مع مدرسة برفورم للفنون الأدائية، في 2022 عمل على الرؤية الموسيقية والتدريب الصوتي لعرض حكاوي المولد، وفي 2023 أخرج وألف موسيقى عرض شالله يا سيدنا، كما شارك كمغني أو حكاء في عروض أدائية مثل عرض ما بعد الجسد في 2025.

    يحكي ياسين عن تلك العلاقة الوثيقة: «أنا جئت أساسًا من المسرح، في بداياتي كنت ممثل مسرحي، ولدي ارتباط كبير جدًا به، كنت أحضر أو أشاهد أون لاين لفترات طويلة عروض تحدث في أماكن كثيرة في العالم، وعملت فترات في تدريب الممثلين».

    ويستكمل بينما يستعيد تجربته مع حكاوي المولد: «الإطلاع على الليلة الكبيرة ألهمني لتجربة جديدة، كانت وجهة نظري في تقديمه هي التجريب بأسلوبي مع الحفاظ على روحه الأصلية بدون تشويه، عرض حكاوي المولد كان عن عرضين مسرح عرائس الليلة الكبيرة والفرح، كان التحدي خاصة بالنسبة لليلة الكبيرة، هو أنني أعيد تقديمه بشكل معاصر، مع مراعاة أنني أعمل على لحن شرقي موجود في وجدان المصريين، حتى أنهم يستخدمون منه مقاطع في الأمثال، فهناك حساسية تجاه تقبل الجمهور لهذا التغيير».

    ***

    ويضيف واصفًا طبيعة التكوين الموسيقي داخل العرض: «استعنت بموسيقيين من خلفيات مختلفة، موسيقي كلاسيكية مع دانيال سيدهم عازف آلات متعددة مثل البيانو والفلوس وآلات نحاسية، إلى جانب موسيقى إلكترونية مع عمرو زيدان، وروك مع نديم الحبشي عازف الجيتار الإلكتريك، وموسيقى شرقية مع باسم ضياء عازف العود، كنت أريد أن أخلط كل ذلك بشكل جديد ومنسجم.”

    هذا التوجه في طبيعة الفريق الموسيقي نفسه الذي جمع بين خلفيات متباينة، من الموسيقى الكلاسيكية مع دانيال سيدهم، إلى الإلكترونيات مع عمرو زيدان، إلى الجيتار الإلكتريك والروك مع نديم الحبشي، وصولاً إلى الموسيقى الشرقية: العود مع باسم ضياء، في محاولة لخلق مساحات صوتية هجينة قادرة على احتواء هذه التناقضات داخل عرض واحد.

    اقرأ أيضا: في عوالم «داوود عبد السيد»: رثاء شخصي لمخرج علمني حب الحكمة والحكاية والحياة

    ***

    التجربة الصوفية فيها طقوس قائمة على الجماعية، لذلك ربما الأغنية وحدها لم تعد كافية للتعبير عن هذه الحالة الاستعراضية عند ياسين، حين سألته عن الفارق بين طريقة العمل والمساحة من الأغنية إلى المسرح يوضح: «هناك فرق يبدأ من طريقة بناء العمل نفسه، الأغنية تمر بمسار تقليدي من كتابة وتلحين وتوزيع وتسجيل، قبل أن تصل إلى الجمهور بشكل مؤجل، بينما المسرح يضع الفنان داخل لحظة تفاعل مباشر، حيث يكون رد الفعل حاضرًا في الزمن الحقيقي، من خلال ممثلين وجمهور وأداء حي».

    هذا الحضور المباشر يفتح بحسب ياسين، مساحات وأبعاد أوسع للتجريب والإبداع تشمل الإضاءة وهندسة الصوت والحركة والحضور الجسدي، ما يجعل التجربة أكثر كثافة واشتباكًا، يضيف ياسين: “أشعر أن التجربة في المسرح أغنى وأنشط كثيرًا، وأعتبر العمل في عرض مسرحي أكثر تجربة مؤثرة أمر بها، خاصة عندما أعمل على تأليف موسيقي لعرض مسرحي، أنسى نفسي تمامًا وأشعر أنني أطير، ربما لا أكون أعرف تمامًا ما علي فعله، لكن أشعر بشيء ما، ويخرج مني موسيقى وإبداع لا أتصور أنه سيأتي من العمل بمفردي».

    التناقض كهوية موسيقية: كيف يصنع ياسين صوته؟

    «أعتقد إن تجربتي ملخصة في إني ممكن أكون شخص متناقض، وبيحاول يكون إنسان متناقض ومتصالح مع هذا التناقض، وأحاول التعبير عنه والتعامل معه، لذلك أنا أعبر عن هذا التناقض في داخلي بالموسيقى» هكذا يعرف ياسين نفسه.

    هذا التصور ينعكس مباشرة في طريقته في بناء مشروعه، إذ يصعب، كما يرى، حصره داخل قالب موسيقي واحد مثل الروك الخالص أو الشرقي الخالص، لأنه ينطلق أساسًا من انفتاح على تنوع الأصوات على مستوى الأنواع الموسيقية والآلات معًا. يشرح ياسين: «كل الأصوات بالنسبة لي جميلة ومحببة، وأقصد بالأصوات هنا على مستوى الأنواع الموسيقية وعلى مستوى الآلات. يعني ممكن أعمل تداخلًا بين الأصوات التقليدية، وآلات مثل الآلات الشرقية مثل العود، مع موسيقى الإلكترونيات، ومع التوزيع الأوركسترالي».

    ***

    وتتجلى هذه الرؤية بشكل عملي في أعماله الغنائية التي تمزج بين أكثر من هوية صوتية داخل كل تجربة؛ مثل «مفك تست» الذي يأتي كمهرجان مودرن/تراب شعبي متأثر بموسيقى شمال أفريقيا خاصة في المغرب العربي، ويجمع بين الغناء الشرقي وموسيقى الروك، و«بعافر بس» الذي يتخذ من الدريل أحد أشكال الهيب هوب والتراب منطلقًا داخل حس الهارد روك مع حضور الساكسفون وسولو الإلكتريك جيتار بنَفَس قريب من الموسيقى الهندية، وصولًا إلى «وحدة» الذي يمزج بين الروك وموسيقى الهيب هوب والراب، مع تقليل واضح في الهارموني لصالح إحساس بالعزلة، حيث تمنح الأصوات الإلكترونية (pads) إحساسًا بالوحدة.

    ورغم هذا التعدد، يشير ياسين إلى وجود سمة صوتية عامة تتكرر عبر أعماله، تتمثل في ميله إلى الجروفز ذات الإيقاعات المركبة، والهارموني ذي الطابع الجازي أو الأوركسترالي العميق، إلى جانب حضور الأصوات الإلكترونية، مع بقاء الغناء الشرقي والموسيقى الشعبية في مصر وغيرها حاضرًا في الخلفية. كما يستند إلى خلفية صوفية في التفكير الموسيقي وفي بناء الجمل اللحنية والتوزيعات، بما يدفعه إلى إدخال هذه العناصر داخل صيغ جديدة وغير تقليدية.

    ويختتم هذا التصور برؤية أقرب إلى تعريف ذاتي لخبرته، إذ يرى أنه يمتلك قدرة على صياغة جمل لحنية مؤثرة ومبتكرة داخل توليفات متعددة الطبقات، بما يسمح له بإعادة تقديم العناصر التراثية داخل سياقات معاصرة تحمل بصمته الخاصة.

    اقرأ أيضا: «ترام الإسكندرية».. ذاكرة الصمت والانتظار بعيون فنانيها

  • الثقافة تصل إلى الحدود.. مشروع «المواجهة والتجوال» يختتم جولته السادسة بالوادي الجديد

    الثقافة تصل إلى الحدود.. مشروع «المواجهة والتجوال» يختتم جولته السادسة بالوادي الجديد

    اختتمت الأسبوع الماضي فعاليات الجولة السادسة من مشروع «المواجهة والتجوال» بمحافظة الوادي الجديد، وهو المشروع القومي الذي تقوده وزارة الثقافة المصرية ليكون جسرًا ممتدا إلى مختلف المحافظات، وعلى مدار أربعة أيام متواصلة، عاش أبناء مدينة الخارجة حالة ثقافية وفنية متكاملة، لم تكن مجرد عروض مسرحية، بل تظاهره إبداعية جمعت بين المسرح والفن التشكيلي والكتاب وصوت الواحات الأصيل.

    إبداع يتحدى المسافات

    انطلقت فعاليات المشروع في هذه المرحلة لتؤكد فلسفة العدالة الثقافية في مختلف محافظات مصر. فلم تعد الثقافة حكرًا على العاصمة، بل أصبحت “المواجهة” أداة لمكافحة الأفكار المتطرفة. و”التجوال” وسيلة للوصول إلى القرى والنجوع والمدن الحدودية.

    داخل سينما هيبس بمدينة الخارجة، وفي حفل الختام، كان للمشهد طابع خاص. حيث اصطف الأطفال في المقاعد الأمامية، ولم تكن ضحكاتهم مجرد تفاعل مع عروض العرائس، بل كانت كصرخة حياة وتوق للفن. ومع انطلاق أوبريت “الليلة الكبيرة”، تحول المسرح إلى ساحة مولد شعبي حقيقي.

    اقرأ أيضا: ثبات الطقس وتغير التعبير.. رحلة شم النسيم في الفن المصري

    محطات الجولة

    قالت ابتسام عبد المريد، مدير عام قصور ثقافة الوادي الجديد، إن فعاليات الجولة بدأت من كلية التربية بجامعة الوادي الجديد. حيث التقى الفن بالطلاب في حوار إبداعي، ثم انتقلت إلى قاعة “علي حريف” بمدينة الخارجة. وصولًا إلى مركز التنمية الشبابية، لتختتم في سينما هيبس التاريخية التي احتضنت ليلة ختامية لا تنسى.

    وأضافت أن حفل الختام شهد حضور عدد من القيادات التنفيذية والتعليمية بالمحافظة. إلى جانب جمهور كبير عكس شغف أبناء الواحات بالفنون الراقية.

    كما أعربت الدكتورة نجوى واعر، عميدة كلية التربية بجامعة الوادي الجديد، عن سعادتها بعرض أوبريت “الليلة الكبيرة” الذي أعاد إلي ذاكرتها أيام الطفولة. مؤكدة أن فرقة مسرح القاهرة للعرائس نجحت في جذب انتباه الأطفال والكبار معا من خلال شخصيات شعبية مثل بائع الحمص، الشيخ، المسحراتي، بائع الحلوى، الأراجوز، والمنشد.

    وأضافت أن هذه الشخصيات ليست مجرد عرائس، بل رموز للهوية المصرية. وتفاعل الجمهور معها بين التصفيق والغناء، مشيرة إلى أن تقديم “الليلة الكبيرة” في الوادي الجديد يحمل دلالة عميقة. كونه يوثق الموروث الشعبي ويربط الأجيال الجديدة بجذورهم الشعبية.

    جانب من الختام.. تصوير: هدير محمود
    جانب من الختام.. تصوير: هدير محمود 
    معرض “تجربة شخصية”

    لم يقتصر المشروع على المسرح، بل كان للفن التشكيلي نصيب الأسد من خلال معرض “تجربة شخصية”. الذي أقيم تحت إشراف الإدارة المركزية للشؤون الفنية برئاسة الفنان أحمد الشافعي. وضم المعرض أعمال 15 فنانًا وفنانة من مدينتي الداخلة والخارجة، عكست جماليات الصحراء والبيئة الواحاتية.

    وشارك في المعرض عدد من الفنانين، من بينهم: محمود حسن دنيال، هناء حسن بشير، محمد وحيد عبد القادر، هناء سعيد السيد، هاجر رمزي منسوب، هاجر محمد طه، روان رمضان حامد، ريتاج محمود حسن، جهاد عادل محمد، آلاء محمد عيد، عيد جانب محمد أحمد، أحمد مسعود عكاشة، سماح كامل أحمد، خالد محمد المهدي، ومحمود سمير حسين.

    وقال الفنان والنحات محمود دنيال، إن مشروع “المواجهة والتجوال” يمثل نافذة حقيقية للتواصل مع الحراك الثقافي في العاصمة. مؤكدا أن أعمال فناني الواحات أصبحت جزءا أصيلا من المشهد الفني الوطني.

    من جانبه، أشار الفنان محمد عبد الله، مدير فرقة الفنون الشعبية بالوادي الجديد ومدير مركز الحرف اليدوية، إلى أن الفن الشعبي في الواحات له خصوصية شديدة. وأن استضافة عروض احترافية مثل مسرح العرائس يثري خبرات المبدعين المحليين ويخلق حالة من التبادل الثقافي. وأشار إلى أن الربط بين الفنون الأدائية والحرف اليدوية والمعارض الفنية يخلق “سوقًا ثقافية” واعدة بالمحافظة.

    حالة من الدهشة

    قال الفنان محمد وحيد عبد القادر، أحد المشاركين في معرض “تجربة شخصية”، إن ما رآه خلال العروض كان أعمق من الأعمال الفنية نفسها. موضحا أن دهشة الأطفال أمام أوبريت “الليلة الكبيرة” كانت لوحة موازية لكل ما قدمه الفنانون.

    وأضاف: “اللوحات التي رسمناها كانت في كفة، واللوحة اللي شفتها في عيون الأطفال في الختامي كانت في كفة تانية خالص. أنا دايمًا بدوّر على الضوء واللون، بس  شفت نور حقيقي طالع من عيون العيال وهما مبهورين بعرائس الليلة الكبيرة مش مجرد فرجة. دي كانت حالة من الدهشة بكررها لأول مرة في قلب الخارجة بالشكل ده”.

    وأكدت الفنانة هناء سعيد السيد أن العرض المسرحي أعاد إحياء ذكريات الطفولة لدى أهالي الواحات، وكسر شعور العزلة المرتبط ببعد المسافة. مشيرة إلى أن الفعاليات جعلت الجمهور يشعر وكأنه في قلب القاهرة.

    اقرأ أيضا: «دير الجنادلة» بأسيوط.. كنوز أثرية بين الجبل والتاريخ

    معرض الكتاب.. تصوير: هدير محمود
    معرض الكتاب.. تصوير: هدير محمود
    معرض الكتاب بأسعار مدعومة

    لفتت ابتسام عبد المريد، مدير عام قصور الثقافة بالوادي الجديد، إلى تنظيم معرضين للكتاب؛ الأول نظمته الهيئة المصرية العامة للكتاب، والثاني لهيئة قصور الثقافة. وقدما تشكيلة واسعة من الإصدارات في الأدب والتاريخ والعلوم وقصص الأطفال، بأسعار مخفضة للغاية، تماشيًا مع مبادرة “ثقافة وكتاب للجميع”. مما جعل الكتاب في متناول يد كل أسرة في الخارجة.

    وأضافت أن ختام المرحلة السادسة من مشروع “المواجهة والتجوال” في الوادي الجديد ليس مجرد نهاية لحدث عابر. بل هو ترسيخ لمنهج عمل يهدف إلى بناء الإنسان المصري الذي ترك الأثر متمثلاً في أوبريت “الليلة الكبيرة” في عيون الأطفال. والحوار الذي دار في أروقة معرض التشكيليين، والكتب التي استقرت في بيوت أهل الواحات.

    واختتمت حديثها بأن محافظة الوادي الجديد، بمساحاتها الشاسعة وكنوزها البشرية، تمثل أرضًا خصبة لكل مشروع تنموي يدرك أن الثقافة هي القوة الناعمة التي تحمي الحدود قبل القلوب. مشيرة إلى أنه مع رحيل فرقة العرائس عائدة إلى القاهرة، بقي صدى ألحان سيد مكاوي يتردد في أرجاء الخارجة.

    اقرأ أيضا: تحت ظلال النخيل.. أهالي «الواحات» يحتفلون بشم النسيم

  • «ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟

    «ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟

    مع الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، يبرز نموذج مدينة سفاجا كواحد من أبرز تجارب الحضور المسرحي الفاعل. إذ شهد خلال الفترة من 2000 إلى 2010 نشاطا لافتا بعروض متنوعة جمعت بين الكوميديا السياسية والاجتماعية والأعمال الجادة. واستضافت مخرجين من مختلف المحافظات. ما أسهم في صقل المواهب وتعزيز التفاعل الجماهيري، حتى أطلق عليها «ليالي الأنس في سفاجا». غير أن هذا الحراك تلاشى اليوم، وتوقفت العروض، ليبقى المسرح مجرد ذكرى بعد أن كان منارة للوعي والقيم الفنية.

    فترة ازدهار المسرح

    يستعرض شاذلي عبد العزيز، شاعر وممثل بفرقة سفاجا المسرحية التابعة لقصور الثقافة وإقليم جنوب الصعيد، فترة ازدهار المسرح في مدينة سفاجا. مؤكدا أنها كانت مرحلة استثنائية شهدت حراكا فنيا وثقافيا واسعا. قدمت الفرقة خلالها عددا كبيرا من العروض المسرحية التي تنوعت موضوعاتها ولامست قضايا المجتمع. من بينها مسرحيات: بكرة  وطاقة شوف، العجوز والظابط والمليونير، رحلة حنضل المسيري، والطاغية.

    وتابع أن فرقة مسرح قصر ثقافة سفاجا شاركت في مهرجان المسرح الذي أقيم بالمدينة عام 2004 بمشاركة عشرات الفرق من مختلف المحافظات. حيث استضافت سفاجا أكثر من عشرين فرقة على مدار أسبوع كامل في تظاهرة فنية غير مسبوقة. لاقت صدى واسعا حتى أطلقت الصحف على تلك الفترة لقب “ليالي الأنس في سفاجا”، في إشارة إلى حالة الزخم والإقبال الجماهيري الكبير.

    تكريم كمال الشناوي

    يشير عبد العزيز إلى أن ختام المهرجان أقيم بمسرح قصر ثقافة سفاجا. وشهد لحظة فارقة تمثلت في تكريم المبدعين وتوزيع الجوائز على يد الفنان القدير كمال الشناوي. وهو ما منح الحدث قيمة فنية كبيرة ورسخ في ذاكرة أبناء المدينة كواحد من أهم المحطات المسرحية.

