باب مصر

الوسم: يوسف إدريس

  • كشف أدبي جديد: «نور الظلام».. قصة يوسف إدريس الأولى

    كشف أدبي جديد: «نور الظلام».. قصة يوسف إدريس الأولى

    عاش يوسف إدريس يملأ الدنيا صخبا وضجيجا، فملأ الدنيا وشغل الناس عقودا طويلة بأفكاره الثائرة الجريئة وانفعالاته التي لم تهدأ يوما. وعلى الرغم من أن هذه المعارك العديدة أثرت سلبا -بلا شك- على إنتاجه الأدبي الفذ، لكنها أظهرت وجهه الآخر كناقد. ولا عجب أن يكتب يوسف إدريس مقالا مهما في جريدة “الجمهورية” عام 1967 بعنوان: “الكاتب عمله أن ينقد”.

    وعلى مدى عقود طويلة، ظل النقاد يتابعون أعمال إدريس وآرائه النقدية حول قضايا عصره، والتي طالما اشتبك بسببها. وقد أجمع مؤرخو الأدب والنقاد على أن أول قصة قصيرة كتبها يوسف إدريس هي “أنشودة الغرباء” التي نشرت في مجلة القصة في مارس 1950.

    الغريب أن مجلة الهلال عام 1977 أصدرت عددا خاصا عن فن القصة القصيرة. ونشرت فيه قصة “لعنة الجبل” لإدريس، والتي كانت قد نشرت في مجلة روزاليوسف في إبريل 1950، على أنها القصة الأولى له. وعندما سأل محرر المجلة إدريس عن أجره الذي تقاضاه عن أول عمله له. أجاب إدريس: “الأجر كان هو النشر نفسه”. فقد كان النشر في المجلات الأدبية الكبرى آنذاك بمثابة شهادة ميلاد وبطاقة مرور للشهرة بالنسبة للكتاب المبتدئين.

    نور الظلام في روزاليوسف عام 1948

    لكن المفاجأة تكمن في أن يوسف إدريس، الذي كان يوقع باسم “يوسف إدريس علي” في بداياته، نشر قصة قصيرة بعنوان “نور الظلام” في مجلة روزاليوسف بتاريخ 21 إبريل 1948، على  مساحة صفحتين كاملتين. وبذلك تصبح هذه القصة أولى كتابات إدريس. وربما أول ظهور لاسمه في الصحافة المصرية، متقدمة على “أنشودة الغرباء” بعامين كاملين، وكان وقتها طالبا بكلية الطب لا يتجاوز عمره 21 عاما.

    ومن المفارقات اللافتة أن العدد الذي نشر قصة “نور الظلام” احتوى على مقال لإحسان عبدالقدوس، رئيس تحرير المجلة وقتها، بعنوان: “الجندي المجهول يطالب بإعلان اسمه”. وكان يقصد بالجندي المجهول الكتاب الناشئين، مدافعا عن حقهم في توقيع أعمالهم، بعد سنوات من معارضة بعض الصحف لكتابة أسماء الكتاب الجدد على إنتاجهم.

    وكتب في ختام مقاله: “أصحاب الصحف إذا وجدوا كاتبا ناشئا يبشر بمستقبل. ليس من حقهم أن يمنعوه من التوقيع ولا من الأجر، ولكن من حقهم أن يوقعوا معه عقدا طويل الأمد حتى يستفيدوا منه المدة الكافية. لتعوضهم عن الفرصة التي منحوها له لينال الشهرة”.

    مقال إحسان عبدالقدوس.. من أرشيف المحرر
    مقال إحسان عبدالقدوس.. من أرشيف المحرر
    مستقبل الشاب الواعد

    كأن إحسان يقرأ المستقبل، مستقبل الشاب الواعد “يوسف إدريس علي” الذي نشر قصته الأولى في نفس العدد. وهكذا، كانت روزاليوسف الحاضنة الأولى لإبداع يوسف إدريس. فقد نشر فيها “نور الظلام” عام 1948، وبعد عامين عاد لينشر “لعنة الجبل”. وتوالى النشر حتى أصدرت السيدة فاطمة اليوسف أولى مجموعاته القصصية “أرخص ليالي” ضمن سلسلة الكتاب الذهبي عام 1954.

