باب مصر

الوسم: الفيوم

  • من جزر النيل إلى أشتوم.. المناطق الرطبة رئة الأرض وصون التراث التقليدي 

    من جزر النيل إلى أشتوم.. المناطق الرطبة رئة الأرض وصون التراث التقليدي 

    في الثاني من فبراير من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للأراضي الرطبة، تأكيدا لدورها في مواجهة التغير المناخي والتلوث الكربوني. ويعد شعار عام 2026: «الأراضي الرطبة والمعارف التقليدية: الاحتفاء بالتراث الثقافي» نموذجا للتعايش المصري. وحرف تقليدية تعتمد على نباتات ظهرت على ضفاف النيل والبحيرات الشمالية.

    وبحسب تعريف الأمم المتحدة، فإن الأراضي الرطبة هي «أنظمة بيئية يكون الماء فيها هو العامل الأساسي الذي يتحكم في البيئة والحياة النباتية والحيوانية المرتبطة بها. ويشمل هذا التعريف الواسع كلا من المياه العذبة والنظم الإيكولوجية البحرية والساحلية. مثل البحيرات والأنهار ومستودعات المياه الجوفية والمستنقعات، والأراضي العشبية الرطبة والأراضي الخثية والواحات. ومصبات الأنهار والدلتا ومسطحات المد والجزر وأشجار المانجروف والمناطق الساحلية الأخرى والشعاب المرجانية. إضافة إلى مواقع الأنشطة البشرية مثل أحواض السمك وحقول الأرز والخزانات وأحواض الملح».

    محمية أشتوم الجميل

    يشرح الدكتور حسين رشاد، الخبير بقطاع المحميات الشمالية بوزارة البيئة، أن “الأراضي الرطبة هي المناطق التي تتقاطع فيها التربة الأرضية مع المياه المالحة أو العذبة. ويتراوح عمقها من أقل من متر واحد إلى ستة أمتار”.

    ويقول: “محمية أشتوم الجميل وبحيرة المنزلة من أهم المناطق الرطبة في مصر. حيث تضم منطقة تنيس الأثرية إلى جانب القطاعين البحري والمائي”. ويضيف أن المحمية، باعتبارها أرضا رطبة، تتمتع بقدرة على معالجة نفسها من الملوثات. كما تعد الأراضي الرطبة رئة الأرض بعد الغابات الاستوائية، ولديها قدرة عالية على التعامل مع الغازات. وبخاصة غازات الاحتباس الحراري.

    كما يؤكد: “الأراضي الرطبة تمتص كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون. وبما أن مصر لا تمتلك غابات، تقوم أشجار المانجروف في البحر الأحمر، إلى جانب الأراضي الرطبة الموجودة في  15 بحيرة، بالدور نفسه. إذ تعد الرئة الحقيقة لمصر”.

    قارب صيد يبحر في بحيرة المنزلة بين أشجار مائية تصنف من الأراضي الرطبة.. تصوير: محمد عوض
    قارب صيد يبحر في بحيرة المنزلة بين أشجار مائية تصنف من الأراضي الرطبة.. تصوير: محمد عوض
    ماذا تعني “رامسار” 

    يُقصد بتسجيل الأراضي الرطبة باتفاقية  “رامسار” إدارجها ضمن المعاهدة التي وُقعت في مدينة رامسار الإيرانية عام 1971. لتوفير إطار للعمل الوطني والتعاون الدولي من أجل صون الأراضي الرطبة واستخدام مواردها بشكل حكيم. وتضم مصر حالياً أربعة مواقع رئيسية مسجلة ضمن قائمة الأراضي الرطبة، هي: “بحيرات البردويل، والبرلس، وقارون، ووادي الريان”. بينما تُصنف مناطق أخرى لم تسجل بالاتفاقية، مثل محمية أشتوم الجميل، والبحيرات الشمالية، والبحيرات المرة، وجزر النيل، ومناطق بساحل البحر الأحمر.

    رئة الأرض 

    يبتسم رشاد وهو يقول: “البحيرات هي رئة مصر، تخيل 15 رئة موجودة في مصر. وتعد بحيرة المنزلة أكبر بحيرة طبيعية، إذ تبلغ مساحتها تقريبا 1000 كيلومتر مربع. وتمتص غاز ثاني أكسيد الكربون من خلال حجم النباتات القادرة على امتصاص الكربون وتخزينه في الرواسب”.

    ويضيف: “الحق يقال إن بحيرة المنزلة كانت ملوثة حتى فترة قريبة، إلى أن بدأ الرئيس المشروع القومي لتطوير البحيرات الشمالية في مايو 2017. ما زاد من أعماق البحيرة وإزالة جزر الأعشاب الصغيرة، الأمر الذي زاد من قدرتها على استيعاب الارتفاع المتوقع في منسوب البحر المتوسط”.

    ويؤكد أن تطهير البحيرات الشمالية وإتاحة الفرصة للنباتات البحرية للتعافي يعتبر من أهم الحلول القائمة على الطبيعة”.

    النيل في المنيا.. تصوير: محمد عوض
    النيل في المنيا.. تصوير: محمد عوض
    ماذا يهدد الأراضي الرطبة؟

    في تقرير لوزارة البيئة عن الأراضي الرطبة والتهديدات التي تواجه النظم البيئية للأراضي الرطبة والمياه الداخلية. تم تحديد أبرز التهديدات في عمليات التجفيف لصالح مشروعات استصلاح الأراضي ومشروعات التوسع العمراني.

    فقد تقلصت مساحة بحيرة البرلس من 136 ألف فدان عام 1953 إلى 101 ألف فدان عام 2000. أي فقدت أكثر من ثلث مساحتها، نتيجة التوسع الزراعي الذي أدى إلى زيادة كميات مياه الصرف الزراعي التي تصب في البحيرة. مع تراجع حيز مياه البحر المالحة.

    ويعني ذلك فقدان بيئة المياه المالحة وتنوعها البيولوجي. إذ اختلطت مياه الصرف الزراعي بمياه الصرف الصحي من المدن والقرى المجاورة، إضافة إلى مياه الصرف الصناعي. وهو ما يحمل ملوثات تؤثر سلبا على البيئة والكائنات الحية.

    البردي يعود للحياة من “القراموص”  

    إلى جانب الأهمية البيئية للأراضي الرطبة، يبرز الترابط الثقافي من خلال تطويع النباتات. وتعد تجربة قرية “القراموص” نموذجا لتطبيق المعارف التقليدية المرتبطة بنباتات الأراضي الرطبة. فالقرية لا تزال تحتفظ بزراعة نبات البردي وتحويله إلى أعمال فنية تحاكي التاريخ المصري القديم، مستخدمة شتلات من حديقة الأورمان منذ سبعينيات القرن الماضي. لتتحول إلى ما يشبه مصنعا مفتوحا لإنتاج أوراق البردي وتصديرها للسياحة العالمية.

    النيل في أسوان.. تصوير: محمد عوض
    النيل في أسوان.. تصوير: محمد عوض
    حصير السمار

    في قرى محافظات المنوفية والفيوم والشرقية، ينشط نبات السمار الذي ينمو على حواف الترع والمصارف. ويتحول إلى حرفة شعبية متوارثة لصناعة الحصير، ليكون الفرش الأساسي في البيوت والمساجد والمضايف الريفية، ولا يزال يحتفظ بقيمته كمنتج طبيعي صديق للبيئة.

    وفي الفيوم وبحيرة قارون، أحد أكثر المواقع جاذبية لتعشيش الطيور، تم رصد أكثر من 226  ألف طائر مائي في عام 2010. كما تدعم المحمية أنواعا من الثدييات المهددة بالانقراض. مثل غزال الريم والغزال العفري، بالإضافة إلى حيوانات أخرى كالضبع المصري والثعلب الأحمر. ما يجعلها مقصدا للسياحة البيئية من خلال رحلات السفاري وركوب القوارب وزيارة مناطق الحفريات والآثار القديمة.

    ثروة المانجروف الرطبة

    يقول الدكتور عادل سليمان، رئيس جمعية “بيئة بلا حدود”: “تعد أشجار المانجروف في نطاق البحر الأحمر، خاصة في مرسى علم وشلاتين، من أكثر المناطق الرطبة كفاءة. فالمانجروف لا تعد مجرد شجرة، بل نظاما بيئيا قادرا على التعامل مع عناصر متعددة. فضلا عن قدرته العالية على عزل الكربون، حيث تشير دراسات إلى تفوقه على الغابات بخمسة أضعاف”.

    ويضيف بحماس: “نحن نتحدث عن نظام بيئي فريد، يتمثل في أشجار لديها القدرة على تحلية المياه. وتعد موائل لحياة الطيور وحواضن للأسماك”.

    مشروع إكثار المانجروف سفاجا.. الصورة من صفحة جمعية بيئة بلا حدود على فيسبوك
    مشروع إكثار المانجروف سفاجا.. الصورة من صفحة جمعية بيئة بلا حدود على فيسبوك

    يدير سليمان مشروعا لإكثار المانجروف في محمية مرسي علم و محمية وادي الجمال جنوب الغردقة. ويقول: “تجربة الإكثار داخل محمية وادي الجمال تسهم في إعادة غابات كانت كثيفة بالمنطقة من أشجار المانجروف. بعدما تعرضت لتأثيرات سلبية كبيرة، أبرزها الرعي الجائر من السكان المحليين والتغيرات المناخية”.

    ويحكي أن أحد كبار السن من السكان المحليين أخبرهم بأن المنطقة، قبل نحو 6 أعوام، كانت تضم غابات كثيفة من المانجروف. لكنها اختفت نتيجة تغير المناخ واختلاف درجات الحرارة وتأثيرات المد والجزر. إذ تبتعد المياه أحيانا وتتعرض الأشجار للجفاف.

    وبفضل مشروع “بيئة بلا حدود”، ساهم برنامج إكثار شجرة المانجروف في زراعة  15 ألف  شتلة. إلى جانب دعم المحمية بصوبتين للإكثار، لصالح المجتمع المحلي ومحمية وادي الجمال.

    اقرأ أيضا:

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

    «القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

  • عرائس «كرمة ماهر».. مشروع لإحياء العروسة القماش بروح تراثية جديدة

    عرائس «كرمة ماهر».. مشروع لإحياء العروسة القماش بروح تراثية جديدة

    اختارت «كرمة ماهر»، الفتاة العشرينية، أن تبتعد عن ضجيج الحياة وصخبها، فقررت العودة بالإبرة والخيط إلى زمن بسيط، زمن كانت فيه العروسة القماش تحمل بين طياتها ملامح البيوت القديمة وروائحه، وتحفظ تراث الأجداد وتروي حكايات الماضي. عالم «كرمة» لم يكن مجرد هواية، بل رحلة لاستعادة الحنين إلى البساطة والجمال.

     العروسة القماش

    كرمة من مواليد محافظة الفيوم، تخرجت في كلية التجارة وإدارة الأعمال، قسم الأسواق والمنشآت المالية، جامعة حلوان عام 2023. لكنها لم تعمل في مجال دراستها، واتجهت إلى صناعة عرائس القماش. محولة هوايتها بالعمل اليدوي إلى مشروع ورسالة لحفظ تراث الأجداد.

    تقول كرمة: “منذ صغري وأنا أحب اللعب بالعرائس والأشياء المصنوعة باليد. لم أكن أجيد الرسم، لكنني كنت أبتكر أشياء بالخيوط والأقمشة. وتعلمت من والدتي الأشغال اليدوية مثل الكروشية والتطريز كهواية في أوقات الفراغ، لكن كان له أثر كبير في حياتي”.

    تكمل: “كانت البداية خلال جائحة كورونا، عندما جلس الجميع في المنزل. ما أتاح لي التركيز على هوايتي والعودة إليها من جديد. بدأت أبحث عن طرق جديدة على الإنترنت. ووجدت فيديوهات عن عرائس القماش، فبدأت بتنفيذ العديد منها، لم تكن جيدة في البداية، لكن مع الوقت أتقنت فنها”.

    رحلة البحث عن وظيفة

    بعد التخرج، قررت كرمة البحث عن عمل في القاهرة. لكن تجربتها لم تكلل بالنجاح، فقضت عاما كاملا في المنزل بلا عمل. وبعد تجربة ثانية لم تنجح أيضا، عادت لشغفها بالأعمال اليدوية، والتحقت بكورس متخصص في المشغولات اليدوية. حيث حاز عملها بالإعجاب والتشجيع من المدرب لإنشاء صفحة شخصية لعرض منتجاتها.

    رغم ذلك، لم تحقق الصفحة مبيعات خلال ستة أشهر، ما جعلها تشعر بالإحباط وتتوقف مؤقتا عن المشروع.

