باب مصر

الوسم: الإسكندرية

  • «النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

    «النيل خلود نسبي».. روجيه أنيس يستعيد أساطير النهر لمواجهة التلوث

    في وقت تتصاعد فيه المخاوف حول نهر النيل، من التلوث إلى أزمات سوء الاستخدام، يظهر المصور الفوتوغرافي الصحافي والوثائقي المصري روجيه أنيس محاولًا إعادة النظر إلى النهر، ليس فقط بوصفه مصدرًا للمياه، بل كذاكرة وأساطير وحياة يومية ومجتمع كامل يعيش على ضفافه. ومن هنا يأتي معرضه «النيل خلود نسبي»، المقام في الجيزويت بالإسكندرية بداية من الخامس من مايو ولمدة شهر، حيث يقدم النيل في صور بديعة تجعلنا نتأمل: ماذا يمكن للفن أن يفعل تجاه النيل؟

    المعرض لا يكتفي بتقديم صور للنهر، بل يأخذ الزائر في رحلة طويلة تمتد من إثيوبيا إلى السودان ثم مصر، مرورًا بحكايات الصيادين والأساطير القديمة والتلوث والبشر الذين ما زالوا يعيشون مع النهر يوميًا. وقد بدأت الرحلة عام 2017، عندما كُلّف روجيه بالعمل على موضوع في دلتا النيل. وهناك راوده سؤال بدا بسيطًا: “ما الذي حدث للنيل؟”. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة بحث لم تنتهِ حتى الآن، دفعته إلى السفر لمنابع النيل في إثيوبيا، والتنقل بين دول حوض النيل، محاولًا فهم العلاقة المعقدة بين البشر والمياه.

    من الأسطورة إلى الواقع

    لكن المعرض لا يعتمد على المعلومات وحدها، بل يوظف الفن كوسيلة لإعادة بناء علاقتنا بالنهر. ويظهر ذلك بوضوح في “مهرجان النيل”، الذي أعاد روجيه إحياءه بالتعاون مع مبادرة Very Nile وسكان جزيرة قرصاية. والمهرجان مستوحى من الاحتفالات القديمة المرتبطة بوفاء النيل، التي كانت تُقام طلبًا للفيضان الذي يمنح الأرض الحياة والخصوبة.

    ويقول روجيه: “أنا ممتن للتمثال لأنه خلاني أرجع أدور على أسطورة عروسة النيل ونقيم الاحتفال من تاني”. فقد كان تمثال “عروسة النيل” داخل متحف النيل الشرارة التي دفعته للتساؤل: لماذا ما زالت هذه الأسطورة حاضرة في الذاكرة المصرية حتى الآن؟ وما حقيقة هذه الحكاية؟

    وتدور أسطورة “عروسة النيل” حول فتاة جميلة يتم التضحية بها للنهر طلبًا للفيضانات والخير. ورغم عدم وجود دليل تاريخي يؤكد حدوث هذه التضحية فعلًا، فإن الأسطورة استمرت في الوجدان المصري عبر الأفلام والأغاني والحكايات الشعبية.

    وبالنسبة لروجيه، لم يكن المهم ما إذا كانت الأسطورة حقيقية أم لا، بل لماذا ما زلنا نتذكرها، وكيف يمكن استخدامها اليوم لإعادة التفكير في علاقتنا بالنيل.

    اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

     

    من “عروسة النيل” إلى البلاستيك

    هنا يبدأ الفن في لعب دوره الحقيقي. فبدلًا من إعادة إنتاج الأسطورة كما هي، يحاول روجيه إعادة تفسيرها بشكل معاصر. ويقول: “مافيش عروسة نيل بتترمي، الصيادين هم اللي بيلموا البلاستيك من النهر، أنا بعيد إحياء عروسة النيل من  تاني”.

    لكن بدلًا من إلقاء “عروسة النيل” في الماء، أصبحنا نلقي القمامة والبلاستيك. ووفقًا لما ذكره روجيه، أصبح نهر النيل واحدًا من أكثر الأنهار تلوثًا بالبلاستيك وإسهامًا في نقل المخلفات البلاستيكية إلى البحار والمحيطات.

    وفي جزيرة قرصاية، التي يصفها روجيه بأنها “نسخة مصغرة من النيل”، يعيش الصيادون وسط التلوث ونقص الأسماك والتغيرات البيئية، وفي الوقت نفسه يحاولون ابتكار طرق للبقاء. ومن خلال مبادرة Very Nile، يعمل عدد من الصيادين على جمع البلاستيك من النهر مقابل دخل مادي، ثم يُعاد تدويره واستخدامه مرة أخرى.

    ويتحدث روجيه عن أحد الصيادين قائلًا: “يعني يوم صياد زي عماد مقسوم اتنين، الصبح صياد، وبعدين يلم بلاستيك من النهر. في مرة ركبت معاه من 12 بالليل لـ9 الصبح، وكان بيلم بلاستيك طول الوقت.” ويضيف أن عماد لا يزال يستخدم طريقة تقليدية في الصيد، إذ يغوص داخل المياه ويصطاد السمك بيده.

    وهنا يتحول الصياد نفسه إلى جزء من العمل الفني، لا مجرد موضوع للتصوير. فالفن عند روجيه لا يقوم فقط على إنتاج صور جميلة، بل على العمل مع المجتمع نفسه. فقد شارك الصيادون في تنظيم المهرجان، وتزيين المراكب، وصناعة الأغاني، وتحضير الاحتفال. ولم يعودوا مجرد أشخاص داخل الصور، بل صاروا مشاركين في صياغة الرواية نفسها.

    تمثال "عروسة النيل" في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
    تمثال “عروسة النيل” في متحف النيل بأسوان.. الصورة من موقع المصور روجيه أنيس
    الفن وسيلة للتذكّر

    منذ أول نسخة لمهرجان النيل عام 2024، التي شارك فيها نحو 20 صيادًا و50 زائرًا، بدأ المشروع يكبر تدريجيًا. ففي 2025 وصل العدد إلى نحو 500 مشارك، ثم إلى ألفي زائر في النسخة الثالثة عام 2026. وبالنسبة لروجيه، لم يكن الهدف مجرد إقامة احتفال، بل خلق مساحة تجعل الناس تتذكر النهر مرة أخرى.

    ويظهر ذلك أيضًا في طريقة عرض الصور داخل المعرض، إذ أقيم المعرض في مساحة مفتوحة وسط الأشجار والخضرة، بحيث يتحرك الزائر مع الصور كما لو كان يسير مع مجرى النهر نفسه. ويقول روجيه: “أنا شايف إن ده رحلة، وعايز الناس تشوف الرحلة دي. فكرة إنك تمشي مع الـflow  وتمشي مع الطبيعة والخضار، فتشوف وتفكر”.

    وهنا يصبح الفن محاولة لجعل الناس تعيش النهر، لا أن تراه فقط، خصوصًا في بعض المدن التي لم يعد معظم سكانها يرون النيل يوميًا، رغم اعتمادهم الكامل عليه. ويقول: “إحنا واخدين النيل كحاجة مضمونة”، مضيفًا: “النيل موجود… بس موجود في المواسير”.

    اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    الجمال كطريقة لرؤية الأزمة

    رغم أن المعرض يتناول أزمة حقيقية تتعلق بالتلوث والمياه، فإنه لا يقدمها بصورة كئيبة أو مباشرة. فالصور شديدة الجمال، مليئة بالخضرة والضوء والاحتفال. وعندما سُئل روجيه إذا كان يخشى أن ينسى الناس المشكلة بسبب جمال الصور، أجاب: “إنت مش لازم تفكر في المشكلة، فكر في النعمة اللي عندك فتقدرها”.

    الفن هنا لا يعمل عبر التخويف، بل عبر إعادة خلق الإحساس بالقيمة. فبدلًا من إغراق المشاهد في الكارثة، يحاول أن يجعله يشعر بأن النهر شيء يستحق الحب والاهتمام.

    وفي إحدى الصور التي التقطها في إثيوبيا، يظهر أشخاص يزورون شلالات النيل، وعلق عليها قائلا: “هم بيحجوا للنهر”. وفي صورة أخرى من المنيا، يظهر الناس ذاهبين للاحتفال بشم النسيم قرب المياه والخضرة.

    ويعلق روجيه على ذلك بقوله: “الناس زمان كانت بتحج للنيل بيحجوا للخضار”. وهنا يتحول الاحتفال نفسه إلى فعل تذكّر، ومحاولة لاستعادة علاقة روحية وثقافية قديمة بالنهر.

    النيل الواحد.. والوجوه المختلفة

    لكن المعرض لا يكتفي بالاحتفاء بالنهر، بل يحاول أيضًا الكشف عن التناقضات التي تحيط به، ففي الوقت الذي دمرت فيه الفيضانات أجزاء من السودان عام 2020، يعرض روجيه صورة لمواتير المياه المتراكمة أسفل أحد المباني في القاهرة، في مفارقة تعكس فائض المياه في مكان، ومحاولة التخلص منها في مكان آخر.

    كما يوضح المعرض أن النيل واحد، لكنه يبدو مختلفًا من دولة لأخرى، ومن مجتمع لآخر، بحسب طريقة تعامل الناس معه.

    ويعلق روجيه أنيس على إحدى صوره قائلًا أنه رأى في إثيوبيا أشخاصًا يسيرون لساعات حاملين الجراكن لجلب المياه، بينما اعتاد المصريون وجود المياه داخل البيوت دون التفكير في قيمتها.

    ماذا يستطيع الفن أن يفعل؟

    رغم أن قضية سد النهضة الإثيوبي تظل حاضرة في النقاش العام حول النيل، يرى روجيه أن الخطر ليس فقط في السد، بل ربما يكون أقرب مما نتخيل. ويقول: “اللي مخوفني أكتر هو التلوث وسوء الاستخدام”. ويضيف أن المصريين اعتادوا وجود النيل لدرجة أنهم لم يعودوا يشعرون بحضوره أصلًا، معتبرين المياه شيئًا مضمونًا ودائمًا، بينما النهر نفسه هش وقابل للفقدان.

    في النهاية، لا يدّعي معرض “النيل خلود نسبي” أن الصور يمكنها تنظيف النهر، أو أن الأساطير قادرة وحدها على وقف التلوث. لكن الفن، كما يعكسه روجيه، يستطيع على الأقل أن يجعل الناس تتوقف للحظة، وتنظر إلى المياه بشكل مختلف، أن يعيد للنهر حضوره داخل الوعي، لا باعتباره مجرد مورد مضمون، بل ككائن حي يمكن أن نفقده.