    ويؤكد أن الفرقة كانت تضم نحو عشرين ممثلا وحققت نجاحات لافتة. حيث حصل أحد ممثلي عرض تراحيل على جائزة أفضل ممثل في العروض المسرحية على مستوى الجمهورية. وهو إنجاز يعكس قوة الفرقة وتميزها الفني خلال تلك الفترة، التي مثلت العصر الذهبي للمسرح في سفاجا من عام 2000 إلى 2010. لما شهدته من دعم وتفاعل جماهيري واهتمام رسمي.

    إغلاق المسرح: ضربة قاسية أنهت الحلم الثقافي

    ينتقد شاذلي عبد العزيز تراجع الحركة المسرحية في الوقت الحالي ويقول: “اختفاء هذا النشاط جاء نتيجة غلق مسرح قصر ثقافة سفاجا بقرار من الحماية المدنية. بسبب تهالكه وعدم مطابقته لاشتراطات السلامة. ما جعله يشكل خطورة على الجمهور والممثلين. وهو ما أدى إلى غياب مكان رسمي للعروض وحرمان الشباب من منصة يقدمون من خلالها مواهبهم”.

    ويلفت إلى أن محاولات استعادة النشاط المسرحي ما زالت قائمة من خلال جهود فردية وبعض العروض المحدودة. إلا أنها تظل غير كافية في ظل غياب البنية التحتية والدعم المؤسسي. مؤكدا أن عودة المسرح في سفاجا تحتاج إلى رؤية حقيقية تعيد لهذا الفن دوره التنويري وتأثيره في المجتمع

    إهمال لا نقص مواهب

    تؤكد سوسن عبد الرازق، معلمة لغة عربية بمدينة سفاجا وممثلة سابقة بقصر ثقافة سفاجا خلال الفترة من 2000 إلى 2010، أن المسرح كان يمثل حالة فنية وثقافية متكاملة. حيث كانت العروض المسرحية تجمع بين السينما والمسرح في أجواء حيوية تشهد حضور مخرجين من مختلف المحافظات للعمل لفترات تمتد لشهور. ما أتاح حالة من الزخم الفني والتجارب المتنوعة التي أسهمت في صقل مهارات الممثلين. وخلق حالة من الشغف الحقيقي تجاه المسرح.

    وتتابع: “شاركت في عدد من العروض المسرحية التي كانت تقدم على مدار ثلاثة إلى أربعة أيام متتالية. وتتنوع موضوعاتها بين الكوميديا السياسية والاجتماعية. تلك العروض كانت تلقى إقبالا جماهيريا كبيرا رغم بساطة المدينة. وهو ما يعكس وعي الجمهور وارتباطه بالفن الجاد وقدرته على التفاعل مع قضايا مجتمعه من خلال المسرح”.

    وتشير سوسن إلى أن المسرح لعب دورا مهما في توعية المجتمع. حيث كان يقدم رسائل مباشرة وغير مباشرة تمس القضايا اليومية للمواطنين وتساهم في تشكيل الوعي العام. مؤكدة أن المسرح لم يكن مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة فعالة في بناء الفكر وتعزيز القيم داخل المجتمع.

    أحد العروض على مسرح سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    أحد العروض على مسرح سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    دور المسرح حاليا

    تنتقد عبد الرازق تراجع دور المسرح في الوقت الحالي، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في الممثلين. بقدر ما ترتبط بضعف الاهتمام من القائمين على المنظومة الثقافية وإهمال المسرح في العديد من المدن. ما أدى إلى غياب هذا التأثير القوي الذي كان يلمسه الجمهور سابقا.

    وتنوه بأن الدولة كانت تولي اهتماما كبيرا بالأنشطة الثقافية في السابق. حيث كانت ترسل مدربين ومتخصصين لدعم الفرق المسرحية وتنمية المواهب. وهو ما ساهم في ازدهار الحركة الفنية على مستوى بيوت الثقافة، التي تحولت الآن في بعض الأماكن إلى مساحات مهملة تفتقد لدورها الحقيقي.

    وتطالب عبد الرازق بضرورة إعادة إحياء المسرح من خلال توفير أماكن رسمية مخصصة للعروض. بدلا من الاعتماد على الجهود الفردية فقط. مؤكدة أن الجمهور يثق بشكل أكبر في الكيانات الرسمية، وأن عودة المسرح بشكل منظم ومدعوم من الدولة سيعيد له بريقه ودوره المؤثر في المجتمع.

    دعم الدولة يصنع مسرح متكامل الأركان

    يؤكد إبراهيم خليل، مدير قصر الثقافة السابق، أن المسرح كان يحظى بدعم مؤسسي واضح من الدولة. حيث كانت تخصص له ميزانية سنوية لتشكيل الفرق المسرحية. واعتماد مخرجين محترفين لتدريب الأفراد واختيار النصوص والعمل عليها لعدة شهور في إطار منظم، يهدف إلى تقديم عروض مكتملة العناصر

    ويوضح أن تلك العروض كانت تخضع لتقييم شامل من لجان متخصصة تابعة للمسرح أو وزارة الثقافة. حيث يتم فحص جميع التفاصيل من ديكور وصوتيات وملابس. وعلى أساس هذا التقييم يتم إقرار زيادة الميزانية أو تسجيل الملاحظات لتفاديها في المواسم التالية. وهو ما كان يمثل دافعا حقيقيا لتقديم أعمال قوية ومؤثرة تنبع من واقع المجتمع وتناقش قضاياه الحساسة بشكل مباشر.

    عزوف المشاركين وراء انحسار المسرح

    يرى خليل أن تراجع المسرح والذوق الثقافي في مدن البحر الأحمر يعود إلى عدة أسباب. أبرزها انخفاض إقبال العناصر الفنية على المشاركة في العروض. بعدما كانت الفرق تضم مختلف فئات المجتمع من الموظف إلى المدرس والعامل ورجل الشارع. إلا أن تسارع وتيرة الحياة اليومية وتراجع الحالة الثقافية العامة ساهما في عزوف الكثيرين عن المشاركة. إلى جانب ضعف الاهتمام من القائمين على المنظومة الثقافية.

    ويشير إلى أن مدن البحر الأحمر كانت تشهد حالة من الحراك الثقافي الملحوظ. حيث كان لكل بيت ثقافة أو قصر ثقافة فرقة مسرحية مدربة، وفرقة للأطفال، إلى جانب فرق للإنشاد والغناء الشعبي. وهو ما خلق حالة من التفاعل المجتمعي الواسع مع الأنشطة الثقافية.

    كما أكد أن المسرح كان يترك بصمة واضحة في حياة الناس. حيث كان الجمهور يحفظ عبارات من المسرحيات ويتداولها في أحاديثه اليومية، ويناقش القضايا التي تطرحها العروض. بما يعكس مدى تأثير الفن في تشكيل الوعي الجمعي. لافتا أن المسرح، إلى جانب الموسيقى والشعر، يعد من أهم أدوات بناء الإنسان وتعزيز السلام الروحي داخل المجتمع.

    أحد عروض مسرح قصر ثقافة سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    أحد عروض مسرح قصر ثقافة سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    تجربة مسرح الشلاتين

    يروي إبراهيم خليل تجربته خلال فترة عمله في الشلاتين. حيث نجح في تكوين فرقة مسرحية حرص من خلالها على تقديم عروض تناقش العادات والتقاليد القبلية وقضايا الزواج والتعارف بين القبائل. وقد لاقت هذه الموضوعات تفاعلا كبيرا من الجمهور رغم بساطة المجتمع.

    ويستعيد خليل مظاهر ازدهار الحياة الثقافية في الماضي، مؤكدا أن الأنشطة لم تكن مرتبطة بمواسم محددة بل كانت ممتدة طوال العام. فخلال شهر رمضان كانت تقام مسابقات فنية وعروض يومية. كما كانت تنظم عروض مسرحية وإنشاد ديني خلال موسم الحج في سفاجا سواء للحجاج أو المودعين بشكل منتظم. وهو ما اختفى تدريجيا دون أسباب واضحة، رغم أهميته في دعم الوعي المجتمعي.

    تراجع الدور المؤسسي

    يؤكد محمود سعد، ممثل سابق بقصر ثقافة سفاجا، أن تجربة المسرح شكلت مرحلة مهمة في حياته الفنية. حيث شارك في عدد من العروض مثل هب النسيم، الطاغية، ومولد سيدي شيكا مارا. قبل أن يتجه للعمل كمساعد مخرج.

    ويوضح أن العمل المسرحي في تلك الفترة كان يعتمد على عناصر متكاملة تبدأ من جودة خشبة المسرح وقوة النصوص. مرورا بتدريب الممثلين على أيدي مخرجين متخصصين. والاستعانة بمهندسي ديكور، وتنظيم ورش عمل مستمرة داخل قصور الثقافة. وهو ما كان يخلق حالة فنية حقيقية قائمة على الاحتراف، رغم أن المشاركين كانوا من الهواة.

    ويشير سعد أن هذا الاهتمام تراجع تدريجيا مع إهمال المؤسسات الثقافية. حيث أصبح قصر الثقافة مكانا مهملا بعد أن كان منارة فنية. ويضيف أن المبررات التي كانت تطرح لغلق المسرح دائما ما تدور حول ضعف الاعتمادات المالية، في الوقت الذي ظهرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي كمنافس قوي. جذب اهتمام الشباب دون أن يقدم بديلا حقيقيا يحمل نفس القيمة الثقافية.

    من أنشطة المسرح في السابق.. الصورة من ألبوم قصر الثقافة
    من أنشطة المسرح في السابق.. الصورة من ألبوم قصر الثقافة
    المسرح مدرسة القيم

    ينتقد سعد غياب الدعم الموجه للكتابة المسرحية، مؤكدا أن هناك تراجعا واضحا في تشجيع المؤلفين على إنتاج نصوص قوية. أو تنظيم مسابقات في التأليف المسرحي أو الرواية، على غرار مسابقات الشعر. وهو ما أدى إلى ضعف الإنتاج الفني واختفاء الحافز لدى الهواة الذين لم يعد لهم مكان حقيقي داخل المنظومة الثقافية.

    ويرى أن اختفاء المسرح لم يكن مجرد غياب لنشاط فني. بل كان له تأثير مباشر على وعي الأجيال الجديدة. حيث نشأ الشباب بعيدا عن القيم التي كان يغرسها المسرح من خلال مناقشة القضايا الإنسانية والاجتماعية بشكل واع ومنظم. ويؤكد أن المسرح كان يخضع لرقابة وتقييم يضمن تقديم محتوى هادف يرسخ المبادئ الأخلاقية.

    السوشيال ميديا تملأ الفراغ بلا ضوابط

    يحذر محمود سعد من ترك الشباب تحت تأثير منصات التواصل الاجتماعي دون توجيه حقيقي. موضحا أن هذه المنصات تقدم محتوى متنوعا لا يمكن السيطرة عليه أو ضبطه، ولا يخضع لمعايير واضحة. وهو ما أسهم في ظهور أجيال أقل وعيا وثقافة. وأبعد عن القيم الأصيلة للمجتمع المصري مقارنة بما كان يقدمه المسرح من دور تربوي وتثقيفي منظم.

    وشدد على ضرورة إعادة بناء منظومة ثقافية متكاملة تعيد الربط بين الفنون المختلفة من مسرح وتمثيل وكتابة وإخراج. وتدعم تكوين روابط فنية تجمع المبدعين وتتيح لهم عرض أعمالهم بشكل منظم. سواء على خشبة المسرح أو عبر وسائل حديثة بشكل احترافي. مؤكدا أن عودة المسرح تمثل خطوة أساسية لاستعادة الوعي الثقافي والهوية المجتمعية.

    اقرأ أيضا:

    من قلب الأعماق.. «هيبكا» تقود مهمة بحرية لحماية كنوز البحر الأحمر

    سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟

    «باحة الفنون للتراث والتنمية».. أول مساحة آمنة للكتابة والإبداع في القصير

  • المسرح في الأقصر.. فن حي يواجه الغياب الجماهيري

    المسرح في الأقصر.. فن حي يواجه الغياب الجماهيري

    على الرغم من اهتمام الهيئة العامة لقصور الثقافة بإنشاء مسارح في مختلف المحافظات لتقديم عروض فنية تعكس بيئة وتراث كل إقليم، إلا أن محافظة الأقصر لم تنل الاهتمام الكافي، رغم ثراء موضوعاتها وتعدد مواهبها. إذ تعاني الفرقة القومية للمسرح من ضعف الإمكانيات وتراجع المشاركة في العروض المركزية.

    الثأر والصراع الطبقي

    يقول جاسر المصري، مخرج وممثل مسرحي، إنه عمل لسنوات في مجالات الإعداد والتمثيل والإخراج، ما أكسبه خبرة جعلته من أبرز مخرجي الصعيد. وأوضح أن المسرح بالنسبة له وسيلة تجمع بين المتعة والفكر، وتعبر عن قضايا المجتمع. خاصة في الصعيد، الذي يتميز بهوية خاصة، وهو ما دفعه لتقدين تجارب متنوعة برؤى مختلفة.

    وأضاف أن الفرقة القومية للمسرح بالأقصر تعد من الفرق المهمة التابعة لهيئة قصور الثقافة. وتُقدم عروضا تجمع بين الكلاسيكي والمعاصر، مع التركيز على إبراز الطابع الصعيدي والتراث المحلي. سواء على مسارح المحافظة أو من خلال المشاركة في مهرجانات داخل وخارج الإقليم.

    وأشار إلى أن الموضوعات المطروحة تعكس قضايا المجتمع الصعيدي. مثل الثأر والعدالة والصراع الطبقي، مع توظيف التراث الشعبي بشكل معاصر يخاطب الجمهور الحالي.

    من عروض الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري

    انخفاض الدعم المالي

    يؤكد المصري أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف الدعم المالي والإمكانات. ما يؤثر على جودة الإنتاج من ديكور وملابس وتقنيات، مشددا على ضرورة زيادة الدعم، وتطوير البنية التحتية، وتكثيف التدريب، وإتاحة فرص الاحتكاك الدولي.

    وأضاف أن ضعف التسويق وصعوبة الوصول إلى الجمهور من أبرز الأزمات. رغم دعم هيئة قصور الثقافة لاستمرار الحركة المسرحية، إلا أن هذا الدعم يظل محدودا مقارنة بحجم الطموحات. ما يتطلب مرونة أكبر في الإنتاج وزيادة الميزانيات والاهتمام بالتدريب والترويج.

    وبمناسبة اليوم العالمي للمسرح، وجه المصري رسالة للجمهور قائلا: “المسرح مش رفاهية، المسرح ضرورة. هو المكان الوحيد اللي بنشوف فيه نفسنا بصدق، بكل تناقضاتنا وأحلامنا. وجودكم في القاعة مش مجرد حضور، ده دعم حقيقي للفن والفكرة وللإنسان. ادعموا المسرح لأنه يحكي عنكم وليكم، وهناك دايمًا مساحة حرة للتعبير”.

    كما طالب مسؤولي هيئة قصور الثقافة بزيادة الدعم المادي. وتوفير تدريبات مستمرة، ومساحات عرض تليق بالفنان والجمهور.

    أحد عروض الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    أحد عروض الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    المسرح.. أفضل طريقة للوصول للناس

    ريموندا عماد، رغم دراستها للقانون، إلا أن شغفها بالمسرح دفعها للاستمرار في تقديم العروض الفنية في الأقصر. حيث بدأت من مسرح المدرسة والكنيسة منذ الصغر، وتوضح، صاحبة الـ22عامًا، أنها شاركت في تقديم العديد من المسرحيات داخل قصور الثقافة والفرق الحرة. منها فرقة “نواة” منذ انضمامها لقصر الثقافة عام 2020. وقدمت 7 مسرحيات تناولت قضايا مثل ختان الإناث والهجرة غير الشرعية وزواج القاصرات.

    وتضيف أن أبرز أعمالها جسد معاناة فتاة تزوجت عرفيًا، وعانت لإثبات زواجها ونسب طفلها بعد هروب الزوج. مشيرة إلى مشاركتها في عروض بمحافظات وجه بحري مثل القاهرة والإسكندرية.

    وترى أن المسرح من أكثر الوسائل تأثيرا، لأنه يعرض القضايا بكل أبعادها. ما يساعد الجمهور على إدراك عواقبها وتجنبها، داعية الأهالي إلى تشجيع أبنائهم على حضور العروض. ومطالبة بزيادة الاهتمام بمسرح الصعيد وإتاحة فرص أكبر للمواهب.

    انخفاض الجمهور بسبب السوشيال ميديا

    يقول رامز ثابت، 41 عامًا، إنه بدأ مشواره في المسرح الكنسي عام 1995. ثم انتقل إلى المسرح الثقافي عام 2014، وشارك في عروض بعدة مواقع ثقافية. منها قصور ثقافة أرمنت والطارق وحوض الرمال، قبل انضمامه للفرقة القومية بالأقصر منذ نحو 4 سنوات.

    وأضاف أن من أبرز أعماله مسرحية جسدت حكاية شاب هرب من الصعيد بسبب الثأر. ووثق رحلته من خلال فن النحت، وتميزت بمناقشتها لقضايا مجتمعية تمس واقع الصعيد.

    وأشار إلى أن جمهور المسرح لم يعد كما كان. حيث تراجع الإقبال بشكل ملحوظ في مناطق مثل القرنة وأرمنت والمدينة. إذ انخفض عدد الحضور من أكثر من 100 إلى نحو 50 مشاهدا. مرجعا ذلك إلى تغير اهتمامات الجمهور وانشغالهم بالتلفزيون والسينما والإنترنت.

    الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    “مش متشافين”.. والدعم المالي منخفض

    يوضح ثابت أن أبرز التحديات التي تواجه فناني المسرح في الأقاليم تتمثل في ضعف الدعم المادي. مؤكدا أن الممثل المسرحي لا يسعى للربح بقدر ما يبحث عن تقديم فن حقيقي، إلا أن الأجور تظل رمزية ولم تشهد زيادة تذكر. حيث لا تتجاوز أعلى فئة نحو 700 جنيه، ويتم توزيعها وفقا للأقدمية.