    بل أصبح إدريس لاحقا مشرفا على باب الأدب بالمجلة، واحتضن بدوره العديد من الكتاب الشبان وقدمهم بروح سمحة. بل أنه كان يشتكي بالنيابة عن شباب الأدباء من قلة أماكن النشر، محاولا النشر لأكبر عدد منهم. ففي مارس 1965 كتب مقالا في جريدة الجمهورية بعنوان “ثروة قصصية” قال فيه:

    “المشكلة التي تحيرني الآن هي ماذا أفعل بهذه الثروة المتواضعة من القصة القصيرة التي كتبت عليها أن تؤول، كتلة ضخمة، إلى درج من أدراج مكتبي. إلى الآن قد تعدت المائة قصة، وهي لكتاب معظمهم، إن لم يكن كلهم. لم ينشروا حرفا واحدا من قبل… أسماء قد لا تعلق بالذهن. ولكني أشهد أن إنتاجهم يضارع في رأيي، إن لم يكن أعظم من كتاب كبار ذوو أسماء مشهورة لامعة”.

    وتحدث إدريس في مقاله عن إنتاج الشاب الواعد جمال أحمد الغيطاني وعن يحيى الطاهر عبدالله. وكان إدريس قد قدم يحيي الطاهر لأول مرة في مجلة الكاتب. وذكر أخاه أحمد إدريس الذي كتب قصصا عديدة لكنه كان يودعها لديه للقراءة فقط. مؤكدا على موهبته المتميزة في القصة، والتي لو جمعت في كتاب لكانت معرضا رائعا لإنتاج صادق وطازج.

    قصة “نور الظلام”

    تتحدث القصة عن رجل يعشق القراءة وله مكتبة يبيع من خلالها الكتب، لكنه يقرأ أكثر مما يبيع. يحاول أن ينتقل من مرحلة القراءة إلى الإبداع في الكتابة، فيجد شيء ما يمنعه من تدفق الكلمات على الورق، ويفسرها يوسف إدريس بصراع عقله الباطن مع عقله الواعي. وأن العقل الواعي يلجم أفكار عقله الباطن ويشل حركته. وعندما يصاب بطل القصة بالعمى ينطلق عقله الواعي بلا قيد وتنتفض العبقرية الحبيسة ويصبح بطل القصة كاتبا مشهورا، وعندما يعود إليه بصره مرة أخرى تنطفئ شعلة الإبداع وكأن الظلام الذي كان يعيش فيه البطل هو النور الذي أطلق موهبته وإبداعه.

    بعد نشر هذه القصة في إبريل 1948، انقطع يوسف إدريس عن النشر لمدة عامين كاملين، حتى عاد عام 1950 بـ”أنشودة الغرباء” ثم “لعنة الجبل”. وربما حدث له ما حدث لبطل قصته، حيث أن العبقرية الحبيسة يلجمها عقله الواعي ويشل حركتها، فانتظر حتى انتصر عقله الباطن كما حدث في قصته.

    وإلى نص القصة التي لم تنشر من قبل في أي من مجموعات إدريس القصصية:

    نور الظلام

    (في أحد الأحياء الهادئة المتواضعة كانت تنزوي مكتبة صغيرة، حشرت فيها الكتب حشرا في غير نظام. صاحبها غريب في طبعه، شاذ في عاداته وتقاليده. ما كان يهمه باع أم لم يبع، ربح أم خسر مادام قد انكفأ على أحد المجلدات التي تزخر بها مكتبته. والتي اشتراها ليقرأها أولا وبعد ذلك هو وحظه إن جاءه طارق بيع وإلا حشر مع غيره في المكتبة المتواضعة.

    كان يعيش على ما يغله منزل ورثه عن أبيه، فلا جرم أن أغراه غرامه الشخصي الجامح بالقراءة أن يتخذ هذه المكتبة مركز له ومقرا، يقرأ فيها الكثير من أقانين الكتب: نثراً وشعرا، علماً وأدبا. لا تسأم عيناه أن تصافحا الأوراق والسطور ولا يرتوي ظمأه مهما تنهل من أسرار النفوس وفلسفة الوجود.

    كان يقرأ فتختلط أفكاره بما جاء في الكتاب. ويختلط ما جاء في الكتاب بأفكاره، ويتألف منهما مزاج عجيب تشعر بقوة أثره في نفسه من هذه اللذة التي تشرق في أساريره إشراق الأضواء على صفحة محيط متلاطم الأمواج.

    ***

    خمسة عشر عاما قضاها في قراءة دائمة واطلاع يتجدد، حتى تزاحمت في محيط عقله لآلئ الأدب وجواهر المعرفة. وكم كانت تأخذه الدهشة ويتولاه العجب حينما يمسك القلم .ويحاول أن ينقل بلغة السطور ما تبعث قراءته في خلده من مواكب الأفكار، فإذا بالقلم مجمد مكانه لا يريم. وقد يجاهد جمود يراعه لينضح الرحيق السيال في وجدانه فإذا به لا يغترف إلا من فقاقيع الزبد. وكان ذلك محور العجب في حياته. لكأنما كان يلقف الدرر الثمينة من بطون الكتب فيدفنها على عمق بعيد في هوة سحيقة! لكأنما يودع كنوزه بئراً لا قرار له. ثم يعود سائلا عنها فلا يجيبه غير الصدى ولا شيء سواه.