    اقرأ أيضا: «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

  • مهرجان «ليلة الرقص المعاصر».. عروض مفتوحة تبحث عن جمهور جديد

    مهرجان «ليلة الرقص المعاصر».. عروض مفتوحة تبحث عن جمهور جديد

    «مش فاهم حاجة»، قالها أحد الحضور في مهرجان «ليلة الرقص المعاصر» بساحة مكتبة الإسكندرية، ليرد عليه صديقه مستشهدًا بمقولة تُنسب إلى فريدريك نيتشه: «الذين شوهدوا وهم يرقصون بدوا مجانين في نظر من لم يسمعوا الموسيقى»، وهي مقولة تلخص فجوة الإدراك بين من يرى ومن يفهم؛ فجوة بدت حاضرة بوضوح في ساحة مكتبة الإسكندرية خلال عروض المهرجان، حيث تباينت ردود فعل الجمهور بين الإعجاب والدهشة والرفض. وهنا يُطرح السؤال: هل خروج الرقص المعاصر من المسارح إلى الشارع يجعله أقرب إلى الناس، أم يجعله أكثر غموضًا ويُفقده معناه؟

    المهرجان خارج المسرح

    انطلقت فعاليات مهرجان “ليلة الرقص المعاصر” احتفالًا باليوم العالمي للرقص، الموافق 29 إبريل الماضي، من القاهرة، ثم انتقل إلى الإسكندرية يومي الخامس والسادس من مايو، ويُختتم في المنيا. وتمثل هذه الدورة، وهي التاسعة، محاولة للخروج بالفن من فضائه التقليدي إلى المجال العام، عبر تقديم العروض في الشوارع والساحات المفتوحة دون حواجز أو تذاكر.

    اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

    لغة الجسد: تجربة العرض

    يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال التجربة نفسها. ففي أول عروض الإسكندرية، قدّم أحمد الجندي عمله “نقطة في المنتصف”، الذي يدور حول الصراع الذي ينشأ من اجتماع شخصين معًا، فيبدوان في البداية غير قادرين على التعايش، لكن مع تصاعد الأحداث يحاولان إيجاد صيغة للتقارب والعمل المشترك. وبدت حركة الراقصين كأنها تفاوض مستمر بين السيطرة والتنازل، بين القرب والرفض.

    وحول تقديم العرض في الشارع، يرى الجندي أن مرور شخص عابر وإلقاء نظرة سريعة قد يكون كافيًا لإثارة اهتمامه، مضيفًا أن نقل الفن إلى الفضاء العام “يجعله متاحًا للكل”. كما أشار إلى أن اختلاف فهم الجمهور للعمل الفني أمر طبيعي، إذ لا يقدم معنى واحدًا بقدر ما يفتح الباب لتفسيرات متعددة.

    الجمهور بين التفاعل والمشاهدة

    كان هذا الاختلاف في وجهات النظر واضحًا في ردود فعل الجمهور، حيث تفاعل بعض الحضور مع العروض وحاولوا قراءتها بطريقتهم الخاصة، بينما اكتفى آخرون بالمشاهدة أو تعاملوا معها بدهشة، في تجربة قد تبدو جديدة على جزء من الجمهور.

    وفي عرض آخر بعنوان “نفس الحب”، عبّرت إحدى المشاركات عن ترددها في البداية في تقديم العمل خارج المسرح، مشيرة إلى شعورها بالقلق من تفاعل الجمهور، قبل أن تتحول التجربة إلى حالة من الحماس، رغم اختلاف الاستجابات.

    اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    هل إتاحة الفن تعني فهمه؟

    في ظل تجمع الجمهور بأعداد محدودة، تبرز إشكالية أساسية: فإتاحة الفن لا تعني بالضرورة فهمه. فهل مجرد وجوده في المجال العام يكفي؟ فمن ناحية، يبدو نقل العروض إلى الشارع خطوة نحو “ديمقراطية الفن”، حيث يصبح متاحًا دون قيود. ومن ناحية أخرى، قد يتحول هذا الفن إلى تجربة عابرة يمر بها الجمهور دون محاولة حقيقية لقراءتها.

    جانب من مهرجان ليلة الرقص المعاصر.. تصوير: ميرنا جوهر
    جانب من مهرجان ليلة الرقص المعاصر.. تصوير: ميرنا جوهر
    ماهية الرقص المعاصر

    من أجل محاولة الإجابة، لا بد أولًا فهم طبيعة الرقص المعاصر نفسه. فوفقًا لما أوضحه الناقد المسرحي محيي إبراهيم في إحدى المداخلات التلفزيونية، فإن الرقص المعاصر يُعد مزيجًا من أنواع الرقص المختلفة مثل الباليه والهيب هوب والرقصات الشعبية. وهو مساحة مفتوحة للتجريب، يعتمد في الأساس على التعبير الجسدي الحر الذي يميل إلى الحركة الأفقية والتماس مع الأرض، بدلًا من القوالب الصارمة، ليصبح الجسد وسيلة للتعبير عن أفكار قد تكون فلسفية أو اجتماعية.

    ورغم ارتباط اليوم العالمي للرقص بميلاد جان جورج نوفير، الذي وضع مبادئ رقص الباليه بما يحمل من موضوعات، فإن الرقص المعاصر جاء لاحقًا كحركة تكسر المزيد من القواعد، ساعيًا إلى تحرير الجسد من مثاليته، وتحويله إلى أداة تعبير فردي.

    وفي مصر، بدأ الفن المعاصر في التبلور مع مطلع الألفية، واكتسب طابعًا أكثر احترافية مع تأسيس Cairo Contemporary Dance Center، الذي ساهم في تخريج جيل جديد من الراقصين ومصممي الرقص.

    لغة الجسد: محلية أم عالمية؟

    مع مشاركة فنانين من دول مختلفة، من بينها مصر وفرنسا وإسبانيا وسويسرا والمملكة المتحدة وهولندا، يُطرح سؤال آخر: هل توجد لغة عالمية للجسد؟ أم أن الرقص المعاصر يظل، رغم طابعه التجريبي، مرتبطًا بسياقاته المحلية؟

    لا يمكن الوصول إلى إجابة قاطعة، لأن الرقص المعاصر يفتح المجال للتأمل والتفكير. فبين جمهور يحاول الفهم وآخر يكتفي بالمشاهدة، تظل التجربة تتشكل في لحظة التلقي نفسها، حيث لا يكون المعنى ثابتًا، بل يتغير بتغير من يشاهده.

    اقرأ أيضا: «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

  • حوار الشعر والتشكيل في الإسكندرية: «هيباتيا» تعيد رسم خارطة الفنون النسائية

    حوار الشعر والتشكيل في الإسكندرية: «هيباتيا» تعيد رسم خارطة الفنون النسائية

    انطلقت النسخة الثالثة من فعاليات «هيباتيا» للفن في مصر خلال الشهر الماضي، واستمرت لأكثر من 15 يوما، بطابع دولي، بمشاركة فنانات من مختلف دول العالم، في إطار دعم الإبداع النسائي وتعزيز الحوار الثقافي. وتضمنت الفعاليات برنامجا متنوعا من المعارض الفنية وعروض الأداء الحي وورش العمل، أقيمت في عدد من الموقع الثقافية بالقاهرة والإسكندرية.

    «هيباتيا» ومكانتها الرمزية

    يقول الدكتور أحمد ممدوح، المدير التنفيذي لمؤسسة “كيميت” (kemet) القائمة على تنفيذ مشروع “هيباتيا” للفن والثقافة، إن اسم المشروع مستوحى من الفيلسوفة ورمز البحث العقلاني “هيباتيا”، التي وُلدت حوالي عام ٣٥٥ ميلاديًا في الإسكندرية، ثم أصبحت هدفًا للاضطهاد وقُتلت بوحشية على يد حشد من المتطرفين. وكان مقتلها حدثا هزّ العالم القديم، وغالبًا ما يُنظر إلى وفاتها باعتبارها نهاية مأساوية للعصر الكلاسيكي للفلسفة اليونانية. وأشار إلى أن المشروع يُقام عادةً بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، إلا أنه تم تأجيله هذا العام ليُعقد في شهر إبريل الماضي، نظرا لتزامنه مع شهر رمضان الكريم وعيد الفطر المبارك.

    وأضاف “ممدوح” أن النسخة الثالثة هذا العام شهدت تطورا ملحوظا، حيث امتدت لأكثر من 15 يوما، وتضمنت فنونا وإبداعات مختلفة؛ من معارض فنية تجمع بين الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي، وعروض الأداء الحي للموسيقى والغناء والمسرح. إلى جانب ورش عمل متخصصة وبرامج تدريبية لتنمية المهارات الإبداعية، وعروض أفلام قصيرة تعزز مهارة المرأة في الإخراج والإنتاج الإبداعي، فضلا عن معرض للحرف اليدوية والتراثية.

    من فعاليات "هيباتيا".. تصوير: دعاء عبدالحميد
    من فعاليات “هيباتيا”.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    مبدعات أوروبا.. تجربة ثرية بالإسكندرية

    وصفت الفنانة اليونانية كونستانتينا أركونتاكي مشاركتها في فعالية السرديات البصرية بالإسكندرية بأنها تجربة ثرية فنياً وشخصياً. وأوضحت أنها، كفنانة تعرض أعمالها لأول مرة في المدينة، شعرت بترابط الثقافتين، وكأن اللغة البصرية تتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ.

    وأوضحت أن فعاليات “هيباتيا” جمعت أصواتا متنوعة في مساحة تحتفي بالحوار والتجريب والإلهام المتبادل، ولم تكتف بتوسع آفاقها الفنية، بل أسهمت في بناء جسور فنية بين البلدين تأمل أن تستمر.

    اقرأ أيضا: المعماري محمد عوض في افتتاح «أيام التراث السكندري»: «هل يمكن أن يكون للمدينة DNA؟»

    تجربة فريدة شكلتها فنون النساء

    فيما ترى الفنانة الإسبانية جوانا مارتوس أن فعاليات “هيباتيا” تتجاوز مجرد المشاركة في معرض فني، لتصبح حوارا حيا شكلته النساء من أجل النساء وعنهن. وأشارت إلى أنها وجدت في هذا التجمع مساحة نادرة وقوية يصبح فيها التعبير الفني شكلا من أشكال الحضور. وأضافت أن ما جعل التجربة فريدة لم يكن فقط تنوع الأساليب الفنية، بل الإحساس المشترك بالهدف، الذي مثل تذكيرا بأن أصوات النساء في الفن ليست ناشئة، بل باقية ومتطورة وتعيد تشكيل السرد. كما أكدت أن الفن قادر على فتح أبواب تعجز الكلمات أحياناً عن فتحها.

    أما المصورة الروسية ألكسندرا سيمينوفا، فقالت إن تفاعل الجمهور الصادق مع أعمالها المعروضة ضمن فعاليات “هيباتيا” جعلها تنظر إلى صورها بشكل أعمق، مشيرة إلى أن وجودها ضمن مشروع يهدف إلى هذا التبادل الفني والثقافي ذكرها بقيمة فن التصوير. وأضافت أن التصوير يخلق لحظات للتوقف والتأمل، ويبني روابط مع الجمهور دون حاجة إلى ترجمة، معربة عن امتنانها لكونها جزءا من مشروع يكرم الأصوات الفنية بهذا القدر من الانفتاح والعمق.

     300 فنانة وآلاف من الجمهور

    يقول الدكتور أحمد ممدوح، المدير التنفيذي لمؤسسة “كيميت” (kemet) القائمة على تنفيذ مشروع “هيباتيا” للفن والثقافة، إن عدد المشاركات في النسخة الثالثة تراوح بين 250 و300 فنانة من بلدان وثقافات مختلفة، فيما بلغ عدد الحضور نحو 4000 شخص في فعاليات القاهرة والإسكندرية.