    البداية مع العرائس

    بعد تجربة البحث عن عمل، قررت كرمة العودة لشغفها، هذه المرة بفكرة مبتكرة. تقول: “في حفل تخرج إحدى صديقاتي، صنعت لها هدية مبتكرة، عروسة التخرج. مشابهة لها في روب وكاب التخرج وفستانها، ووشاح مكتوب عليه اسمها. حين نشرت صورتها على صفحتي، لم أكن أتوقع هذا الكم من الإعجاب والطلبات لتصميم عرائس مماثلة. سواء لفساتين الزفاف أو مناسبات أخرى. وكانت هذه بداية الشهرة لعروستي الشهيرة (كرومبة)”.

    خطوات تصنيع العروسة

    تشرح كرمة خطوات تصنيع العروسة القماش، والتي تستغرق حوالي أسبوع: “أبدأ بملامح العروسة والفستان والإكسسوارات. وإذا طلب العميل عروسة تشبه شخصا معينا أطلب صورته لتحديد السمات الأساسية مثل الشعر وستايل اللبس. جميع العرائس لها نفس جسم القماش المحشو بالقطن أو الفايبر. مع استخدام خامات أكثر صلابة للرأس لرسم الملامح بدقة”.

    وتتابع: “مرحلة الشعر تختلف حسب العروسة: كيرلي، مضفر على شكل ضفائر، وغيرها، باستخدام الخيوط المناسبة. ثم الملابس والإكسسوارات، التي أصنعها بنفسي من المعدن أو الخرز. أصعب ما أواجهه الطلبات الدقيقة، مثل بوت معين أو سلسلة باسم صاحبة العروسة”.

    العرائس التراثية

    اتجهت كرمة مؤخرًا لتصميم عرائس بالقماش تحمل الطابع التراثي: العروسة البدوية والفلاحة والفرعونية. تقول: “أردت أن يكون شغلي غير تقليدي، ويعبر عن روحنا المصرية. لذلك شاهدت صورا للمرأة بالزي الفلاحي والبدوي والفرعوني، للتعمق في التفاصيل مثل الجلاليب وضفائر الشعر ومنديل الرأس. وهو ما يستغرق وقتا كبيرا للبحث عن الخامات”.

    وأضافت: “بدأت بالعروسة الفلاحة، التي تعبر عن المصريين ولاقت إعجاب الكثيرين. وسأستمر في تصنيع عرائس تمثل التراث المصري في مختلف المحافظات، مثل العروسة النوبية والإسكندرانية”.

    كما أوضحت دور السوشيال ميديا في انتشار منتجاتها، قائلة: “كانت مواقع التواصل الاجتماعي هي المكان الأمثل لعرض منتجاتي، حتى تعلمت التصوير لأتمكن من تقديم صور احترافية”.

    منتجات تصل للعالمية

    تختتم كرمة حديثها وتقول: “أحاول تعلم المزيد واكتساب الخبرات، وأشعر الآن بالارتياح الكبير لأنني وجدت نفسي. أعامل عرائسي كما لو كانت جزءا مني، وأتمنى أن تصل عالميا من خلال علامة تجارية خاصة بي في المستقبل”.

    اقرأ أيضا:

    مرفت الشاذلي عن معرضها «صدى الجنوب»: الفن وسيلتي لإيصال الهوية الجنوبية

    ليالي محكي القلعة 2025: الفعاليات كاملة

    حفلات محكى القلعة 2025 ” حفل الفنانة نسمة عبد العزيز والفنان مدحت صالح”

  • «مقهى القللي».. محطة ثقافية تجمع أدباء ومثقفي الفيوم

    «مقهى القللي».. محطة ثقافية تجمع أدباء ومثقفي الفيوم

    باتت «قهوة القللي» التي تقع على بعد خطوات من قصر ثقافة الفيوم المغلق منذ ما يقرب من خمس سنوات بدعوى التجديد، ملاذا لمثقفي وأدباء المحافظة. وأمام هذا الواقع تضطر هيئة قصور الثقافة إلى تنظيم بعض الأنشطة الثقافية في المقهى، مثل ليالي رمضان والعديد من الندوات.

    مقهى القللي مقصد الأدباء والمثقفين

    يشبه «مقهى القللي» مقاهي الحرافيش في روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ. إذ يجتمع فيه خليط متنوع من بسطاء وكادحين وعاطلين ودراويش وطلبة وأدباء ومثقفين. لكل منهم عالمه الخاص.

    وقد أسهم هذا المقهى التراثي في الحفاظ على هوية مثقفي الفيوم الأدبية والفكرية لعقود طويلة. وشهدت طاولاته العتيقة عشرات الأمسيات الأدبية والشعرية. خاصة بعد إغلاق قصر الثقافة الذي كان النافذة الرسمية للمشهد الثقافي بالمدينة.

    القللي البيت الكبير للأدباء

    يقول أحمد الفولي، أحد ملاك المقهى وحفيد مؤسسه: “تأسس مقهى القللي عام 1948، حين قرر فيه جدي الحاج عبد الفتاح القللي الهجرة من محافظة قنا والاستقرار بالفيوم. افتتح المقهى في شارع الورشة المقابل لمحطة القطار، ثم ورث أبي المعلم فولي القللي المقهى والمهنة من بعده”.

    ويوضح الفولي أن العلاقة بين المقهى وأدباء الفيوم بدأت مع إنشاء قصر الثقافة بجواره. فصار والده من رواد القصر وجذبه النشاط الثقافي المتواصل هناك. مما جعله يقترح تنظيم الندوات والأمسيات الأدبية داخل المقهى لتعريف الزبائن بأدباء الفيوم وشعرائها. ويضيف: “يعد القللي أول مقهى يهتم بإقامة مثل هذه الفعاليات، وأصبح المفضل لدى معظم مثقفي الفيوم”.

    ذكريات وحضور مستمر

    يؤكد الفولي أن العديد من الأدباء والفنانين ارتبطت ذكرياتهم بالمقهى. منهم شعراء العامية الكبار عبد الكريم عبد الحميد، ومحمد حسنى إبراهيم، والملحن عهدي شاكر الذي اعتاد المشاركة في الأمسيات الرمضانية. إلى جانب الشاعر الراحل محمد عبد المعطي.

    إحدى الأمسيات الشعرية بالمقهى.. الصورة من سحر الجمال
    إحدى الأمسيات الشعرية بالمقهى.. الصورة من سحر الجمال
    الارتقاء بوعي رواد المقهى

    يرى الفولي أن هذه الأمسيات ساهمت في رفع وعي رواد المقهى. إذ يحرص الكثيرون على حضورها، ويستمتعون بغناء الفنانين المحليين مثل عهدي شاكر وأحمد صالح وحسن زكي. ويؤكد أن المقهى سيظل مرتبطا بالمثقفين، وأنه يسعى لنقل هذه المحبة إلى ابنه كما ورثها من والده.

    ذكريات وصداقات

    اعتاد شيخ شعراء العامية بالفيوم عبد الكريم عبد الحميد، الجلوس على مقهى القللي لسنوات طويلة. وكان يكتب قصائده على أوراقه فوق طاولة خشبية قديمة. ويقول: “أكثر ذكرياتي مع أصدقائي الأدباء ارتبطت بالمقهى. ولم تعد لقاءاتنا تقتصر على الثقافة فقط، بل اتسعت لتشمل أحاديث ودية، حتى صار كثير من الزبائن أصدقاء مقربين”.

    غياب دور المؤسسات الثقافية الرسمية

    أما الشاعر محمد حسني إبراهيم فيرى أن تجمع الأدباء على مقهى القللي يعد شكلا من أشكال المقاومة لغياب دور المؤسسات الثقافية الرسمية. خاصة بعد إغلاق قصر الثقافة بدعوى التطوير. إذ أصبح المقهى مكانا لمواصلة الحوارات الأدبية واستضافة ضيوف المحافظة. ويضيف أن “القللي” يشبه مقاهي الأدباء الشهيرة مثل ريش والبستان والبورصة بالقاهرة.

    انكماش الدور الثقافي لأدباء الفيوم

    في المقابل يرى الروائي محمد جمال الدين أن دور أدباء الفيوم الثقافي قد انكمش وضعف تأثيره. إذ أصبح وجودهم محصورا داخل دائرة مغلقة لا يتجاوز حدود مقهى القللي. ويضيف: “أعتقد أن تقليص دور المؤسسات الثقافية، أو ضعف فهم القائمين عليها، جعل من الإبداع مجرد فعالية يؤدى فيها الموظف المطلوب منه بإعداد المكان وتجهيزه فقط. دون حماس مواكب، وهو ما يفقد المؤسسة الكثير من مردودها الثقافي”.

    ويشير جمال الدين إلى أن اللجوء إلى “القللي” أصبح حلا مؤقتا، ضعيف المردود. نظرا لتغير طبيعة الجمهور في العقد الأخير. فضلا عن تقلص مساحة المقهى، وعدم ملاءمة الجزء المضاف إليه. مؤكدا أن المبدعين لم يتعمدوا خلق تلك الدوائر المغلقة. لكن الظروف التي فرضها الواقع هي التي أدت إلى ذلك.

    البديل غير المنظم للمؤسسات الثقافية

    يتخوف الشاعر أسامة سند من تحول المقاهي، مثل مقهى “القللي”، إلى بديل غير منظم وشعبوي للمؤسسات الثقافية والأدبية. خاصة في ظل إغلاق العديد من قصور الثقافة. ويقول: “لطالما كان للمقاهي دور ثقافي منذ شعراء الربابة. حيث كان الناس يلتفون حول الشاعر ليستمعوا إلى قصص وملاحم سلامة بن رزق ودياب بن غانم والزناتي خليفة. ذلك المشهد انتهى، لكن رغم ذلك ما زالت المقاهي نقطة التقاء بين مختلف فئات المجتمع. ومن بينهم الأدباء والكتاب والشعراء والفنانون”.

    ويضيف: “مع أنني أرى أن دور المؤسسات الثقافية قد تراجع إلى حد بعيد. مع إغلاق عدد من قصور الثقافة وفي مقدمتها قصر ثقافة الفيوم، إلا أنني لا أعتبر المقاهي بديلاً حقيقيا لهذه المؤسسات. حتى وإن استضافت بعض لقاءات الأدباء”.

    ليس كباقي المقاهي

    يقول محمد أبو هادي، أحد رواد المقهى: “تعد الأمسيات الشعرية والأدبية التي تقام بالقللي من أبرز ما يميزه عن غيره من المقاهي. وقد ارتبطت به نظراً لقربه من قصر ثقافة الفيوم. هذه الأمسيات مفيدة للغاية لأنها تجذب فئات عمرية مختلفة. كما تحرص بعض الأسر على حضورها خاصةً في شهر رمضان”.

    ويكمل أبو هادي: “القللي بالنسبة لنا بمثابة ساقية الصاوي في القاهرة. وقد سمعت عن مقترح لإقامة مكتبة صغيرة في أحد أركان المقهى تضم مجموعة من الكتب للأدباء والشعراء المترددين عليه من أبناء الفيوم. لكنه لم ينفذ بعد”.

    المقهى يدعم الأدباء

    ترى سحر الجمال، مسؤولة الثقافة العامة بفرع ثقافة الفيوم، أن العلاقة بين المؤسسة الثقافية ومقهى القللي مميزة جدًا، إذ يفضل الأدباء والشعراء الجلوس فيه، كما أنه المكان الذي يكملون فيه حواراتهم ومناقشاتهم حول قضايا ثقافية عديدة أثناء مشاركاتهم في الفعاليات والندوات بالمحافظة.

    وتشير الجمال إلى أن ما ساهم في زيادة مكانة مقهى القللي، هو عشق الحاج فولي، صاحب المقهى، للثقافة والأدب، ودعمه المستمر للأدباء من خلال توفير أجواء هادئة تساعدهم على عقد ندواتهم، ورفضه الحصول على أي مقابل مادي نظير ذلك. وتختتم حديثها قائلة: “ما يقدمه القللي كان سببا في تبني فكرة المقهى الثقافي الذي منح الأدباء والمثقفين والسياسيين فرصة لمناقشة إبداعاتهم وأفكارهم”.

    اقرأ أيضا:

    على رائحة الشاي والأنفاس الصوفية الحية.. يوم في رحاب «القهوة الأحمدية» بطنطا

  • مدينة ماضي الأثرية: أطلال عمرها 4000 عام في طي النسيان

    مدينة ماضي الأثرية: أطلال عمرها 4000 عام في طي النسيان

    تعتبر مدينة «جيا»، التي تعرف الآن باسم «مدينة ماضي»، من أهم وأروع المواقع الأثرية بالفيوم. تقع على بعد مائة كيلو متر جنوب غرب القاهرة، ولها تاريخ طويل وعريق يمتد لأكثر من 4000 عام. تحتوي المنطقة على المعبد الوحيد في مصر الذي يعود تاريخه إلى الدولة الوسطى، كما تضم المدينة معالم أثرية أخرى من العصور البطلمية والرومانية والقبطية. وأقيمت بها أول حديقة أثرية وطبيعية في مصر، التي تم افتتاحها في عام 2011 للزوار.. هنا جولة في المدينة للتعرف عليها وعلى تاريخها العريق.