    استمر يقرأ ويقرأ غير مبال بصحة ولا بجسد. حتى كان لا يعرف ليله من نهاره، ولا يوقد سراجه إلا حينما تختلط عليه الكلمات. وما تفيده معرفته الليل من النهار مادامت الكلمات مضيئة لناظريه فليس يعنيه تعاقب النور والظلام من حوله.

    وذات يوم رأى نقطاً سوداء صغيرة تتراقص في الصفحات المبسوطة أمامه وكلما انتقل ببصره إلى مكان تبعثه إليه وعبثت ببصره. إن ضوء عينيه قد تخاذل أمام أضواء السنين وأضواء المصابيح. ولكنه لم يعبأ بالشبكة المظلمة. التي مضت حلقاتها تضيق وشيكا، حتى رأى الدنيا ذات يوم كتلة من السواد. وظل يصيح كالمخبول: النور النور أوقدوا الضوء، والشمس في كبد السماء ترسل الضياء الذي لم يعد يصل إلى عينيه. وقصد من فوره الطبيب معتمداً على ذراع ابن أخيه،.ولكن ما حيلة الطب وقد هم القضاء. عاد ومطارق الفاجعة تهوى فوق رأسه في دق عنيف تمايل لصداه ابن أخيه الذي كان يقوده.

    ***

    وفي وسع كل امرئ أن يتصور وقع الصدمة وهول الكارثة على شخص يفقد البصر بعد أن كانت القراءة بالنسبة إليه سعادة العمر ومتعة الحياة. ولكنه وجد من ابن أخيه عينيه المفقودتين. كان يقرأ فيجد لما يسمع جرساً آخر وطعما يختلف كل الاختلاف عما كان بحسه حين يقرأ هو.

    ومرة أخرى، طافت بذهنه مواكب الأفكار، فاندفع ليملأ على ابن أخيه وصفا لشعوره الحزين بفقد بصره. فهال ابن أخيه السيل الأخاذ من السحر والبيان والروعة ينساب من ثم عمه في انطلاقة. وانبهر بالدقة الفائقة في وصفه انتقال المرء إلى حياة الظلام وظلمة الحياة، بأسلوب أدب رفيع.

    وحين أعاد على عمه ما كتب، كان هو أشد عجبا لها وإعجابا بها. وحملق في الظلام الرابض حوله كأنما يستشف مصدر إلهامه الجديد. يا عجبا: أهذه آراؤه وذاك أداؤه! أيمكن الصخر أن يتدفق بالماء الفرات؟ أجل، هكذا حدث!

    ***

    لقد كان عبقريا، ولكن عبقريته كانت مدخرة من عقله الباطن، أما عقله الواعي فكان كجلمود صخر. كان يقرأ فينصب محصوله على موطن العبقرية فيه فيتعهده بالتنسيق والنقد والتفنيد بنشاط خيالي. ولكن عقله الواعي يمسك زمام أفكاره الناضجة فيمنعها من التوثب والانطلاق. واليوم شلت الفاجعة هذا المستبد العاتي فترة من الزمن كانت كافية لأن ينثر المحيط الحبيس جواهر الأدب ولآلئ المعرفة.

    فوجئ الناس بهذا الأديب الذي لمع فجأة، وبغير انتظار وروع الكتاب والمؤلفون من هذا المنافس الخطر الذي ظهر لهم في عرض الطريق كمارد جبار يضرب بقلمه في كل واد يعمهون في ظلماته. المسرحيات التي جعلت الناس تسخر مما كانوا يشهدون من حثالة قبع مؤلفوها في انتظار الغروب. وتلك القصص التي حيرت الألباب وولجت ما لم يلجه عباقرة الفن من أبواب، وهذه الفلسفة التي هدمت كثيرا من المفكرين. وأنشأت مدرسة فكرية ضمت العدد الضخم من الداعين والأنصار والتي كانت تعتمد على آراء وأفكار محصت تمحيصا منطقيا رائعا. لمن هذه الأمجاد الفذة؟ إنها لأديبنا الضرير.

    ***

    كان البركان الذي فيه يتسعر، ويتشوق إلى الوقت المناسب ليلقى بما في أعماقه من حمم تتأجج بحرارة الفكر وتلمع بنور العرفان. وكان جما في نشاطه، غزيرا في إنتاجه، حتى صار اسمه على كل لسان. وما كنت تتصفح مجلة أو جريدة إلا وقع بصرك على تحليل لكتاب أو تقديم لجديد أو حديث استطاع مخبر نشيط أن يفوز به من الكاتب الكبير.