    وأضاف أن المشروع حظي هذا العام برعاية صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة المصرية، إلى جانب شراكات دولية ومحلية، من بينها السفارة الإسبانية في القاهرة، والقنصلية اليونانية بالإسكندرية، والمؤسسة اليونانية للكتاب والثقافة، و”الجراج الثقافي” التابع لمعهد جوته بالإسكندرية، والمركز الثقافي الإسباني. إضافة إلى جامعة باديا، ولجنة بناء السلام ومنع النزاعات “روتاري مصر”، ونادي روتاراكت القاهرة، ونادي سيدات أعمال الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وأشار إلى أن المشروع تم تمويله من الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع اتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية “يونيك”.

    اقرأ أيضا: الشباب والفن والتراث.. كيف أعاد «إسكندرونا» قراءة تاريخ المنشية الصغرى؟

    من تكريم القنصل الفخري الإيطالي بالإسكندرية للمشاركات في معرض أصداء.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    من تكريم القنصل الفخري الإيطالي بالإسكندرية للمشاركات في معرض أصداء.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    تحويل الشعر الأندلسي إلى موسيقى

    عبرت المغنية والملحنة الإسبانية كلارا مونتيس عن سعادتها بأول زيارة لها إلى مصر، ووصفتها بأنها تجربة “تحويلية” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ تمثل لقاءَ ليس فقط مع مكان، بل مع ذاكرة ثقافية عميقة شعرت بقربها من جذورها. وجاءت مشاركتها  في فعاليات “هيباتيا” من خلال تقديم ورشة عمل حول تحويل الشعر الأندلسي إلى موسيقى في القاهرة والإسكندرية، ووصفتها بأنها تجربة مليئة بالاكتشاف والعاطفة والانسجام مع جمهور ذواق.

    وقالت: “خلال مكوثي في مصر على مدى أربعة أيام، لم ندرس الشعر فحسب، بل استمعنا إليه وسمحنا له بأن يتطور إلى لحن. وما حرك مشاعري أكثر هو تفاعل المشاركين مع روح الشعر الأندلسي، وتعرفهم  على أصداء التاريخ المشترك بين إسبانيا والعالم العربي. كان هناك إحساس جميل بالاستمرارية، وكأن هذه القصائد سافرت عبر القرون لتستيقظ من جديد هنا.”

    واختتمت حديثها: “أغادر مصر والموسيقى لا تزال تتردد بداخلي، مع تكوين صداقات جديدة وإيمان متجدد بأن الفن، خاصًة عندما يُشارك مع الآخرين، قادر على إعادة ربط التواريخ وتجاوز الحدود، وإعطاء صوت لما لا تستطيع الكلمات وحدها التعبير عنه بالكامل.”

    الصناعات الثقافية والإبداعية بالإسكندرية

    يُذكر أن مؤسسة “كيميت” تعد من رواد مشروعات الصناعات الإبداعية والثقافية في الإسكندرية، حيث تهدف إلى دعم المبدعين في مجالات الفنون والصناعات الإبداعية، وتقديم أنشطة مميزة. كما تنفذ المؤسسة عددا من المشروعات والفعاليات، من بينها “هيباتيا” للفن، وملتقى الإسكندرية الدولي للفلكلور، وسمبوزيوم الفنون المعاصرة، وبرنامج سفراء التراث، وقمة البحر المتوسط للاقتصاد الإبداعي.

    وقد نجحت “كيميت” (kemet) على مدار سنوات في كسب ثقة عدد من الشركاء الرسميين والدوليين، وهو ما أهلها للمشاركة في فعاليات دولية خارج مصر، من بينها ملتقى الحوار الثقافي بمدينة تيرانا في ألبانيا، ضمن فعاليات اختيار مدينتي الإسكندرية وتيرانا عاصمتين للثقافة والحوار في حوض البحر المتوسط، إلى جانب المشاركة في مهرجان طريق الحرير للسياحة الثقافية والإبداعية في جمهورية الصين الشعبية، فضلا عن مشاركات أخرى داخل مصر وخارجها.

    اقرأ أيضا: «واقع افتراضي».. مشروع لتوثيق «ترام الرمل» بصريا بعد توقفه

  • «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

    «المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

    من أمام المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، انطلقت احتفالية «الإسكندرية: مولد مدينة عالمية»، الأسبوع الماضي، حيث علت الموسيقى العسكرية في شارع طريق الحرية (فؤاد سابقًا) معلنة عن إحياء احتفال قديم بتأسيس المدينة. هذا الاحتفال كان يُقام قديمًا في 25 طوبة، الموافق السابع من إبريل في التقويم الميلادي، قبل أن يتغير التقويم ليوافق 25 يناير.

    مشهد يبدو احتفاليًا مهيبًا، لكن عدد الحاضرين من أبناء المدينة كان محدودًا على نحو لافت، بين مجموعات منظمة من طلاب ووفود، وقلة من المارة الذين توقفوا للمشاهدة. هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا نحتفل بالإسكندرية؟هل نحتفل بتاريخ مدينة عظيمة؟ أم بفكرة مدينة وُلدت لتكون عالمية؟

    ربما كانت الإجابة أقرب مما نتصور. فكما تقول قصيدة المدينة للشاعر السكندري قسطنطين كفافيس: «لم أجد بحرًا جديدًا، لم أجد بلدًا جديدًا، فالمدينة ستطاردك أينما ذهبت». هكذا اختتم أندرياس فافياديس، رئيس الجمعية اليونانية بالإسكندرية، كلمته الافتتاحية بهذا الاقتباس، في إشارة إلى أن الإسكندرية فكرة تلاحقنا: مدينة مفتوحة ومتعددة الوجوه.

    بداية المسيرة: شارع لا يزال حيًا

    انطلقت المسيرة من أمام المتحف، سيرًا على الأقدام في شارع فؤاد، الشارع الذي تصفه الدكتورة منى حجاج، رئيسة جمعية الآثار بالإسكندرية، بأنه ليس فقط أقدم شارع في تاريخ المدن، بل ما زال يُستخدم لنفس الغرض الذي أُنشئ من أجله، على عكس شوارع تاريخية أخرى تحوّلت إلى مجرد شوارع سياحية فقط.

    هذا الشارع، المعروف قديمًا بالطريق الكانوبي، ظل الشريان الرئيسي للإسكندرية، بطول يصل إلى خمسة كيلومترات، وعرض يبلغ ثلاثين مترًا، وهو ضعف عرض الشوارع الرئيسية في مدن العالم القديم، ما جعله في زمانه أحد أعظم الشوارع المعروفة.

    اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

    مدينة لم تُبنَ صدفة

    نواصل السير صوب تمثال الإسكندر الأكبر، الذي يقف شامخًأ مطلًا على مدينته التي لم تنشأ بمحض المصادفة، بل كان تخطيطًا ومشروعًا واعيًأ. ومع الوصول إلى التمثال، بدت هذه الفكرة أكثر وضوحًا، على وقع الموسيقى واستمرار المسيرة رغم قلة الحضور. هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا بُنيت المدينة بهذا الشكل؟

    إحدى الإجابات التي طُرحت في الندوة الختامية للأحتفال تشير إلى أن الإسكندر ربما استلهم تخطيطها من مدينته الأصلية بيلا اليونانية، حيث تتصل كتلة أرضية بأخرى عبر جسر، في صورة تشبه ما حدث عند ربط جزيرة فاروس بالمدينة عبر “الهيبتاستاديون”.

    وسواء صحّ هذا التفسير أم لا، فالثابت أن الإسكندرية لم تُترك للصدفة، بل صُممت لتكون مركزًا مفتوحًا على البحر والعالم.

    المهندس الأول: دينوقراط

    إذا استكملنا السير من تمثال الإسكندر الأكبر في اتجاه مكتبة الإسكندرية، فمن المحتمل أن نمرّ بشارع يُعرف باسم دينوقراط، القريب من مكتبة الإسكندرية، وهو اسم يعود إلى المهندس المعماري الذي وضع تخطيط المدينة، كما أشار الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية.

    وتوضح الدكتورة منى حجاج أن الإسكندرية تُعد واحدة من المدن القليلة في تاريخ الإنسانية التي خُطِّطت على الورق قبل أن تُنفَّذ على الأرض، وفق نظام شبكي من الشوارع المتعامدة والمتوازية. ولعل هذا الوعي المبكر بالتخطيط قبل البناء هو أحد الملامح الأساسية التي تفسر لماذا لا يزال يُحتفى بالإسكندرية حتى اليوم.

    ميدان الخرطوم: صناعة فن جديد

    بمرورنا بجانب ميدان الخرطوم، يظهر عمود أثري بزخارف على الطراز الكورنثي. هنا يتوقف المشهد قليلًا، ليس فقط لجمال التفاصيل، بل لما يحمله من دلالة. تشير منى حجاج إلى أن هذا الطراز لم يكن مجرد زخرفة منقولة، بل نشأ وتطور في الإسكندرية نفسها، قبل أن ينتقل إلى مدن العالم، حيث جاء المعماريون ليتعلموا ويقتبسوا من ابتكاراتها. لم يعد العمود مجرد عنصر معماري، بل شاهدًا على مدينة لم تكتفِ بالبناء، بل ساهمت في تطوير لغة الفن نفسها. وربما لهذا السبب أيضًا نحتفل بميلادها.

    اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    الإسكندرية مركزًا للعلم والمعرفة

    أخيرا نصل إلى ساحة الحضارات بمكتبة الإسكندرية، بصحبة الموسيقى العسكرية التي أضفت على المشهد روحا من البهجة. ثم تتوقف الموسيقى تدريجيًا لتفسح المجال للاستمتاع بعرضين استعراضيين لراقصات يونانية ومصرية، تمهيدًا لعرض الدور العلمي للمدينة بوصفها مركزا لصناعة المعرفة والتقاء الثقافات.

    وهنا عادت المدينة لتظهر كمساحة معرفة، فكما أوضح الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، فإن إقليدس وضع أسس علم الفلسفة هنا، وفي قاعاتها أثبت إراتوستينس كروية الأرض وقاس محيطها بدقة مزهلة، ومن ضيائها استلهم أرشميدس قوانينه، كما وُضعت بها أسس علم التشريح لأول مرة. لكن ربما كان الأهم هو التحول في نظرة الفن.

    الفن والإنسان: حين أصبح العادي جديرًا بأن يُرى

    وفق ما أوضحته الدكتورة منى حجاج، فإن الفنان السكندري في الماضي أصبح يهتم ويعكس ما يشاهده في الشارع. فبينما ركزت الحضارة المصرية القديمة على تصوير الآلهة والملوك، قدّم الفن السكندري مشاهد من الحياة اليومية، مثل امرأة عجوز، طفل، وعبد يحمل مصباحًا ينتظر سيده وقد غلبه النوم.

    هذه الشخصيات، التي لم تكن ذات شأن كبير في المجتمع، أصبحت ذات قيمة في نظر الفنان السكندري. وكما أضافت، فقد قدم المصريون القدماء أشكالًا هزلية وأقزامًا، لكن الإسكندرية قدمت فنًا جديدًا هو الكاريكاتير وتصوير الشارع والناس العاديين.

    وهذا التحول يعكس إدراكًا جديدًا لقيمة الفرد داخل المدينة. ومن هنا قدمت الإسكندرية للعالم فكرة أن الإنسان العادي يستحق أن يُرى، وأن يُخلَّد حتى في تماثيل رخامية باهظة. وفي هذا السياق، تفردت الإسكندرية أيضًا كمركز علمي وتعليمي.