    وأضاف أن هناك تفضيلا لبعض المحافظات على حساب الصعيد في العروض والمسابقات. رغم امتلاك فرق الصعيد لكفاءات متميزة، قائلا: “إحنا مش متشافين.. وجايزتنا الحقيقية هي تصفيق الجمهور وليس المراكز”.

    وناشد الأهالي في اليوم العالمي للمسرح بضرورة دعم هذا الفن وتشجيع أبنائهم على حضور العروض الهادفة بدلا من الانشغال بالسوشيال ميديا. كما طالب مسؤولي الثقافة بالأقصر بالاهتمام بمسرح الطفل وتنمية المواهب وتوفير مساحات عرض مناسبة.

    اقرأ أيضا:

    «فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد

    صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية

    «الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه

  • الرحلة الخالدة لـ«كارمن»: اقتباسات الباليه والمسرح الموسيقي والأوبرا المعاصرة (3-4)

    الرحلة الخالدة لـ«كارمن»: اقتباسات الباليه والمسرح الموسيقي والأوبرا المعاصرة (3-4)

    بعيدًا عن خشبة المسرح الأوبرالي، قديمًا، حيث حققت كارمن شهرتها الأولى، ألهمت قصتها عددًا لا يحصى من المعالجات الفنية في عروض وأنواع أدائية أخرى، أبرزها الباليه والمسرح الموسيقي. تقوم هذه المعالجات، التي حولت وسيلة التفاعل الأساسية من النص المغنى إلى أشكال أخرى، على تصميم الرقصات، والأساليب الموسيقية المختلفة، والتقاليد المسرحية المتميزة لإعادة تفسير السرد وشخصياته.

    يكشف النظر إلى هذه الأعمال من خلال “نظرية الاقتباس” (Theory of Adaptation) مع الأخذ في الاعتبار مفهوم “إعادة الترميز عبر الوسائط” والطبيعة “التراكمية” (palimpsestuous) لتلقي الجمهور (حيث تؤثر ذكريات الأوبرا أو النسخ الأخرى على التجربة)، يكشف عن الطرق المتنوعة التي جسد بها صنّاع العروض عاطفة كارمن وحسيتها ومصيرها على خشبة المسرح.

    إن “كارمن”، بتعدد معالجاتها، لا تمثل مجرد قصة خالدة، بل هي حالة دراسية مثالية تبرهن على حيوية نظرية الاقتباس نفسها، فكثرة وتنوع هذه المعالجات تجعل من “كارمن” حقلًا خصبًا لاختبار مفاهيم مثل إعادة الترميز والتلقي التراكمي، حيث لا يُنظر إلى الاقتباس بوصفه عملية ثانوية أو تابعة، بل بوصفه عملية إبداعية قائمة بذاتها. وبالتالي، فإننا هنا لسنا بصدد مجرد سرد تاريخي لمعالجات “كارمن”، بل بصدد لفت النظر إلى أهمية نظرية الاقتباس بوصفها أداة نقدية أساسية في الدراسات الثقافية المعاصرة.

    تجليات الباليه: رقص العاطفة والمصير

    لقد تصدى العديد من مصممي الرقصات المشهورين والمؤثرين لقصة “كارمن”، ونقلوا تكثيفها الدرامي إلى لغة الرقص، معتمدين على الإمكانات التعبيرية للجسد لنقل المشاعر والعلاقات المعقدة.

    باليه “كارمن” لرولان بيتي Roland Petit Carmen (1949): الحسية الثورية والعرض المسرحي:

    يُعد باليه “كارمن” لرولان بيتي (Roland Petit)، الذي أُنتج عام 1949 لفرقته “باليه باريس” (Les Ballets de Paris)، إنتاجًا فارقًا أثر بشكل كبير على باليه القرن العشرين. وُلد هذا العمل من رحم حركة حداثية متمردة، حيث أسس بيتي (1924-2011) فرقته الخاصة عام 1948 بعد أن ترك باليه أوبرا باريس، ساعيًا وراء أفق فني أكثر جرأة وابتكارًا. وقد سمح له هذا التركيز للسلطة الإبداعية في شخصه – بوصفه مصممًا للرقصات، وراقص رئيسي، ومؤسس فرقة – بتقديم عمل متكامل الرؤية يجمع بين الرقص والأداء والتصميم البصري بطريقة متماسكة ومؤثرة، مما يفسر نجاحه الباهر وتأثيره الدائم.

    قام بيتي نفسه بدور دون خوسيه، بينما قدمت زيزي جانمير (Zizi Jeanmaire) أداءً أيقونيًا في دور كارمن صنع مسيرتها الفنية. استمد السيناريو إلهامه من رواية ميريميه أكثر من أوبرا بيزيه، على الرغم من أنه استخدم موسيقى بيزيه بتوزيع موسيقي جديد أعده تومي ديسير (Tommy Desserre). كان تصميم الرقصات ثوريًا في عصره، حيث مزج بين تقنية الباليه الكلاسيكية والتعبيرات الراقصة الإسبانية، والإيماء، وحسية حديثة جريئة.

    يتألف الباليه من خمسة مشاهد، وتميز بتصميمات للفنان الكتالوني البارز أنتوني كلافيه (Antoni Clavé)، الذي أضفى رؤيته البصرية المتميزة على العمل. اشتهر العرض بظهور جانمير بقصة شعر “البيكسي” وأزياء غير تقليدية، مما شكل قطيعة واضحة مع الجماليات الكلاسيكية السائدة. نال عرض “بيتي” الأول في لندن إشادات بأنه نجاح “منقطع النظير ورائع”، وحظي بإشادة واسعة للغته الراقصة التعبيرية والمشحونة بالشهوانية والتكثيف الدرامي. حاز باليه “كارمن” لبيتي على شعبية هائلة، حيث قُدم آلاف المرات على مستوى العالم، ولا يزال حجر زاوية في ريبرتوار الباليه، مؤسسا لتفسير كوريجرافي قوي يركز على العاطفة البدائية والمشهدية المسرحية المبهرة.

    متتالية “كارمن” لألبيرتو ألونسو (1967): Alberto Alonso’s Carmen Suite التحدي السوفيتي-الكوبي والمصير:

    قدمت “متتالية كارمن” (Carmen Suite)، التي صممها الكوبي ألبيرتو ألونسو (Alberto Alonso) عام 1967، منظورًا سوفيتيًا-كوبيًا مميزًا. لم يكن هذا العمل مجرد حدث فني، بل كان حدثًا جيوسياسيًا، حيث جمع بين مصمم رقصات من دولة حليفة للسوفييت وأبرز نجمات الباليه السوفيتي. كُلف ألونسو بتصميم هذا الباليه المكون من فصل واحد خصيصًا لراقصة الباليه الأسطورية في فرقة البولشوي (Bolshoi Ballet)، مايا بليستسكايا (Maya Plisetskaya)، التي كانت تحمل لقب “بريما باليرينا أسولوتا” Prima ballerina assoluta وتعتبر رمزًا ثقافيًا للاتحاد السوفيتي.

    عُرض الباليه على أنغام توزيع موسيقي حداثي وغني بالآلات الإيقاعية لموسيقى بيزيه، أعده زوج بليستسكايا، الملحن روديون شيدرين (Rodion Shchedrin) ركز العمل بشكل مكثف على المثلث العاطفي المركزي وعلى قوة القدر التي لا مفر منها، والتي غالبًا ما كانت تُجسد بوصفها شخصية على المسرح. دمج تصميم الرقصات الذي ابتكره ألونسو بين صرامة الباليه الكلاسيكي والطاقة النارية لأشكال الرقص الإسبانية والأمريكية اللاتينية، مما عكس أصوله الكوبية وخلق عملًا ذا أسلوب رفيع وشحنة عاطفية متفجرة.

    ***
    متتالية "كارمن" لألبيرتو ألونسو (1967)
    متتالية “كارمن” لألبيرتو ألونسو (1967)

    تميز ديكور العرض بالبساطة وقد صممه بوريس ميسيرير (Boris Messerer)، واحتوى حلبة مصارعة ثيران رمزية. أكد الباليه على استقلالية كارمن وشراستها وحسيتها وتحديها للسيطرة الأبوية. أثارت شهوانية الباليه الصريحة وموسيقاه الحداثية جدلاً كبيرًا في الاتحاد السوفيتي، مما أدى إلى حظر مبدئي من قبل السلطات التي اعتبرته “لا يحترم بيزيه” و”مشبوهًا أخلاقيًا”.

    أبرز هذا الصدام الثقافي-السياسي التوتر بين التعبير الفني والرقابة الحكومية. وعلى الرغم من ذلك، ناضلت بليستسكايا من أجل هذا الباليه، الذي أصبح علامة مميزة في مسيرتها وحقق شهرة عالمية. إن إصرارها على أدائه يمثل انتصارًا للفردية الفنية على الأيديولوجية الجماعية للدولة، مما جعل منها راقصة عظيمة، و”مناضلة فنية” في زمن الحرب الباردة. يحتفى المهتمون بـ”متتالية كارمن” نظرًا لموسيقاها المبتكرة، وتصميمها الحركي الديناميكي، وتصويرها القوي لكارمن بوصفها رمزًا للحرية والمصير المأساوي.

    “كارمن” لماتس إيك Mats Ek’s Carmen (1992): التحليل النفسي وتفكيك الأدوار الجندرية:

    ابتكر مصمم الرقصات السويدي ماتس إيك (Mats Ek)، المعروف بإعادة تفسيراته النفسية الثاقبة للباليهات الكلاسيكية، نسخته من “كارمن” عام 1992 لفرقة باليه كولبيرج (Cullberg Ballet). على عكس بيتي الذي ركز على الدراما الحسية، وألونسو الذي ركز على القدر والمصير الرمزي، يقوم إيك بتجريد “كارمن” من طابعها الأسطوري المهيمن ويضعها في سياق دنيوي، “مبتذل” أحيانًا. هذا التحول من العام إلى الخاص، ومن الرمز إلى النفس، هو السمة المميزة لنهجه ما بعد الحداثي، حيث لا يعيد سرد القصة، بل يحلل الدوافع النفسية لشخصياتها.

    باستخدام موسيقى بيزيه/شيدرين، يتعمق إيك في الحياة الداخلية للشخصيات ويقلب الأدوار الجندرية التقليدية، مستلهمًا ذلك من رواية ميريميه. تُصوَّر كارمن في نسخة إيك التي أدتها في البداية زوجته وملهمته آنا لاجونا Ana Laguna بوصفها امرأة عاملة مستقلة، بينما يُقدَّم دون خوسيه (الذي أداه مارك هوانج Marc Hwang) بوصفه رجلًا يتوق إلى الحياة المنزلية والاستقرار. ويبقى إسكاميللو هو المنافس الجذاب.

    ***
    "كارمن" لماتس إيك Mats Ek's Carmen (1992)
    “كارمن” لماتس إيك Mats Ek’s Carmen (1992)

    يستخدم إيك أسلوبه المميز في الرقص المعاصر – المرتبط بالأرض، غريب الأطوار، المنزوي، وغالبًا ما يدمج الفكاهة والإيماءات الشائعة – لاستكشاف التعقيدات النفسية للعلاقات. يعبر هذا الأسلوب الحركي عن الأفكار والمشاعر بطريقة جسدية مباشرة، وهو ما يمكن وصفه بالتعبير “الحسي-الحركي” (kinesthetic). ويركز تصميم الرقصات على التعبير عن الاضطراب الداخلي والتشكيك في الأعراف الاجتماعية.

    يُنظر إلى تفسير إيك، مثله مثل أعماله الأخرى التي أعاد فيها صياغة كلاسيكيات مثل “جيزيل” و”بحيرة البجع”، على أنه استفزازي وذو بصيرة في آن واحد، حيث يقدم قراءة ذات نزعة نسوية وتحليلية نفسية للأسطورة تتناغم مع الحساسيات المعاصرة. وعلى الرغم من اتهامه أحيانًا بعدم احترام المادة المصدر، إلا أن نسخة “كارمن” التي قدمها تُعرض على نطاق واسع ويُعترف بها لقدرتها على جعل القصة الكلاسيكية ذات صلة من خلال نظرة حديثة وفريدة. يمثل عمل إيك “أنسنة” لأسطورة كارمن، حيث تتحول القوى الكبرى (مثل القدر أو العاطفة الأسطورية) إلى الصراعات النفسية الداخلية والديناميكيات الاجتماعية المعاصرة.

    المسرح الموسيقي: الأمركة وسياسات العرق
    مسرحية “كارمن جونز” الموسيقية Carmen Jones (Stage Musical), :(1943): العبور الثقافي وقضايا التمثيل Representation:

     احتضن برودواي هذا العرض الذي كتب نصه وكلمات أغانيه أوسكار هامرشتاين الثاني (Oscar Hammerstein II) على موسيقى بيزيه  بتوزيع أوركسترالي لروبرت راسل بينيت( Robert Russell Bennett)، وقد سبق هذا العرض النسخة السينمائية، التي سبق وأن أشرنا إليها. ويعد هذا العرض بمثابة “عبور/ انتقال ثقافي” (Cultural Transposition) كبير، حيث نقل قصة الأوبرا إلى بيئة أمريكية من أصل أفريقي معاصرة خلال الحرب العالمية الثانية. في البداية، كان من المتصور أن تدور الأحداث في ريف الجنوب الأمريكي، على غرار أوبرا “بورجي وبيس” Porgy and Bess لجيرشوين Gershwin، لكن النسخة النهائية نقلت الأحداث إلى مصنع للمظلات ومدينة شيكاغو لتعكس واقع زمن الحرب.

    تميزت المسرحية الموسيقية بفريق كامل من الممثلين السود، وغيرت أسماء الشخصيات (كارمن جونز، جو، هاسكي ميلر، سيندي لو)، واستخدمت كلمات الأغاني اللهجة العامية الأمريكية – الأفريقية. حققت “كارمن جونز” نجاحًا تجاريًا كبيرًا، حيث استمر عرضها لأكثر من 500 ليلة عرض، ونالت إشادة نقدية لدمجها المبتكر بين الأوبرا والمسرح الموسيقي وتأثيرها الدرامي القوي.

    ***

    يكمن جوهر هذا العمل في مفارقة تاريخية. فمن ناحية، كان إنجازًا هائلاً في توفير أدوار جوهرية للممثلين السود في برودواي في وقت كانت فيه مثل هذه الفرص محدودة للغاية، مما يمثل خطوة تمكين مهمة. ومن ناحية أخرى، فإن عملية “العبور/ الانتقال الثقافي” نفسها، التي قام بها فريق إبداعي أبيض بالكامل، أسقطت “غرائبية” كارمن الأوروبية على جسد امرأة أمريكية من أصل أفريقي، مما جعلها عرضة للتماهي مع الصور النمطية العرقية والجنسية الموجودة مسبقًا في الثقافة الشعبية الأمريكية. ولهذا السبب، خضعت المسرحية للثقافة السوداء وكان استخدامها للهجة العامية أساسيًا لتحليل نقدي بشأن الصور النمطية المحتملة.

    يوضح نجاح “كارمن جونز” في برودواي قوة المسرح الموسيقي في اقتباس وتعميم الأوبرا الأوروبية للجمهور الأمريكي. وبينما وفرت هذه المعالجة منفذًا حيويًا للفنانين السود ولاقت صدى لدى الجماهير، فإن عملية الاقتباس نفسها سارت في منطقة معقدة. يسلط هذا العمل الضوء على التحديات المستمرة للتمثيلات Representation داخل المسرح التجاري، حيث يمكن لمحاولات تحقيق الصلة الثقافية والأصالة أن تتقاطع مع، بل وأحيانًا تعزز، التحيزات السائدة والهياكل السلطوية في المجتمع.

    مسرحية "كارمن جونز" الموسيقية
    مسرحية “كارمن جونز” الموسيقية
    اتجاهات الأوبرا المعاصرة: رؤى ومعالجات راديكالية

    في العقود الأخيرة، اقترب مخرجو الأوبرا بشكل متزايد من كارمن ليس بوصفها مقطوعة أثرية تاريخية متكلسة، ولكن بوصفها نصًا حيًا قابل لإعادة التفسير بشكل راديكالي، وغالبًا ما استخدموه للتعليق على القضايا المعاصرة.

    كارمن إنتاج كاليكستو بييتو Calixto Bieito’s Production (various revivals, e.g., ENO 2012, 2015, 2023; Paris Opera 2017; SF Opera 2016): إعادات مختلفة، مثل ENO 2012 الأوبرا القومية الإنجليزية، 2015، 2023؛ أوبرا باريس 2017؛ أوبرا سان فرانسيسكو 2016:

    تعد معالجة المخرج الإسباني كاليكستو بييتو أحد أكثر المعالجات المعاصرة تأثيرًا وإثارة للجدل. يضع بييتو الأحداث في إسبانيا معاصرة قاتمة، وغالبًا ما يستحضر الأيام الأخيرة لنظام فرانكو. يجرد بييتو إسبانيا والأوبرا نفسها من المفاهيم الرومانسية. تشتهر عروض بييتو بالتركيز على الجسد البدائي، وتصويرها الصريح للجنس والعنف، وتركيزها على موضوعات الذكورة السامة، والسيطرة الأبوية، والواقع القاسي الذي تواجهه الشخصيات المهمشة.

    غالبًا ما يكون الـمنظر المسرحي بسيطًا أو رمزيًا ويؤكد على كآبة البيئة وكثافة الدراما الإنسانية. يهمش بييتو كارمن إلى حد ما، ويحاول استكشاف سيكولوجية دون خوسيه أو الضغوط المجتمعية التي تشكل مصائر الشخصيات. غالبًا ما تنقسم جماهير كارمن بييتو ونقادها، حيث يجدها البعض مبتذلة بشكل مجاني أو غير مترابطة.  يجسد بييتو نهج Regietheater (مسرح المخرج)، حيث يأخذ مفهوم المخرج الأولوية في إعادة تفسير العمل الكلاسيكي.