    اكتشاف مدينة ماضي

    يقول أحمد عبد العال، مدير عام الآثار الأسبق بالفيوم لـ«باب مصر»: “تم اكتشاف مدينة ماضي في الثلاثينات على يد عالم البرديات الإيطالي الشهير “أكيلي فوليانو”. عُرفت المدينة عند تأسيسها باسم مدينة “جيا”، ثم أطلق عليها الاسم اليوناني “نارموثيس”، وتُعرف الآن باسم “مدينة ماضي”. قام فوليانو بإزالة الرمال عن المدينة خلال ست حملات تنقيب جرت ما بين عامي 1935 و1939، ثم انقطعت أعمال التنقيب بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية.

    تم استكمال الحفائر منذ عام 1978 بواسطة بعثة جامعة “بيزا” الإيطالية، وتوالت بعد ذلك العديد من الاكتشافات الهامة في المدينة، التي لا تزال تكشف عن كنوزها المدفونة تحت الرمال، وتعد من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين.

    «جيا» مدينة أمنمحات الثالث

    تشير الدراسات الأثرية إلى أنه تم تكريس المعبد الذي شيده الملك أمنمحات الثالث في “جيا” لعبادة كل من “رننوتت” الكوبرا، رمز الحصاد عند المصري القديم، و”سوبك” التمساح المقدس إله الفيوم، الذي أصبح اسمه فيما بعد “كريكوديلوبوليس”. وأكمل الملك أمنمحات الرابع المعبد وكرس لعبادة الإلهة “إيزيس”. يُعد المعبد الوحيد الباقي من عصر الأسرة الثانية عشر. ومنذ حوالي 7 أو 8 قرون، في نهاية الدولة الحديثة، هجر السكان المدينة وغطت الرمال المعبد، مما أدى إلى فقدان أهميته، ولحق الخراب بأجزائه الظاهرة.

    العصر البطلمي “نارموثيس

    يقول عبد العال: “مع العصر البطلمي استعاد إقليم الفيوم أهميته مرة أخرى على يد بطليموس الثاني وخلفائه، ونهضت مدينة “جيا ” مرة أخرى، لكن تحت اسم يوناني جديد هو “نارموثيس” مدينة “رننوتت هير موتيس”. تم ترميم وإعادة بناء معبد أمنمحات، حيث تم توسيع مساحته من جهة الجنوب والشمال، كما تم إضافة معبد جديد وبناء سور طويل حول أرض المعبد المقدسة.

    وخلال فترة العصر الروماني، ظلت المدينة حية ومنتعشة. في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الميلادي، بدأ السكان في هجر منطقة المعابد القديمة تدريجيا، وغطت أكوام الأتربة والرمال والأحجار أرضها. انتقل السكان تدريجيا إلى المنطقة العمرانية الجنوبية، حيث سكنوا المنازل القديمة، وبنوا مساكن جديدة عند أطراف المدينة. وفي نهاية القرن الثالث الميلادي، خلال حكم الإمبراطور دقلديانوس، تم بناء حصن “نارموثيوس” العسكري، الذي استقبل جنود الوحدة العسكرية الرابعة “نوميداروم”، مما يعزز قيمة نارموثيوس الاستراتيجية”.

    العصر القبطي وما بعده

    وبحسب المعلومات المكتوبة على اللوحات الإرشادية بمركز الضيافة بمدينة ماضي، الذي يحكي تاريخ المدينة ويضم العديد من الصور الأولى للحفائر وأعمال البعثات المختلفة. استقر السكان في المنطقة الجنوبية من المدينة خلال العصر القبطي. وتحديدا بين القرنين الخامس والثامن الميلادي، وقاموا بتشييد الكنائس التي تميزت بتخطيط فريد. وكانت المدينة مركزًا هامًا للديانة المانوية، ومن المرجح أنها كانت تسمى آنذاك “ترنوت”.

    ومنذ بداية القرن الثامن حتى الحادي عشر، أقام العرب أجزاء من المدينة، لكنهم سرعان ما هجروها. وعُرفت المدينة بعد ذلك باسم “مدينة ماضي”، وهو الاسم الوارد على خرائط الفيوم في كتاب “وصف مصر” (1802 – 1810) الذي ألفه فريق العلماء المصاحب للحملة الفرنسية.

    اكتشافات متوالية

    ويكمل الباحث الأثري: في عام 1938، عثر أكيلي فوليانو مكتشف المدينة على أكثر من 1500 “أوستراكا”، وهي قطع “شُقف” من الفخار عليها كتابات منقوشة بالهيراطيقية واليونانية والديموطيقية تعود للقرن الثاني الميلادي. كانت تلك الشقفات محفوظة في آنيتين ضخمتين من التراكوتا “الطين المحروق” داخل أحد المنازل. وكانت جامعة ميلانو الحكومية مسؤولة عن الحفائر في الفترة من 1966 وحتى 1969، وفي عام 1978حصلت جامعة بيزا على امتياز للقيام بأعمال الحفر بالمدينة. عثرت على “كوم ماضي” الذي يبعد عن المدينة بمقدار كيلو متر، كما عثرت على معبد أنوبيس، ومقصورة “إيمحوتب”.

    وتابع: تم العثور على مقصورة أخرى تضم رسومات ذات طابع مصري – يوناني، كانت مكرسة لعبادة أحد الأسر الحاكمة. وفي عام 1984، استمر التنقيب في المنطقة الجنوبية للمدينة “القبطية”، حيث تم العثور على 10 كنائس تعود للقرن الخامس والسادس، وتعد من الاكتشافات الهامة في تاريخ العمارة المسيحية بالفيوم.

    وفي عام 1995 و1999، تم اكتشاف معبد جديد يقع جهة الطرف الشرقي، بواسطة بعثة جامعة بيزا. وكان المعبد مكرسًا لعبادة الإله “سوبك”. وعاودت بعثة جامعة بيزا اكتشافاتها في عام 2007. حيث اكتشفت بقايا معسكر “نارموثيوس” الذي يعود لفترة حكم الإمبراطور دقلديانوس، بالإضافة لاكتشاف شبكة قديمة للري. لكن البعثة غطت بنايات المعسكر بالرمال من جديد بهدف حمايتها والحفاظ عليها. ومن المقرر أن يكون موقع الحفر القادم في المنطقة التي تقع شمال غرب الميدان الروماني، حيث لم تتم أعمال التنقيب هناك حتى الآن.

    صالة هراقلدورس وترانيم “إيزيدوريس

    في عهد بطليموس التاسع، بنى هراقلدورس بن سوستراتوس، وزوجته إيزيدورا، صالة كبيرة عند نهاية طريق الاحتفالات في مدينة “جيا” (التي أصبحت فيما بعد مدينة ماضي)، وكانت للواجهة تمثالان مميزان. كانت هذه الصالة مخصصة لعبادة الإلهة رننوتت (هيرموثيس) والإله سكنوبيس (سوبك – حابي).

    في عام 1035، اكتشف أكيلي فوليانو أربع ترانيم مكتوبة باليونانية على جدران مدخل صالة هراقلدورس، وكان مؤلف هذه الترانيم هو إيزيدوريس، المصري الذي كان يتمتع بثقافة يونانية واسعة. وكان هذا الاكتشاف أهمية أثرية ودينية وثقافية، لأنه يظهر كيف أن المصريين تعلموا النصوص الثنائية في العصر البطلمي.

    في ترانيمه، مدح إيزيدوريس الملك أمنمحات وقدراته الخارقة.  وذكر في إحداها كيف أن الملك كان قادرا على فهم لغة الطيور، ويرسل غرابا كساعي بريد، فيقول:

    أجناس الطير أجمعها كانت له طائعة

    فالذين قرءوا ما في الكتب المقدسة

    يقررون أنه يومًا كان قد أرسل غرابًا

    ويقولون أنه قد عاد برسالة في خطاب

    فما كان رجلًا هالكا ولا ابن ملك هالك

    بل كان سليل إله عظيم خالد سوخوس (سوبك) القدير

    ***

    ويشير إيزيدوريس إلى معجزة للملك أمنمحات يرويها ويقول:

    أنا بعدها علمت من الآخرين بمعجزة مذهلة

    فقد كان يسبح على الجبل بالعجلات والشراع

    ولعلمي علم اليقين من أناس في ذاك الشأن سألتهم

    فقد قمت بكتابة كل هذا بنفسي وبذلك كان بمقدوري

    بيان قدرة الملك الإلهية للإغريق

    تلك القوة التي لم تكن يوما ما لأحد من الهالكين

    ويوجد بالمتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية جميع الأحجار المدون عليها تلك الكتابات. حيث نقلها فوليانو في عام 1936، بقصد حمايتها من التلف. وتم استبدال تلك الأحجار الأصلية بأخرى جديدة موجودة الآن في مدينة ماضي.

    عربة تسير بقوة الرياح

    في فناء المعبد الأول، اكتشف فوليانو بقايا عربة خشبية ذات عجلات صغيرة وسارية مركزية تشبه الشراع. ما يشير إلى أنها كانت تستخدم قوة الرياح للتحرك. وأُعتقد أن هذه العربة تتعلق بما ذكره إيزيدوريس في ترانيمه عن الملك أمنمحات.

    حضانة التماسيح

    في الجهة الشمالية من المعبد، يوجد مبنى صغير يعلوه قبو. المبنى في حالة جيدة، وله نافذة صغيرة في الواجهة. هو مقسم إلى قسمين عن طريق جدار فاصل من الحجارة مكسو بالملاط بارتفاع متر ونصف. كما يوجد حوض مربع عمقه 30سم، له درجتان منخفضتان، ومجرى تصريف يصب في حوض آخر من الحجر خلف الجدار.

    على جدران بيت الضيافة بالمدينة، وفي أحد الصناديق الزجاجية، يوجد عدد من البيض. في عام 1999، تم العثور على حفرة عمقها 60 سم، كان بداخلها 30 بيضة من بيض التماسيح، مغطاة بطبقة من الرمال. المدهش أن كثيرا منها كان يحتوي على أجنة بعضها مكتمل النمو.

    أدى اكتشاف بيض التماسيح إلى معرفة أن هذا المبني كان عبارة عن “حضانة للتماسيح المقدسة”، حيث كانت التماسيح الصغيرة التي خرجت من البيض تقضي بعض الوقت في ماء الحوض. كانت وظيفة الجدار الفاصل منع تلك التماسيح من الخروج من المكان المخصص لها. تشير أدلة كثيرة إلى أن المصريين القدماء كانوا يقومون بتحنيط التماسيح ويقدمونها كقربان لحجاج وأتباع المعبود سوبك، حيث كانت توضع في مقصورة التماسيح المقدسة.

    الوضع الحالي للمدينة

    تقف منازل ومعابد مدينة ماضي وحديقتها الأثرية المفتوحة شامخة، تتحدى الزمن لتخبرنا بأنها كانت مدينة عظيمة ذات شأن. وأنها لا تزال تخفي الكثير من الأسرار في انتظار من يكشف عنها.

    يمكن للزوار الوصول إلى مدينة ماضي عبر طريق صعب يمتد من جهة الشرق عبر قرية أبو جندير. وهناك طريق آخر جهة الغرب يربط المدينة الأثرية بمحمية وادي الحيتان، وهو طريق بطول 28 كيلو مترا، ويرتفع 75 مترا فوق سطح بحيرتي وادي الريان.

    وبالرغم من أهمية المدينة، وكونها المدينة الوحيدة الباقية بمنازلها ومعابدها بشكل كبير ومبهر، إلا أنها تعاني من الإهمال. ففي منازل المدينة وداخل المقصورات الخاصة بالمعابد، توجد القمامة والأوراق والحشائش.

    اقرأ أيضا:

    حمام كرانيس بالفيوم.. تاريخ يحتاج إنقاذ عاجل

  • طُرز معمارية فريدة.. هل تصمد مباني الفيوم التاريخية أمام خطر التشويه؟

    طُرز معمارية فريدة.. هل تصمد مباني الفيوم التاريخية أمام خطر التشويه؟

    تواجه المباني التاريخية في الفيوم خطر التشويه والتخريب، مما يهدد بفقدان جزء كبير من ذاكرة المدينة وهويتها الثقافية. فالمنازل القديمة والقصور التراثية ليست مجرد طرز معمارية، بل شواهد حية تعكس هوية المجتمع. وعلى الرغم من ذلك تعاني هذه المباني من التآكل والتدمير، إثر تغيير معالمها التراثية أو هجرها دون استفادة، ما يستدعى تحركا عاجلا للحفاظ عليها وضمان بقائها.