    كما لفتت الدكتورة منى النظر إلى أن كثيرا من المدن عرفت التعليم، لكن الإسكندرية تميزت بوجود ما يشبه “المنظومة التعليمية” المتكاملة، بقاعات دراسية واسعة، مثل المسرح الروماني في كوم الدكة، وهو عبارة عن قاعة محاضرات كبرى. كما تُعد من المدن القليلة التي تركت شواهد على تعليم الإناث بشكل نظامي، في دلالة أخرى على خصوصية تجربتها الحضارية.

    مفارقة الاحتفال

    رغم كل هذا التاريخ العظيم للإسكندرية، ظل مشهد الحضور المحدود يفرض نفسه على الرغم من امتلاء القاعة. فاحتفال يتحدث عن مدينة عالمية، لكن حضوره بدا أقرب إلى طابع مؤسسي منظم، أكثر منه تعبيرًا عفويًا عن سكان المدينة أنفسهم. وهنا تظهر المفارقة: مدينة صُممت منذ البداية لتكون مفتوحة على العالم، متعددة وحية، لكن الاحتفاء بها اليوم يبدو في لحظات أضيق من هذه الفكرة.

    فهل نحتفل بالإسكندرية كما كانت؟ أم كما نريد أن نتذكرها؟ وربما الأهم: إذا كانت هذه المدينة قد وُلدت على فكرة واضحة ومتكاملة، فهل لا تزال تُدار اليوم بنفس الرؤية… أم أن التخطيط صار مُجزأً؟

    اقرأ أيضا: «كمشة».. لعبة تعيد اكتشاف جنوب السودان على شواطئ الإسكندرية

  • «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

    «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

    هل يمكن أن تُشيَّد المدينة كل يوم من جديد، لا بالحجارة والمباني، بل بحكايات الناس؟ في الإسكندرية، المدينة التي تراكمت عليها طبقات من الثقافات عبر قرون، لا يبدو هذا السؤال نظريًا بقدر ما هو تجربة يمكن رؤيتها. فهنا، لا تُقرأ الشوارع بأسمائها فقط، بل بما تحمله من قصصٍ تركها عابرون وسكان، بعضهم رحل وبقي أثره.

    بمقر الجمعية اليونانية بالإسكندرية، نظمت مؤسسة راقودة للفن والتراث معرضها الختامي، نتاج ورشة بعنوان: «المدينة التي نحلم بها: رحلة عبر ماضيها وحاضرها ومستقبلها»، بالتعاون مع جمعية M55 اليونانية والجمعية اليونانية بالإسكندرية.

    ظلال الحكايات السكندرية تعود من جديد

    على الجدران، توزعت خرائط مطبوعة وُضعت عليها صور ورسومات ومعلومات، فضلا عن شاشة كبيرة تُعرض عليها أفلام تسجيلية قصيرة عن الإسكندرية. يقف الزوار أمام خريطة كبيرة، يقتربون منها، يشيرون إلى نقطة عليها، لتبدأ الحكاية.

    “إحنا مش بنعرض أماكن، إحنا بنحاول نرجّع الحكايات اللي وراها”، تقول إحدى المشاركات وهي تشير إلى الخريطة. المعرض هو نتاج ورشة عمل استمرت أربعة أيام، شارك فيها 15 شابًا وشابة، قسموا إلى ثلاث مجموعات، عملوا على توثيق 27 موقعًا من أصول يونانية في المدينة، في محاولة لإعادة تتبع الإرث اليوناني المصري في الإسكندرية من خلال أنشطة تفاعلية مع المجتمع ومن خلاله. لم يكن الهدف مجرد الرصد، بل تعلّم كيفية قراءة المدينة، بالنزول إلى الشارع، وإجراء مقابلات مع أصحاب الأماكن وزائريها، بهدف تحويل هذه المادة إلى ثلاث خرائط تفاعلية، وثلاثة أفلام قصيرة، وعشرات الصورة الفوتوغرافية.

    جانب من المعرض.. تصوير: ميرنا جوهر
    جانب من المعرض.. تصوير: ميرنا جوهر
    الأثر اليوناني يعانق تفاصيل الإسكندرية

    في شوارع الإسكندرية، تمر أسماء مثل كفافيس، وأنطونيادس، وبسترودس، وشي جابي، وسفيانوبولو، وغيرها من الأسماء، دون أن نتوقف كثيرًا عند أصلها، لكنها تفتح أفقا لعدد من الأسئلة: لماذا لا يزال الأثر اليوناني حاضرًا بهذا الوضوح؟ وكيف استقبلته الإسكندرية بكل هذه المحبة؟

    تقول الدكتورة روضة عبد الهادي، أخصائية ترميم الآثار ومديرة مؤسسة راقودة، لـ«باب مصر»: “الجالية اليونانية أكثر جالية استطاعت أن تدخل في النسيج المجتمعي الخاص بالإسكندرية، وكان لها تأثير اقتصادي واجتماعي وثقافي مستمر. ولم يكن التأثير سياسيا وعمرانيا ومعماريا فحسب، بل ترك أثرا ثقافيا وفنيا، وما يزال حاضرا”.

    ولم يكن اختيار اليونانيين بسبب تاريخهم فقط، بل لأنهم يقدّمون مثالًا واضحًا على كيف يمكن لوجودٍ بشري أن يتراجع أو يتقلّص، بينما تبقى آثاره موزعة في أرجاء المدينة عبر المباني، والأعلام، والأسماء التي تركت حكاياتها، إضافة إلى العادات، والتقاليد وشذرات الحكايات التي تتردد على الألسنة، وتستقر في الذاكرة السكندرية.

    حينما تقاوم الخرائط صمتها لتواصل الحكي

    النتيجة الأبرز للورشة كانت الخرائط. لكنها ليست خرائط تقليدية تُستخدم للوصول من نقطة إلى أخرى، بل خرائط تُقرأ كطبقات: دينية، ترينا الكنائس والمقابر، مثل كنيسة سان سابا والمقابر اللاتينية، وثقافية، عبر معاينة مؤسسات تاريخية مثل الجمعية اليونانية، واقتصادية وترفيهية، مثل عدد من المقاهي والمطاعم، كـ”إيليت” و”سانتا لوتشيا”.

    “الهدف من إننا نبين التراث الخاص بالأماكن دي، زي الأكل والذكريات”، تقول مريم منار، إحدى المشاركات. على هذه الخرائط، لا تظهر المواقع فقط، بل تظهر أيضًا المسافات بينها، وشهادات أصحابها، وقصص تأسيسها، وذكريات ارتبطت بها. في بعض النقاط، يمكن للزائر أن يضيف حكايته هو، لتصبح الخريطة مفتوحة، تتغير مع كل من يمر بها.

    اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    خرائط عن الإسكندرية اليونانية.. تصوير: ميرنا جوهر
    خرائط عن الإسكندرية اليونانية.. تصوير: ميرنا جوهر
    أرواح يونانية تسكن المدينة

    كيف يظل أثر من رحلوا حاضرًا في مدينة لم يعودوا يسكنونها؟ تجيب الخرائط، جزئيًا، عن هذا السؤال. في أحد المسارات، يظهر مستشفى تابع للجالية اليونانية بمنطقة محطة الرمل، وتتبع الخريطة تحوّلاته عبر الزمن واستخداماته المختلفة، وتروي قصة تحوله إلى نادي الأسطول للبحرية الملكية الإنجليزية، ثم استخدامه في أغراض متعددة، مثل صالة ألعاب رياضية وصالة أفراح. كما تروي الخرائط جزءا من تاريخ مستشفى جمال عبد الناصر، التي أسسها يونانيون أيضا، وكانت تعرف باسم “كوتسيكا”، والآن صارت مستشفى حكوميا.

    وفي موقع آخر، توثّق كنيسة سانت سابا، حيث ما يزال رهبان من دول إفريقية يعتبرون الإسكندرية “وطنًهم الثاني”. لكن ما يربط هذه النماذج ليس المبنى ذاته، بل ما يدور حوله من روايات، “فالمبنى موجود على الأرض، لكن قصص الناس هي تمنحه الروح، وحكايات الناس هي التي تحدد قيمته “، كما تقول هدير النجار، إحدى المشاركات.

    قهوة “خبيني”.. مكان للسياسيين ومخبأ أثناء الحروب

    من الأمثلة التي وثّقتها إحدى الخرائط، قهوة “علي الهندي” الموجودة بالمنشية، والمشهورة باسم “خبيني”، نظرا لأن مساحتها صغيرة لا تُرى بسهولة عبر اتساع الشارع، لكنها تحمل طبقات متراكمة من الاستخدامات والذكريات.

    فكما أوضح عدد من المشاركين في الورشة، تعود ملكية القهوة في الأصل إلى سيدة يونانية تُدعى ماريا خرتيوباس، شاركت علي الهندي قبل أن يشتريها منها لاحقًا، لتظل محتفظة باسمه حتى اليوم.

    ثم عُرفت لاحقًا باسم “خبيني”، في إشارة إلى موقعها غير الظاهر، إذ تطل على الشارع عبر ثلاثة ممرات خفية لا ينتبه لها إلا من يعرف المكان. ومع مرور الوقت، تحولت القهوة إلى مساحة يرتادها سياسيون ونشطاء، بل واستُخدمت كمخبأ خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وعلى الرغم من بساطة المكان وثبات شكله، تغيّر معناه مرارًا، ليعكس كيف يمكن لموقع واحد أن يحمل تاريخًا متنوعًا بقدر من مرّوا به وحكوا عنه.

    من معرض الإسكندرية اليونانية.. تصوير: ميرنا جوهر
    من معرض الإسكندرية اليونانية.. تصوير: ميرنا جوهر
    كيف تحول بار “كاب دور” إلى “الشيخ علي”

    لا يبتعد هذا المثال كثيرًا عما وثّقته الخريطة نفسها في موقع آخر قريب، حيث تتكرر الفكرة ذاتها بصيغة مختلفة؛ فقد تأسس بار “كاب دور” عام 1900 في زقاق ضيق قرب المنشية، وكان مملوكًا ليونانيين وفرنسي، قبل أن يشتريه لاحقًا رجل مصري يُدعى علي عقب موجات التأميم، ليحافظ على طابعه ويضيف إليه فقط قائمة طعام.

    ومع اختلاف العادات، إذ كان الملاك الأجانب يغلقونه في أعيادهم، بينما أغلقه علي يوم الجمعة، أطلق عليه الزبائن لقب “الشيخ علي”، وظل الاسم ملازمًا له حتى اليوم. وعلى مدار عقود، جذب المكان نخبة متنوعة من التجار والباشوات وعشاق سباق الخيل، وشكّل مجتمعًا شبه مغلق من رواده. ورغم تغير المدينة من حوله، بقيت تفاصيله وديكوراته كما هي، محتفظًا بسحره القديم وطابعه الفريد، ليصبح بدوره أكثر من مجرد بار، بل مساحة حية تختزن ذاكرة المدينة وتحولاتها.

    اقرأ أيضا: مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

    مدينة يُعاد كتابتها

    لا يبدو أن المعرض يقدّم إجابة نهائية، بقدر ما يفتح طريقة جديدة للنظر، ويطرح أسئلة حول التاريخ والحاضر. فالمباني تبقى جزءا مهما من التراث المادي، لكن هذا التراث لا يُفهم بمعزل عن الحكايات التي ارتبطت بها. هذه الحكايات لا تصنع تراثا من العدم، لكنها تمنحه معنى جديدا ممتدا، وتعيد ربطه بالحاضر.