    كارمن إنتاج كاليكستو بييتو
    كارمن إنتاج كاليكستو بييتو
    كارمن باري كوسكي Barrie Kosky’s Production (e.g., Frankfurt 2016, ROH 2018): مثل فرانكفورت 2016، ROH 2018):

    يقدم المخرج الأسترالي باري كوسكي معالجة ما بعد مسرحية / شارحة (meta-theatrical) بشكل مميز. حل السرد المنطوق محل حوار بيزيه أو رسيتاتيف جيرو في هذه المعالجة، وغالبًا ما تقدم السرد ممثلة تجسد “صوت كارمن”، مستمدة النص من ميريميه والليبريتو. يخلق هذا السرد تأثيرًا تغريبيًا، ويؤطر للأوبرا بوصفها قصة تُروى، ويبرز تاريخ أدائها وطبيعتها. يستخدم كوسكي نسخة موسيقية هجينة، تتضمن مواد من بيزيه. غالبًا ما يكون الـمنظر المسرحي مجردًا، يهيمن عليه درج كبير متعدد الاستخدامات ويؤدي وظائف متعددة.

    يستمد كوسكي جمالياته من مصادر متنوعة مثل الفودفيل، والكاباريه (مستحضرًا ألمانيا فايمار)، وربما المسرح البريختي، مؤكداً على الأداء والرقص والمسرحة على حساب الواقعية النفسية. العرض مصمم بحيث يسيطر عليه الرقص، ويتميز بالجماعية والتكوينات البصرية الأخاذة. استقبل الجمهور كارمن كوسكي بشكل جيد لابتكاره وطاقته ومنظوره الجديد، على الرغم من أن بعض النقاد يجدونه يفتقر إلى عمق الشخصية أو التواصل العاطفي بسبب تركيزه على المفاهيم.

    ***
    كارمن إنتاج باري كوسكي
    كارمن إنتاج باري كوسكي

    يوضح عمل مخرجين مثل بييتو وكوسكي أن الشكل المسرحي في الأوبرا المعاصرة هو مجال ديناميكي عريض للاقتباس والتفسير. إنهم يتفاعلون بقوة مع كارمن بوصفه نصًا ذا صلة بالاهتمامات المعاصرة، مستخدمين مفاهيم إخراجية لنقد القضايا المجتمعية (تركيز بييتو على العنف القائم على النوع الاجتماعي) أو لاستكشاف طبيعة الأداء نفسه (ما ورائية مسرحية كوسكي).

    يتوافق هذا النهج مع تأكيد نظرية الاقتباس على التفسير وأهمية السياق، مما يضمن بقاء الأوبرات الكلاسيكية مثل كارمن جزءًا من حوار ثقافي مستمر بدلاً من أن تصبح قطعًا أثرية متكلسة. تسلط هذه العروض الضوء على دور المخرج بوصفه مقتبسًا رئيسيا، يعيد تشكيل الأعمال المألوفة للتحدث إلى الجماهير المعاصرة.

    اقرأ أيضا:

    الرحلة الخالدة لكارمن: الاقتباسات السينمائية عبر العصور (2-4)

    الرحلة الخالدة لـ«كارمن»: اقتباسات عالمية وإعادة تفسيرات ثقافية (1-4)

  • الرحلة الخالدة لـ«كارمن»: اقتباسات عالمية وإعادة تفسيرات ثقافية (1-4)

    الرحلة الخالدة لـ«كارمن»: اقتباسات عالمية وإعادة تفسيرات ثقافية (1-4)

     النشأة والأصول والأوبرات المبكرة

     نشأت القصة في فرنسا في القرن التاسع عشر، أولاً في صورة رواية قصيرة لبروسبير ميريميه Prosper Mérimée، وبعد فترة وجيزة على هيئة أوبرا رائدة لجورج بيزيه Georges Bizet، وقد تجاوزت قصة المرأة الغجرية ذات الروح الحرة والجندي الذي قضى عليه شغفه بها سياقها الأوليّ، لتصبح قصة عالمية ذات أبعاد ثقافية متعددة.

    أثبتت حكاية كارمن، المشبعة بموضوعات الحب والحرية والقدر والغرائبية وديناميكيات النوع والتهميش الاجتماعي، أنها قابلة للمعالجة والرؤى المختلفة بشكل لافت، حيث أعيد تفسيرها عبر وسائط وأنواع وخلفيات ثقافية متنوعة لأكثر من مائة وخمسين عامًا. لا تزال قدرتها على الإثارة والإبهار قائمة، مما يجعلها موضوعًا صالحًا لعمليات العبور الثقافي والاقتباس.

    ***

    تدور القصة الأساسية، سواء كانت مستمدة من واقعية ميريميه القاسية أو شغف بيزيه الأوبرالي، حول موضوعات قوية ومتضاربة في كثير من الأحيان. القوة الساحقة للحب، التي تتجلى غالبًا في شكل هوس مدمر وغيرة، تدفع المأساة نحو حتميتها. تجسد كارمن نفسها مفهومًا راديكاليًا للحرية، غالبًا ما يكون مقلقًا، لا سيما استقلال المرأة الذي يتعارض مع التوقعات المجتمعية ورغبة الذكور في السيطرة والتملك.

    يتكشف هذا الصراع تحت ظلال القدر أو الحتمية، وهو شعور بالقدر المحدد مسبقًا تشير إليه المقدمات المطروحة وقدرية كارمن نفسها، مما يتحدى مفاهيم الإرادة الحرة. يرتبط السرد ارتباطًا وثيقًا بالغرائبية – الجاذبية والسحر والعنصرية المتأصلة الموجهة نحو “الآخر”، والتي تتجسد تحديدًا في هوية كارمن الغجرية والإطار الإسباني، الذي يعكس غالبًا التحيزات الثقافية لمبدعيها وجماهيرها.

    علاوة على ذلك، تشكك القصة بطبيعتها في أدوار الجنسين التقليدية وتكشف عن اختلالات القوة المتجذرة في الطبقة الاجتماعية والعرق، وتضع الشخصيات المهمشة في مواجهة السلطة القائمة.

    ***

    يهدف هذا المقال (في أربعة أجزاء) تتبع تاريخ أداء كارمن العالمي، متجاوزًا المصادر الأصلية لتحليل الاقتباسات المؤثرة والمبتكرة عبر المسرح والشاشة. من خلال فحص إنتاجات الأوبرا الرئيسية، والنسخ السينمائية التي تمتد من السينما الصامتة إلى إعادة التصورات المعاصرة، والاقتباسات المسرحية بما في ذلك الباليه والمسرح الموسيقي، يسعى هذا التحليل إلى فهم كيف تم إعادة تفسير السردية الخاصة بكارمن وما حولها من موضوعات.

    تكشف عمليات إعادة التفسير هذه، التي يُنظر إليها من خلال عدسة نظرية الاقتباس، عن المرونة المتأصلة في القصة وكذلك عن كيفية عملها بوصفها مرآة تعكس القيم الثقافية المتغيرة والأساليب الفنية والاهتمامات المجتمعية بمرور الوقت. سنتناول مفاهيم نظرية مثل الاقتباس بوصفه عملية تفسير وإبداع، والنقل والعبور الثقافي، والطبيعة التراكمية للاقتباس (palimpsestuous)، وإعادة التقييم النقدي للأمانة والوفاء للنص الأصلي، مما يوفر إطارًا لفهم رحلة كارمن الخالدة.

    غلاف طبعة قديمة لرواية "كارمن" للكاتب بروسبير ميريميه
    غلاف طبعة قديمة لرواية “كارمن” للكاتب بروسبير ميريميه
    النشأة: رواية ميريميه وأوبرا بيزيه

    نشأت كارمن، كما هي معروفة على نطاق واسع اليوم، من عملين فرنسيين متميزين، ولكنهما مترابطان من القرن التاسع عشر: رواية بروسبير ميريميه القصيرة (1845) وأوبرا جورج بيزيه (1875). يكشف فحص هذه النصوص التأسيسية عن عناصر السرد الأساسية والاهتمامات الموضوعية التي غذت الاقتباسات اللاحقة، بالإضافة إلى التحولات الكبيرة التي حدثت في انتقال القصة من النثر إلى المسرح الأوبرالي.

    كارمن بروسبير ميريميه  (1845)

    تقدم رواية بروسبير ميريميه “كارمن” سردًا صارخًا ووحشيًا في كثير من الأحيان، مؤطرًا برواية راوٍ فرنسي باحث يسافر عبر الأندلس بإسبانيا. يمزج هذا الهيكل بين الأنواع، ويدمج عناصر من أدب الرحلات وقصص المغامرات في المأساة الرومانسية المركزية. يلتقي الراوي في البداية باللص دون خوسيه نافارو، ويشكل رابطًا قصيرًا قبل أن يجده لاحقًا مسجونًا وينتظر الإعدام. يتكشف الجزء الأكبر من القصة عندما يروي دون خوسيه علاقته المميتة بالمرأة الغجرية، كارمن، للراوي. يسمح هيكل السرد المؤطر لميريميه بخلق شعور بالمسافة، وإزالة زوائد القصة الأساسية العاطفية والعنيفة من خلال عدسة مراقب مثقف ومنفصل. ومع ذلك، فإن تفاعلات الراوي الخاصة وافتتانه بكل من خوسيه وكارمن تعقد هذا الانفصال، وتسحب القارئ بمهارة إلى عالم القصة الغامض أخلاقيًا.

    أدت الإضافة اللاحقة لفصل رابع، وهو خطاب شبه علمي حول ثقافة الغجر ولغتهم وسماتهم الجسدية، إلى زيادة تعقيد نبرة الرواية، مما عزز اهتمام الراوي (وربما ميريميه) الإثنوغرافي بينما قام في نفس الوقت بتدوين التحيزات العرقية في ذلك العصر.

    يخلق هيكل الرواية، مع دور الراوي المتغير من مراقب منفصل إلى مشارك متورط والإدراج الصادم للفصل الإثنوغرافي الأخير، غموضًا معقدًا. إنه يعكس توترًا بين الافتتان الرومانسي بـ”الآخر” الغريب ونظرة أكثر موضوعية ومتحيزة، مما يضع سابقة للطرق المعقدة التي ستتعامل بها الاقتباسات اللاحقة مع غرائبية القصة الأصلية وتمثيلاتها الإشكالية.

    ***

    تتميز توصيفات ميريميه بالصراحة والجرأة. تُصوَّر كارمن على أنها نموذج أصلي للمرأة الفاتنة (femme fatale)، امرأة غجرية جميلة ومستقلة بشدة وماكرة مرتبطة بالتهريب والإغواء والمعرفة الغامضة. تستخدم مهاراتها اللغوية (تتحدث الباسكية والرومانية والإسبانية) وجاذبيتها للتنقل والسيطرة على المواقف، وتقنع دون خوسيه أولاً بتركها تهرب من الاعتقال ثم تجذبه لاحقًا إلى حياة الجريمة. حريتها أمر بالغ الأهمية؛ تختار الموت في النهاية على الخضوع لمطالب خوسيه التملكية.

    دون خوسيه، على العكس من ذلك، هو نبيل باسكي تحول إلى جندي، ثم هارب وقاتل، مدفوعًا بشغف ساحق وغيرة مهلكة. قصته تمثل سقوطا، انحدار من الشرف إلى الإجرام والعنف، مؤطر إلى حد كبير كنتيجة لتورطه مع كارمن. تلوم كلماته الأخيرة ثقافة الغجر على طبيعة كارمن، مما يعكس التحيز العنصري المنتشر في الرواية.

    تهيمن القوة المدمرة للعاطفة على المشهد العام للرواية، ويليها جاذبية وخطر الغرائبية، واختلالات القوة الصارخة. يتعامل ميريميه صراحة مع الافتتان الأوروبي المنتشر في القرن التاسع عشر بإسبانيا وثقافة الغجر، ولكنه يقوم بذلك من خلال عدسة غائمة بفضل الصور النمطية العنصرية وعدم الدقة. وتمثل هوية كارمن الغجرية مركزية في تصور الآخر، وهي مرتبطة بالسمات المفترضة للمكر والفسوق والحرية الجامحة. يصور السرد أيضًا العنف المنزلي ويبلغ ذروته بقتل خوسيه لكارمن، مقدمًا ضمن إطار يوحي، من خلال النقش اليوناني الافتتاحي “كل امرأة مرة كالعلقم. لكن لها لحظتان حسنتان: واحدة في الفراش، والأخرى في التابوت”، بمنظور كاره للنساء بشدة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التأطير وتحيزات المؤلف الواضحة، سمح استقلال كارمن الشرس ورفضها للامتلاك بتفسيرات لاحقة بوصفها أيقونة نسوية أولية.

    أوبرا “كارمن” لجورج بيزيه (1875)

    قامت أوبرا جورج بيزيه، مع ليبريتول Libretto لهنري ميلاك Henri Meilhac ولودوفيك هاليفي Ludovic Halévy، باقتباس رواية ميريميه القصيرة للمسرح الموسيقي، محولة السرد وتركيزه.

    وبينما اعتمدت الأوبرا بشكل كبير على العلاقة الأساسية ونقاط الحبكة من الجزء الثالث من الرواية، فقد بسطت القصة، وأبرزها حذف راوي ميريميه المؤطر. وضع هذا التحول كارمن نفسها بقوة في مركز الدراما. شملت التغييرات الرئيسية خلق شخصية ميكايلا، حبيبة دون خوسيه القروية الفاضلة، التي تعمل بوصفها الرقيب الدرامي والرمزي لكارمن، وتمثل البراءة والواجب والحياة المستقرة التd تخلى عنها خوسيه. تم ترقية البيكادور لوكاس إلى مصارع الثيران الساحر إسكاميلو، مما يضمن منافسًا أكثر جاذبية لعواطف كارمن.

    خفف صناع العمل شخصية دون خوسيه في البداية، حيث صوروه بوصفه جنديًا ساذجا دمرته العاطفة بشكل مأساوي بدلاً من المجرم العتيد في الأجزاء اللاحقة من الرواية. هذه التغييرات، مع تبسيط السرد للمسرح الأوبرالي، حولت أيضًا التركيز الموضوعي، مؤكدة على المثلث الرومانسي والصدام بين رغبة كارمن في الحرية وتملك خوسيه.

    ***

    كانت موسيقى بيزيه ثورية، حيث سدت الفجوة بين تقليد الأوبرا كوميك (opéra comique) الفرنسي الأخف من واقعية الفيريسمو (verismo) الإيطالية الناشئة. لقد أدمج ببراعة التعابير الموسيقية الإسبانية والغجرية – وأشهرها في “هابانيرا” كارمن (“الحب طائر متمرد”) و”سيجيديلا”، والرقصات في الفصل الثاني – مما خلق جوًا حيويًا وغريبًا أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بهوية الأوبرا. استخدم بيزيه اللايت موتيف (leitmotifs)، مثل “لايت موتيف القدر” الشهير، للتأكيد على المسار الدرامي للأوبرا نحو المأساة.

    عُرضت الأوبرا في الأصل بحوار منطوق، وهو سمة من سمات الأوبرا كوميك، ولكن بعد وفاة بيزيه، قام صديقه إرنست جيرو Ernest Guiraud بتأليف رسيتاتيف recitatives (حوار مغنى) ليحل محل النص المنطوق للعروض خارج فرنسا، لا سيما في فيينا، مما خلق شكلاً للأوبرا أصبح قياسيًا لسنوات عديدة. غيّر هذا التعديل وتيرة العمل وشخصيته، ولا يزال الجدل حول استخدام الحوار مقابلا لرسيتاتيف مستمرًا في الإنتاجات الحديثة.

    ***

    كان العرض الأول لأوبرا كارمن في الأوبرا كوميك في باريس في 3 مارس 1875 مثيرًا للجدل إلى حد كبير. صُدم الجمهور والنقاد الباريسيون، الذين اعتادوا على الأعمال الأخف التي تُقدم عادةً في الأوبرا كوميك، بما اعتبروه ابتذالًا في كارمن، وتصويرها الواقعي لحياة الطبقة العاملة، والتهريب، والخروج على القانون، وخاصة القتل العنيف للبطلة على المسرح. كارمن نفسها، التي صورتها سيليستين جالي-ماري Célestine Galli-Marié على أنها مغوية متحدية وغير أخلاقية (“تجسيد الرذيلة ذاته”، وفقًا لأحد النقاد)، تجاوزت توقعات بطلات الأوبرا.

    انتقد النقاد المحافظون الموسيقى ووصفوها بأنها “مملة وغامضة” أو معقدة للغاية (“فاجنرية”) (“Wagnerian”)، ووجدوا أنها تفتقر إلى سحر مؤلفي الأوبرا كوميك التقليديين. بينما أشاد عدد قليل من النقاد، مثل تيودور دي بانفيل Théodore de Banville، بواقعيتها. فشلت الأوبرا في البداية في كسب حماس جماهيري واسع النطاق في باريس، وغالبًا ما كانت تُعرض أمام قاعات نصف فارغة. فجأة، وبشكل مأساوي، توفي بيزيه بعد ثلاثة أشهر فقط من العرض الأول، معتقدًا أن تحفته كانت فاشلة.

    ***

    ومع ذلك، فإن الصدمة والفشل الأوليّ في باريس مهدا الطريق بشكل متناقض لنجاح كارمن العالمي في نهاية المطاف. أثبتت العناصر ذاتها التي صدمت المؤسسة الباريسية – واقعيتها الأصيلة، بطلتها المتحدية، موسيقاها العاطفية، حجم مأساويتها – أنها جذابة للغاية للجماهير عالميا. وسرعان ما توالت العروض بعد عرض فيينا ووفاة بيزيه (باستخدام رسيتاتيف جيرو)، وذلك في بروكسل، ولندن، ونيويورك وحققت نجاحًا كبيرًا.

    من المحتمل أن الجدل الدائر حول عرضها الأول قد أثار الفضول، بينما ترددت أصداء موضوعات الأوبرا وابتكاراتها الموسيقية مع حركة الفيريسمو المزدهرة في إيطاليا والاتجاهات الفنية الأوروبية الأوسع. عزز النجاح الدولي مكانة كارمن وأظهر كيف يمكن للأعمال الفنية التي تتحدى الأعراف ضمن سياقها الأصلي أن تجد القبول وتعيد تشكيل القانون الفني في نهاية المطاف في أماكن أخرى. أصبح السقوط الأول جزءًا لا يتجزأ من حكاية كارمن، مما ساهم في غموضها وقوتها الدائمة.