    معايير تسجيل المباني

    بموجب قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، والذي يتضمن فصلًا عن الحفاظ على المباني ذات الطابع المعماري المميز أو التاريخي، يحظر هدم أو تغيير معالم المباني المسجلة في قوائم الحصر ذات القيمة إلا بموافقة لجنة مختصة. كما يجرم القانون أي تخريب أو تعديلات غير مصرح بها على هذه المباني. في كل محافظة، توجد لجنة تعرف بـ”التنسيق الحضاري”،  مختصة بحصر وتوثيق تلك المباني وإدراجها ضمن قوائم التراث، مايمنع هدمها أو تغييرها.

    وحول عمل تلك اللجنة وشروط ومعايير تسجيل المباني تقول الدكتورة منى حسن سليمان، رئيس قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة جامعة الفيوم ورئيس لجنة التنسيق الحضاري بالمحافظة: “نهتم كثيرًا في التنسيق الحضاري بالحفاظ على المباني ذات الطابع المعماري المميز لما لها من قيمة جمالية للأجيال القادمة حتى يتسنى لهم معرفة تاريخهم. أرى أن هذه المباني لا تقل بأي شكل من الأشكال عن آثارنا الممتدة عبر التاريخ، فهي بمثابة وثائق معمارية تاريخية”.

    وتابعت: “قسمت الدولة المباني إلى قسمين: المباني التي تعود لأكثر من مائة وخمسين عامًا تكون تابعة للآثار، أما المباني التي يعود تاريخها إلى مائة عام أو مائة وخمسين عامًا فتكون تابعة للجنة التنسيق الحضاري. لكن أود التنويه إلى أن معايير ضم تلك المباني للتنسيق الحضاري لا تستند فقط إلى قدم المبنى، بل إلى قيمته المعمارية، والتي يتم تقديرها عبر واجهته وتصميمه وتفاصيله من خلال خبراء ومتخصصين في تاريخ العمارة ونظرياتها، فكل ما يضيف للعمران هو ما يتم تسجيله”.

    قصر عبد القادر الباسل.. تصوير: د. غدير دردير
    قصر عبد القادر الباسل.. تصوير: د. غدير دردير
    عمارة مصر الأوربية

    وحول طرز المباني في الفيوم يقول الدكتور وليد عبدالسميع، مدرس مساعد بكلية الآثار جامعة الفيوم لـ«باب مصر»: “تميزت الفيوم في الماضي بطرز معمارية خاصة بها في مبانيها، لكنها تأثرت بالعمارة الأوروبية الوافدة من حيث التصاميم والزخارف المعمارية والأساليب الفنية، وهو ما كان واضحا في قصور الأعيان والعمد ومشايخ العربان، بالإضافة إلى المباني الأميرية (الحكومية)”.

    وتابع: بالرغم من تأثرها بالعمارة الأوروبية، إلا أن هناك تأثيرا محليا مصريا أضفى عليها خصائص مميزة تعرف بعمارة “مصر الأوروبية”. أُبرزت هذه الخصائص عبر الجمع بين العمارة الإسلامية، والذي ظهر في منزل وزير الحربية الأسبق بعهد الملك فاروق “حمدي سيف النصر باشا” بالفيوم، والأبراج الموجودة في قصور الفيوم والتي تتبع النظام الأوروبي وعصر النهضة، والتأثيرات الأوروبية الوافدة.

    هجمات شرسة من الملاك

    تواجه لجنة التنسيق الحضاري بالفيوم هجمات شرسة من الملاك، حسب ما ذكرت رئيس اللجنة. وأشارت إلى أن تسجيل أي مبنى من قبل التنسيق الحضاري يمنع المالك من هدمه أو حتى ترميمه إلا بعد تقديم طلب ومراجعة استشاري مختص، لتجنب أي ضرر يلحق بالشكل الجمالي للعقار.

    تقول سليمان: “تواجهنا صعوبة بالغة عند تسجيل تلك المباني، حيث يرفض الكثير من الورثة ذلك، ولا يسمح لأعضاء اللجنة في كثير من الحالات بدخول المبنى أو حتى التواجد بالقرب منه، حتى يتسنى للورثة هدمه أو بيعه قبل التسجيل”.

    وتابعت: يتعمد بعض الملاك إلحاق الأضرار بالمباني، حتى تكون آيلة للسقوط ومن ثم هدمها. وتقوم اللجنة باتخاذ الإجراءات القانونية، إلا أن هناك صعوبة في حماية تلك المباني بالشكل المناسب، أو إعادتها إلى شكلها الأساسي، بالإضافة إلى عدم رغبة أغلب الأهالي بعملية الترميم. وبالطبع، لا يمتلك الجهاز الميزانيات المالية الكافية لتلك العمليات. كما نجد في بعض الأحيان صعوبة في الوصول إلى المالك الحقيقي للمبنى، بسبب الخلافات بين الورثة وتعددهم، وهو ما قد يعرض المبنى لإلغاء تسجيله من خلال حكم قضائي.

    حصر القصور والبيوت

    حصرت وزارة الآثار المباني التراثية والأثرية بالمحافظة استعدادا لضمها. وتمت معاينتها والتي وصل عددها إلى 19 مبنى ما بين قصور وبيوت، لكنها لم يتم تسجيل أي منها. وتم تشكيل لجنة التنسيق الحضاري بالمحافظة بقرار رقم 162 لسنة 2008، ثم عُدل بالقرار رقم 722 لسنة 2008. ومنذ ذلك الحين، تم ضم هذه المباني للجنة التنسيق الحضاري. وقد حصل «باب مصر» على تلك القائمة التي تضمنت المباني التالية بمدينة الفيوم:

    •  (منزل مرزوق متى- منزل صادق الراهب- مبنى البنك الأهلي- مبنى البنك المصري- منزل المستشار ربيع السوداني- فيلا الجمال- قصر أنيسة ويصا- قصر همهم- مباني محطة السكة الحديد).

    أما بمركز سنورس، فقد تضمنت القائمة:

    •  (فيلا أحمد أبو زيد طنطاوي- منزل عبد الحميد أبو زيد طنطاوي- منزل أبو زيد طنطاوي- منزل عثمان طنطاوي- أوبرج الفيوم).

    وفي مركز ومدينة إطسا، تضمنت القائمة أيضا:

    •  (قصر عبد القادر الباسل- قصر حمد باشا الباسل- قصر عبدالستار بك الباسل- قصر أحمد حشمت باشا).
    قصر حمد باشا
    قصر حمد باشا
    معاينة المباني

    استلمت لجنة التنسيق الحضاري بالمحافظة هذا الكشف من الآثار، والتي بدورها قامت بمعاينة تلك المباني التراثية والأثرية، التي اختفى البعض منها ولم يستدل عليها من قبل اللجنة. كما قامت اللجنة بإضافة بعض المباني التراثية الحديثة للقائمة. وقد حصل «باب مصر» على القائمة الحديثة وما تم ضمه إليها من مباني، بجانب ما سبق ذكره، وهي:

    (استراحة الأميرة فوزية على بحيرة قارون- قصر ممدوح عبد الظاهر الجمال- عمارة يحيى موميه- مدرسة الأمريكان للغات- بيت السلام- منزل عائلة الفشن- منزل معوض عثمان- منزل يحيى سيد النجدي- منزل محمد مأمون عبد الفتاح- عمارة مرجان- منزل عبد السيد مقار- منزل زكي حنا.

    وكذلك منزل محمد شعبان الدفناوي- منزل عبد العظيم وحش- منزل جلال الإبياري- منزل ورثة ربيع عدلي صقر- مباني مديرية الري بالفيوم- استراحة وكيل وزارة الري- المدرسة الأميرية- مدرسة جمال عبد الناصر- مباني ورثة معوض سليمان- محطة توليد الكهرباء القديمة بالعزب- مباني محطة مياه الشرب- مستشفى الرمد- منزل عبد المسيح عزب- فيلا حسن الحريشي، فيلا عادل فرج الله).

    اندثار المباني واختفائها

    بحسب ما هو مسجل بالقائمة الخاصة بلجنة التنسيق الحضاري. عاينت اللجنة المباني التي كانت مسجلة على اللائحة التي استلمتها من الآثار، لكنها اكتشفت غياب بعض الأماكن مثل:

    (قصر السيد أحمد حشمت باشا بقرية حشمت – تطون مركز إطسا). حيث قالت اللجنة في تقريرها: “تمت المعاينة ولكن لم يستدل على وجوده”. كما جاء تقرير اللجنة بخصوص “منزل السيد عثمان طنطاوي بمدينة سنورس، والذي هُدم بمعرفة الملاك أثناء ثورة 25 يناير.

    حديقة قصر عبد الستار الباسل
    حديقة قصر عبد الستار الباسل
    نشر الوعي الأثري

    ليس اختفاء بعض المباني وهدمها من قبل الورثة هو الخطر الوحيد الذي تتعرض له المباني التاريخية. إذ يواجه بعضها خطر التشويه وإخفاء معالمها استعدادا لهدمها.

    وأشارت الدكتورة غدير دردير عفيفي، أستاذة بكلية الآثار جامعة الفيوم، إلى ضرورة نشر الوعي الأثري بين الأهالي، لتجنب تخريب المباني التاريخية. وقالت: “الأغلبية من الأهالي لا يعلمون شيئا عن أهمية تلك المباني. ويجب توعيتهم بها، حتى لا يتم تخريبها، خاصة أن الحكومة قد تقدم تعويضات مناسبة لهم”. وتابعت: يجب العمل على الحفاظ على المباني الأثرية التي تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، والتي تسجل ضمن التراث. يجب أن نحافظ عليها ونمنع تدميرها أو تشويهها المتعمد”.

    وأضافت دردير: “ما يحزنني أن أرى مبنى يمتاز بتصميم فريد وطابع مميز يتعرض للتخريب والتشويه. هناك مثال على ذلك قصر عبد القادر الباسل الذي يمتاز بالشكل والطابع المميز. إذ أنه الوحيد الذي يتبع التخطيط الكنسي البازيلكي، على الرغم من أن مالكه كان مسلما، ويصادف هذا العام مرور مائة عام على بناء القصر، إذ يحدد تاريخ بناءه في عام 1924 وفقا للوثائق.

    جانب من قصر عبد القادر الباسل
    جانب من قصر عبد القادر الباسل
    قصور خالية

    وذكرت أستاذ الآثار أن هناك العديد من تلك القصور لا يعيش فيها أحد، قام بغلقها الورثة وسافروا إلى الخارج. ولا يسمح لأحد حتى من المتخصصين بدخولها أو تصويرها، مما يعيق عملية توثيقها.

    كما أشارت إلى قصر يمتلكه مسؤول ما، كان مسجلا ضمن قوائم الحصر. وهو قصر أثري ذا طابع مميز ونظام تصميم فريد. إلا أن مالكه رفع قضية على الآثار وكسبها، وأصبح ملكية خاصة، على الرغم من تصميمه الفريد، قام المالك بدهانه من الخارج بألوان حديثه، ولا يسمح لأحد بدخوله حتى للدراسة. نحترم خصوصيته، لكن هناك جوانب في هذا القصر تحتاج للدراسة والتوثيق، ويجب إعطاؤنا فرصة لذلك.

    لا يوجد أرشيف

    بحسب ما ذكرت لجنة التنسيق الحضاري، لا يوجد أرشيف يضم المباني القديمة ذات الطابع التراثي، مما يصعب مهمة حصرها، مثلما حدث مع هذه المباني:

    • قصر مرزوق متى: تم بيعه لأحد الأعيان، وهدم الحوائط الخلفية وحرق الدور الأخير من القصر عام 2020 لطمس معالمه.
    • محطة قطار الفيوم: تم بيع جزء كبير من الأرض وهدم بعض المباني القديمة لإنشاء مشروع استثماري.
    • قصر عبد القادر الباسل: تم إضرام حريق في الطابق الأرضي، ونزع بلاط الأرضيات، وتخريب الحديقة.
    • قصر أنيسة ويصا: تم تشويهه بطلاء ألوان غير أصلية واستخدامه كمقر حكومي.

    وفي الختام، يظل السؤال: هل ستصمد تلك المباني التاريخية أمام رغبة الملاك في هدمها أم ستختفي تدريجيا، مما يفقد المجتمع جزءا هاما من هويته الثقافية؟

    اقرأ أيضا:

    هل ينجو قصر «أنيسة ويصا» من الإهمال؟

  • هل ينجو قصر «أنيسة ويصا» من الإهمال؟

    هل ينجو قصر «أنيسة ويصا» من الإهمال؟

    يعاني قصر أنيسة ويصا في مدينة الفيوم من إهمال شديد يهدد هويته المعمارية الفريدة. ورغم كونه أحد أبرز الأمثلة على الفن الرومانسكي في أواخر القرن الثامن عشر، تعرض القصر لتشويه كبير بعد تحويله إلى مقر لمجلس الدولة، حيث تم استقطاع جزء كبير من حديقته وتحطيم تمثالين من مدخله، فضلا عن التشويه الداخلي الذي لحق بالزخارف الفنية.