    سارت الباخرة في البحر الأبيض، تحمل الكاتب الكبير، وقد غرق في بحر من تأملاته. كان يفكر في أمله الضخم الذي يعبر في سبيله البحار إلى الخارج. الأمل الذي يحلم به أبناء الظلام في اليقظة والمنام وهو أن يرتد إليه نور بصره. وكان يحاول أن يعبر ذلك الحاجز الذي يفصل بينه وبين المستقبل فيرى مستقبله الأدبي الزاهر حين يبصر أنه سيغذى أدبه الحي بصور ومجال تراها عيناه. وسيصوغ من جمال الوجود أناشيد، وسيزين سطور كتبه بألوان الحياة من أضواء وظلال.

    إنه هز الدنيا إعجابا وهو ضرير، فكيف به حين يعود وهو بصيرا؟

    ***

    لم تكن العملية بالصعوبة التي تخيلها، لا سيما على أيدي الأطباء المهرة. وبعد خمسة عشر يوما، رفع طبيبه الضمادة عن عينيه وأمره أن يفتحهما ولكنه لم يشأ أن تصدمه الحقيقة المرة دفعة واحده. فحرك جفنيه قليلا، وكأنه يشد حبل ستار هائل يفصله عن مسرح العالم.

    ولكن، تسلل النور الحبيب إلى عينيه، وقع كوقع الماء الزلال وهو ينسكب من فم تشققت جدرانه من الظمأ. وفي وسع كل امرئ أن يتصور الفرح الغامر الذي شعر به. لقد راح يحدق في كل شيء تلقفه عيناه وينظر إلى العالم وكأنه في حلم سعيد.

    مرة ثالثة طافت بذهنه مواكب الأفكار، وأمسك بقلمه ليملأه شعور يعقوب حين تفتحت عيناه على قميص يوسف. ولكن ما للقلم يجمد في مكانه لا يريم؟ وماله بعد أن جاهد جمود يراعه لينضح الرحيق السيال في وجدانه. لا يغترف إلا من فقاقيع الزبد؟

    أين البيان العذب؟ أين الأدب؟ وأين مجد الأمس من خيبته؟

    ***

    لقد عادت الدرر إلى مدفنها من أعماق المحيط، وهوت الكنوز إلى البئر الذي لا قرار له. ووضع العقل الواعي الأغلال من جديد في يد العقل الباطن، وخمد البركان.

    وقف صاحبنا في شرفة الباخرة العائدة إلى أرض الوطن. وحينما لمست الباخرة ميناء الثغر، اندفعت صوبه جمهرة من الناس، تبين فيهم مستقبليه من الأصدقاء ورجال الأدب والصحافة. وهم يتسابقون إليه مهنئين. وحينئذ غاصت عيناه، وابتسم لهم خلال غلالة رقيقة من دموعه. وقد أيقن أن مجده الماضي لم يكن إلا حلما وانقضى، وأنه فتح عينيه على النور حقا. ولكن ليبصر عبقريته تتوارى في الظلام الذي خرج منه).

                                                                                                        يوسف إدريس علي

    اقرأ أيضا:

    «فؤاد حداد».. قصيدة لم تنته بعد

    معركة قديمة تُبقي «فؤاد حداد» بعيدا عن الأوساط الأكاديمية

    أمين حداد في ندوة “البشر والحجر”: هكذا أثرت القاهرة على أشعار فؤاد حداد

  • «الميدان».. ساحة الإمكان

    «الميدان».. ساحة الإمكان

    لقد صار ذكر مفردة «الميدان»، استدعاءً لمعانٍ عديدة وعلامات نوعية، تحمل أكثر من دلالة، وتعلن عن قيمة رمزية أو صدى لأحداث ووقائع ذات تمثلات في الواقع. لذا، صار جزءا من الكون، وفضاءً علنيا تحلق بأجنحته جماهير غفيرة، كساحة للتعبير والتحرر، وقلب المدينة الذي يخفق بحكايات ومرويات الكفاح والنضال عبر العصور.

    كل ذلك أكسب الميادين صوراً وأشكالاً من البوح، عكست التطورات السياسية والاجتماعية التي استغرقت التاريخ الاجتماعي والثقافي لمصر. حيث أفصحت عن مشاعر وانفعالات حاسمة، اصطحبت بأرجاء البلاد، والتمعت بآفاق مصر المحروسة، حيث تلاشت آفة النسيان التي تطوق الذهنية العربية دائماً.