    ترسيخ الأيقونة: تفسيرات الأوبرا المبكرة (أواخر القرن التاسع عشر/ أوائل القرن العشرين)

    بعد عرضها الأول المثير للجدل في باريس ووفاة بيزيه المفاجئة، غزت كارمن بسرعة مسارح الأوبرا في العالم، ورسخت نفسها كحجر زاوية في التاريخ الأوبرالي بحلول أواخر القرن التاسع عشر. تشكلت رحلتها من سقوط باريسي فاضح إلى ظاهرة عالمية من خلال عروضها الدولية المبكرة، وبفضل تفسيرات المغنيات النجمات اللواتي جسدن بطلتها الرئيسية.

    بدأ الانتشار الدولي للأوبرا على الفور تقريبًا بعد وفاة بيزيه. شهدت فيينا إنتاجًا ناجحًا في أكتوبر 1875، باستخدام رسيتاتيف إرنست جير وبدلاً من الحوار المنطوق الأصلي، وهي صيغة ستصبح شائعة خارج فرنسا. تتابعت النجاحات في بروكسل (1876)، ولندن (1878)، وسانت بطرسبرج، ونيويورك (1879)، ونابولي، ومدن ألمانية مختلفة. غالبًا ما تضمنت هذه العروض المبكرة ترجمات (في البداية غالبًا إلى الإيطالية) واقتباسات مثل رسيتاتيف جيرو أو عن طريق إضافة تسلسلات باليه (كما في فيينا) لتناسب الأذواق والأعراف المحلية، مما يدل على قابلية العمل للتواؤم منذ البداية.

    اقتياد البطلة الغجرية، كارمن، من قبل الجنود بعد شجار في مصنع السجائر
    اقتياد البطلة الغجرية، كارمن، من قبل الجنود بعد شجار في مصنع السجائر
    ***

    سرعان ما أصبح القيام بدور كارمن وسيلة تعريفية للمغنيات الطموحات، لم تكن هؤلاء المغنيات مجرد مترجمات صوتيات؛ بل شكّل حضورهن الجسدي وخياراتهن التمثيلية وشخصياتهن العامة، إدراكهن وفهمهن لكارمن، الشخصية والأوبرا. يتوافق هذا مع نظريات الاقتباس التي تعترف بالمؤدين بوصفهم عوامل تفسيرية وإبداعية حاسمة. وفي هذا الصدد تبرز حالتان مبكرتان لتأثيرهما القوي:

    ميني هوك Minnie Hauk (1851-1929)

    لعبت السوبرانو الأمريكية ميني هوك دورًا محوريًا في ترسيخ كارمن في العالم الناطق باللغة الإنجليزية. كان ظهورها الأول في الدور في مسرح صاحبة الجلالة Her Majesty’s Theatre، بلندن عام 1878 بمثابة ضجة كبيرة. أشاد النقاد بأدائها باعتباره “رائعًا” وانحرافًا عن بطلات الأوبرا التقليديات، مشيدين بـ”جرأتها واندفاعها وحريتها”. كان يُنظر إلى تفسيرها على أنه يجسد “شهوانية كارمن القاسية، وتقلبها، وقسوتها، وتحديها القدري”، حتى لو لم يُعتبر صوتها نفسه استثنائيًا في العذوبة.

    أكد تصوير هوك على فردية كارمن وتحدى توقعات العصر الفيكتوري للشخصيات النسائية على المسرح. عزز نجاحها في لندن ولاحقًا في نيويورك (حيث اعتبر تفسيرها متفوقًا على تفسير زيليا تريبيلي Zelia Trebelli في العرض الأول في المتروبوليتان عام 1884) مكانة كارمن في التاريخ الأوبرالي وسلط الضوء على أهمية التفسير الدرامي إلى جانب البراعة الصوتية. كانت كارمن كما قدمتها هوك عاملاً رئيسيًا في تحويل الأوبرا من جدل فرنسي إلى نجاح دولي.

    إيما كالفيهEmma Calvé (1858-1942)

    ربما أصبحت السوبرانو الفرنسية إيما كالفيه أشهر كارمن في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، واشتهرت بالواقعية الدرامية والتكثيف الذي جلبته للدور. وتأثرًا بأسلوب التمثيل الطبيعي لإليونورا دوز Eleonora Duse، بحثت كالفيه بدقة في كيفية تصويرها للشخصية، ودرست نساء الغجر في إسبانيا وعدلت زيها لمزيد من الأصالة. لفتت عروضها الأنظار نظرًا لواقعيتها العاطفية الخالصة.

    وقد أثارت إعجاب النقاد في البداية مثل جورج برنارد شو، على الرغم من أنه شعر لاحقًا بأنها ضحت بالموسيقى من أجل التأثير الدرامي، وأصبحت “غير قادرة على أن تولي أدنى اهتمام للنوتة الموسيقية”. عزز تفسير كالفيه صورة كارمن بوصفها شخصية معقدة وجسدية بشكل قوي، تتطلب قدرات تمثيلية قوية وتسير بالدور أكثر نحو أسلوب الفيريسمو. وقد أظهر نجاحها كيف يمكن لخيارات المؤدي التفسيرية والتزامه بالواقعية أن يشكلا بعمق فهم الجمهور للعمل الكلاسيكي.

    يؤكد تأثير هؤلاء المغنيات الأوائل على أن تاريخ أداء كارمن لا ينفصل عن تاريخ مؤدييها. وقد أصبحت صورهن “نصوصًا” مؤثرة في حد ذاتها، وساهمت في إضافة طبقات إلى أسطورة كارمن وأظهرت الاقتباس بوصفه عملية مستمرة تتحقق من خلال الأداء.

    ***

    استمرت وجهات النظر النقدية حول الأوبرا في التطور جنبًا إلى جنب مع تاريخ أدائها. تلاشت الصدمة الأولية والإدانة الأخلاقية تدريجيًا ليحل محلها الاعتراف الواسع بعبقريتها الموسيقية وقوتها الدرامية، وأشاد بها شخصيات مثل تشايكوفسكي ونيتشه. ومع ذلك، استمرت النقاشات حول تمثيل الأوبرا لإسبانيا وثقافة الغجر وأدوار الجنسين.

    اعترض النقاد الإسبان أحيانًا على عدم الدقة المتصورة في تصوير العادات المحلية، بينما تضمنت المناقشات في سياقات متعددة الثقافات مثل براغ، تفسيرات قومية، تنظر إلى الأوبرا من خلال عدسات ثقافية تشيكية أو ألمانية. قدمت هذه التركيبة الأوبرالية المزيج من الغرائبية والواقعية والمأساة أرضًا خصبة لقراءات نقدية متنوعة، مما ضمن استمرار أهميتها وإمكاناتها التفسيرية.

    اقرأ أيضا:

    المدينة بين الواقع والسينما

    «الأحد عشر».. رواية تستدعي الأسطورة في الحاضر

    «الأصولية» وما حدث في العمران

  • «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

    «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

    «عاشق وصوتي في الفضا حايم.. طال الطريق وأنا غريق هايم» كانت هذه أولى الكلمات التي بدأ بها العرض المسرحي «الطريق» على مسرح المركز الثقافي بطنطا، معبرة عن جوهره باختصار، وعن أصل العلاقة بين المحبين في بعض الأحيان.

    جلست في «بنوار 7»، ومن أمامي مسرح المركز الثقافي، أركز في الإضاءة التي أدهشتني، وتُتلى على مسامعي ترانيم أشعار مسعود شومان، وتتأهب عيناي لظهور عناصر أكثر في العرض، حتى يزول الغموض واللبس.

    العرض المسرحي «الطريق»

    كانت المشاهد الأولى معبرة عن الحالة التي ينخرط فيها كل مجتمع لا يتفق على حاكمه، من محاولات السيطرة على الحكم، والوشاية بأعوان الحاكم، وترقب أخطائهم. وفي صورة موازية، برزت الألحان الصوفية وإتباع الطريقة كعنصر أساسي من عناصر المسرحية.

    يكشف العرض عن طبيعة علاقة الولي والسلطان، متشابكًا مع التيمة الثقافية الأبرز لمدينة طنطا. وهي تميزها بمسجد الولي السيد البدوي. فقد كشف العرض عن علاقة السيد البدوي بالسلطان الظاهر بيبرس، سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية.

    السير في الطريق

    بدأ العرض بإلقاء أشعار صوفية من تأليف الشاعر مسعود شومان، مع إبراز مريدي الولي وتابعيه كملمح أساسي من ملامح “السير في الطريق”. وهم لا يحيدون عن طريقة الولي. وتلا هذا المشهد الرئيسي مشاهد اتفاق الخونة، ومحاولات الشيعة لخلخة حكم السلطان وإثارة المشكلات. وهو ما يعكس بالفعل الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر في تلك الفترة، وما بلغ السلطان لاحقا من أخبار هذه المؤامرات.

    حاول بيبرس تأكيد دعائم حكمه، ومحاسبة هؤلاء الخونة وصدهم، فاستشار أعوانه في الحكم. وتعددت الآراء بين المحارب بالسيف أو بالحكمة أو حتى بالدعاء؛ وهو ما اتجه إليه بيبرس في نهاية حياته، من خلال مناجاته السيد البدوي في المنام.

    السير في طريق الوهم

    ينتمي العرض المسرحي «الطريق» إلى التصنيف التاريخي -الاجتماعي- الصوفي، ويعبر عن الحالة التي يلتبس فيها التابع للطريقة الصوفية، ومناقشته للولي حتى يتم عليه علمه، ويمنحه المعرفة. حتى وإن لم يصل إلى أي إجابات، كما حدث تمامًا في الحوار الذي دار بين السلطان بيبرس والسيد البدوي.

    شعرت أن كل كلمة موجهة في العرض إليَّ، ليس كرسالة فقط أو نصيحة، بل كحالة شعورية انخرطت بها يوما ما مع نفسي. إذ أجابني العرض عن تساؤلات عدة دارت في خلدي: عن الحلم والواقع، وأيهما أكثر إنصافًا لي؟ عن الأفكار التي لم أزرها يومًا إلا في أحلامي. وأيضا نهاية طريق لا أدرى أكانت بدايته صحيحة أم لم تكن هناك بداية أصلًا؟ وماهية هذا الطريق. والطريقة التي تجعلني أسير فيه بهدوء، دون صدامات فكرية واسعة؟ عن العلاقات التي تتشكل حولي وتجذبني نحوها دون إرادة مني أو وعي؟

    إجابة على التساؤلات

    أجابني العرض عن كل تلك التساؤلات. وقدم لي رؤية وجودية مختلفة، لم أظن أن المسرح قادر على التعبير عنها يومًا بهذه البساطةٍ والجمال. عن كل تلك الأفكار التي تسكنني وتشككني أحيانا في وجود عالم موازٍ لما نعيشه في واقعنا.

    وفي اللحظات التي اختارت الأميرة عائشة زوجا للظاهر بيبرس من ابنة أعدائه، لأجل إمكانية التحالف. تيقنت أنه لا بد من تضافر الجهود دومًا للمصلحة العليا. لا سيما إن كانت مصلحة الوطن. مع عدم إغفال الجانب النفسي في هذه العلاقات المتشابكة، التي أبرزها الكاتب طارق عمار ببراعة في مؤلفته «الطريق».

    سيرة مستمرة في الوجدان المصري

    أكد الكاتب طارق عمار، مؤلف العرض، في حديثه لـ«باب مصر»، أن «الطريق» نص ينتمي إلى حد بعيد للمسرح التاريخي. حيث يستعرض واقعة تاريخية شهيرة، وهي الوقيعة التي حدثت بين العارف بالله «أحمد البدوي» والسلطان الظاهر بيبرس. وانتهت بتبرئة البدوي من تهمة محاولة استعادة الخلافة الفاطمية على حساب الدولة في ذلك الوقت.

    وأضاف أن النص هو نتاج جهد بحثي شاق استمر نحو عشر سنوات. وما لفت نظره إلى هذه الواقعة هو أنها حدثت بين شخصيتين متجذرتين في الوجدان الشعبي المصري، فبيبرس له سيرة شعبية تحمل اسمه. والبدوي يحتل مكانة روحية بارزة، بدليل الأعداد الغفيرة التي تحضر إلى مولده كل عام. وتأثيرهما ظاهرة جديرة بالتأمل.

    وأشار المؤلف إلى أن اللمسات الصوفية في العرض ضرورية، بحكم أن البدوي من كبار أقطاب التصوف في مصر والعالم الإسلامي. لكن الحالة الصوفية التي غلفت العرض، كانت نتيجة لاختيارات المخرج في تناول النص كعرض مسرحي. وتوظيفه للكوادر العاملة معه، كالأشعار التي صاغها بنفحة صوفية الشاعر مسعود شومان، ولحنها الموسيقار عبدلله رجال. بالإضافة إلى مجهود طاقم التمثيل.

    العرض المسرحي «الطريق»
    العرض المسرحي «الطريق»
    الطريق والطريقة

    وألمح قائلا: «العلاقة بسيطة بين ثنائية «الطريق والطريقة» في العرض. ما أرت قوله هو إن الدولة- أي دولة- لا يمكن أن تسير وتنمو وتحقق رفاهية شعبها دون عقل حاسم يستطيع مواجهة الأخطار في التوقيت وبالأسلوب المناسبين. لكن، في ذات الوقت، فإن الجانب الروحي هو غذاء الوجدان. ولكي تستقيم الأمور، يجب أن يمتزج العنصران معا لتحقيق حالة من التناغم بين العقل والروح».

    كما أوضح أن الطريق هو رحلة إنسانية داخل النفس، والنص قائم على تفكيك ما يعتري الشخصيات من حالات انفعالية متباينة تدفعها لاتخاذ قرارات حاسمة في توقيتات حاسمة. وتأثير تلك القرارات على الشخصيات الأخرى، والعكس.

    وفسر التحام الأشعار بالنص بقوله: “البنية الكلاسيكية للنص المسرحي لا تنطبق على نص «الطريق». والإحساس بأن العرض ذو طابع شعري، هو نتيجة حتمية لاستخدام البنية التعبيرية في الكتابة. سواء على مستوى البناء العام للنص المسرحي، أو على مستوى اللغة. وبالتالي، فإن اللغة كانت أكثر ميلاً لاستخدام المجاز منها للغة السرد التقليدي”.

    رحلة داخلية للنفس بوسيلة سوية

    كما عبر عن كتابته للشخصيات ومدى دلالتها على رموز لأفكار ومفاهيم. حيث إن كل شخصية تحمل رمزيتها الخاصة داخل الإطار التعبيري العام للعمل، وهو أمر محتم مع استخدام هذا المنهج في الكتابة. والرسالة التي يأمل إيصالها هي أن الإنسان هو صانع مصيره من خلال اختياراته الفردية الخالصة، وأن التناغم بين العقل والروح هو ما يمكن الإنسان من اتخاذ الخيار السليم في التوقيت المناسب.

    واختتم حديثه بالتعبير عن إيمانه العميق بالمسرح، قائلًا: «أنا مؤمن بأن المسرح قادر على فعل أي شيء. بما في ذلك طرح التساؤلات الوجودية في عصر يشوبه الكثير من انعدام اليقين والتشكك في كل شيء. بل إنه قادر على الوصول إلى إجابات شافية لمثل تلك التساؤلات».

    عرض فلسفي وتأملي

    يعرِّف المخرج المسرحي أسامة شفيق، مخرج العرض، «الطريق» بأنه عرض مسرحي فلسفي وتأملي، يتناول رحلة الإنسان في البحث عن المعنى والحقيقة. ويمزج بين الفلسفة والصوفية، ويطرح تساؤلات حول الوجود والإنسانية.

    ويوضح أن التحدي الأكبر الذي واجهه أثناء الإعداد للعرض، كان كيفية تقديم أفكار فلسفية معقدة بطريقة مبتكرة ومشوقة للجمهور. مع الحفاظ على عمق الفكرة والمعنى. ويضيف أنه تدخل بشكل كبير في إعادة بناء النص. دون المساس بالسياق الأصلي لكتابة طارق عمار، ليناسب الرؤية الإخراجية والتصميم المسرحي. بما يضمن انسجام العناصر وجعل العرض أكثر تأثيرًا وتماسًا مع الجمهور.

    كما يفسر ثنائية «الطريق والطريقة» التي وصف بها العمل، بأن الطريق يمثل الرحلة الداخلية للإنسان. بينما الطريقة تمثل الوسيلة أو النهج الذي يسلكه الإنسان في هذه الرحلة. موضحا أن العرض يطرح تساؤلات حول الطريق الصحيح والطريقة المثلى لتحقيق هدف سام من شأنه الرقي بالأمة.

    العرض المسرحي «الطريق»
    العرض المسرحي «الطريق»
    التأمل الصوفي والنقد لحالة الإنسان المعاصر

    أشار شفيق إلى أنه أراد أن يمتزج العرض بين التأمل الصوفي والنقد لحالة الإنسان المعاصر. حيث يبحث الإنسان عن المعنى في عالم سريع التغير. معللًا ذلك بأن العرض يقترب كثيرًا من مسرح الوجدان والمسرح الصوفي، كونه يخاطب الروح والعواطف، ويحفز الجمهور على التفكير العميق وإعادة تقييم مواقفهم الفكرية.

    واختتم حديثه مع «باب مصر» متمنيا أن يخرج المتلقي من العرض وهو يحمل أسئلة حول معنى الحياة والوجود. ودوره في فهم قضايا وطنه، مشيرا إلى أن مشروعه القادم سيتناول موضوعات مشابهة. وسيستكشف جوانب أخرى من التجربة الإنسانية.

    فريق العمل

    «الطريق» من تأليف: د. طارق عمار، وإخراج: أسامة شفيق، أشعار: د. مسعود شومان، موسيقى وألحان: عبد الله رجال، مخرج منفذ: حسن خليل، كريوجرافيا: أحمد جمال، سينوجرافيا: محمد محسن، تصميم إضاءة: أحمد راضي، مكياج: نسرين نصر.

    بطولة العرض

    يشارك في العرض عدد من أعضاء فرقة الغربية القومية المسرحية، منهم: سمير يوسف، محمد عبد العزيز، أحمد راضي، سمر مسعد، منار السيد، مارينا أمير، محمد جمعة، حسن عطية، أحمد الشريف، محمد السايس، محمد علاء، محمود قناوي، محمد هشام، ماجد صلاح، مصطفى فحل، ياسين أمجد، عبد الرحمن سمير، صلاح زكريا.