    تاريخ القصر

    يقول الدكتور وليد عبدالسميع، المدرس المساعد بكلية الآثار جامعة الفيوم في تصريحات لـ«باب مصر»: “قمت بعمل دراسة بحثية تاريخية عن قصر “الست أنيسة حنا بقطر ويصا”، وما يتميز به من طراز معماري. وقد طالبت أن يتم تسجيل القصر كأثر، حيث أنشئ عام 1899، حسب التاريخ المكتوب بالأرقام الإنجليزية على الفرنتون الخشبي الذي يتوج منتصف الواجهة الغربية والرئيسية للمبنى. وهو ما يؤكد صحة تاريخ الإنشاء، ويعود القصر حسب تاريخ إنشائه إلى العصر العثماني”.

    وتشير الوثائق والخرائط المساحية إلى أن القصر وملحقاته من “العربخانة، والحديقة، وديوان التفتيش”، كان ملكًا لتفتيش الفيوم التابع للدائرة السنية التي كانت تضم أملاك الخديوي إسماعيل وأسرته. وقد وافق مجلس النظار على بيع القصر بتاريخ 22\12\1902.

    وتابع: “طلب حنا صالح نسيم، أحد وجهاء بندر أسيوط شراء القصر وملحقاته بمبلغ 6000 جنيه، بحيث يدفع 600 جنيه عام 1902م ويتم دفع باقي المبلغ على أقساط لمدة 15 سنة بفائدة 5%. وقد أرسلت نظارة المالية لمجلس النظار موافقتها على الطلب، على أن يكون موعد التسليم نهاية عام 1906، وذلك وفق شروط حددتها الدائرة السنية”.

    انتقاله إلى أنيسة ويصا

    يكمل عبدالسميع: “وبحسب جرد عوائد أملاك حنا صالح نسيم، فقد صار القصر ملكا لورثته في عام 1925. وهم ابنته السيدة فلة حنا صالح، التي أوصت بأن يذهب ميراثها وهو الثلث لابنتها هيلين، وابنها عزيز حنا صالح الذي ورث حصة الثلثين. ثم حدث نزاع قضائي بين الورثة. حيث رفعت السيدة هيلين قضية ضد السيدة أنيسة ويصا بعد أن توفي زوجها عزيز بك حنا صالح، خال المدعية، طالبت فيها بفرض الحراسة على ميراث عزيز بك حنا، كونها تملك نصيب الثلاثة أرباع، بينما تملك زوجته أنيسة الربع فقط”.

    لكن القصر آل إلى السيدة أنيسة، حيث توفي المورث الأصلي للقصر”حنا صالح نسيم” وهو مدين بمبلغ 176.000 جنيه. وقد آلت الأقساط السنوية للمنزل على عاتق زوجها عزيز بك، وقد أمدته بالأموال التي مكنته من سداد هذا الدين. وبذلك أصبحت دائنة لزوجها بمبالغ بلغت فوائدها المستحقة قرابة 50 ألف جنيهًا، وهو ما يفوق قيمة التركة. بالإضافة إلى أن زوجها أوصى أن تكون جميع أملاكه لزوجته بعد وفاته.

    وبحكم قضائي صدر في 7\1\1942، أصبحت السيدة أنيسة هانم حنا بقطر ويصا، إحدى السيدات المرموقات بمدينة الفيوم. وسليلة عائلة ويصا الشهيرة، مالكة القصر. وكانت جملة الأطيان في وقفها، المؤرخ بتاريخ 27\4\1933، تبلغ 417 فدانا و4 قيراط و7 أسهم، في مديريات أسيوط وبني سويف والفيوم. وتم نُسبة القصر إليها في كافة الدراسات الحديثة.

    استخدام سيء للمكان

    ظل القصر مسكنًا خاصًا للسيدة أنيسة ويصا حتى وفاتها، ثم آلت الملكية إلى الدولة نظير ديون في عام 1972. وفي عام 1997 صار القصر مقرًا للحزب الوطني الديمقراطي المنحل حتى عام 2011، ثم أصبح مقرًا لمجلس الدولة بالمحافظة. ولم يتم إدراجه في عداد الآثار حتى الآن. رغم صدور عدة قرارات اعتبرته بناء ذات طراز معماري مميز لا يمكن هدمه. ومنها قرارات محافظة الفيوم أرقام 424، 441، 457، لسنة 1998، وقرار رقم 100 لسنة 2002، وقرار 312 لسنة 2003، وقرار مجلس الوزراء رقم 2606 بتاريخ 22\9\2010.

    وتقول الدكتورة غدير دردير عفيفي، الأستاذة بكلية الآثار جامعة الفيوم، والتي تناولت قصر أنيسة ويصا في رسالة الدكتوراه خاصتها التي حملت عنوان “القصور في محافظة الفيوم خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين” في حديثها لـ«باب مصر»: “هذا القصر هام للغاية. وقد قمت بدراسته بشكل مفصل في عام 2010. وللصدفة، ومنذ فترة قصيرة كان علي إنهاء بعض الأوراق بأحد المقار الحكومية. لأكتشف أنني بداخل القصر، الذي للوهلة الأولى لم أتعرف عليه من هول ما لحق به من إهمال جراء عمليات التغيير غير المدروسة”.

    وتكمل: “يمتاز هذا القصر بتصميمه الأوروبي وطرازه الرومانسكي، والمحزن أنه تم دهان حوائطه بألوان أخفت دهانات الحوائط الأصلية. حتى “الفرنتون” المدون عليه تاريخ بناء القصر بالأحرف الإنجليزية عام 1899. والذي يعد أثرا رسميا وليس تراثا فقط، تم دهانه باللونين الأصفر والأخضر بقصد طمس التاريخ وعدم إظهاره.

    وتابعت حديثها: “تم تركيب صنابير مياه في حديقة القصر، وهو ما قد يساهم في زيادة تسرب المياه لباطن الأرض. ويسبب تلفا مباشرا لأرضيات القصر من الباركيه، والأسقف الخشبية والقرميد”.

    منشأة أثرية

    وتضيف عفيفي: “مع احترامي الكامل للموجودين في القصر، يجب التعامل مع المكان على أنه منشأة أثرية يجب المحافظة على شكلها الأصلي وعدم تشويهه. وعلى مكوناته المعمارية والفنية. لا أعارض استخدام الأماكن الأثرية واستغلالها من قبل الدولة. لكن يجب الاستفادة منها بالشكل الذي يحافظ على شكل وطابع المكان التراثي والفني الأثري. لا يصح ضم حجرة على حجرة أخرى، أو عمل فتحات جديدة في الجدران. عدم دهان المكان بالألوان التي تطمس معالمه الفنية الخاصة، ولا أرى سببا لذلك سوى التشويه”.

    وتكمل: “صدمت من رؤية القصر، والذي يقع في قلب مدينة الفيوم، وفي موقع حيوي للغاية، وكنت أتمنى الحفاظ عليه. لذلك أطالب بالنظر إلى القصر ليعود مرة أخرى لشكله الأصلي، وأتمنى توثيق المكان كأثر”.

    مطالب بضم القصر للآثار

     في عام 2011 تقدم مفتش آثار بمحافظة الفيوم يدعى “رامي المراكبي” بمذكرة إلى الدكتور محمد إبراهيم، وزيرالآثار، طالبا فيها ضم قصر”أنيسة ويصا” للآثار. واستغلاله كمتحف إقليمي داخل محافظة الفيوم. ونقل مقر منطقة آثار الفيوم الإسلامية والقبطية إليه. نظم هو وزملاؤه وقفات احتجاجية طالبت بضم القصر، لكن دون جدوى.

    تعرض القصر لعملية تخريب ممنهجة في التسعينات عندما كان في قبضة الحزب الوطني الديمقراطي. حيث خاطب الحزب القائمين على أمره بأن القصر آيل للسقوط وبه شروخ وتشققات حتى يمكنه هدمه. وقد حاول الحزب بيع القصر واستغلال موقعه المتميز، لكن وزارة الآثار تصدت لكل هذه المحاولات بشكل حازم.

    وقال مصدر بالآثار الإسلامية والقبطية- رفض ذكر اسمه- إن تشويه القصر لم يقتصر على استقطاع جزء كبير من حديقته. بل تم تحطيم تمثالين من الحجر كانا في مدخل القصر. بالإضافة إلى التشويه الداخلي التي لحق بالزخارف الفنية.

    وفقًا للمادة (12) من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983: يحظر استخدام المواقع والمباني الأثرية لأغراض تتنافي مع طبيعتها الأثرية أو تعرضها للخطر. ويعد القصر ذا قيمة تاريخية ومعمارية فريدة، يواجه الآن واقعا مختلفا ومغايرا، ويتعرض للإهمال، بسبب كثرة تردد المواطنين عليه لقضاء شؤونهم.

    اقرأ أيضا:

    ميدان السواقي: التراث يختفي وراء جدران «التطوير»

  • ميدان السواقي: التراث يختفي وراء جدران «التطوير»

    ميدان السواقي: التراث يختفي وراء جدران «التطوير»

    طالت يد «التطوير» ميدان السواقي في الفيوم، فغيرت ملامحه التي طالما كانت عنوانا لروح المدينة. اختفت السواقي التي كان تميز الميدان خلف الجدران الإسمنتية للمحال والمباني التجارة الجديدة. تحول الميدان، الذي كان يعد أحد أبرز المعالم السياحية والتاريخية في المحافظة، إلى مكان فاقد لهويته وجاذبيته، وأصبح بحاجة إلى من يعيد له رونقه وإنقاذه من هذه التحولات.

     أحداث تاريخية هامة

    شهد ميدان قارون، الذي تغير اسمه إلى ميدان السواقي، العديد من الأحداث التاريخية الهامة. فقد كان مكان تجمع أهالي الفيوم خلال كفاحهم ضد الاحتلال الفرنسي. كما انطلق منه الثوار في هجومهم على الضباط الإنجليز ومديرية الأمن بالفيوم خلال أحداث ثورة 1919. وفيه تجمع الأهالي حول الرئيس جمال عبدالناصر عند زيارته للفيوم عام 1956، ومنه خرجوا لمناشدته بعدم التنحي، كما خرجت منه جنازته الرمزية. وتجمعت فيه الجماهير خلال ثورتي 25 يناير و30 يونيو.

    وكان الميدان أيضا المكان المخصص للاحتفالات الرسمية التي كانت تقام تحت أشجاره الباسقة بجوار أكشاك الموسيقى. ومنذ أن كان الميدان الوحيد بالمحافظة، كان يعتبر المكان الأكثر ظهورًا لأي مشروع تطوير. وعلى مدار سنوات، شهد الميدان العديد من مشروعات التطوير التي غيرت معالمه بشكل كامل، فاختفت المساحة الخضراء والأشجار، وهدمت “كافيتيريا المدينة” الشهيرة. وفي عملية التطوير الأخيرة التي لحقت بالميدان، اختفت السواقي الأربعة التي تميز الميدان وتمنحه طابعه الفريد، وسط مجموعة من المحال التجارية والمقاهي والمطاعم. ولم تحظ عمليات التطوير هذه برضا أهالي الفيوم مثلما حدث في التطوير الأخير.

    سوقا استثماريا

    يقول نبيل حنظل، مدير عام هيئة تنشيط السياحة بالفيوم سابقًا: “كان ميدان السواقي أحد المعالم السياحية البارزة في المحافظة،حيث كان مقصدا سياحيا يستقبل أفواج السياح من مختلف دول العالم، وكانت الشركات السياحية تضعه في برنامج رحلاتها. وكان بإمكان الزائر أن يقرأ تاريخ الفيوم عبر مباني أثرية ذات طرز قديمة مميزة تطل على السواقي التي كانت تشكل رمز المحافظة”.

    ويكمل حنظل: “على جانبي الميدان توجد بعض المباني من فترة الثلاثينيات التي مازالت تحتفظ بسمات فن العمارة في تلك الحقبة، بجانب بعض المحال التجارية التي لا تزال تحتفظ بطابعها القديم، بالإضافة إلى “لوكاندة” الفيوم، أقدم مبنى في مدينة الفيوم، حيث يرجع تاريخ إنشائها إلى عام 1899، فضلا عن بورصة الفيوم ودور السينما. ورغم هذا الثراء المعماري، فقد الميدان الكثير من معالمه المميزة مع مرور الوقت”.

    وتابع: “حظي ميدان السواقي باهتمام جميع المحافظين باعتباره الميدان الرئيسي للمحافظة. حيث شهد العديد من التصاميم التي تعددت في رؤى المخططين والمحافظين من أول تخطيط للميدان في العصر الحديث في عهد اللواء محيي الدين أبو العزم محافظ الفيوم عام 1960، وحتى الآن. أما التخطيط الحالي، الذي تم في عهد المحافظ الحالي الدكتور أحمد الأنصاري، فيعتمد على استغلال المساحة الخاصة بالميدان. والتي تصل إلى قصر الثقافة لتكون سوقا استثماريا، مما ساهم في اختفاء معالم الميدان وهويته التي اختفت واحدة تلو الأخرى”.