    ***

    ومن الملامح التي وسمت الميادين اتساعها واكتظاظها ببشر لا يسكنوها، وبنايات شاهقة شبة خالية أو مهجورة من أصحابها. حيث لا أحد يعرفهم، غير أن مقاهي روافد وشوارع الميادين الممتدة احتشدت بحشود من الشبان والفتية، من الصبيان والبنات. حيث احتلت زوايا وأركان وسط البلد مقاهٍ وكافتيريات، تراوح روادها من البسطاء مروراً بالميسورين، وفدوا من كافة أرجاء المدينة. حتى صارت تلك المقاهي محطة يومية للتلاقي، حيث تواشجت العلاقات والصلات. وبرزت نقاط التعبير عن الذات بين الشبان: الغناء، والرقص، والموسيقى، والكتابة، والسينما، والمسرح. شملتهم كل تلك الهموم الراقية، حتى الكتابة والرسومات على الجدران التي تحوطهم.

    لتحدث امتدادا جديدا في محاولة لاستكمال حلم ما بعد الهزيمة وتجسيده. صدرت مجلة “جاليري 68” نحو البحث عن مصائر أخرى وتحديات مغايرة، في كافة أشكال التعبير في الفنون والآداب خارج النص الرسمي. وتشكلت كيانات فنية مستقلة “فرقة أولاد الأرض” نموذجاً. كما كتب سعد الله ونوس “حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران”. وكتب سعد الدين وهبة “المسامير” 67 “وسبع سواقي” 68 “وبير السلم” التي صادرتها الرقابة ومنعت من العرض، حيث استشرفت عديد من المسرحيات الهزيمة حيث تفجرت معارك فكرية إثر تناولها قضايا شائكة.

    “الفرافير” “والمهزلة الأرضية” ليوسف إدريس وكذلك “المخططين” التي منع تمثيلها ليلة الافتتاح بقرار من شعراوي جمعة وزير الداخلية وأمين التنظيم السياسي آنذاك. فضلاً عن “بنك القلق” لتوفيق الحكيم “وثرثرة فوق النيل” “وميرامار” لنجيب محفوظ.

    ***

    كل تلك التجارب والمحاولات نتاج مخاض طويل، جاء في موعده، دون صلات وتفاعلات مباشرة مع ما حدث في أوروبا في العام 1968. جيل أتى مع تمرده وفرادته وليس مع حركة الموجة الجديدة وحدها. وليس لديه رموز جيفارا أو هوشي منه وحده، بل استلهم نهوضه مع وعيه وإرادته، وصلابته.

    إذن بماذا تفسر تدافع الآلاف من أبناء السد العالي لحماية محطة كهرباء السد، حينما تردد أن إسرائيل ستضرب المحطة؟ أو محاولات اشتباكات وصدامات قتالية خارج السرب، نفذها جنود بسطاء في اصطياد طائرة للعدو أو تدمير دبابة.

    ومن الظواهر اللافتة، أن ميادين محطات القطار كباب الحديد في القاهرة ومحطة مصر وسيدي جابر في الإسكندرية، حفلت بضجة عارمة وصارت أشبه بسوق كبير وعابرين من شتى أنحاء القطر المصري، من قرى ومدن الدلتا، ومن جنوب الوادي، المسافر والمقيم.

    ***

    ميزت تلك الميادين تناثر المقاهي العديدة، والمطاعم، والمحلات المتنوعة، والأسوار الحديدة التي تطوق ساحات تلك الميادين التي غمرتها الفوضى. وأخرى جرى عليها الاستبعاد من الصون والتطوير، فخلا من الازدحام، كميدان التحرير (الإسماعيلية). حيث تجتر الذاكرة ثكنات الجيش البريطاني بقصر النيل وملاحم الكفاح آنذاك.

    وكذلك ميدان الخرطوم، ومحطة الرمل، والمنشية بالإسكندرية. حيث حملت كل تلك الميادين رمزية ملهمة، واستعادة موحية، تقاطعت مع تاريخ من المقاومة والتحدي. حيث دأبت السلطة على قهر ذاكرة متوهجة دوماً، حتى أفرطت في تشييد بنايات البنوك، ومراكز الاستثمار، والفنادق الشاهقة. كل ذلك لوأد ما أنجبت تلك الميادين من لحظات تاريخية.

    في تلك الآونة، جرت هجرة من الأحياء والأنحاء التي تدنو من تلك الميادين، للعمل في المركز لسعة العيش والرغد. وأتت من الأقاليم المجاورة عمالة غفيرة، تتردد على القاهرة صباحا وتعود في آخر الليل. مثلما جاء شبان وسط البلد ومكثوا على المقاهي حتى مطلع الفجر. كل هذا الزخم، مثل يقظة ووعى بالأخطار التي تلازم البلاد.