    لهذا، لا تُبنى المدينة مرة واحدة بالحجر، بل تُعاد قراءتها كل يوم، من خلال القصص التي يضيفها سكانها، والذكريات التي يتركونها، حتى بعد رحيلهم.

    ومن هنا، لا تتوقف هذه التجربة عند جدران المعرض؛ إذ تخطط مؤسسة راقودة لإتاحة هذه الخرائط عبر موقعها الإلكتروني، في إطار سعيها إلى إتاحة المعرفة وعدم حصرها داخل المؤسسة.

    اقرأ أيضا: «كمشة».. لعبة تعيد اكتشاف جنوب السودان على شواطئ الإسكندرية

  • «واقع افتراضي».. مشروع لتوثيق «ترام الرمل» بصريا بعد توقفه

    «واقع افتراضي».. مشروع لتوثيق «ترام الرمل» بصريا بعد توقفه

    بعد توقف «ترام الرمل» عن العمل نهائيا مطلع إبريل الجاري، ومع بدء تنفيذ مشروع تطويره وإعادة تأهيله، سعى المهندس السكندري أحمد عمارة، المدرس بكلية الفنون والتصميم بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إلى حفظ هويته البصرية من خلال تخصصه كفنان رقمي في الرسوم المتحركة «الأنيميشن» وتصميم ألعاب الفيديو

     فكرة مشروع الواقع الافتراضي

    يقول المهندس أحمد عمارة، إن فكرة مشروع الواقع الافتراضي لترام الرمل في الإسكندرية خطرت له منذ الإعلان عن اقتراب موعد إيقاف الترام نهائيا. ولأن ترام الرمل كان له أثر كبير في حياته وحياة كل سكندري، قرر توثيقه ليحفظ شكله الحالي في ذاكرة ووجدان كل من يشاهد هذا المشروع، مستخدما خبراته في مجال الرسوم المتحركة وصناعة ألعاب الفيديو.

    وأكد أنه أراد تنفيذ هذا المشروع بشكل يجعله متاحا للجميع؛ سواء كانوا يمتلكون نظارات واقع افتراضي أو أجهزة حاسب آلي أو حتى هواتف ذكية فقط. وركز ظهور الترام في مشروعه على الجانب الشخصي والإنساني، بالإضافة إلى إظهار شكل عربات الترام تفصيليا في أقرب صورة إلى واقعها الذي عايشناه جميعاً.

    المعماري محمد عوض في افتتاح «أيام التراث السكندري»: «هل يمكن أن يكون للمدينة DNA؟»

     مراحل تنفيذ المشروع

    صرح “عمارة” بأنه استخدم بشكل أساسي برنامج Blender 3d في تنفيذ المشروع، كما كانت أدوات الذكاء الاصطناعي عاملا مساعدا كبيرا. وقام من خلال هذا البرنامج بعمل كل النماذج المستخدمة، بدايةً من عربات الترام بكل تفاصيلها الداخلية والخارجية، وكذلك تصميم ركاب الترام كما يتذكرهم شخصيًا، بالإضافة إلى العاملين به مثل الكمسري والمفتش والسائق.

    ووضع هذه الشخصيات داخل الترام بشكل يحكي بعض القصص التي عايشها خلال استقلاله له، ذاكرًا على سبيل المثال قصة أحد البائعين المتجولين الذي كان يبيع أدوات منزلية، وكانت طريقته في عرض البضاعة شيقة ومضحكة، وتشجع الركاب على تجاذب أطراف الحديث معه. وكذلك بعض المواقف المألوفة، مثل توقف الترام بجوار أحد المخابز ليتسنى للكمسري والسائق شراء الخبز لتناول الفطور، دون أن يبدي أي راكب اعتراضه، وكأنهم أسرة واحدة، متأثراً بفكرة أن ترام الرمل كان يمثل لقطة مصغرة لجميع فئات المجتمع السكندري.

    خلال تنفيذ مشروع واقع افتراضي.. بإذن من المهندس أحمد عمارة مصمم المشروع
    خلال تنفيذ مشروع واقع افتراضي.. بإذن من المهندس أحمد عمارة مصمم المشروع
     مشاركة المجتمع السكندري

    استطرد “عمارة” أن هذا المشروع استغرق تنفيذه حوالي شهرين، وخلال تلك الفترة كان ينشر بعض اللقطات التي توضح مراحل التقدم عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد لاقت استحسانا كبيرا من الجمهور، الذي ساهم أيضا في تطوير المشروع من خلال تزويده بمعلومات مهمة.

    ‏وشملت هذه المعلومات أرقام عربات الترام، وأسماء بعض الأجزاء المكونة لها، إلى جانب معلومات فنية وتقنية أخرى، كما أرسل بعض المتابعين صورا إضافية ساعدته في بناء المشروع بشكل أدق.

    الشباب والفن والتراث.. كيف أعاد «إسكندرونا» قراءة تاريخ المنشية الصغرى؟

    أبرز التحديات في التنفيذ

    أضاف “عمارة” أن ‏من أبرز الصعوبات التي واجهته عدم توافر رسومات هندسية لعربات الترام، ما اضطره لإجراء بحث معمق حول مكوناتها، مستعينا بأدوات الذكاء الاصطناعي لتحديد أسماء الأجزاء، وبالتالي البحث عن صور لها. وفي كثير من الأحيان كان يعتمد على أجزاء مشابهة ليستنتج منها الشكل الحقيقي للأجزاء الموجودة في عربات ترام الرمل.

    كما ‏اعتمد على الصور قدر الإمكان في استنتاج أجزاء التفاصيل الظاهرة، مع التركيز بشكل خاص على منطقة جلوس الركاب، بما فيها من كراس وملصقات إعلانية وتعليمات وإرشادات، بالإضافة إلى تصميم شخصيات الركاب بصورة قريبة من الواقع كما اعتاد المواطن السكندري رؤيتها.

    ومن التحديات أيضا عدم معرفته بأرقام العربات، ما كان قد يؤدي إلى وضع أرقام غير صحيحة داخل المشروع، إلا أن تفاعل الجمهور السكندري عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساعده في تدارك هذا الخطأ.

    ترام الرمل.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    ترام الرمل.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    جاهز للتجول داخل الترام افتراضياً؟

    أوضح “عمارة” أن ‏المشروع حالياً عبارة عن نموذج متحرك ثلاثي الأبعاد، يظهر عربات الترام وهي تسير في مسار مستمر، حيث يمكن للمشاهد رؤية حركة الترام واهتزازه الخفيف، إلى جانب أعمدة الإضاءة والكهرباء التي تمر بجواره بسرعة.

    كما يمكنه مشاهدة الركاب في مواقف مختلفة، والتنقل داخل الترام عبر الضغط على أرقام تظهر داخل النموذج، لينتقل إلى أماكن محددة مثل كابينة السائق، وموقع الكمسري، ومكان المفتش، وغيرها من النقاط التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية داخل الترام.

    وعبر “عمارة” عن سعادته بردود أفعال الجمهور السكندري، التي جاءت إيجابية ومشجعة، حيث وصف البعض التجربة بأنها من أفضل محاولات التوثيق البصري ثلاثي الأبعاد لترام الرمل. كما تلقى العديد من التساؤلات حول إمكانية تنفيذ عربات ترام أخرى بالطريقة نفسها، أو تحويل المشروع إلى لعبة فيديو، مؤكدا أن فكرة تطوير لعبة قائمة على هذا النموذج واردة، لكنها تحتاج إلى وقت وجهد أكبر بكثير.

    اقرأ أيضا: في جولة للتصوير والرسم.. مؤسسة «راقودة» توثق ذاكرة ترام الإسكندرية

  • في جولة للتصوير والرسم.. مؤسسة «راقودة» توثق ذاكرة ترام الإسكندرية

    في جولة للتصوير والرسم.. مؤسسة «راقودة» توثق ذاكرة ترام الإسكندرية

    نظمت مؤسسة «راقودة للفن والتراث» جولة ميدانية بعنوان «حكايات منسية من إسكندرية- محطات الترام»، جمعت بين التوثيق الفوتوغرافي وورشة رسم اسكتش، إلى جانب سرد حكايات مرتبطة بمحطات الترام، في تجربة جمعت بين الفن والتاريخ، وسعت إلى إحياء الذاكرة البصرية للمدينة ورصد أحد أبرز معالمها التراثية.

    جولة تصوير محطات الترام

    أوضح هاني المصطفى، مصور فوتوغرافي ومدرب بالمؤسسة راقودة، أن جولة تصوير محطات الترام ركزت على عدة جوانب. منها توثيق الشكل الظاهر للمحطة واسمها وعربات الترام. واختيار الزوايا والإضاءة والظل بما يعكس الرؤية البصرية لكل مشارك، إلى جانب الجانب الشخصي المرتبط بالذكريات الفردية لكل شخص. مثل مكان محدد داخل العربة، أو محطة انتظار، أو بائع متجول.

    وأشار المصطفى إلى أن هناك اهتماما بالعنصر البشري أيضا. مثل السائقين والكمسريين وموظفي التحويلة، إلى جانب توثيق الحياة حول المحطات. بما فيها البيوت والمنازل والنباتات على طول المسار، مع توجيه المشاركين لاختيار أفضل الزوايا والتقنيات سواء بالكاميرا أو الهاتف.

    أما المهندسة مريم عاصم، التي نفذت ورشة رسم الاسكتش، فاعتبرت الجولة فرصة لتوثيق ذكريات سنوات طويلة. حيث يمثل الترام جزءا من الهوية السكندرية، ويعد شكله الحالي بعرباته الملونة (الأزرق والأصفر والأحمر) جزءا من شخصية المدينة.

    العمل جاري في مشروع تطوير الترام.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    العمل جاري في مشروع تطوير الترام.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    «الترام» رمز الإسكندرية

    أكد الفنان السكندري خالد هنو أن كل لوحة كان يرسمها لمدينة الإسكندرية كان من المهم أن يظهر فيها ترام الرمل كمعلم أساسي ومهم في تاريخ المدينة. مشيرا إلى أن عمر الترام الذي تجاوز 160 عاما جعله شاهدا على ذكريات أجيال متعاقبة.

    وقال هنو: “الترام ليس مجرد وسيلة انتقال. وهذا تصور غير دقيق لدى البعض عند الحديث عن تطويره، الذي قد يفهم على أنه مجرد زيادة في السرعة أو أعداد المستخدمين فقط. لكنه في الحقيقة جزء من التراث السكندري، يستقله السائحون الأجانب والمتنزهون المصريون لمشاهدة معالم المدينة من خلال نوافذ الترام”.

    واسترجع ذكرياته منذ الطفولة والشباب. حيث كان يعتمد على الترام في الذهاب إلى المدرسة ثم الجامعة. موضحا أنه رغم إقامته في منطقة الحضرة، كان يسير مشيا على الأقدام حتى محطة ترا الإبراهيمية ليستقله في رحلته اليومية ذهابا وإيابا. وهو مشوار لم يكن قصيرا، إلا أنه كان يستمتع به لما يوفره من فرصة لتأمل المدينة والناس. ورسم الاسكتشات واستلهام الأفكار، إضافة إلى قراءة الكتب خلال الرحلة.