    جريمة ضد الجمال

    وأبدى الفنان والمخرج المسرحي عزت زين انزعاجه مما لحق بالميدان. قائلا: “يوجد بالفيوم فنانون عالميون، منهم الفنان محمد عبلة، والفنان التشكيلي أسامة السروي الذي عمل ملحقًا ثقافيًا لمصر في روسيا الاتحادية، والحاصل على وسام “بوشكين”، أعلى وسام روسي يمنح للأجانب، مثل وسام “جوته” الذي حصل عليه الفنان محمد عبلة. أذكر هذا كمثال لأنه يوجد بالفيوم الكثير من الفنانين المتميزين، لكن لم تتم الاستعانة بأحدهم في وضع أي من اللمسات الجمالية على ميدان السواقي أو غيره من ميادين المحافظة الأخرى”.

    وتابع: تم التعامل مع ميدان السواقي من منظور تجاري، وتحول من ميدان يستقبل الزائرين من خارج المحافظة ومن أبنائها إلى مجموعة من المطاعم والمقاهي. كما تم تضييق أحد الشرايين المرورية المهمة بجانب بحر يوسف، حيث تحول جزء منه إلى ممشى وجراج لسيارات أصحاب المطاعم، ولا أستطيع أن أرى ما حدث في الميدان إلا جريمة ضد الجمال، ونشر للقبح بكل أسف.

    لا كرامة لفنان في وطنه

    وأعرب الفنان التشكيلي محمد بكر الفيومي عن حزنه الشديد لما آل إليه الميدان في عملية التطوير الأخيرة. وقال: “ما حدث للميدان هو جريمة في حق الجمال، وأنا أتجنب المرور من أمامه حتى لا أشعر بالحزن والكآبة، منذ سنوات مضت، تم إزالة الأشجار والمنطقة الخضراء، وتم تجريفها. وفي ما أطلق عليه “تطوير”، أصبح بالميدان منطقة تضم مراجيح وألعاب في شكل أشبه بـ”المولد”. وقبلها تم هدم كافتيريا المدينة التي كانت تمتاز بطرازها المعماري الفريد”.

    ويكمل الفيومي: “لم يحظ الميدان بالتخطيط الصحيح، وكل ما حدث هو أن المحافظة جعلت منه مكانا للاستثمار. تحصل من خلاله على موارد مالية لخزانتها. فضلا عن أن عملية التطوير تسببت في اختناق مروري جراء توسعة الميدان وإدخال الكورنيش الخاص ببحر يوسف ضمن مساحة الميدان. بقصد بناء مزيد من المباني التجارية”.

    وأوضح: لماذا لا يتم الاستعانة بالفنانين عند القيام بعمليات تطوير وتصميم الميادين؟ والمحافظة تضم العديد من الفنانين الذين يعلمون جيدا تاريخ وأهمية الميدان. لكن كما يقال: لا كرامة لفنان في أرضه. وفي النهاية، ما حدث للميدان هو خطأ جسيم ساهم في تغيير هوية المدينة، لأن الميدان يعد بمثابة “سرة المدينة” وعنوانها. فهل يعقل أن يكون عنوان الفيوم العريقة هذا المنظر القبيح؟

    جسم غريب

    ويقول الدكتور محمد فكري، فنان تشكيلي: “ميدان السواقي تم تغييره أكثر من مرة بتنفيذ مقترحات لغير متخصصين، ولم يكن وراءها إلا “السبوبة”. وهذا يفسر حدوث عملية تطوير للميدان أكثر من مرة منذ عهد المحافظ الأسبق جلال السعيد، الذي تم هدم كافيتيريا المدينة أحد معالم الميدان المميزة في عهده. ثم بناء نافورة من الرخام مكانها، وهدمت تلك النافورة أيضا، وهو ما تكرر مرات عديدة”.

    ويضيف فكري: “يبقى السؤال الهام للغاية: هل التصميم الجديد له علاقة ببيئة الفيوم التي يجب الحفاظ على ملامحها؟ أعتقد أن التصميم الحالي منفصل تماما عن الشارع وكأنه جسم غريب. ونسأل النحاتون ومهندسو الميادين عن ذلك، أو مهندسو العمارة المدنية. التصميم الحالي للميدان أقرب لتصميم القلاع ولا علاقة له بالميدان. ويجب أن يفرق المسؤولون بين المنافع العامة من متنزهات للمواطنين وبين خلق فرص استثمارية”.

    يجب تدخل الدولة

    تواصل «باب مصر» مع المهندس عادل الجندي، مدير عام العلاقات الدولية والتخطيط الاستراتيجي بوزارة السياحة والآثار، لمعرفة تعقيبه على هذه الواقعة. حيث قال: “بصفتي مخططا عمرانيا للمدن والأقاليم، أعلم جيدًا الفرق بين الوجه الحضاري للمواقع السياحة والأثرية والمواقع الأخرى السكنية والتجارية. وما يحدث الآن من تداخل غير مقبول. ويجب النظر مرة أخرى في الشكل العمراني للمنطقة، وإبراز الملمح الحضاري مثل المباني القديمة واللافتات وغيرها، لأنها تعد تراثا ثقافيا هاما يعكس الوجه الحضاري للمدينة”.

    وتابع: غير مقبول أن يكون هناك تداخل في الاستخدام في مثل تلك المناطق. ويتم هذا من خلال تعاون المحليات والخبرات الموجودة بوزارة السياحة والآثار وجهاز التنسيق الحضاري المتخصص. وقد قمنا بذلك في العديد من مناطق الجمهورية التي تمتاز بموروثها الثقافي وطابعها التراثي، مثل القاهرة التاريخية، ورشيد. والمشروع الذي أشرف عليه الخاص برحلة العائلة المقدسة. في جميع هذه المناطق أعدنا النظر في الملمح العمراني، وتهذيبه، ووضع إرشادات للزوار. وعمل ممرات بين تلك المناطق، مع الحفاظ على مكونات المكان الأثرية وإبرازها مثل المباني والبيوت القديمة. حتى الأبواب الخشبية وكل ما يخص الصناعات المحلية، مع تسليط الضوء عليها من خلال التباين الشديد، وإظهارها عمرانيا ومعماريا. وأرى أنه من الضروري تدخل الدولة لإعادة شكل منطقة وميدان السواقي بالمنظر الحضاري اللائق.

    حول مشروع التطوير

    تبلغ المساحة الإجمالية لميدان السواقي بالفيوم 8 آلاف متر مربع. وقد بلغت تكلفة المشروع الأخير لتطويره 65 مليون جنيها. بدأ تنفيذه في 1 يونيو 2021، وتم افتتاحه بشكل رسمي للجمهور في عيد الفيوم القومي في 16 مارس 2023. مساحة الميدان مقسمة إلى قسمين، يتوسطهما شارع رئيسي. نفذ المشروع كل من شركة “دلتا بول للمقاولات العامة” و”الوطنية للمقاولات العامة”، وشارك فيه مجموعة من المهندسين من كليات الهندسة في جامعات القاهرة وعين شمس والفيوم وبنها. وضع تصاميم المشروع مكتب استشاري بقيادة رئيس قسم الهندسة المعمارية بجامعة بنها.

    اقرأ أيضا:

    د.سهير حواس: قرارات وقف هدم الجبانات «وهمية»!

  • «حجاب» الشفاء وجلب الحبيب.. ألمان يفكون شفرة نصوص السحر القبطية| خاص

    «حجاب» الشفاء وجلب الحبيب.. ألمان يفكون شفرة نصوص السحر القبطية| خاص

    «الحجاب» من منا لم يسمع عن الورقة القديمة التي اعتادت الجدات كتابتها ووضعها في لفافة قماش حول رقبة الطفل لحمايته. هذه التميمة كانت محل اهتمام فريق من العلماء من جامعة فورتسبورج الألمانية، عكفوا على مدار خمسة أعوام لدراسة ورقة بردي قديمة عُثِر عليها بمنطقة الفيوم، مُدون عليها نصوص سحرية باللغة القبطية القديمة ضمن مشروع ضخم لدراسة 100 نص قبطي من مصر القديمة انتهوا من دراسة وتحليل 37 تميمة منها.

    نصوص سحرية قبطية

    وجد الباحثون في هذه البردية سر جديد عن حياة المصريين وهي اكتشاف ممارسات دينية خاصة للتعامل مع أزمات الحياة اليومية في مصر، والتي يعود تاريخها إلى ما بين القرنين الثالث والثاني عشر. جمع الفريق هذه النصوص وشرحها علميًا لأول مرة في مجلد مكون من 600 صفحة. بقيادة د. ريموند كورشي دوسو ود.ماركيتا برينينجر مديري قسم المصريات بجامعة فورتسبورج الألمانية.

    في هذه الأوراق القديمة ورسوماتها غير المفهومة، همزة وصل جديدة تشرح الفرق بين المعتقدات الدينية التي آمن بها الأشخاص في مصر قديما، وبين الاستعانة بها لـ“الشعوذة” أو تحقيق معتقداتهم الشخصية. حيث قضى فريق العلماء خمس سنوات لدراسة مجموعة من النصوص السحرية التي كتبت على ورق البردي وأجزاء من الورق والفخار في مصر، لفهم الثقافة والتقاليد المصرية القديمة.

    تعود هذه النصوص إلى الفترة من القرن الرابع إلى القرن الثاني عشر الميلادي. وبحسب الدراسة، اُستخدمت هذه المخطوطات السحرية في العديد من الأغراض. كالتأثير على الأفراد، نظرا للإيمان القوي بقدراتها على تحقيق التأثير السحري كالشفاء من الأمراض وإصابة الأعداء بلعنات.

    نسخة من البردية بتاريخ إبريل 2019 أثناء دراستها
    نسخة من البردية بتاريخ إبريل 2019 أثناء دراستها
    تميمة سحرية

    “البرديات القبطية السحرية” هو عنوان العمل الذي تم نشره الآن في المجلد “48” من سلسلة أرشيف “أبحاث البردي وملحقاتها”. وتشترك النصوص في أنها كُتبت بالخط واللغة القبطية – المرحلة الأخيرة من تطور اللغة المصرية القديمة – وحلت محل الديموطيقية في حوالي القرن الثاني الميلادي. ثم تم استبدالها تدريجيا مع الفتح العربي لمصر في القرن السابع.

    خلال فترة الدراسة، استخدم الفريق تقنيات متطورة لتحليل تركيبة المواد والنصوص المكتوبة عليها. واتضح أن البرديات تضمن تركيبات من الأحبار والأصباغ، واستخدموا أيضا التقنيات الحديثة لتحليل الكتابة والأنماط اللغوية المستخدمة في هذه النصوص السحرية.

    من بين مجموعة كبيرة من النصوص السحرية التي تم العثور عليها، تمكن العلماء حتى الآن من فك شفرة حوالي 100 منها. ومع ذلك، فإن هناك حوالي 600 نص سحري لم يتم نشرها بعد. فيما تم تصنيف هذه النصوص السحرية إلى عدة فئات تتعلق بمختلف جوانب الحياة. تشمل الحماية من الموت والشياطين، واسترضاء الأعداء، وتحقيق الرغبات الشخصية.

    الدين العامي في أواخر العصر الروماني 

    في أول حوار صحفي معه بالعربية، يتحدث لـ«باب مصر» عبر البريد الإلكتروني – الدكتور ريموند كورشي دوسو والدكتورة ماركيتا برينينجر، ليكشفا سبب الدراسة والهدف منها وتاريخ التميمة والنصوص السحرية القديمة.

    في البداية سألناه عن المقصود من التميمة وإذا كانت تتوافق مع اللفافة الشائعة باسم “الحجاب” والتي توضع بجوار الإنسان أو تعلق حول رقبته. وأجاب قائلا: “تحتوي النصوص الموجودة في هذا المجلد على تعليمات لتنفيذ أنواع مختلفة من الطقوس. تتضمن العديد من هذه الطقوس إنشاء نص أو أي شيء آخر من شأنه حماية مرتديه أو المكان الذي تم وضعه فيه. وهذه تتوافق مع المفهوم الحديث لـ”الحجاب”.

    وتابع: “نشير إلى هذه الأشياء في الكتاب باسم “التمائم”، وكان يُطلق عليها اسم phulaktêrion أو roeis باللغة القبطية. ومع ذلك، هناك نصوص لأغراض أخرى كثيرة أيضًا. وبعضها للعن الأعداء (إمراضهم أو إسكاتهم). أو لتحبب رجل وامرأة، أو للتفريق بين الزوجين، أو لمعرفة المستقبل مثلاً”.