    اقرأ أيضا:

    «غارة» الصحافة على الوزارة

  • الاقتباس ليس سرقة بل غنيمة حرب (1-2)

    الاقتباس ليس سرقة بل غنيمة حرب (1-2)

    إن الاقتباس -بعد الترجمة- هو الصيغة الكبرى لنقل الحضارة الغربية الحديثة إلى العالم العربي منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم. لكنه الصيغة الأهم لاستيعاب الحداثة و”هضمها” في النسيج الحيوي الثقافي والمؤسسي العربي عموماً، والمصري خصوصاً. نقتبس أفكار الحداثة ومنتجاتها ومؤسساتها وممارساتها وتصوراتها وقيمها، ثم نعدل كل هذا ونطوعه ونتمثله، وبالتالي ننقل الحداثة إلى مجتمعاتنا العربية. لكن بسبب تشبعنا بكثير من القيم الغربية اليوم في القرن الحادي والعشرين، وبسبب قبولنا المنظور الغربي لتناول العالم. يتعرض كثيرٌ منا -نحن مستهلكي المنتجات الثقافية عموماً، والسينما خصوصاً- لشعور عميق بالإحباط عندما يكتشفون أن العديد من كلاسيكيات الثقافة العربية الحداثية مقتبسة. وكأن رصد ظاهرة الاقتباس في الثقافة العربية عموماً، والمصرية خصوصاً، يعني كشفاً لانتحال وسرقة.

    ولعل الدهشة -والفجيعة أحياناً- تصيب أكثر ما تصيب من يهتم بأصول الأعمال الفنية المسرحية والسينمائية، بل والروائية، المكتوبة والمنشورة والمنتجة بالعربية، لأن كثيراً من هذه الأصول غربية. وربما كان مجال الأفلام السينمائية هو أكثر المجالات التي تضم أعمالاً مصرية أو عربية مقتبسة عن أصول أوروبية وأمريكية. كثيراً ما ينتقد مستهلكو السينما المصرية بالذات ظاهرة اقتباس أفلام أو أعمال مسرحية وروائية غربية ويتعرضون لها بالنقد، من باب اعتبارهم أن الاقتباس هو نوع من السرقة الأدبية، ودليل على غياب الأصالة.

    ***

    لكن تلك الإدانة للاقتباس نفسها وليدة تشبع المجتمعات العربية بالثقافة الغربية الحديثة، التي تعلي من شأن الذات الفردية والمؤلف الأوحد صاحب البصمة المتميزة والموهبة المتفردة، وصاحب حقوق المؤلف على عمله الإبداعي، الذي هو وليد قريحته وحدها. إن الحرص على ارتباط عمل فني واحد بمؤلف هو صاحب هذا العمل وحده هوحرصٌ يمثل جزءًا من منظومة غربية مرتبطة بالحداثة. معنية بالذات الفردية وبتجلي فردانية الذات في موهبة خاصة وبصمة لا مثيل لها.

    لم تكن تلك التصورات سائدة بهذا الحسم في الغرب في العصور الوسطى والقديمة. ولا كانت موجودة حقا في عصور العربية الوسطى. كما أن تصور الإبداع أو الصنعة الفنية مرتبطا باسم واحد فقط هو مجرد اختيار فكري وعقائدي لا يعبر عن واقع مسار إنتاج العمل الفني. فالعمل الفني ناتج عن عمل جماعي بقدر يعبر عن طغيان آليات تداول السلع في السوق. فالمؤلف مثل البراند أو العلامة التجارية، يوضع اسمه على السلعة/ الفيلم ليسهل التعرف عليها وبالتالي شراؤها، لا لأنه وحده صانع الفيلم. تماما كما أن السيد دول الذي يحمل نصف موز العالم اسمه (Dole) هو مجرد علامة تجارية لذلك الموز. ولا يعني وجود ملصق على الموزة باسم دول أن السيد دول هو الذي زرعها، أو حتى قطفها من شجرتها. بالمثل فصناعة فيلم ما هو عملية يشارك فيها العشرات. واختيار اسم المخرج أو المنتج ليصير أبا للفيلم هو عملية بها قدر كبير من الاعتباط.