    وتضم هيئة الإخراج كلا من: هاني رمضان، مروة فريد، حنان عامر، ورامي الشناوي. العمل من إنتاج الإدارة العامة للمسرح برئاسة سمر الوزير، وبالتعاون مع إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي برئاسة أحمد درويش، وفرع ثقافة الغربية برئاسة وائل شاهين.

    اقرأ أيضا:

    «هدى سلطان».. صوت الغربية الدافئ الذي لم يغًب

  • رائحة البارود وراء الستار

    رائحة البارود وراء الستار

    عندما صمتت المدافع على خطوط النار، جرت على الساحة الاجتماعية معارك أخرى ملأت الدنيا وشغلت الناس وعركتها، وشملت حقول الثقافة بأسرها. وتمترست في ميادين الفن والأدب وكشفت عن نزعات متضاربة شهدت قتالا آخر طال كافة مواقع المجتمع. وأسفرت عن انتصار الجبهات المضادة آنذاك ضد جبهة احتشدت لمقاومة تيار الإسفاف والابتذال الذي نال من قوى طليعية حملت راية الأمل في التغيير والتحول في كافة المجالات.

    ***

    أبلغ تلك الأحداث الخطاب الذي أرسله الكاتب قاسم مسعد عليوه من الجبهة في أكتوبر 1973، حيث يورد: “أكتب الآن من مكان محاط بالقنابل الموقوتة، بعضها انفجر وبعضها لا يزال كما هو، جنديان بالخارج يقومان بتفجيرها، ولا يوجد بالمكان الذي أكتب منه نافذه واحدة سليمة أو باب سليم.. ليتكم كنتم معنا ونحن نرى تهاوي طائرة تهم كالفراشات، توهج اللهب في أجنحتها، ذيولها المتطايرة.. الانفجارات التي تملأ السماء.. أكتب عن الفزع الصهيوني.. الصور كثيرة وكثيرة ومظاهر الجهاد عظيمة والقتال شديد..”. ويرفق رسالته بقصة قصيرة “الجزء الناقص”، كما يرسل الشاعر عبدالصبور منير قصيدة “ما تيسر من سورة العبور”. تلك بعض من ومضات أضاءت السبل المعتمة، وخطوات تكمل المسيرة النابضة.

    غير أن أشباحا أخرى كانت تختبئ في الظلام، تجهزت للانقضاض على هذا الوهج وإجهاض كل نماء وازدهار ناهض. تمثل ذلك جليا في حقل الأدب والفن، تحديدا العروض المسرحية التي عرضت آنذاك. فعقب بدايات المعركة، أغلق مسرح القطاع الخاص أبوابه، وكانت تلك مأثرة لمسرح الدولة لاجتذاب الجماهير للأعمال الجادة، ولكن هذا لم يحدث.

    ***

    بعد مضي عام على ملحمة أكتوبر، قدمت المؤسسة الرسمية عروضا احتفالية اتسمت بالسطحية والهشاشة، مثل “الحرب والسلام” ليوسف السباعي و”محاكمة عم أحمد الفلاح” لرشاد رشدي. وتأتي في تلك الحقبة مسرحية “راس العش” لسعد الدين وهبة، والتي تعد من أكثر الأعمال بناءً وعمقا وطموحا في أن تقول شيئا محددا. وعلى حد سرد سعد الدين وهبة، “إن ما حدث في حرب أكتوبر قد غير الناس جميعا، فكشفوا الأقنعة عن وجوه الانتهازيين والسماسرة والوسطاء، وانقضوا على قاهريهم ومستغليهم، وانتزعوا منهم حقوقهم، وبادروا بأنفسهم إلى حل مشكلاتهم التي كانوا يتصورون من قبل أنها تتجاوز إمكانياتهم الذاتية.. فهل هذا كله صحيح؟ هل دانت ثمار النصر فقطفناها ونعمنا بها! أخطر شيء ومعركة لا زالت في أولها أن نحقق الانتصار في الوهم أو على المسرح، وأن نستنيم اللى ما حققناه فنقع في الوهم من جديد”.

    آنئذ، استجاب مسرح آخر لاحتياجات جمهور الشرائح الاجتماعية العليا، ونماذج طفيلية جديدة، وحشد هائل من المشاهدين العرب من أنصار السياحة والترف السفيه. وقطاع عريض يلهث وراء دغدغة الحواس والإيحاءات الجنسية، ولا يعبر عن جمهور المسرح الهادف والجاد. حيث بادر إلى تقديم عروض “الهنك والرنك” مثل “شاهد ما شافش حاجة” و”وياما كان نفسي” لشويكار وفؤاد المهندس، و”حب ورشوة ودلع” و”اللعب على المكشوف” إلخ.

    ***

    ومن زاوية أخرى، أفرزت حرب أكتوبر وجوها عديدة ناصعة ومضيئة في فضاء المسرح المحَّمل بقيم راقية ورفيعة. من تلك النماذج “مسرحية برج المدابغ” التي تمزج السياق التاريخي بالسياق الاجتماعي والإنساني. تناولت مسرحية “برج المدابغ” لنعمان عاشور التحولات والمتغيرات التي طرأت على المجتمع المصري إبان السبعينيات.

    فقد شهدت تلك الحقبة صعودا لطبقة طفيلية جديدة ولدت واقعا جديدا لم يشهده المجتمع من قبل، تمثل في ظاهره الانفتاح الاقتصادي الذي طرح قيما ومفاهيم لم نعتدها، وأنتجت ملامح أخرى للبناء الاجتماعي. أبرز سماته ومظاهره سيادة الثروة والنفوذ السياسي والاقتصادي، دون أن تعبأ بمصادر تلك الثروة وهذا النفوذ. وسادت تعبيرات الملكية والسلطة، واتسع السوق لكل شيء، دون أي معايير، بالجملة، دون قانون.

    لقد ناقش نعمان عاشور دوما أطروحات وهموم الطبقة الوسطى في أعماله “الناس اللي فوق” و”الناس اللي تحت” و”عيلة الدوغري”، التي أسماها النقاد “الناس اللي في الوسط”. فعالجت تلك الأعمال التطور الاجتماعي ومسيرة المجتمع المصري عبر التاريخ المعاصر، رائياً المستقبل درامياً، متناولاً “العائلة” كبنية نوعية في درامياته.

    ***

    يسرد نعمان عاشور في مذكراته “المسرح حياتي”: “وجدت لنفسي، عوضا عما كنت أسميه التحرك السياسي والفكري، الإغراق الفني في قراءة البيئة وأغوارها، ومؤداه دراسة حياة الناس وشخصياتهم، تتمة لما كنت أقرأ من قصص وروايات ومسرحيات أراها بشخوصها ماثلة في كل عطفة أو حارة أو زقاق أطرقه من عطفات وأزقة الجيزة والسيدة وعابدين والمدبح (برج المدابغ)، ثم الغورية والدرب الأحمر”.

    لذا، فهو يصور تكون طبقة جديدة طفحت في المجتمع المصري، مضادة لطموحات وأماني شرائح اجتماعية أخرى آمنت بصناعة غدٍ جديد نحو بناء وتطوير الإنسان وآماله في حياة تجسد أحلامه في الحرية والعدل والكرامة.

    ترتيبا على ذلك، فإن نزوح عائلة “ماضي أبو سلامة” من حي المذبح إلى حي الدقي في برج المدابغ، و”البوتيك” الكائن في صدارة البرج، يعبر عن أخلاقية أخرى تحمل كثيرا من الوجاهة الاجتماعية. لا ينبغي أن الصعود الاجتماعي نشأ بشكل غير طبيعي، نموه مبتسر، وأن الهبوط في مكان آخر أكثر تمدينا لا يحمل معاني التحول والتغير الجذري أو الانفصال عن بيئة التكوين الحقيقي. ولا يعني أن رائحة البارود قد تلازمت مع أريج بوتيك المدابغ.

    اقرأ أيضا:

    هكذا تحدث إلياس خوري

  • رفاييل كورماك: منتصف الليل في القاهرة.. نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة (1-3)

    رفاييل كورماك: منتصف الليل في القاهرة.. نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة (1-3)

    ننشر هنا، وعلى مدى ثلاثة أيام الفصل الأول من كتاب «منتصف الليل في القاهرة: نجمات مصر في العشرينيات الصاخبة» الذي يصدر قريبا عن دار الكتب خان. في الكتاب الذي ترجمه علاء الدين محمود يحكي مؤلفه رفاييل كورماك حكاية منسية عن المسرح والغناء والرقص تُظهر الشرق الأوسط الحديث من زاوية مختلفة – زاوية لا تهيمن عليها الحروب أو«المثقفون» أو«الرجال العظماء» أو السياسة العليا. بل ليالٍ متأخرة في الكباريهات وموسيقى صاخبة ونساء يطالبن بالتغيير.

    ***

    في المسرحية المصرية القديمة طيف الخيال، كانت الشخصيات الرئيسية تتناول العشاء بعد فترة وجيزة من إجراءات الحكومة القاسية – إذ أُغلقت بيوت الدعارة، ومحلات النبيذ، كما أُلقيت إمدادات القاهرة من الحشيش في النار. قامت إحدى الشخصيات المحبطة بتعزية الضيوف المجتمعين بـ”مرثية لإبليس” والتي يصف فيها الحياة الليلية الفاسدة في المدينة في الأيام السابقة والمشبوهين من السكارى والموسيقيين ومدخني الحشيش والمهرجين والمومسات. يقول في قصيدته في رثاء الحال: من الآن فصاعدًا، “لا وداع لا عناق لا… لا لا تبوس”؛ انقضى كل ذاك.

    ليس هذا المشهد من مصر الحديثة، بل كتبه ابن دانيال لمسرح خيال الظل في القرن الثالث عشر الميلادي، وابن دانيال طبيب عيون أصله من الموصل لكنه استقر في القاهرة. قام ابن دانيال بتأليف قصيدته في فترة حكم السلطان المملوكي بيبرس الذي اشتهر بانتصاراته العسكرية ضد الصليبيين والمغول إلا أنه أيضًا، وفقًا لمسرحية ابن دانيال، بدأ حملته الأخلاقية الخاصة به في أرض الوطن.

    طيف الخيال واحدة من ثلاث مسرحيات خيال ظل باقية لابن دانيال، وهي من بين أقدم النصوص الدرامية باللغة العربية التي وصلتنا من مصر وهي مثال نادر من العصور الوسطى لهذا النوع الفني الذي قامت فيه مجموعة كبيرة من الدمى الجلدية الأنيقة والمصنوعة بدقة بتمثيل مسرحيات ماجنة وغالبًا فاحشة فحشًا جريئًا. يبدو أن المسرحيات التي امتازت بحبكة خفيفة – لكنها مليئة بالأغاني والاسكتشات القصيرة – صُممت لإبراز ذكاء الشاعر ومهارة محرك الدمى في أثناء رسمهما لصورة حية لثقافة المدينة والترفيه بها. تتكون مسرحية الظل الأخرى لابن دانيال، عجيب غريب، من موكب من الشخصيات الذين يدخلون لفترة وجيزة لأداء تمثيليات قصيرة ثم يغادرون. ملأ ابن دانيال مصر المملوكية بمجموعة من غريبي الأطوار ولاعبي الأكروبات والوعاظ والسحرة ومروضي الحيوانات والمحتالين وصانعي الوشم ومبتلعي السيوف.

    ***

    استمر أداء مسرحيات الظل في شوارع مصر وفي الأعياد الدينية لعدة قرون بعد ذلك تشمل المخطوطات الباقية في وقت لاحق مسرحية التمساح. حيث يأكل تمساح أحد صيّادي السمك ويتنافس أحد النوبيين وشخص من شمال إفريقيا على إنقاذه من بطنه. ومسرحية المقهى حيث تتناقش شخصيتان حول المزايا النسبية للمثلية الجنسية والجنس الغيري. يكسب المؤيد للجنس الغيري الحجة لكنه يخسر الحرب لأن المؤيد السابق للمثلية الجنسية كان على علاقة في الوقت نفسه مع زوجة الآخر. وصف الباحث المستشرق الألماني (والجاسوس لاحقًا) كورت بروفر Curt Prüfer في زمن متأخر في 1911مسرحيات خيال الظل التي شاهدها:

    يقوم اللاعب بتركيب “الكشك” وهو كشك خشبي متحرك يحركه حيثما يشاء، يجلس خلف ستارة من الشاش القطني المشدودة بإحكام. وتُضاء من الخلف بمصباح زيت بدائي، وتضغط الأشكال الجلدية الشفافة على الستارة بواسطة عصيّ خشبية مثبتة على الأشكال في الخلف وتعمل على تحريك أطرافها في الوقت نفسه. وتدعم اللاعبَ فرقتهُ التي تساعده في التلاعب بالشخصيات وقراءة الأدوار المختلفة.

    في بداية القرن التاسع عشر، أي بعد حوالي ستمائة عام من عرض مسرحيات ابن دانيال لأول مرة، ظهرت العديد من تقاليد التسلية الجماهيرية المختلفة إلى جانب مسرح خيال الظل. كان هناك، على سبيل المثال، نوع آخر من عروض الدمى يسمى بالأراجوز. وهو نسخة مصرية من مسرحيات الظل التركية التي تسمى القراقوز، والتي كانت تستخدم العرائس اليدوية كاستعراض “بنتش آند جودي Punch and Judy”*. لكنها احتفظت بالشخصيات النمطية والفكاهة التهريجية والنكات القذرة المميزة لمسرح خيال الظل.

    رفاييل كورماك
    رفاييل كورماك
    ***

    بالإضافة إلى عروض الدمى، كان لاعبو الفَارْص farce المتجولون (عادة ما يطلق عليهم “المحبظين”) سمة منتظمة في حفلات الزفاف والاحتفالات الدينية والحفلات الخاصة. تمكنت اسكتشاتهم والتي غالبًا ما كانت تهتم بالحكام المعاصرين أو محنة المضطهدين من السخرية من الأقوياء والضعفاء معًا. كتب الرحالة والمستشرق إدوارد لين Edward Lane في ثلاثينات القرن التاسع عشر: “كانت (تلك العروض) تُسلي وتحظى بالإعجاب والتصفيق من خلال الدعابات المبتذلة والأفعال الشائنة بصفة خاصة”. لم تكن عروضٌ كهذه مبنية على نص دقيق وكانت تحظى بمجال كبير للارتجال وتفاعل الجمهور. في معظم الحالات، تأتي التفاصيل حول العروض من روايات الرحالة الأوروبيين (التي لا يمكن الوثوق بها دائمًا).

    وفي المقاهي، كان الرواة يرددون السير الشفاهية، تارة بمصاحبة الموسيقى وبلا موسيقى تارة أخرى. كانت أكثر السير الشعبية شهرة في أوائل القرن التاسع عشر هي السيرة الهلالية، وهي سيرة شعبية عن هجرة قبيلة بني هلال من شبه الجزيرة العربية إلى شمال إفريقيا. وسيرة عنتر، وهي حكاية عنتر ابن الأَمَة الذي أضحى شاعرًا ومحاربًا عظيمًا في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. والسيرة الظاهرية، وهي سيرة عن حياة السلطان بيبرس (الذي كان ابن دانيال قد تعرض لإصلاحاته بالسخرية قبلها بقرون).

    ثم كان هناك المغنون والراقصون. وبحسب لين والذي لا يزال مصدرًا رئيسيًا لتاريخ الترفيه في القرن التاسع عشر (وإن تعاملنا معه بشيء من الحذر). كان المصريون، مقارنةً بالبريطانيين، مولعين للغاية بالموسيقى.”قَسَّم لين الفنانين الموسيقيين ثلاثة أنواع رئيسية. النوع الأول هو “الآلاتي”، وهو عازف موسيقي ويصاحب نفسه على آلة موسيقية كالعود. نظر لين إلى هؤلاء أنهم “أناس ذوو عادات فاسدة للغاية”. لكنه أشار إلى أنهم كانوا يُطلبون بأجرٍ في معظم مناسبات الترفيه الكبيرة لتسلية الناس، ويتم تزويدهم عادةً في هذه المناسبات بالبراندي أو المشروبات الروحية الأخرى والتي يشربونها أحيانًا حتى لا يعودون قادرين على الغناء ولا الضرب على الأوتار.

    ***

    أما النوع الثاني فكانت “العالمة”، وهي مغنية تقدم عروضها بشكل شبه حصري في منازل النخبة. ذكر لين إن هؤلاء النسوة كن في الغالب ماهرات للغاية، إذ كن يكتبن أشعارهن الخاصة ويتلقين مبالغ كبيرة مقابل أدائهن. أما النوع الثالث من الفنانين الموسيقيين حسب تصنيف لين في أوائل القرن التاسع عشر فكانت “الغوازي” أو “الغازية”، وهي فتاة راقصة تقدم عروضها إما في الشوارع العامة أو في الحفلات الخاصة للناس العاديين. وكان يُنظر إلى رقصهن كرقص يفتقر إلى التهذيب وأكثر إثارة للجنس من الرقصات التي رآها في البيوت الغنية، لكنه اعترف بأن النساء وكذلك الرجال كانوا يسعدون بمشاهدة رقصهن حتى لو كان “العديد من الأشخاص من بين الطبقات العليا والأكثر تدينًا يرفضهن”.

    تمتعت القاهرة بحياة ثقافية ثرية بالنسبة لسكان المدينة في بداية القرن التاسع عشر. لكن العقود القادمة ستغير مصر – وحياتها الليلية – بما جعلها تختلف تمامًا عن عهدها السابق. في أثناء هذا الوقت، ستتطور مصر من ولاية مهملة إلى حد كبير من ولايات الإمبراطورية العثمانية إلى دولة حديثة مزدهرة ومهمة سياسيَّا. قوة اقتصادية صاعدة ما لبثت أن صارت محمية (شبه رسمية) للإمبراطورية البريطانية. ومع تشكل مصر الجديدة، ستسيطر المسارح ودور السينما والكباريهات والتياترات على القاهرة كما كان شائعًا في جميع أنحاء العالم. بحلول نهاية القرن، كانت الحياة الليلية في القاهرة تتركز في حي الأزبكية الذي سُمِّيَ على اسم أمير مملوكي قديم يُدعى أزبك كان يملك قصرًا هناك في يوم من الأيام.