    أما عن سبب مدة الدراسة الطويلة لورق البردي، يوضح أنها استغرقت خمس سنوات، لأن المجلد يحتوي على إصدارات (النص والترجمات القبطية) لـ37 مخطوطة سحرية مكتوبة على ورق البردي والرق والألواح الخشبية والأوستراكا (قطع فخارية). يتضمن المجلد كتيبات صغيرة تصل إلى 30 صفحة، وتم إنتاج هذا المجلد كجزء من مشروع أكبر بعنوان «البرديات القبطية السحرية: الدين العامي في أواخر العصر الروماني وأوائل مصر الإسلامية»، في جامعة يوليوس ماكسيميليان في فورتسبورج.

    ويوضح دوسو لـ«باب مصر»: “شمل المشروع العديد من الجوانب، بما في ذلك إنشاء موقع إلكتروني وقاعدة بيانات، وإنتاج العديد من الدراسات حول جوانب مختلفة من البرديات السحرية”.

    ويستكمل حديثه: “بعد 5 سنوات من العمل، قررنا إنهاء المشروع بمشاركة عملنا في شكل هذا المجلد، الذي يعتمد على جميع أبحاثنا. وقد أتاح لنا ذلك حل العديد من المشكلات التي لم تكن مفهومة قبل مشروعنا – معاني كلمات أو عبارات معينة، والمراجع الأدبية في النصوص”.

    فريق المشروع في نهاية عام 2018 ومخطوطات بمكتبة الجامعة من اليسار ماركيتا برينينجر، وكورشي دوسو، إدوارد
    فريق المشروع في نهاية عام 2018 ومخطوطات بمكتبة الجامعة من اليسار ماركيتا برينينجر، وكورشي دوسو، إدوارد
    ترجمة عربية بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية

    هل هناك نصوص أخرى خاضعة للدراسة من البرديات المصرية؟ أجاب دوسو موضحا لـ«باب مصر» أن تخصصهما في النصوص السحرية القبطية من مصر. ويقول: “على الرغم من أننا نعمل أحيانًا مع أنواع أخرى، مثل النصوص الطبية أو الكيميائية التي لها علاقات بالنصوص السحرية، أو النصوص بلغات أخرى، مثل اليونانية أو الديموطيقية”.

    وعن المشاريع الأخرى للفريق العلمي، قال: “نعمل على مشروع يسمى (الوصفات السحرية اليونانية والمصرية)، برئاسة جامعة شيكاغو، التي تقوم بنشر البرديات السحرية اليونانية والديموطيقية من مصر”.

    ويضيف: “ظهر المجلد الأول من هذه السلسلة العام الماضي. هناك أيضًا ما يقرب من 560 بردية قبطية سحرية أخرى من مصر، ولذا نأمل أن نبدأ العمل قريبًا على المجلد الثاني من البرديات القبطية السحرية”. وصرح لـ«باب مصر» أنه يتم العمل حاليا لإنتاج ترجمة عربية للمجلد الأول بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية.

    بردية الفيوم التي تحمل نص سحري قبطي
    بردية الفيوم التي تحمل نص سحري قبطي
    «الحجاب» وجلب الحبيب!

    تسرد البرديات القبطية السحرية تحولات المعتقدات المصرية قديما خلال فترات تأريخها. ويتحدث الدكتور ريموند كورشي عن النصوص السحرية القبطية بشكل عام في مصر وأهميتها. ويقول: “تظهر البرديات القبطية السحرية في الفترة من القرن الرابع حتى القرن الثاني عشر الميلادي تقريبًا. هذه فترة مثيرة جدًا من تاريخ مصر، حيث شهدت تحول البلاد إلى المسيحية في القرنين الرابع والخامس. ثم الاندماج في الخلافة الراشدة في القرن السابع، وتزايد انضمام المصريين إلى الإسلام من القرن التاسع فصاعدا”.

    ويضيف: “في معظم هذه الفترة، كانت اللغة القبطية هي اللغة الرئيسية المحكية لجميع سكان مصر – عبدة الآلهة اليونانية والمصرية، والمسيحيين، وحتى بعض المنضمين حديثًا إلى الإسلام. تعطينا البرديات السحرية فكرة عن حياة الناس في هذه الفترة – ما كانوا يخشونه (الشياطين، المرض، الصراعات الاجتماعية، الرؤساء الاجتماعيون القاسيون)، وما يريدون (الصحة، الأمن، الحب، الثروة) ومعرفة المستقبل. وكيف اعتقدوا أنهم يستطيعون الحصول عليها – من خلال الاستعانة بقوة الله، ملائكته، على سبيل المثال.

    ويستكمل كورشي: “كل هذه الأشياء موصوفة بطريقة أكثر تفصيلا مما نجده في أي نوع آخر من النصوص. وهكذا نحصل على رسم مبدئي لحياة الأشخاص العاديين الذين عاشوا منذ أكثر من ألف عام أو أكثر”. ومن بين النصوص السحرية الشهيرة هي “جلب الحبيب”، التي استخدمت في الغالب من قبل الرجال. بالإضافة إلى ذلك، لعب السحر دورًا مهمًا في المجال الطبي، عبر كتابة وصفات للوقاية من الأمراض مثل الحمى والصداع والأرق.

    فهم التغييرات الدينية

    ولا تقتصر أهمية برديات النصوص السحرية أو “الحجاب” على هذا الأمر فقط، بل تعد أيضًا مصدرًا هامًا لفهم التغيرات الدينية التي حدثت في مصر خلال تلك الفترة. بعد انتقال العديد من المصريين إلى المسيحية، ترك الديانة القديمة بصماتها في النصوص السحرية. حيث تحولت آلهة العصر الفرعوني إلى ملائكة وقديسين. وبالتالي، توفر هذه النصوص نظرة مباشرة إلى حياة الناس في تلك الحقبة الزمنية وتفكيرهم ومعتقداتهم، في مصر في الفترة الرومانية المتأخرة والفترة الأولى بعد الفتح العربي.

    هذه ليست المرة الأولى التي تجذب فيها “النصوص السحرية القبطية” اهتمام الباحثين. إذ بدأت الدراسات المتعلقة بها منذ عام 1928 من قبل عالم البرديات كارلبريسيدانز. يضيف دكتور ريموند: “تقدم الدراسة رؤى جديدة في مجالات مختلفة من العصور القديمة. والهدف من المشروع هو دراسة  الدين العامي في أواخر العصر الروماني وأوائل العصر الإسلامي في مصر”.

    على حد وصفه، يتكون المشروع من عدة أهداف دراسية، أولها إنشاء مجموعة من النصوص السحرية القبطية محدثة باستمرار ومتاحة للجمهور عبر الإنترنت. بالإضافة إلى إصدار النصوص الجديدة وإعادة طبع المخطوطات القديمة وتصحيحها. ونشر هذه الطبعات إلكترونيا ومطبوعا، ودراسة جوانب مختلفة من النصوص السحرية – لغتهم، وعلمهم، وممارساتهم الطقسية.

    كتاب البرديات القبطية السحرية – المجلد الأول
    كتاب البرديات القبطية السحرية – المجلد الأول
    السحر القبطي 

    ما المقصود بالسحر القبطي وتاريخه؟ يجيب المؤرخ الألماني أن كلمة “القبطي” هي أبسط تعريف له لأن القبطية تعد المرحلة الأخيرة في اللغات المصرية الأقدم مثل المصرية القديمة والمتوسطة والمتأخرة والديموطيقية.

    وقارن بالطريقة نفسها التي انحدرت منها اللغة الإيطالية عن اللاتينية. ويقول: “تمت كتابة اللغة القبطية باستخدام نسخة مُعدَلة من الأبجدية اليونانية، والتي أصبحت موحدة في القرن الثالث الميلادي”. من خلال دراسته يرى أنه ربما كانت لغة قريبة من اللغة القبطية هي اللغة المنطوقة الرئيسية في مصر حتى القرن التاسع الميلادي. وما زالت تُستخدم حتى الآن كلغة طقسية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

    الغريب أن هذه النصوص المثيرة للاهتمام كُتبت أيضا على جدران بيوت الرهبان والمقابر، وأطلقوا عليها “نصوصا سحرية” لأنه تظهر أوجه تشابه معينة في كل من المحتوى والشكل. وتحتوي على لعنات أو حب أو حماية أو شفاء أو تعاويذ. وعادةً ما تتبع الطقوس التي تصفها أنماطًا معينة، وتستخدم نفس الأنماط اللفظية (مثل “أستدعيك اليوم”). وغالبًا ما تحتوي على صور للبشر والحيوانات والملائكة والشياطين مصورة بطريقة يمكن التعرف عليها، بالإضافة إلى الرموز الغامضة المعروفة باسم kharaktêres (وترجمتها: الشخصيات)، والتي يقصد بها أن تكون لغة إلهية.

    الكائنات الحية الأربعة المصورة في Augsburger Wunderzeichenbuch (كتاب أوغسبورغ للعلامات المعجزة)، يعود تاريخها إلى 1552م
    الكائنات الحية الأربعة المصورة في Augsburger Wunderzeichenbuch (كتاب أوغسبورغ للعلامات المعجزة)، يعود تاريخها إلى 1552م
    نماذج لعنات سحرية

    وعلى سبيل المثال، تم دراسة قطعة من الورق تعرف باسم (P.Würz.Inv. 42) يعود تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي. وهي نص لعنة مُطبق وهو كائن تم إنشاؤه في طقوس لرجل يُدعى “فيكتور”. ويهدف إلى تقييد امرأة تدعى “سيمن”، ليجعلها غير قادرة على التحدث ضد فيكتور باعتبارها لعنة. واستخدم صورة بالأسلوب السحري النموذجي، تظهر سيمن، وأطرافها مفلطحة وشعرها في النهاية، مع “شياطين” تشبه الصندوق على كلا الجانبين مع رسم شخصيات على أجسادهم.

    ويذكر نموذج آخر للنصوص السحرية القبطية. ويقول: “نرى أن من قام بنسخ هذا النص قام بمحاولتين للحصول على الصورة بشكل صحيح. نظرًا لوجود محاولة أولى غير مكتملة على الظهر. يدعو النص سلسلة من الكائنات، بما في ذلك رؤساء الملائكة ميخائيل، وجبرائيل. بدءًا من عبارة “أستحلفك” وينتهي بالأمر العاجل “سريعًا، سريعًا، سريعًا”.

    التميمة القبطية الخامسة في الدراسة للشفاء - المصدر: فيينا، المكتبة الوطنية K 08638 Pap
    التميمة القبطية الخامسة في الدراسة للشفاء – المصدر: فيينا، المكتبة الوطنية K 08638 Pap

    لكن من هي سيمن، ولماذا أراد فيكتور إسكاتها؟ ولماذا قرر أن يستدعي رؤساء الملائكة. وهل قام بالطقوس بنفسه، أم استأجر شخصاً آخر “ساحراً” ليقوم بذلك نيابة عنه؟ يفتح هذا النص نافذة صغيرة على دراما حدثت منذ أكثر من ألف عام. ويقول: “لا نستطيع أن نرى الكثير للحصول على رؤية أكمل، نحتاج إلى النظر في هذا النص إلى الأدلة الأخرى – الأدبية والأثرية لمجتمع مصر في القرن العاشر. كذلك البرديات السحرية الأخرى، والتي قد تساعدنا على فهم الطرق التي يكون بها هذا النص نموذجيًا.. لمقارنة النصوص ووضعها في سياقها”.

    اقرأ أيضا:

    بعد رفض مشروع «تبليط الهرم».. ماذا كتب «راهب الصحراء» عن سفن الأهرامات؟

  • «تيراكورتا».. معرض يضم منحوتات بلون الفخار الطبيعي للفنانة «إنجي عمارة»

    «تيراكورتا».. معرض يضم منحوتات بلون الفخار الطبيعي للفنانة «إنجي عمارة»

    تتواصل فعاليات معرض «تيراكورتا» التي بدأت ديسمبر الماضي وتستمر حتى 16 يناير الجاري بقاعة Moulk Art Space، وهي قاعة عرض حديثة للفن التشكيلي تم افتتاحها في أكتوبر 2023، في مبنى قديم وجميل من مباني وسط البلد بجوار سينما مترو، وأقيم بها 3 معارض من قبل.

    «تيراكورتا» – هي كلمة لاتينية تعنى طين الأرض- اختارتها الفنانة إنجي عمارة، عنوانا لمعرضها، إنجي من مواليد الإسكندرية حاصلة على بكالوريوس الفنون الجميلة من جامعة الإسكندرية  قسم نحت تخصص خزف في عام 2017. وقد حضرت العديد من الورش وشاركت في العديد من المعارض المشتركة وحصلت على جائزة من صالون الشباب.

    تأثرت إنجي بالعديد من الفنانين منهم محمود مختار وأكثر ما تحب من أعماله النحت البارز والدكتور أحمد عبدالوهاب. كما حضرت ورشة فن مفاهيمي مع الفنان حازم المستكاوي واستفادت كثيرا من التعامل مع الخامات المختلفة من الورق. ومن الفنانين والورش الذين استفادت منهم أيضا حضورها ورشة في أتيليه الإسكندرية مع الفنانين علي عاشور وإبراهيم الطنبولي وعلياء الجريدي.