    رفض التطوير

    أشار الفنان خالد هنو إلى أن الترام يعد معلما مهما لدى الإسكندرانية. ما يجعلهم متحفظين تجاه فكرة “التغيير” رافضا استخدام مصطلح “التطوير” إذا اقتصر على تحديث العربات أو القضبان فقط. معتبرا أن ما يجري هو تغيير شامل يمس أحد أبرز معالم المدينة.

    ودعا إلى النظر إلى تجربة الترام في دول أوروبا. رغم أن الإسكندرية سبقت معظمها في إنشاء الترام باستثناء إنجلترا. حيث تحافظ تلك الدول على الترام بنفس شكله وتركيبته التقليدية، معبرا عن أسفه لفقدان الإسكندرية العديد من معالمها المميزة، خلال مشروعات سابقة. معتبرا أن الترام يعد آخر هذه المعالم البارزة، وأن تغيير هيئته سيجعل المدينة أقرب إلى أي مدينة أخرى دون تميز بصري واضح.

    من أعمال الفنان السكندري خالد هنو عن ترام الإسكندرية.. الصورة بإذن خاص منه
    من أعمال الفنان السكندري خالد هنو عن ترام الإسكندرية.. الصورة بإذن خاص منه
    إيقاف كلي للترام

    يشار إلى أنه من المقرر الإيقاف الكلي لمسار ترام الرمل في الأول من إبريل. وذلك بعد إيقافه جزئيا بين محطتي فيكتوريا ومصطفى كامل منذ بداية فبراير الماضي. وفق ما أعلنته وزارة النقل في بيانها الرسمي عقب زيارة الفريق كامل الوزير، وزير النقل، في مطلع مارس لتفقد الموقف التنفيذي لمشروع إعادة تأهيل وتطوير ترام الرمل. حيث تم البدء بالفعل في تنفيذ أعمال التطوير بالجزء الذي شمله الإيقاف الجزئي.

    ومنذ بدء الإعلان عن إيقاف الترام، حرص عدد من السكندريين على توثيق ذكرياتهم معه من خلال التقاط الصور التذكارية لعرباته ومحطاته. إلى جانب تكثيف استخدامه في تنقلاتهم اليومية. في محاولة لتوديعه قبل توقفه الكامل واختفاء شكله الحالي المتوارث عبر الأجيال. على أن يعود بحلته الجديدة بعد تطويره وتحديث خط سيره.

    اقرأ أيضا:

    الشباب والفن والتراث.. كيف أعاد «إسكندرونا» قراءة تاريخ المنشية الصغرى؟

    قراءات جديدة في العمارة والأدب السكندري خلال فعاليات «أيام التراث»

    المعماري محمد عوض في افتتاح «أيام التراث السكندري»: «هل يمكن أن يكون للمدينة DNA؟»

  • «كمشة».. لعبة تعيد اكتشاف جنوب السودان على شواطئ الإسكندرية

    «كمشة».. لعبة تعيد اكتشاف جنوب السودان على شواطئ الإسكندرية

    في الإسكندرية، قد يمر هذا المشهد ليضعنا في لحظة ارتباك عابرة، لحظة سريعة تُلتقط فيها الأشياء من الأرض، ويكتمل اليوم كعادته. لكن في لعبة «كمشة»، لا يمر الموقف بسهولة، حيث يتحوّل إلى قاعدة تُفرض على اللاعب وتغيّر مسار اللعب.هنا، لا تُحكى حكايات أبناء جنوب السودان… بل تُعاش.

    اللعبة كمساحة غير مرئية

    في مدينة تُوصف دائمًا بأنها متعددة الثقافات مثل الإسكندرية، قد يبدو التعايش أمرًا بديهيًا. لكن بعض الحكايات تظل غير مرئية ولا تجد مساحة كافية لتُروى. هنا تحديدًا تحاول “كمشة” فتح هذه المساحة بعيدا عن الشرح المباشر، لتتجلى الحكاية عبر التجربة.

    يصف فريق العمل الذي طوّر اللعبة هذه اللحظات بأنها نقطة تحوّل داخل اللعب. حيث يبدأ المشاركون -خاصة من أبناء جنوب السودان – في الحديث عن الأكلات وذكرياتهم المرتبطة بها. وكأن اللعبة تفتح بابًا للكلام لم يكن مفتوحًا من قبل.

    في هذا السياق، تظهر تفاصيل قد لا ننتبه لها في يومنا العادي، لكنها ليست بالبساطة نفسها للجميع. ومن خلال “كمشة”، تتحول هذه التفاصيل إلى مواقف صغيرة لكنها كاشفة. بحسب فريق عمل شركة ACT (Ariu for Consultancy and Training)، التي طوّرت اللعبة، كان الهدف هو خلق مساحة للتعريف بثقافة جنوب السودان.

    عندما تدخل “الأحكام”

    تحاول اللعبة، من خلال كارت “الحكم”، نقل بعض التحديات اليومية التي يواجهها أبناء جنوب السودان في مصر. حيث تتمركز جالية كبيرة في القاهرة والإسكندرية. وخلال اللعب، يظهر هذا الكارت في لحظات محددة ليغيّر مسار ما يحدث بين اللاعبين، فيتغير إيقاع اللعبة. هذه الأحكام ليست عشوائية ولا خيالية. بل مستوحاة من مواقف يومية في السوق والمواصلات والخدمات.

    تضع هذه الكروت اللاعب في وضع غير متكافئ: قد يخسر دوره، أو يعتمد على لاعب آخر، أو يجبر على اتخاذ قرار ليس في صالحه. وبدلًا من شرح هذه التجارب، تضعك اللعبة داخلها -ولو لدقائق. وهي في الوقت نفسه، لا تقول شيئًا فقط عن حياة أبناء جنوب السودان، بل تطرح سؤالًا أوسع عن الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف داخل مدننا.

    لعبة عن الأكل…وأكثر

    “كمشة”- وتعني “مغرفة” بالعربية الجوبا، وهي لغة هجينة تعتمد على اللغة العربية- هي لعبة كروت مستوحاة من مطبخ جنوب السودان. في ظاهرها، تبدو بسيطة: من ثلاثة إلى خمسة لاعبين. وخمسة عشر كارتًا من الأطباق توضع على الطاولة في كل جولة.

    يبدأ كل لاعب في سحب الكروت، محاولًا تكوين مجموعات من نفس الطبق للحصول على نقاط أعلى. ويفوز من يجمع أكبر عدد من النقاط. تنقسم الأطباق داخل اللعبة إلى أقسام مختلفة، مثل “منيو” مصغّر يعكس تنوع مطبخ جنوب السودان.

    يوضح فريق العمل أن بعض هذه الأكلات قد تبدو مألوفة للمصريين، مثل المُلاحات التي تشبه الطواجن، و”الكِسرة” القريبة من العيش المرحرح، لكنها تختلف في طريقة التحضير والمكونات. كما يشيرون إلى أطباق أخرى مثل ملاح الملوخية، الذي يضاف إليه “الدكوة” (زبدة الفول السوداني)، في تركيبة قد تبدو غير مألوفة، لكنها جزء أساسي من هذا المطبخ.

    من الفكرة إلى التجربة

    تبدو اللعبة وكأنها مجرد جمع نقاط، لكنها في الحقيقة تفتح بابًا على ثقافة نسير بجوارها كل يوم دون أن نراها. خرجت فكرة “كمشة” من تجربة عملت عليها شركة ACT في الإسكندرية، وهي شركة تعمل في مجالات التدريب وتطوير الأدوات التعليمية والتنمية المجتمعية.

    لكن اللعبة لم تبدأ كلعبة. في أحد المعسكرات التي جمعت أطفالًا من مصر وجنوب السودان، لم يكن التواصل سهلًا: اللغة مختلفة، والخلفيات متباعدة، والتفاعل محدود.. إلى أن دخل الفن. من خلال أنشطة مثل الرقص، بدأ أطفال جنوب السودان التعبير عن أنفسهم بحرية. ومع الوقت بدأ الأطفال المصريون في المشاركة، فتحول التردد إلى تفاعل. ثم إلى حوار غير مباشر. لم يكن هناك شرح، لكن كان هناك تفاهم.

    من الورشة إلى الطاولة

    بعد ذلك، بدأت مرحلة البحث، من خلال جلسات نقاش مع أبناء من جنوب السودان لفهم تجاربهم اليومية والتحديات التي يواجهونها. ثم جاءت ورشة تصميم الألعاب، بمشاركة مصممين وعاملين في التنمية المجتمعية، إلى جانب مصريين وأبناء من جنوب السودان. وخلالها الورشة، طرحت عدة أفكار، قبل أن تستقر على “كمشة”.

    لم يكن اختيار الطعام عشوائيًا، ففريق العمل يرى أن الطعام – إلى جانب الرقص – من أبرز وسائل التعبير لدى أبناء جنوب السودان. هنا لا يصبح الطعام مجرد قوت، بل لغة حوار لا تنقطع.

    أكثر من لعبة

    لطالما قدمت الإسكندرية كمدينة للتنوع والتلاقي الثقافي. لكن مبادرات مثل “كمشة” تطرح سؤالًا مختلفًا: هل ما يزال هذا التنوع حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، أم أنه يحتاج إلى من يعيد اكتشافه؟

    في الوقت نفسه، لا تتوقف هذه المبادرات عند حدود المدينة. فمثل هذه الأفكار التي تنطلق من الإسكندرية، تمتد لتخاطب واقعًا أوسع في مصر. حيث تتكرر الأسئلة نفسها حول التعايش، والفهم، والمساحات المشتركة بين المختلفين.

    في النهاية، “كمشة” ليست مجرد لعبة كروت، لكنها تجربة صغيرة تبدأ بجمع الأطباق، وتنتهي بأسئلة أكبر. قد لا تغيّر ما يحدث خارج طاولة اللعب. لكنها تفتح بابا لفهم الغامض في حياة من يعيشون معنا، وتقربنا من جزء من حكاياتهم وأحلامهم.

    اقرأ أيضا:

    تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

  • «ترام الإسكندرية».. ذاكرة الصمت والانتظار بعيون فنانيها

    «ترام الإسكندرية».. ذاكرة الصمت والانتظار بعيون فنانيها

    اقترب إيقاف ترام الإسكندرية تمهيدا لتطويره في الأول من إبريل، فهل ستتوقف معه الذكريات من أغنيات وصور وحكايات ما زالت قادرة على إدهاشنا؟ هكذا يستعيد المعرض الجماعي للصور الفوتوغرافية والفيديو سيرة الترام، متناولا بعض لحظات جماله. وقد اختتم المعرض، الذي جاء بعنوان «بين محطة وأخرى»، في مقر بساريا للفنون بشارع فؤاد، على بعد دقائق من محطة ترام الرمل بالإسكندرية.

    تم افتتاح المعرض في بداية فبراير؛ تزامنًا مع بدء مرحلة الإيقاف الجزئي للتطوير، تنفيذا للقرار الذي أتي ضمن سياق أوسع من قرارات تطوير عمراني تشهدها الإسكندرية خلال العقد الأخير، وجميعها أثارت جدلًا حول علاقتها بالهوية التاريخية والجمالية للمدينة الكوزموبوليتانية. وقد أثارت هذه القرارات غضبًا وحزنًا في أوساط المجتمع السكندري، الذي ارتبط أفراده بذكريات وحكايات شكلت جزءا مهما من روح المدينة وذاكرتها الاجتماعية.