    ***

    غرضي من هذا الاستعراض التاريخي هو التأكيد على أن اعتبار العمل الفني له مؤلف محدد. وبالتالي أن اقتباس ذلك العمل الفني بدون إذن وإشهار يعتبر سرقة أدبية أو فنية. هي ظواهر حديثة ظهرت في لحظة معينة من التاريخ الحديث ولم تكن قانوناً شاملاً في كل العصور وكافة المجتمعات لا في الغرب ولا عند العرب. لم يكن صناع الآنية وبناة المساجد دائما ما يوقعون أعمالهم بأسمائهم في العصور الوسطى العربية. وفي الغرب، لا يُعْرَف اسم المهندس أو المقاول الذي أشرف على بناء كاتدرائية نوتردام. كما لا يعرف اسم المهندس الذي أشرف على تشييد الجامع الأزهر عند العرب. فلم تعرف العصور الوسطى فكرة المؤلف الفرد في العمارة. وهذا هو المثال الأقوى على وجود فكرة العمل الجماعي والمؤلف الجماعي، أو المؤلف المجهول.

    في العصور الوسطى كان المؤلف للعمل المكتوب مؤلفاً بالمعنى الحرفي، أي أنه يؤلف ويجمع بين خطابات ومرويات سابقة عليه، ثم يضيف إليها ويناغم بينها، أو “يؤلف بين قلوبها”. كذلك ففكرة المؤلف بالمصطلح الغربي (Author) مرتبطة بالسلطة التي للمؤلف على المصنف الذي يضعه. فالمؤلف صاحب السلطة على مؤلَفه أو مصنفه، لا لأنه خالق العمل ومبدعه. ولكن لأنه الراوي الثقة، المرجع وصاحب السلطة أو الحاصل على الإجازة. بالمعنى نفسه الذي كان ينظر إلى العلماء أو الشيوخ مصنفي المصنفات الدينية والفقهية. ولا يعني هذا أن مؤلفين معينين لم يوقعوا أعمالهم بأسمائهم في العصور الوسطى. المقصود هو أن الارتباط الأخلاقي والقانوني بين العمل ومؤلفه لم يكن مقيداً وحساساً على النحو الذي هو عليه اليوم في القرن الحادي والعشرين. وبالتالي في منظمة مماثلة لا يكون الاقتباس أمراً معيباً. لأن المؤلف ليس صاحب العمل الأوحد وإنما هو من يناغم وينسق بين منطوقات موضوعة قبل وقوفه موقف المؤلف.

    مشروعية الاقتباس

    لا تعني مقدمتي هذه دعم دعوة إلى اعتبار كل عمل فني في العالم مشاعاً، وموضوعاً مشروعاً للنهب في يومنا هذا. لكن هدفي هو لفت النظر إلى أن سياق حقوق المؤلف وتسيد فكرة المبدع صاحب العمل مسألة حديثة وظاهرة حادثة تاريخية. ترتبط هذه التأملات بعوامل عدة تشكل أركان المساحة التي أجرى عليها ذلك الفحص حول مشروعية الاقتباس وأخلاقيته، وكذلك أخلاقيات عملية الاقتباس كصنعة فنية. معيار أخلاقية الاقتباسهو مهنيته أولاً. ثمإن مجتمعاتنا العربية لا ينبغي لها أن تشعر بالذنب من ممارسة الاقتباس عن الغرب، لأن الغرب كثيرا ما اقتبس ويقتبس المنتجات الفكرية والأدبية والفنية من خارجه، لكنه -بحيل بلاغية وبضعف ذاكرة عمدي وبنزعة إبادية ثقافية مركزية- يمحو آثار اقتباسه.

     وأشهر نموذجين حضاريين لذلك الموقف المعرفي لترسيخ الذاكرة الانتقائية في الغرب هو محو كل أثر في الأدبيات التاريخية الغربية لقيام الحضارة الإغريقية القديمة باقتباس الكثير من المفاهيم والتأملات والآلهة عن الحضارة المصرية القديمة. والمثال الثاني لذاكرة المحو الغربية هو محو أثر العرب والمسلمين وحذفه من الأدبيات الغربية المفترض فيها أن تتبع دور العرب في نقل التراث الكلاسيكي اليوناني إلى أوربا عن طريق ترجمات الكتب العربية والنسخ العربية من الكتب الإغريقية القديمة إلى اللاتينية في نهايات العصور الوسطى. فما يسمى بعصر النهضة الأوروبي منذ نهايات القرن الخامس عشر لم يقم على عودة أوروبا إلى التراث الإغريقي وفقط. بل قام على إعادة اكتشاف أوروبا لذلك التراث عن طريق النسخ العربية المترجمة عن الإغريقية، والتي ظلت محفوظة في مكتبات العالم العربية. وقام الجهد النهضوي الأوروبي على قراءة ذلك التراث الإغريقي القديم من منظور التعليقات والتفاعلات العربية مع ذلك التراث.