    3 شهور بالفيوم

    تقول إنجي: ” تيراكورتا هو معرضي المنفرد الأول، نتاج عمل ثلاثة شهور متواصلة في قرية تونس بالفيوم، في مركز الفنون بعد حصولي على منحة إقامة فنية هناك”.

    وتابعت: جربت العمل على الكثير من الخامات، لكن يظل الفخار هو الخامة التي أحب العمل عليها أكثر، ربما يرتبط هذا بفكرة العلاقة القديمة والتراثية مع الطين والفخار وتشكيله، وأنا أميل إلى التعامل مع المادة الخام مباشرة دون وسيط من فرشاة أو قلم.

    تضيف، أشعر أني في علاقة مباشرة مع المادة الخام، وهو ما يكون أقرب للتعبير عن مشاعري، كما أنني أشعر أحيانا بأن الطين أو الفخار هو ما يختار تشكيل نفسه بين يدي، وكأن له حياته الخاصة وقراره الخاص.

    تأثرت إنجي عمارة بالعمل في قرية النزلة في الفيوم، وهي قرية قديمة ربما من عصر ما قبل الأسرات، والطريقة التراثية القديمة في تصنيع إناء كروي الشكل يسمى “البوكلة”، والذي نجد أثرا منه في آنيتها الصغيرة ذات الأغطية التي تشبه الرؤوس في معرضها تيراكورتا. ربما عايشت في قرية النزلة طريقة تصنيع الفخار البدائية عن قرب. للفيوم أيضا حضور غير مادي نراه في آثار بورتريهات الفيوم في أعمالها.

    الفخار الطبيعي

    تحب “عمارة” لون الفخار الطبيعي دون تلوينه، وتحب درجات ألوان الفخار الطبيعية. لا نجد كثيرا من الآنية الملونة. ربما قليل فقط منها ملون بألوان تميل إلى الأسود، وتبدو تلك الآنية أقرب إلى إناء ملون. لكنها لا تحمل وجوها أو رؤوسا كالتي على التماثيل والآنية الأخرى بلون الفخار الطبيعي، وكأن الآنية تكتسب حياة. أو هي في حالتها ولونها الطبيعي أقرب للحياة قبل تلوينها واستخدامها كإناء.

    تتجلى الفكرة التراثية في المعرض بداية من ألوان الفخار الطبيعية التي تمنحها شكلا أقرب إلى طبيعته البدائية. مرورا بالأواني السوداء التي تشبه الأواني الكانوبية، والتي كانت موجودة في المقابر الفرعونية. ثم نجد الآنية المرسوم عليها العيون التي تشبه عيون بورتريهات الفيوم. وهناك جزء من التماثيل عبارة عن بورتريهات بلون الفخار الطبيعي، وإن كان أحيانا يتم تلوين بورتريهات أخرى ربما تتشابه مع الأقنعة الإفريقية الملونة.

    حتى طريقة عرض القطع تشبه الآنية الصغيرة الموضوعة في مجموعات قريبة من بعض تماثيل التناجرا في المتاحف الكلاسيكية. كمتحف الإسكندرية القومي والمتحف اليوناني الروماني. تقول إنجي:” أنا أقصد ذلك، حتى أردت أن يكون لطريقة العرض شكل متحفي تقليدي”.

    تماثيل وبورتريهات

    أما عن محتويات المتحف، هناك وجوه لأشخاص في بورتريهات، وهناك تمثال لبومة ولحورس، وهناك تمثال كبير لفينوس القديمة. تفكر هل هو تمثال أم إناء؟ أم مقصود به أن يكون هناك مزج بين التمثال والإناء؟ وربما لأنها أكبر قطعة فكرت أنها قد تكون القطعة الرئيسية في المعرض.

    وعندما سألت الفنانة إنجي عمارة قالت إن القطعة الرئيسية في المعرض هي بورتريه لوجه ربما تشبه عيونه بورتريهات الفيوم. لكنها متأثرة أكثر فيه بأستاذها الراحل أحمد عبدالوهاب، من ناحية شكل الوجه والآذان المستطيلة المثقوبة من العصر اليوناني الروماني.

    اقرأ أيضا:

    «صورة المرأة في السيرة الشعبية».. في ندوة بمركز جمال عبدالناصر الثقافي

  • «حمدي أبوجليل».. شخصية مؤتمر القاهرة وشمال الصعيد الثقافي

    «حمدي أبوجليل».. شخصية مؤتمر القاهرة وشمال الصعيد الثقافي

    اختارت الأمانة العامة لإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد، اسم الأديب الراحل حمدي أبوجليل، ليكون شخصية المؤتمر الذي سيعقد في الفيوم خلال النصف الأول من نوفمبر المقبل. كما كلفت الأديب والقاص عصام الزهيري، بالإشراف على كتاب شخصية المؤتمر.

    الراحل حمدي أبوجليل، هو كاتب مصري من مواليد محافظة الفيوم عام 1967، وفازت روايته «الفاعل» عام 2008 بجائزة نجيب محفوظ. وقام بترجمتها للإنجليزية روبن موجر بعنوان «كلب بلا ذيل».  كما حصل على جائزة الإبداع العربية عام 2000. وصدر له العديد من المؤلفات الأديبة التي تم ترجمتها إلى لغات مختلفة وحصدت الكثير من الجوائز.

    دليل القارئ الذكي إلى كاتب استثنائي

    يقول القاص عصام الدين الزهيري، المسؤول عن الكتاب لـ«باب مصر»: “يتواكب مؤتمر إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي الذي تنعقد دورته هذا العام في الفيوم مع انتعاش آمال أدباء الفيوم. وتمكنهم من تجاوز صدمتهم الأليمة برحيل هرمين من أهرام الكتابة والفن الروائي في الفيوم ومصر. وهما الروائي الكبير حمدي أبوجليل والشاعر الكبير محمود قرني، اللذان لم تفصل بين رحيلهما غير أسابيع قليلة”.

    وتابع: يطمح الأدباء في أن يعطي المؤتمر الكبير دفعة فعالة للنشاط الثقافي في الفيوم هو في أمس الحاجة إليها. خصوصا بعد خروج أهم معمار ثقافي فيها وهو قصر ثقافة الفيوم من الخدمة لأغراض التجديد والصيانة.

    ويوضح الزهيري، ما يتمناه الأدباء في الفيوم ومصر هو أن يكون مؤتمرا استثنائيا بقدر قامة أدباء وفناني ومثقفي الإقليم ومصر. وأن تمثل هذه الدورة إضافة حقيقية لرصيد المؤتمر الثقافي على مستوى التواصل الأدبي والنقدي والثقافي. وطرح أكثر وأهم القضايا والفعاليات الثقافية الناجحة وذات الارتباط العميق بهموم وطموحات الثقافة المصرية.

    يقول: الكاتب والروائي الكبير حمدي أبوجليل رحل جسديا في يونيو الماضي، وأكد رحيله حضور وسطوع إبداعه الشامخ في مجالات الرواية والتاريخ والخطط والآثار. حيث كان إبداع أبوجليل بالغ التنوع والثراء ويأتي على رأسه المشروع الروائي العظيم الذي توجه بروايته الخامسة والأخيرة والتي نشرت بعد وفاته. ولذلك رأت أمانة المؤتمر أن تجعل من كتاب المؤتمر مفاتيح للقراء تفتح لهم أبواب شخصية وعوالم أبوجليل الثرية. واختارت له عنوانا دالا هو “دليل القارئ الذكي إلى كاتب استثنائي”. ويحاول الكتاب تغطية المحطات الكبرى والمفاصل الأساسية في سيرة الروائي الكبير.

    يستطرد: يتضمن الكتاب بورتريها للسيرة الذاتية والعائلية والفنية بقلم الكاتب نفسه. بالإضافة إلى باقة من أهم كتابات كتابنا الكبار مثل الروائيين خيري شلبي وإبراهيم أصلان. والنقاد الكبار جابر عصفور ومحمد بدوي ويسري عبدالله عن أعماله الإبداعية.  بالإضافة إلى شهادات عدد كبير من رفاق رحلته في الكتابة وفي الحياة عن عطاءه الثقافي خلال عمله بالهيئة العامة لقصور الثقافة. وإسهامات قلمه الفارقة في قضايا الأدب والفكر والثقافة المصرية. وتوليه تحرير باب “يرحمكم الله” في جريدة المقال، تحت رئاسة إبراهيم عيسى وغيرها من إسهاماته الإبداعية.

    مسؤولية كبيرة

    أما الشاعر محمد شاكر، أمين عام المؤتمر فيقول: “منذ أن تم اختياري كأمين عام لمؤتمر إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد، من قبل أعضاء الأمانة، أصبح علي مسؤولية كبيرة، وهي أن أقدم مؤتمرا يختلف عما تم تقديمه في السنوات السابقة، من حيث المضمون والتنظيم والقضايا والأبحاث التي سيتم طرحها على طاولات المناقشة”.

    وتابع: أسعى لتقديم قضايا حقيقية تهم المثقف والأديب مثل الاستثمار الثقافي والأدبي والبيروقراطية الثقافية التي تواجه الأدباء، وأسباب انسحاب الأدباء من أغلب الأنشطة التي تقدمها الهيئة العامة لقصور الثقافة بشكل خاص ووزارة الثقافة بشكل عام، وهروبهم إلى الصالونات الثقافية ودول الخليج.

    يضيف شاكر، أشكر أصدقائي أعضاء الأمانة، الذين ساعدوني وساندوني في تحقيق ما أسعى إليه، خاصة السيدة لميس الشرنوبي، رئيس إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد على ما تقدمه لنا من تسهيلات، ولدي الثقة الكاملة بسبب كل هذه الجهود في أننا سنقدم مؤتمرا ناجحا يليق بشخصية المؤتمر القاص والروائي الراحل حمدي أبوجليل.

    الفعل الثقافي في زمن التحولات

    يقول الشاعر محمد حسني إبراهيم: اخترنا عنوان المؤتمر “الفعل الثقافي في زمن التحولات”، وسيناقش المؤتمر العديد من القضايا الثقافية المهمة وذلك من خلال أربعة محاور رئيسية هي:

    المحور الأول: الإبداع والتحولات المعرفية والبيئية والتقنية.

    الثاني: التلقي ومفارقات الزمن الرقمي.

    الثالث: المثقف وسؤال الهوية والتنوير – مستجدات الراهن ورهانات المستقبل.

    والمحور الرابع: نوادي الأدب قراءات الأداء وإمكانيات التطوير.

    وتابع، المؤتمر هذا العام يعني بشكل أساسي بما تواجهه نوادي الأدب من مشكلات ويبحث عن حلول وآليات عمل تمكنها من القيام بدورها في تقديم المواهب الأدبية. كما يهتم المؤتمر بتقديم كل الدعم للقوى الثقافية كي تكون ضمن المشهد الحياتي اليومي والمعاش. مشيرًا إلى أن اختيار الأديب حمدي أبوجليل ليكون شخصية المؤتمر، اختيار صائب وموفق للغاية، وذلك لكون الراحل أحد علامات الإبداع السردي المصري ومن نجومه الأوفياء، ويشهد على تميزه ما قدمه من إبداع في القصة والرواية في فترة وجيزة.

    تساؤلات هامة

    يقول الروائي والأديب محمد جمال الدين: “أتابع وأحضر المؤتمرات الأدبية وتوصياتها وفعالياتها منذ سنوات طويلة، لكن لا يتحقق أي أثر يأتي بعدها ولا حتى ذر الرماد في عيون المسؤولين عن الثقافة”.

    وتابع: الوضع أصبح مجرد ندوات يهرب معظم المبدعون منها لاحتساء الشاي والقهوة إلا ما رحم ربي. ولكن ترى هل سيكون هناك جديد في مؤتمر الإقليم هذا العام؟ لاسيما أن الأمانة العامة من الفيوم وتقام فعاليات المؤتمر على أرضها. لافتا إلى أنه بين المأمول والممكن والمعتاد تبقي الفكرة دائما. ويبقى سؤالها الملح هل بإمكاننا أن نأتي بجديد غير مجرد توصيات لا يتحقق منها شيئا؟

    ويختتم حديثه: “هل القائمون على الثقافة يدركون أهمية هذه المؤتمرات ودورها في إثراء الحركة الثقافية والإبداعية؟ أم أنهم تعودوا على نفس الفعاليات ونفس الإيقاع الذي صار مملا لا يترك أثرا خلفه ولا حتى إلقاء حجر في مياه بئر راكدة. بلا شك يظل الأمل قائما في أن يخرج المؤتمر بجديد يفيد المبدعين. أفضل من هذا الضجيج المفتعل المحمل بكل رواكد المؤتمرات السابقة ليضيف عليها رواكد جديدة”.

    اقرأ أيضا:

    حرية السرد.. «أرض البشر» معرض فني بقاعة الباب سليم للفنان مهاب عبدالغفار

باب مصر