    استدعاء تفاصيل حية

    اهتم المعرض بتقديم رحلة بصرية حافلة بالتأمل فيما كان، استدعت معها حياة ثرية بتفاصيلها الحية التي ما تزال عالقة بحركته وشكله ومحطاته. ونقل المعرض حياة الناس وتفاعلاتهم الاجتماعية وتجاربهم اليومية عبر لحظات لم تكن أبدا عابرة. بل ترسم مشاعر متماوجة بين الانتظار والحركة، ومع هدير الحكايات والصمت، وحوارات الغرباء، ولحظات الشرود، وحتى الملل والحلم بالوصول إلى المحطة المنتظرة.

    شارك في المعرض 14 فنانا وفنانة، هم: أمينة محي الدين حسن، أحمد النجدي، أسامة عشوش، زياد أحمد الضوي، زياد حسن، ساره زكي الشيخ، شيماء فضل الله خليل، صلاح الدين شعبان، طارق عبد اللطيف محمود تمّام، عمر نصار، محمد مجدي، مروان خير الدين، مريم شعبان، ميلاني سالعن.

    تجاورت في قاعة المعرض لوحات الصور وشاشات عرض الفيديوهات. كأنها محطات متتابعة في خط واحد، تصور أجزاءً من حكايات بصرية منفصلة ومتصلة. مثل قطع الفسيفساء التي تعكس الحكاية الكاملة، لتخبرنا جميعها أن “الكنز في الرحلة”.

    من معرض بين محطة وأخرى.. الصورة من مشاركة المصور طارق عبد اللطيف
    من معرض بين محطة وأخرى.. الصورة من مشاركة المصور طارق عبد اللطيف   
    وسيلة للاستمتاع بالرحلة

    الترام ليس وسيلة من يريد الوصول بسرعة، بل وسيلة من يريد الاستمتاع بالرحلة. هو بطيء وسط الزحام، وممل لمن يقيس الزمن بالدقائق، لكنه يعرف وجهته. يسير في مساره الخاص، يصل متأخرًا أحيانًا، لكنه يصل مع أولئك الذين يقدرون التأمل، ويعون معنى الحكايات التي تنضج على مهل. أما من يعرفونه في منتصف الليل، حين تهدأ المدينة، وحين يتخلى عن بطئه. فإنهم يدمنون التأمل واستدعاء بهجة المشاهدة، كأنهم يتعرفون على أسرار المدينة في لحظة طيران.

    من نوافذ الترام المفتوحة، تتحول الحياة إلى شريط سينمائي طويل. يتيح للراكب مشاهدة الفيلم الحي الذي تتعاقب فيه المحطات كمشاهد مدهشة. يمر الترام بجغرافيا مدينته: مدارس وجامعات ومستشفيات، كنائس ومساجد، مقابر وميادين، كأنه يحمل تاريخ الإسكندرية كله من محطة إلى أخرى.

    من زاوية خارجية يرفع المصورون كاميراتهم، يمسحون دمعة الوداع من أعينهم/عدساتهم. يلتقطون الصور ويسجلون المشاهد، محاولين تثبيت بعض هذه اللحظات كذاكرة لعجوز يكاد يودع تاريخه، قبل أن تغرق ذكرياته في أمواج النسيان. وفي مدينة يتغير إيقاعها وتتسارع تحولاتها العمرانية، يودع الترام ركابه إلى مسار جديد من التطوير.

    طارق عبد اللطيف: إحساس الوداع ينعكس في كادراتي الحزينة

    يشير المصور طارق عبد اللطيف، أحد الفنانين المشاركين في المعرض،  إلى أن انشغاله بتوثيق الترام هو امتداد لاهتمام بدأ قبل سنوات. حين انصرف إلى توثيق عرباته ومحطاته وملامح العاملين فيه وركابه. ومن هذا المنطلق، تبدو مشاركته أقرب إلى توثيق لتاريخه قبل أن يذوب. ولم يعنيه إلا تسجيل الحقيقة التي ربما صارت جزءا من ذاكرة مثقوبة.

    في صوره، يظهر الترام كمساحة اجتماعية صغيرة تتقاطع داخلها حكايات المدينة. لذلك يقترب طارق من التفاصيل الدقيقة التي قد تبدو عابرة للعين السريعة: وجوه الركاب وهم صامتون في الرحلة، أو ملامحهم وهم يحدقون خارج النوافذ. وأحيانًا اختلافاتهم الاجتماعية التي يمكن ملاحظتها من أشياء بسيطة مثل الأحذية. أو طريقة إمساك كل راكب بعمود الترام أو بحافة النافذة أثناء النظر إلى الخارج.

    يتأمل طارق كراسي الترام، ويقول: “فيه حميمية بتقرب الركاب من بعض، وبيبقى فيه حتمية للتفاعل حتى لو بإيماءة أو حركة للجسم عشان يعدي اللي نازل. فبتخلق مساحة من الونس للركاب إنهم يتكلموا، وخصوصًا كبار السن اللي هم أكبر نسبة في عدد الركاب”. ومن خلال هذه اللحظات الصغيرة، تتشكل أحيانًا علاقات عابرة بين غرباء. تكشف أيضًا عن اختلافات طبقية وثقافية تتجاور داخل هذا الفضاء المشترك. ويرى طارق أن هذه التجربة اليومية تمنح الركاب فرصة نادرة للتعرف على بعضهم البعض وتأمل هذا التنوع.

    من صور المعرض.. بإذن خاص من "مساحة بساريا للفنون" على الفيسبوك
    من صور المعرض.. بإذن خاص من “مساحة بساريا للفنون” على الفيسبوك
    غياب الترام.. غياب للوعي الجمعي والائتناس بالآخر

    ينظر طارق بأسى عندما يتذكر اقتراب إيقاف الترام، وتأثير إحساس الوداع على اختياراته البصرية، ويقول: “بحس إني بقيت بلا وعي باخد كادرات حزينة، فيها شيء من الرحيل. كأن كل حاجة في الترام بتودّعنا: العربيات والعاملين والركاب والمحطات واللون الأخضر على الناحيتين”. ويرى أن ما قد يختفي مع غيابه ليس مجرد وسيلة نقل، بل نمط من العلاقات اليومية. بدءًا من الحميمية بين الركاب، وعلى المحطات ومع المحصلين، وصولًا إلى المشهد العمراني نفسه. بما فيه الشجر العتيق على جانبي أغلب مسارات الترام.

    ويضيف أن وعيا جمعيا جديدا سيتشكل في المدينة بإيقاع أسرع يميل نحو الفردانية: “يعني الترام الأوكراني الأصفر الكراسي صف، وكل كرسي لوحده مالوش دعوة بحد جنبه.. ودا المستقبل”. ويختتم طارق: “شخصيًا، يرتبط الترام عندي بسيرته الخاصة ووعيه بالمدينة: من وأنا طفل ما كانش فيه مواصلة أمان زي الترام. وعلى المستوى الثقافي، أنا شايف إنه جزء مهم من صورة الإسكندرية ذاتها: “شكل وعيي وعرفني على أنواع كتير من البشر. عمرك شوفت فيديو تعريفي أو فيلم عن إسكندرية من غير الترام والبحر؟ حتى إعلانات المحافظة الّلي شغالة على شاشات العرض على البحر لحد النهاردة لا يمكن تكون من غير الترام!”.

    تحول المدينة لمسخ

    لذلك، يعتبر طارق غياب الترام خسارة لشرائح واسعة من كبار السن والطلاب. لأنه كان المواصلة الأكثر أمانا وتوفيرا بالنسبة لهم. ويقول: “إنت مع الوقت بتحول المدينة لمسخ، مفيش حاجة تعبر عن هويتها وذاكرتها”.

    ويستكمل: إذا اعتبرنا الترام شاهدا على المدينة، فلو تكلم، فإن ما سيحكيه اليوم هو قصة طويلة عن تاريخ من الإهمال المتعمد. “هيحكي قصة حزينة عن إننا سيبناه يروح مننا وموقفناش. وحاولنا نخليه يفضل ماشي كشريان مهم في حياة المدينة. وهيحكي عن أمجاده، وعن كل رحلة قام بيها، من أيام الجر بالحصان، وبعدين البخار، وصولًا للترام الكهربائي”.

    و”هيحكي عن كل راكب كان ملجأه ومنقذه، وعن محصلين وعمال أفنوا عمرهم فيه. وياما شال طلاب وهم معاهم أبونيه المدارس. لحد ما بقوا كبار سن بيركبوا ببلاش بالبطاقة لأنهم فوق السبعين”.

    من صور المعرض.. بإذن خاص من "مساحة بساريا للفنون" على الفيسبوك
    من صور المعرض.. بإذن خاص من “مساحة بساريا للفنون” على الفيسبوك
    سارة زكي: حين تتحول أصوات الترام لموسيقى مدهشة

    تشرح الفنانة البصرية سارة زكي مشاركتها بفيديو فني في المعرض. حيث ركزت في اختياراتها على إخراج عمل يجمع بين التوثيق والتجريب، وتقول: “في مشهد صوت الترام ماشي مع صوت البنت اللي بتحك رجلها في أرضية العربية رايح جاي. فحبيت أركز على التفاعل ده. وفي مشهد تاني، أطفال من الباعة المتجولين بيلعبوا “عقلة” على العامود. أفتكر مفيش مواصلة غير الترام هتبقى الناس فيها براحتها كده”.

    وتضيف أنها استخدمت أصوات الترام نفسها في تصميم مقطع موسيقي (Track) باستخدام الـ Ai (الذكاء الاصطناعي). فمثلًا تحولت صفارة الترام إلى صوت آلة الـHarp، وهكذا.

    درست سارة في كلية التربية الفنية، وهي من الفنانات اللاتي يركزن في تصويرهن على فن الفيديو (Art Video) الذي يخاطب المشاعر أكثر من اهتمامه بالتكنيك. وفي الفيديو المشارك بالمعرض، تحكي عن علاقتها بالترام: “أنا مش من إسكندرية في الأساس. كنت بعتبر الترام معلما سياحيا مميزا، وما كانش فيه ولا مدينة من اللي عيشت فيها كان فيها ترام. عشان كده كان بالنسبة لي قيمة عظيمة جدًا”.

    تنقلت سارة بين 14 مدينة في عدة دول على مدار سنوات عمرها، وأقامت بالإسكندرية منذ سبع سنوات. وخلال آخر سنتين حاولت توثيق إقامتها استعدادًا لمغادرتها للمدينة بعد عام. فهي توثق ذكرياتها، كما توثق للترام الذي سيغادر مثلها.

    تفاصيل إنسانية

    ترى سارة أن الترام مساحة جامعة لطبقات وجنسيات مختلفة، كأنه شاهد على كثير من حكاياتهم. وتحكي ذكرى لها: “مرة وأنا في الترام، كان فيه عيلة سودانية بيحكوا قصص لطيفة قوي عن أول ما جُمّ مصر. وإنهم عاشوا في الهرم، وطلبات البيت اللي هيجيبوها وهما مروحين”. وتضيف: “أنا بتشغلني التفاصيل الإنسانية البسيطة”.