    كانت المنطقة تفخر أنها تضم ما لا يقل عن ثلاثة عشر مكانًا ترفيهيًا كبيرًا وعددًا لا يحصى من البارات والمقاهي الأصغر. كانت العديد من هذه الأماكن تقدم عروضًا للمغنيات أو الراقصات في غرف مليئة بالدخان والخمور. كما كانت تضم صالات للقمار وأوكار للحشيش وغير ذلك. كان هذا في القاهرة مُناظرًا لمونمارتر أو برودوايBroadway أو سوهو Soho.

    إلى جانب أماكن الحياة الليلية، كانت هناك العديد من الفنادق التي تلبي احتياجات المسافرين الأوروبيين. وكان من أبرزها فندق شبرد بتراسه الشهير. حيث كان أفراد النخبة من جميع أنحاء العالم يتجمعون فيه في موسم الشتاء. وفقًا لمقال نشر في هاربرز بازارHarper’s Bazaar 1884، “في الأيام الخوالي، قبل أن تحول القناة مسار السفر بين الهند ومصر، كان فندق شبرد المكان الذي تلتقي فيه جداول الماء من الشرق والغرب”.

    ***

    تلك الفنادق إلى جانب البنايات الجديدة المبنية على الطراز الفرنسي والتي ظهرت فجأة في هذا الجزء من القاهرة دفعت الناس إلى تسمية الأزبكية بالحي الأوروبي. ومع ذلك، كان هناك المزيد من الأحداث التي كانت تجري في هذه المنطقة أكثر مما يشير إليه هذا الاسم. فإلى الشمال من الحدائق كانت تقع كاتدرائية مار مرقس، مقر البطريركية القبطية وأحد أهم معالم المسيحية المصرية. ومن الشرق كان يقع الموسكي، وهي منطقة تاريخية ذات عمارة عربية وشوارع ضيقة تؤدي إلى قلب المدينة الفاطمية القديمة والتي اعتبرها الأوروبيون شديدة الغرابة. كانت الأزبكية، بعيدة عن كونها مجرد نقطة جذب للسائحين، “المكان” المناسب للخروج ليلاً بالنسبة للقاهريين الباحثين عن المتعة.

    قصة الأزبكية هي قصة مصر الحديثة أيضًا. في معظم كتب التاريخ، يتميز عام 1798 أنه بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد. في ذلك العام، قاد نابليون جيوشه عبر البحر الأبيض المتوسط ​​وغزا مصر وهزم الجيوش العثمانية في معركة الأهرامات. اجتاح الإمبراطور الفرنسي .الذي عاش في فانتازيا لعب فيها دورًا مزج فيه ما بين النبي محمد والإسكندر الأكبر القاهرة برفقة آلاف الجنود. وفريق من 151 عالمًا كُلِّفوا بتحليل دقيق لتاريخ هذه “الأرض العتيقة” وثقافتها وجغرافيتها.

    استقر الجيش الفرنسي في جميع أنحاء القاهرة بما فيها الأزبكية. والتي كانت آنذاك منطقة ذات أهمية متوسطة – حيث أقاموا مسرحًا مؤقتًا للترفيه عن الجنود بعروض مسرحية. من بينها موت قيصرDeath of Caesar لفولتير وأوبرا جديدة بعنوان الطحانيْن The Two Millers كتبها اثنان من أعضاء الحملة. وقع كثير من الناس تحت إغراء اعتبار الغزو الفرنسي نقطة تحول حاسمة في تاريخ مصر. وبداية الحداثة في البلاد – لهذا السبب، يبدأ التاريخ المصري الحديث في كثيرٍ من الكتب في 1798. لكن في الواقع، ربما كان لحملة نابليون القصيرة لكن المصبوغة بصبغة رومانتيكية في الشرق الأوسط. (والتي استمرت إلى 1801) تأثير أكبر على الخيال الأوروبي أكثر من غيرها.

    ***

    جاءت أهم نتيجة للغزو الفرنسي بطريق الصدفة تمامًا. ففي 1801، وصل محمد علي، وهو قائد عسكري ألباني، من كافالا في اليونان الحالية بعدِّه الرجل الثاني في قيادة فرقة صغيرة من الجنود – كانت جزءًا صغيرًا من الجيش العثماني البريطاني المشترك الذي هزم الفرنسيين. ولكن بحلول 1805، تمكن محمد علي بمهارة استغلال الفوضى السياسية وتنصيب نفسه الوالي العثماني لمصر. وفي 1811، تولى السيطرة الكاملة على البلاد من خلال هزيمة منافسيه الأقوياء هزيمة ساحقة – وهم طبقة من العبيد المحاربين كانت تُعرف بالمماليك الذين كانوا أتباع للعثمانيين في مصر قبل الغزو الفرنسي؛ إذ دعا مئات من أقوى المماليك في حيلة وحشية تعد أسطورية الآن لحضور حفل في القلعة بالقاهرة، وبمجرد دخولهم، أغلق البوابات وأمر بقتلهم جميعًا.

    حَوَّل محمد علي مصر منذ 1810 إلى أربعينات القرن التاسع عشر إلى دولة تتمتع بالحكم الذاتي فعليًا، وأسس أسرته الحاكمة ولو اسميًا فقط تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية. دعا كذلك إلى برنامج ضخم للتحديث، وإضفاء الطابع الاحترافي على الجيش، واستقدام مستشارين أوروبيين للمساعدة في مشاريع بناء الدولة، وإنشاء مطبعة ومستشفيات ومعاهد تعليمية. كما شرع في العمل على تحويل الأزبكية إلى شيء جديد. كانت المنطقة في الأيام الأولى من حكمه عبارة عن جيب للنخبة يتكون من قصور فخمة مبنية حول بحيرة صغيرة. جُفِّفت البحيرة ثم تحولت إلى حديقة، وسرعان ما بدأت الفنادق والبارات الصغيرة المتداعية وغرف البلياردو والتياترات بالظهور حولها.

    كان محمد علي بحلول الوقت الذي توفي فيه عام 1849 قد أسس أسرة حاكمة من أبنائه وأحفاده والتي استمرت بدرجات متفاوتة من النجاح لما يقرب من 150 عامًا. بعد فترة وجيزة من حكم ابنيّ محمد علي ابراهيم وسعيد وحفيده عباس. أضحى “إسماعيل العظيم”، وهو حفيد آخر لمحمد علي، خديو مصر في 1863 (رغم أن العثمانيين لم يسمحوا له رسميًا باستخدام اللقب حتى 1867). حوّل إسماعيل الأزبكية (ووسط القاهرة بشكل عام) إلى مركز للحياة الثقافية في مصر أكثر من أي شخص غيره.

    ***

    في ستينيات القرن التاسع عشر، وبسبب الحرب الأهلية الأمريكية، كان الطلب على القطن مرتفعًا على مستوى العالم، واستفادت مصر من ذلك. أصبح المحصول الذي أدخله محمد علي مؤخرًا إلى البلاد كمنجم ذهب. وفجأة وجد إسماعيل أن لديه مبالغ طائلة لينفقها على شغفه بالبناء. أنفق إسماعيل ببذخ على الأشغال العامة وبنود الإسراف الخاصة في جميع أنحاء البلاد، من بينها قصر الجزيرة الذي يضم الآن فندق الماريوت بالزمالك.

    بدأ إسماعيل أيضًا في تصميم مركز جديد تمامًا للقاهرة. هدم عماله القصور القديمة المتداعية لبناء شوارع جديدة، ووظف جان بيير باريليه ديشان Jean-Pierre Barillet-Deschamps الرئيس السابق لحدائق باريس والذي خطط حديقة بوا دي بولون (غابة بولونيا) Bois de Boulogne* لتخطيط حدائق الأزبكية الجديدة في المكان الذي جفف فيه محمد علي البحيرة القديمة. أمر إسماعيل ببناء سلسلة من أماكن الترفيه الفخمة حول الحدائق الجديدة. وسرعان ما ظهر “مسرح فرنسي” وسيرك وميدان سباق الخيل “ومسرح بحديقة” ودار أوبرا على الطراز الإيطالي ما بين عاميّ 1869 و1872.

    أما أكثر ما كان يفخر به بين مشروعات بناؤهُ لتمثال برونزي ضخم نصبه لأبيه القائد الناجح إبراهيم باشا وهو يمتطي حصانًا كفارس للنحات الفرنسي شارل كوردييه Charles Cordier. يشير تمثال إبراهيم باشا بإصبعه إلى الأفق في إشارة للنصر، وهو ما يليق بقائد عسكري حقق انتصارات حاسمة لأبيه محمد علي في شبه الجزيرة العربية واليونان وسوريا. في أزبكية إسماعيل، وُلدت حياة الليل والترفيه المصرية الحديثة واستمرت في الازدهار. استمر المهرجون ولاعبو الإكروبات وممثلو الفَارْص ومدربو الحيوانات في تقديم عروضهم كما كانوا يفعلون منذ قرون – ظَلَّ مسرح خيال الظل موجودًا بالأزبكية حتى 1909 عندما أغلقته السلطات لأنها اعتبرته بذيئًا للغاية – لكن عوامل جذب جديدة أخذت في الظهور الآن أيضًا.

    تمثال إبراهيم باشا
    تمثال إبراهيم باشا
    ***

    سيطر المسرح والأوبرا على رؤية الخديو إسماعيل بالنسبة لمنطقة الترفيه الجديدة بالقاهرة. وهي رؤية تحذو إلى حد كبير حذو النماذج الأوروبية باللغات الأوروبية. أراد أن يعرض لبلاطه ومعظم رعاياه من النخبة أفضل الأمثلة الموجودة من تلك الأنواع الفنية بغرض تمجيد حكمه. كان هذا الهدف في متناول يده بفضل المبالغ المالية الهائلة التي كانت متاحة بالنسبة له كحاكم لمصر. في 1869، افتتح “المسرح الفرنسي” Théâtre Français بعرض لأوبراه المفضلة هيلانة الجميلة La Belle Hélène لأوفنباخ Offenbach.**

    وبعد ذلك بعامين، حقق إسماعيل أحد انتصاراته العظيمة عندما أقنع المؤلف الموسيقي الإيطالي المطلوب بشدة جوزيبي فيردي Giuseppe Verdi، وبمساعدة مبلغ هائل من المال قدِّر بـ150 ألف فرنك ذهبي، كي يكتب له أوبرا لتعْرَض في دار الأوبرا الجديدة. كانت الأوبرا هي أوبرا عايدة، وهي قصة أميرة إثيوبية في مصر الفرعونية، وعرِضَت لأول مرة بالقاهرة في 1871. تقول الأسطورة القديمة إن فيردي كلِّف بكتابة الأوبرا للاحتفال بافتتاح قناة السويس لكن تأخر الأمر. ليس هذا صحيحًا بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ استخدم إسماعيل أوبرا عايدة بنفس الطريقة التي استخدم بها الأشغال العامة الضخمة كقناة السويس، أي كوسيلة لإبراز صورة زعيم عالمي قوي.

    سرعان ما ظهرت حركة مسرحية عربية بالأزبكية على غرار هذه المسرحيات الكلاسيكية الأوروبية. رغم أنها لم تكن بتكليف مباشر من إسماعيل. يُعدُّ يعقوب صنوع الآن عادةً، ذو الشخصية النابضة بالحيوية وغريبة الأطوار والذي اشتهر باسم جيمس سانوا James Sanua، أبو المسرح العربي في مصر. وُلِدَ صنوع لأم مصرية يهودية وأب يهودي من السفارديم من ميناء ليفورنو Livorno بتوسكانا كان يعمل مستشارًا لأحد أفراد الأسرة الخديوية غير المؤثرين في القاهرة. سيزداد عدد اليهود المصريين أضعافًا مضاعفة على مدى السبعين عامًا القادمة. لكن في منتصف القرن التاسع عشر لم يكن عددهم كبيرًا. حسب تقديرات جمعية لندن لترويج المسيحية بين اليهود في 1856، كان هناك حوالي 4 آلاف يهودي في القاهرة من بين حوالي 300 ألف نسمة. تمتع عدد من عائلات السفارديم البارزة ببعض السلطة والنفوذ، لكن معظم اليهود عاشوا حياة عادية، وإن لم تخلُ من التمييز أو التحيز.

    يعقوب صنوع
    يعقوب صنوع
    ***

    كان صنوع نفسه حالمًا ورؤيويًا وناشطًا ذاتيًا غزير الإنتاج، كما كان قوميًا مصريًا ملتزمًا ومروجًا متحمسًا للثقافة العربية. عندما كان مراهقا تم إرساله للدراسة في ليفورنو في بعثة حكومية. وبعد عودته عمل لفترة كمدرس خاص لأطفال البلاط الخديوية قبل تعيينه في 1868 في “الإيكول بوليتكنيك École Polytechnique”. وهو معهد لدراسة الهندسة والعمارة بالقاهرة. بينما كان صنوع يستمتع بحياته البرجوازية المريحة في صيف 1870. شاهد فرقتين مسرحيتين متجولتين – إحداهما فرنسية والأخرى إيطالية – تقدمان عروضًا مسرحية على مسرح إسماعيل المفتوح في حدائق الازبكية. ربما شاهد مسرحيات من هذا النوع في ليفورنو. لكن من شبه المؤكد أنه لم يشاهد مطلقًا أي مسرحية في القاهرة من قبل.

    تواصل صنوع مع الفرقتين وسأل إن كان بإمكانه المساعدة في عروضهما. رحبت كلتا الفرقتين بالمساعدة من هذا الشاب المصري المبادر ودعياه للانضمام إلى الفرقتين بشكل مؤقت (ليس مؤكدًا إذا كان قد مَثَّل معهما أو قدم المساعدة بطريقة أخرى). ذكر صنوع في ذكرياته اللاحقة إن هذه كانت اللحظة بعينها التي اشتعلت فيها شرارة شغفه بالمسرح.

    وبمجرد مغادرة هذه الفرق المسرحية الجوالة للقاهرة، بدأ صنوع في العمل على تشكيل فرقة مسرحية تقدم مسرحياته هو بالعربية. قام بجمع وتدريب مجموعة من الممثلين وكتب نصًا، واستعد لليلة افتتاح مسرحيته بحلول الصيف المقبل. في كلمة ألقاها في باريس بعد أكثر من ثلاثين عامًا، كان صنوع لا يزال يتذكر تلك اللحظة. وصف، ربما بشيء من الرخصة الشعرية، جمهورًا عريضًا من ثلاثة آلاف شخص اجتمعوا حول المسرح – رجالاً ونساء من جميع الألوان، من بينهم بعض وزراء الحكومة والسفراء الأوروبيين. يتذكر صنوع بفخر حينما يقول: “استقبلنا سيل من التصفيق مصحوبًا بصيحات إعجاب بجميع اللغات”. ووراء الكواليس، دُعِمَ الممثلون بهدية عبارة عن زجاجة من الكونياك فئة الثلاث نجوم من أحد المعجبين المصريين الأثرياء، وعندما صعدوا على خشبة المسرح، قدموا عرضًا قويًا للنص المكتوب حديثًا.

    ***

    في ذلك اليوم قدمت الفرقة فَارْص قصير من فصل واحد عُرف أحيانًا باسم الحريم وأحيانًا باسم القوَّاس. سخرت هذه المسرحية الكوميدية القصيرة التي تعتبر عادةً أول مسرحية مصرية حديثة ​​من نظام الحريم المصري النخبوي الذي بات قديمًا عفا عليه الزمن، حيث تعيش زوجات الأثرياء ومحظياتهم معًا في منطقة منفصلة من المنزل، وكذلك هوس الزوار الأجانب بالحريم (والأساطير التي تطورت حوله). تبدأ القصة بأمير أوروبي زائر يرغب بشدة في أن يعيش تجربة حقيقية غير مشروعة داخل حريم عربي أصيل. يراهن الأمير بمبلغ ألف جنيه مصري مع ابن شاب من النبلاء المصريين ذوي النفوذ. يقول الأمير إنه سيتمكن في غضون شهر من الاختباء داخل منطقة النساء لأحد الباشوات.

    بعد أيام قليلة، تلقى الأمير أخبارًا سارة. وصلته رسالة من امرأة (تقول) إنها رأته من الحريم بينما كان يزور منزلها، وإن عينيه الزرقاوين اخترقتا قلبها. أخبرته الرسالة بأن ينتظر في تلك الليلة عند سفح أبو الهول حيث سيصحبه أحد الأغوات ويأخذه إليها. بعد حلول الظلام، ذهب إلى المكان المتفق عليه – وبالتأكيد سرعان ما ظهر الأغا. سار الأمير معصوب العينين واُقتيد سرًا إلى القصر، حيث تم تهريبه إلى جناح الحريم.

    الآن وبعد أن بات الأمير الأوروبي تحت رحمتهن، قامت نساء الحريم بحيلة قاسية عليه، حيث ألبسن صبيًا سوريًا وسيمًا عمره ستة عشر عامًا ملابس نسائية وتظاهرن بأنه المرأة المفضلة لدى الباشا من بينهن جميعًا. قُدن الأمير إلى مكان منعزل حيث أزال العصابة عن عينيه. وبمجرد رؤية الصبي أمامه، وقع الأمير في غرامه وحاول مغازلته معتقدًا أنه الفتاة الصغيرة. أعلن حبه، وبادلته “هي” الرد بالمثل. وما كاد العاشقان أن يرتميا في أحضان بعضهما حتى يقتحم الباشا العجوز الملتحي الغرفة، قاطعًا تجربتهما.