    وعن ارتباطها بالترام ذي الطابقين، تقول: “كل ما يمر قدامي بركبه حتى لو مفيش سبب، بحب أقعد فيه كذا محطة”. كما تشير إلى احتفاء بعض المدن بوسائل النقل التراثية، حتى وإن كانت أقل عمرا أو قيمة. مثل التليفريك الجبلي في لبنان، والأتوبيس ذي الطابقين في جورجيا. متعجبة من عدم حدوث ذلك في مصر، وعدم البحث عن طرق للحفاظ على الترام بدلا من إيقافه.

    من صور المعرض.. بإذن خاص من "مساحة بساريا للفنون" على الفيسبوك
    من صور المعرض.. بإذن خاص من “مساحة بساريا للفنون” على الفيسبوك
    مريم شعبان: كيف سنرى الإسكندرية من غير الترام؟

    “ملامح إسكندرية ممكن تبقى عاملة إزاي من غير الترام؟” بهذا السؤال تفتتح المصورة مريم شعبان الفيديو الوثائقي الذي شاركت به في المعرض. وتقول: “في ظل التشويه الدائم للإسكندرية، مدينتي المفضلة، ليس لأنها المكان الذي ولدت فيه. بل لأنها مميزة فعلا عن كل مدينة أو محافظة زرتها أو سأزورها. كان الترام هو القشة التي قصمت ظهر البعير”.

    اختارت مريم الفيديو لأنها ترى أنه، بما يحمله من مشاهد وأصوات، يمنح تأثيرا أعمق لنقل المشاعر. وتضيف: “لاحظت تأثر الناس بالمشاهد. حتى أن بعض من شاهدوه نزلت دموعهم بعد تجربة المشاهدة”.

    بدأت مريم توثيق مشاهد الترام منذ أكثر من عام، وصورت محطات مختلفة في أوقات ومواقف متغيرة. ثم تعاونت مع زميلها المونتير أحمد إسماعيل لإخراج قصة مترابطة. حاولت من خلالها توثيق مشاعر الناس، من عمال وركاب، دون تدخل، سوى تشجيعهم على سرد حكاياتهم والتعبير عن مشاعرهم تجاه الترام، بين مميزاته وعيوبه.

    وفي اختياراتها البصرية، ركزت على التفاصيل الدقيقة: الكلمات المكتوبة على الأبواب، تفاصيل الطريق والمحطات، وألوان التذاكر المختلفة. اسمعت مريم إلى آراء متباينة. أعجبها وصف أحدهم: “إسكندرية من غير الترام زي عروسة من غير زفة”. بينما صدمها راكب آخر بواقعيته حين قال: “التراث د للناس الفاضية. أنا عايز أركب وأروح شغلي، أحسن ما أستنى الترام ربع أو نص ساعة عشان التراث”.

    انبهرت مريم بمدى اختلاف الآراء بين المؤيد والمعارض. لكنها في كل الأحوال كانت تتمنى تأجيل قرار الإيقاف والتطوير لعدة سنوات.

    اقرأ أيضا:

    في مئويته: هل كان «يوسف شاهين» ممثلا مقموعا صار مخرجا ديكتاتورا؟

    في عوالم «داوود عبد السيد»: رثاء شخصي لمخرج علمني حب الحكمة والحكاية والحياة

    علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزين

  • حين تتحول الشوارع إلى ذاكرة.. حكاية «أرشيف الإسكندرية»

    حين تتحول الشوارع إلى ذاكرة.. حكاية «أرشيف الإسكندرية»

    المدينة ليست فقط مباني شاهقة، بل ذاكرة يمكن تتبعها في التفاصيل الصغيرة، مثل شرفات حجرية قديمة، وواجهات مبانٍ تختفي خلف اللافتات، وحكايات تنتقل من المقاهي إلى الأزقة. في الإسكندرية، تتغير ملامح المدينة بسرعة، ومعها تختفي كثير من هذه التفاصيل التي تحمل جزءًا من تاريخها.

    من هنا جاءت فكرة مشروع «أرشيف الإسكندرية»، الذي يسعى إلى توثيق ما تبقى من ملامح المدينة قبل أن تختفي. يقود المشروع إسلام علي عبد القادر، شاب سكندري من حي بحري، بدأ بمحاولة بسيطة: أن يوثق المباني والواجهات التي يمر بها يوميًا في شوارع المدينة.

    جولة في الإسكندرية القديمة

    “لو بصينا فوق هيبقى صعب نشوف حاجة”. بهذه العبارة بدأ إسلام حديثه وهو يصطحبني في جولة مع بعض أعضاء فريق “أرشيف الإسكندرية”.

    نشأ إسلام في حي بحري، وكان منذ صغره يستمع إلى والده وهو يحكي عن مبانٍ قديمة وأحياء تغيّر شكلها أو اختفت بالكامل. بعضها رآه بنفسه، وبعضها لم يعد له أثر. يقول مبتسما: “كنت بضايق لما ألاقي الحاجة اتهدت، فقلت خلاص… نصورها ونحافظ عليها بقدر المستطاع”. وكما وثّقت عدسات القرن التاسع عشر تحولات المدن حول العالم، يستخدم إسلام التصوير اليوم للغرض ذاته، لكن هذه المرة في محاولة لحفظ ما تبقى من ذاكرة الإسكندرية.

    نسير معًا في شوارع المنشية والجمرك، مرورًا بزنقة الستات وسوق الترك، حيث تتلاصق المحال وتتشابك اللافتات فوق المارة، فتجعل النظر إلى أعلى صعبًا أحيانًا. السماء هنا محجوبة بكثرة الإشغالات واللافتات، حتى صارت الشرفات القديمة والزخارف الحجرية تفاصيل لا يلتفت إليها كثيرون.

    إسلام خريج كلية العلوم، يعمل في مجال التسويق، لم يكتفِ بالتصوير كهواية، بل حوّله إلى مشروع متكامل: أرشيف رقمي للإسكندرية لا يوثق العمائر فقط، بل يحاول أن يحفظ روح المدينة وتفاصيلها الصغيرة.

    ويقول أثناء الجولة: “أنا بصور الحاضر والماضي وبوريهم الحاضر ده كان عامل إزاي زمان. وبوريهم وضعه الحالي لأنه مش مضمون يفضل قاعد معانا شوية ولا يقع أو يتشال، وفي نفس الوقت بوثق من كل الاتجاهات”.

    موقع أرشيف الإسكندرية.. الصورة سكرين شوت من الموقع
    موقع أرشيف الإسكندرية.. الصورة سكرين شوت من الموقع
    بداية الفكرة

    بدأت الفكرة في السادس من سبتمبر عام 2023، عندما مرّ إسلام بموقع عمارة قديمة جميلة هدمت، بجوار أحد المحال الشهيرة في شارع طوسون، (صلاح سالم سابقًا). لم تكن مجرد مبنى عادي؛ كان فيها شيء من بهاء الماضي. شعر بالضيق وهو يتأمل حالها، ومن هنا جاءت الفكرة: لماذا لا يُوثَّق هذا كله قبل أن يختفي؟

    فأنشأ صفحة على فيسبوك باسم “أرشيف الإسكندرية”، وبدأ ينشر الصور التي يلتقطها، ويشارك الجمهور ما يعثر عليه من وثائق ومعلومات. وبمرور الوقت تحولت الصفحة إلى مشروع أكبر، حتى أطلق الأرشيف الرقمي رسميًا في عام 2026 بعد أكثر من ثلاث سنوات من العمل المتواصل.

    أرشيف تشاركي

    يقول إسلام: “أرشيف الإسكندرية تشاركي. أي سكندري أو أي حد معاه صورة، مصري أو أجنبي، يقدر يدخل يرفعها، والمعلومات بتتراجع ويتكتب مصدر الصورة”.

    المنصة لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تتيح للمؤسسات أيضًا، مثل الكنائس وغيرها من الجهات التي تمتلك أرشيفات خاصة، أن ترفع صورها وموادها التاريخية. وهكذا تتحول الذاكرة من مجهود فردي إلى مسؤولية جماعية يشارك فيها سكان المدينة أنفسهم.

    ولا يقتصر الأرشيف على الصور وحدها؛ فالموقع يضم أيضًا مقالات تاريخية، وبودكاست، وموسيقى وأغانٍ تعكس روح الإسكندرية. الموقع متاح باللغتين العربية والإنجليزية، ويمكن للمستخدمين إدخال البيانات بأي منهما، مع توثيق المصادر وحقوق الملكية، حتى تبقى المادة محفوظة للأجيال القادمة. وخلال جولتنا في شوارع الإسكندرية القديمة، تظهر أمامنا نماذج كثيرة من المباني والمعالم التي يحاول الأرشيف توثيقها قبل أن تختفي.

    صورة أثناء جولة إسلام مع بعض أعضاء الأرشيف.. تصوير: ميرنا جوهر
    صورة أثناء جولة إسلام مع بعض أعضاء الأرشيف.. تصوير: ميرنا جوهر
    مساجد وبيوت تحكي التاريخ

    نواصل السير حتى نصل إلى مسجد الشوربجي، أحد أقدم مساجد الإسكندرية، والذي أُنشئ عام 1758 ميلادية.  وهو مسجد معلق، وطراز نادر نسبيًا في المدينة. يشير إسلام إلى المدخل المغلق، ويخبرني أن نحو 48 مليون جنيه أُنفقت عام 2009 على مشروع لترميمه، لكن الأعمال لم تُستكمل.

    نصعد درجات السلم في محاولة لاستراق نظرة إلى الداخل، إلا أن الباب مغلق بإحكام، وأمام المدخل يتراكم الركام. يخبرني إسلام أن هناك من يسكن في الملحق الخاص بالمسجد؛ غرف أو شقق صغيرة تطل على ساحة داخلية، كأن التاريخ والواقع يعيشان في مساحة واحدة.

    من هناك نتجه إلى مسجد تربانة، الأقدم من الشوربجي بنحو مئة عام، الكائن في شارع فرنسا. أعمدته الرومانية القديمة تحكي عن عصور متداخلة، لكن المسجد مغلق أيضًا.

    ذاكرة بين شرفتين

    نواصل السير حتى نقف أمام أحد البيوت المتهدمة في حارة اليهود. بينما نلتقط الصور، تمرّ امرأة مسنّة وتتوقف لتحدث إسلام. تشير إلى المبنى المهدّم وتخبره أنه كان بيتها القديم. بعد سقوطه، نُقلت لتسكن في منزل مقابل له مباشرة.

    اللافت أن ما يفصلها عن حياتها السابقة شارع ضيق لا يتجاوز خطوات قليلة. من نافذة بيتها الجديد، تطل يوميًا على أطلال بيتها القديم. المشهد لا يحتاج إلى تعليق؛ ذاكرة معلقة بين شرفتين.

    في حارة اليهود، لا يبدو الأرشيف مجرد موقع إلكتروني أو منصة لرفع الصور، بل محاولة لتثبيت لحظة قبل أن تختفي. وبينما تمضي السيدة في طريقها، يرفع إسلام هاتفه ليلتقط صورة أخرى. فقد لا يستطيع منع الهدم أو تغيير مسار المدينة، لكنه يحاول على الأقل أن يحفظ ملامحها من السقوط في النسيان.

    اقرأ أيضا:

    تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

باب مصر