    ***

    هدد الباشا الذي أثار غيظه انتهاك حرمه الداخلي بمعاقبة كلا المعتدين بوضعهما في جِوال وإلقائهما للتماسيح. توسل الأمير الذي كان يقضي العطلة طالبًا الرحمة، حتى أنه عرض أن يمنح الباشا الألف جنيه كاملة والتي كان سيفوز بها في رهانه. في هذه المرحلة كشفت الشخصيات عن تنكراتها المختلفة. خلع الباشا لحيته البيضاء ليكشف عن نفسه أنه الشاب الذي أخذ رهان الأمير في بداية المسرحية. ويخلع الصبي ملابسه النسائية ليكشف عن نفسه كضابط عسكري شاب، ولا شك أنه القوَّاس الذي سميت المسرحية باسمه. ثم يخرج مجموعة من أصدقاء الأمير من الغرفة المجاورة ضاحكين، وتنتهي المسرحية بعشاء فخم في حدائق القصر.

    على مدار العامين التاليين، استمرت فرقة صنوع في إنتاج اثنتين وثلاثين مسرحية مختلفة. يتكون مجموع إنتاجه غالبًا من مسرحيات الفَارْص ذات الفصل الواحد أو الكوميديا الأخلاقية. على غرار المسرحية الأولى التي كتبها بعناوين موحية مثل الغندور في القاهرة أو الأميرة الإسكندرانية أو السواح والحمَّار. اُستمدت الشخصيات في المسرحيات من كثيرٍ من مختلف الجاليات. التي عاشت في مصر في ذلك الوقت – النوبيين والأرمن والفرنسيين واليونانيين والعرب والإنجليز.

    كان هناك ظهور متكرر للشخصيات المقولبة الكوميدية. كان من بينها الخادم المدمن للحشيش والأجانب الذين يجدون أنفسهم في مواقف أصعب من قدرتهم على فهمها. والمصري من الطبقة العليا الذي يحاول بانعدام مهارة محاكاة الثقافة الأوروبية بصورة مثيرة للهزل. أصبح هذا الأمر فيما بعد بمثابة المكون الأساسي للكوميديا ​​المصرية لعدة عقود. وربما كان أسلوب صنوع الدرامي مدينًا بدَيْن غير معترَف به لمسرحيات خيال الظل أو ممثلي الفَارْص الجوالين في القاهرة في القرن التاسع عشر.

    ***

    في النهاية، لم تدم مسيرة صنوع المسرحية طويلا، حيث توقفت فرقته عن تقديم عروضها بنهاية 1872. كان الخديو إسماعيل في الأصل داعمًا للفرقة بشدة – إذ لم يكن ضد المسرح العربي طالما كان يخدم أهدافه. لكن صنوع ذكر فيما بعد إنه لم يعد يحظى بدعم إسماعيل الذي أجبره على إنهاء أنشطته المسرحية وفي النهاية أجبره على الخروج من مصر؛ شك صنوع أن “منافسيه”، بعض “أعداء التقدم والحضارة اللدودين” كانوا يتهامسون بكلمات مسمومة لحاكم مصر، محاولين إقناعه بأن صنوع كان يخفي رسائل مناهضة للحكومة في مسرحياته.

    زعم مقال نشر في 1879 في ساترداي ريفيو Saturday Review أنه “عبَّر عن معاناة الفلاحين وفساد حكومة إسماعيل. التي تناولها بأسلوب سرعان ما أثار سخط السلطات”. نشر صنوع نفسه لاحقًا القصة التي مفادها أن مسرحيته الضُّرتين التي انتقدت الزواج بأكثر من زوجة واحدة. أساءت إلى إسماعيل الذي كان متزوجًا بأكثر من زوجة. وكان رد الخديو على صنوع، “إذا لم يكن لديك القدرة الكافية على إرضاء أكثر من امرأة. فلا يجب عليك أن تقلل من شأن ذوق الآخرين”.7

    ربما كان لدى صنوع أيضًا أسباب أكثر واقعية للانجراف بعيدًا عن المسرح في سبعينات القرن التاسع عشر؛ فالمال بدأ ينفد، وفورة ازدهار القطن في ستينات القرن التاسع عشر بدأت في الخمود. كما بدأ إسراف إسماعيل يلاحقه. كان يقترض بكثافة من الدائنين الأوروبيين – وإلى جانب قراره الكارثي بشن حرب في إثيوبيا – كان إنفاقه غير قابل للسداد. وفي النهاية، في 1876، أعلنت مصر المثقلة بالديون إفلاسها، وبعد مفاوضات طويلة، عُيِّن خبراء بريطانيون وفرنسيون في وزارة جديدة أُنشئت للإشراف على الشؤون المالية للبلاد نيابة عن المقرضين الأجانب.

    ***

    سياسيًا، كانت أواخر سبعينات القرن التاسع عشر مشحونة للغاية بالأحداث. بدأت بريطانيا على وجه الخصوص ممارسة المزيد من النفوذ في مصر؛ ومع حدوث هذا، حوّل يعقوب صنوع انتباهه نحو السياسة الأكثر تقليدية، ليصبح ناقدًا صريحًا لخضوع الخديو للمزيد من التوسع الأوروبي. ولعب دورًا ثانويًا في التغيرات السياسة الكبيرة القادمة. في 1878، أصدر مجلة ساخرة لمناهضة للاستعمار ومناهضة لإسماعيل بشراسة بعنوان أبو نضارة زرقا، والتي ما لبث أن وصل توزيعها إلى 50 ألف نسخة بين شعب بلغ تعداده قرابة 6 ملايين نسمة.

    وقبل نهاية العام، أثارت المجلة أنواعًا غير مرغوب فيها من الانتباه لصنوع، وبعد تعرضه لمحاولتيّ اغتيال، قرر مغادرة مصر إلى منفاه الاختياري في باريس. هناك وجد موطنًا دائمًا وجديدًا لمجلته، والتي غدت الآن تعرف ببساطة باسم أبو نضارة (مع حذف صفة “زرقا”)، في شارع رو دو كير Rue du Caire بباريس. تحت هذا العنوان الجديد وفي ظل حماية المنفى، بدأ صنوع نشر المزيد من الهجمات القاسية على النخبة الحاكمة البريطانية والمصرية.

    لكن القوى الأوروبية لم تتوقف عن تدخلها في مصر. قررت تلك القوى، برغم الاتفاقات التي توصلت إليها قبل بضع سنوات، إبعاد الخديو إسماعيل عن عرش مصر. وتعيين ابنه توفيق خديويًا مكانه في 1879. إلا أن هذا لم يوقف الاضطرابات. ففي 1881، قاد أحد الضباط بالجيش المصري يدعى أحمد عرابي تمردًا مبنيًا على دستور جديد كان قد صاغ مسودته. ودعا إلى حكومة برلمانية. وقفت مجلة يعقوب صنوع الساخرة وراء هذه الحركة الجديدة من باريس، لتمتلئ المجلة برسوم كاريكاتورية تمتدح الثوار المصريين.

    ***

    كان البريطانيون قلقين للغاية بشأن احتمال سيطرة عرابي على حكم مصر لدرجة أنهم شنوا غزوًا عسكريًا لسحق انتفاضته التي وصفوها بأنها متعصبة وخطيرة. وفي 1882، بدعوى القلق نيابة عن الدائنين الأجانب والجاليات الأوروبية في مصر. نصَّب البريطانيون إيفلين بارينج Evelyn Baring (اللورد كرومر) كقنصل عام جديد لهم. أضحى كرومر والبريطانيون الآن مسيطرين فعليًا على البلاد رغم إبقاء الخديو توفيق على العرش. وبقاء مصر رسميًا تابعة للإمبراطورية العثمانية.

    استمر يعقوب صنوع في نشر المجلات في باريس حتى العقد الأول من القرن العشرين. بل وصار أيضًا من بين المشاهير في فرنسا. حيث كان يقدم مونولوجات هزلية في المؤتمرات متجولا بميداليات على صدره من أربعة عشر طبقة من أوسمة الفروسية الكبرى – والتي ادعى أنه حصل عليها من الحكومات في جميع أنحاء العالم. من بينها بلاد فارس وتونس ومحطات التجارة المهمة في المحيط الهندي في أوبوك Obock وزنجبار وجزر القمر الكبرى.

    في هذه السنوات اللاحقة، كتب مسرحية عن سيرته الذاتية عنونها بما لا يخلو من مبالغة موليير مصر وما يقاسيه. ونشر هذا الوصف الدرامي لتجربته المسرحية التي وقعت في أوائل سبعينات القرن التاسع عشر في باريس في أوائل القرن العشرين. توفي صنوع في باريس في 1912 ويرقد جثمانه الآن في مقبرة مونبارناس Montparnasse.

    هوامش

    *استعراض عرائس بريطاني تقليدي أهم شخصياته مستر بنتش وزوجته جودي. يتكون العرض من سلسلة من المشاهد القصيرة التي يضم كلٌّ منها تفاعلا بين شخصيتين. أحدهما في معظم الأحيان شخصية مستر بنتش وشخصية أخرى عادة ما تقع ضحية لحس مستر بنتش الفكاهي التهريجي (المترجم).

    *بوا دي بولون أو غابة بولونيا حديقة عامة تقع غرب باريس بالقرب من ضاحية بولونيا-بيلانكور. وتبلغ مساحتها 2090 فدانًا (8.5 كم2). وهي أكبر مساحة من سنترال بارك في نيويورك أو هايد بارك في لندن (المترجم).

    **أوبرا من ثلاثة فصول من ألحان جاك أوفنباخ وكلمات هنري ميلهاك ولودو فيكه اليفي. تدور أحداث الأوبرا حول هروب هيلانة ملكة اسبرطة مع عشيقها باريس ابن باريام ملك طروادة مما أشعل شرارة حرب طروادة. عرِض العمل لأول مرة في باريس في 17 ديسمبر 1864. جدير بالذكر أن نص الأوبرا هو أول نص مسرحي يترجم وينشر بالعربية في مصر. حيث ترجمها رفاعة الطهطاوي بتكليف من الخديو إسماعيل ونشرت الترجمة في عام 1868. عرضت الأوبرا في 17 يناير 1869، بمناسبة افتتاح “المسرح الفرنسي”. وهو أول مسرح رسمي بالأزبكية في القاهرة، وتزامن ذلك مع مناسبة الاحتفال بعيد جلوس الخديو على العرش (المترجم).

    اقرأ أيضا:

    العراسة وأبوعجور والبحث عن هوية المسرح المصري

  • «الفيوم» تشارك بـ3 عروض مسرحية في المهرجان الختامي لمسرح الأقاليم

    «الفيوم» تشارك بـ3 عروض مسرحية في المهرجان الختامي لمسرح الأقاليم

    تشارك الفيوم بثلاثة عروض مسرحية هذا العام في المهرجان الختامي لمسرح الأقاليم وهم «سيرة بني فهمان» للفرقة القومية للفنون المسرحية، وعرض «رصد خان» لفرقة صلاح حامد المسرحية بقصر ثقافة الفيوم، وعرض «ليلة من ألف ليلة وليلة» لفرقة بيت ثقافة طامية.. «باب مصر» يستعرض تفاصيل العروض.

    عودة المهرجانات الختامية

    قررت الإدارة العامة للمسرح التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، توسيع نطاق مشاركة الفرق في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية  في دورته الـ45 هذا العام. إذ تم تصعيد جميع الفرق التي حصلت على تقييم 70% في تقارير لجان التحكيم. وبذلك تصل عدد الفرق المشاركة إلى30 فرقة بدلا من 18 كما كان في السابق.

    كانت الإدارة استعادت أنشطة المهرجانات الختامية بعد توقفها بسبب كورونا، والاحتفال بالموسم المسرحي 2021/2022 خاصة بعدما تخطت العروض المقدمة هذا الموسم نحو 160 عرضا مسرحيا متنوعا.

    سيرة بني فهمان

    ” عندما تم حرق كتب ابن رشد بدأ أحد تلامذته بالبكاء الشديد. فقال له ابن رشد: إن كنت تبكي على الكتب فالأفكار لها أجنحة تصل إلى عقول العقلاء.. مهما طال الزمن”. هكذا بدأ أحمد البنهاوي، مخرج العرض المسرحي ” سيرة بني فهمان” الذي قدمته فرقة الفيوم القومية للمسرح، حديثه لـ«باب مصر» ويقول: “العرض المسرحي سيرة بني فهمان من تأليف المؤلف سيد فهيم، ويأتي في قالب استعراضي كوميدي، يناقش قضية الإنسان المثقف، الذي يرى في المجتمع من حوله أخطاء كثيرة، وهل يجب عليه أن يقف كمتفرج. أم يكون له دور في تصحيح تلك الأخطاء والإسهام في حل مشاكل المجتمع وتنويره، وذلك من خلال بطل العرض “عدنان ابن فهمان”.

    العرض المسرحي سيرة بني فهمان
    العرض المسرحي سيرة بني فهمان

    وتابع: يتعرض عدنان بطل العرض وهو الرجل المثقف، إلى العديد من المشاكل والمواقف في حياته، وكلما حاول أن يصلح يتعرض للمضايقات، ومن خلال المشاهد الكوميدية والاستعراضية نكتشف طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه عدنان حيث يسوده الجهل. حتى يقرر عدنان أن يبيع رأسه في السوق، والتي تشتريها زوجة أحد أغنياء البلدة في إطار كوميدي، لكن يتجمع حوله أصحاب المصالح بعد أن كشف عدنان الكثير من خباياهم غير السوية. ويذهبون إلى القاضي، الذي بدوره كان له مواقف سابقه مع عائلة بني فهمان، ومن ثم يحكم القاضي بفصل رأس عدنان عن الجسد وتسليمها لمن اشتراه.

    يضيف البنهاوي، قدمت الفرقة القومية للمسرح بالفيوم عرضًا رائعًا، حصل على تقييم نسبته 82% من لجنة التحكيم. وهو تقييم متقدم جدًا، ونأمل أن نحصل على جوائز المهرجان الختامي، وأن نقدم عرضا يليق بفرقة الفيوم القومية، مشيرًا إلى هذا العمل يعد خامس مشاركة له مع هذه الفرقة كمخرج.

    رصد خان

    ” رصد خان” هو اسم العرض المسرحي الذي قدمته فرقة الشهيد صلاح حامد، بقصر ثقافة الفيوم، العرض من تأليف محمد على إبراهيم، وإخراج  أحمد السلاموني.

    يقول السلاموني: “تدور أحداث العرض داخل قصر ابن غانم، حيث يجتمع أحفاده لاستلام ورثه بعد وفاته، لكن بعد وصولهم تفاجئون أن ميراث ابن غانم عبارة عن القصر فقط. ويتم حبس الجميع داخل القصر. ثم يكتشفون كتابات فرعونية على جدران القصر تشير إلى وجود كنز كبير تحت هذا القصر، لكنه مرصود برصد قوى، ولا يمكن الوصول إليه إلا بالدم، وهنا يبدأ الجميع في قتل بعضهم البعض واحدًا تلو الآخر، حتى يتم قتلهم جميعًا، ولا يحصل أحد على الكنز” .

    وتابع: يأتي العرض في قالب تراجيدي، حول صفة الطمع والجشع لدى البعض، وهناك مشاهد تم الاستعانة فيها بالتعبير الحركي، الذي تم توظيفه لخدمة النص.

    أما عن المشاركة في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية يقول السلاموني: “اشتركت في المهرجان الختامي أكثر من مرة لكن كممثل بفرقة صلاح حامد المسرحية. وهذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها كمخرج. وشاركت من قبل كمخرج للعرض المسرحي “السفير” عام 2016 بختام عروض نوادي مسرح الأقاليم. وحصد العرض جوائز المهرجان الأولى جميعها، وحصلت أنا على جائزة التميز في الإخراج. وتم تصعيد العرض لتمثيل مصر في مهرجان الأردن المسرحي. وأتمنى للعرض المسرحي “رصد خان” كل النجاح في المهرجان الختامي هذا العام وحصد الجوائز.

    العرض المسرحي رصد خان

    ليلة من ألف ليلة وليلة

    ” ليلة من ألف ليلة وليلة” هو العرض المسرحي الثالث الذي قدمته فرقة بيت ثقافة طامية، وهو عرض ضمن عروض شرائح المسرح. جاء العرض من تأليف أحمد سمير، ومن إخراج الفنان محمود عبدالمعطي.

    يأتي العرض في قالب استعراضي غنائي، حيث يتخلله مجموعة من الأغاني قام بتأليفها الشاعر الشاب أسامة سند، في أولى تجاربه مع عالم المسرح.

    وحول التجربة يقول سند: “سعدت كثيرا عندما أبلغني الفنان محمود عبدالمعطي مخرج العرض، باختياره لي كي أقوم بكتابة أغاني العرض، لأن محمود عبدالمعطي شاعر كبير في الأساس، وهذه أول تجربة لي كشاعر غنائي في عرض مسرحي، وقمت بكتابة ثماني أغنيات قام بتلحينها الملحن والمطرب الكبير عهدي شاكر، وهي من توزيع الفنان محمد عبدالوهاب، وهو شرف كبير لي أن أتعامل معه أيضًا.

    ويكمل: يقوم العرض حول الصراع الأزلي بين الخير والشر. بين الإنسان وبين الشيطان. الذي يحاول دائما إغواء البشر ليخرجهم عن الطريق الصحيح وتوجيههم لطريق المعصية، وكيف يتغلب البشر على الشيطان وينتصر الشيطان في بعض الأحيان. ويبدأ العرض بهذا الصراع وينتهي به أيضًا، في رسالة إلى أن هذا الصراع حتمي وأبدي ومستمر.

    العرض المسرحي ليلة من ألف ليلة وليلة

    وعن أغاني العرض يقول: “هناك تنوع في الأغاني التي تم تقديمها في قالب استعراضي، فهي على شكل طقوس منها على سبيل المثال أغاني للشياطين. وهناك أغاني حكايات قصة ألف ليلة وليلة وشهرزاد وشهريار. حيث إنها القصة الرئيسية للعرض، وهناك أغاني وفق ما تتطلبه المشاهد، وهناك الأغاني الفانتازية، مثل ما جاء على لسان الشياطين.

    وتابع: سعدت بتلك التجربة لاسيما أنني استطعت أن أوصل ما طلبه المخرج، فضلاً عن تصويري في شكل غنائي لعالم الجن والأساطير التي تشتهر بها قصص ألف ليلة وليلة.

    اقرأ أيضا

    اليوم.. افتتاح الدورة الثامنة لـ«مراكب البرلس» بقاعة آزاد في الزمالك

باب مصر