    ***

    ليس اقتباس المنتجات الثقافية مساراً أحادياً ينتهجه العرب ليقتبسوا من الغرب الأفكار والآداب والسينما. بل هو مساحة للتفاعل في جميع الاتجاهات بين مقرض ومقترض. في ندوة عن اقتباس السينما للأدب، وجه لي أحد الحضور السؤال التالي: تتحدثون عن اقتباسات السينما المصرية عن روايات الغرب، لكن هل يقتبس الغرب أفلاما عن رواياتنا؟ أجبت إن الغرب قد لا يقتبس كثيرا روايات كتبها مؤلفون عرب، لكنه ينهل عشرات الأفلام من قصصنا العربية والشرق الأوسطية. كم فيلما أنتج الغرب عن قصة حياة المسيح وعن قصص ألف ليلة وليلة؟ هذه قصصنا في العالم العربي، قصة المسيح الذي ولد في فلسطين. وكان يتحدث ويعلم بلغة من لغات عرب الشمال، وهي اللغة الآرامية.

    وكذلك اقتبست هوليوود والغرب عموماً قصص “ألف ليلة وليلة” من “علاء الدين” و”سندباد” إلى “علي بابا”، وهي القصص التي لا يعرفها الغرب الناطق بالإنجليزية إلا تحت عنوان “الليالي العربية”. المبدأ إذاً هو أن الغرب قد اقتبس من ثقافاتنا العربية والمسلمة الكثير عبر العصور، وكذا اقتبسنا من الغرب وما زلنا نفعل، في السينما وفي كافة مجالات الحياة. وهذه سنة التفاعلات الثقافية بين المجتمعات والشعوب عبر العصور.

    ***

    في مجال الكوميديا تحديدا، يلفت النظر أن كوميديا شيكسبير “ترويض النمرة” (The Taming of the Shrew) تضم في مفتتحها حكاية الصعلوك السكير كريستوفر سلاي الذي يفيق ليجد نفسه في ملابس سيد أرستقراطي، وكل من حوله يقنعه أنه سيد من السراة لا صعلوك. دبر هذا المقلب سيد أرستقراطي وضع الصعلوك مكانه إلى جانب زوجته الأرستقراطية، من أجل السخرية من الصعلوك والتسلية بالضحك عليه. هذه حكاية تتطابق مع قصة من “ألف ليلة وليلة”، تحكي أيضاً عن سكير يلبسه المتآمرون ملابس السادة ويقنعونه بأنه سيد بهدف الضحك منه. وقد استعاد سعد الله ونوس تلك القصة التراثية في مسرحية “الملك هو الملك”، ولا يستبعد أن يكون شيكسبير قد اقتبس القصة عن أصل عربي، ربما وصله عن طريق إيطاليا أو إسبانيا.

    ترويض النمرة
    ترويض النمرة
    تأصيل الاقتباس عربيا

    إن المبدأ المعرفي الكلاسيكي العربي الأول هو افتراض أن الثقافة العربية ما هي إلا امتداد للثقافة البيزنطية. وأستدعي هنا الرأي الذي يتبناه البروفسير روي كاساجراندا (Roy Casagranda) عبر تأملاته حول تاريخ الحضارة المسلمة في سلسلة محاضراته المتاحة على منصة يوتوب. في إطار المحاضرات العامة التي يلقيهابكلية أوستن العامة بولاية تكساس (Austin Community College). قال البروفسير كاساجراندا ما معناه إن المسلمين في بداية ظهورهم كدولة منظمة، كانوا يسعون إلى إنشاء إمبراطورية رومانية مسلمة. بمعنى إنشاء إمبراطورية مسلمة على غرار الإمبراطورية الرومانية أو البيزنطية. وهكذا ترجم العرب منذ العقود الأولى لإنشاء الإمبراطورية العربية الكبرى علوم الفلسفة والمنطق والطب والجغرافيا وغيرها، عن اللغة اليونانية وأحياناً عبر ترجمات سريانية عن اليونانية. واستخدم العرب منهج الفيلسوف الإغريقي الأكبر أرسطو ومنطقه في تأسيس وتطوير الفقه المسلم وعلم الكلام.

    ولعلنا لا نبالغ إن صورنا المكانة التي تمتع بها أفلاطون وأرسطو عند العرب وقلنا إنهم كادوا أن يطلقوا على الفيلسوفين الإغريقيين اسم الشيخين، وكأنهما من الرموز العربية. وكثيرا ما كان العرب في العصور الوسطى يشيرون إلى منجز الإغريق والرومان والبيزنطيين القدماء بتعبير “الأقدمين” أو “الأمم السالفة”. مما يؤكد فكرتي عن تصور العرب لأنفسهم باعتبار الخلف الحديث للسلف الإغريقي والروماني. والمبدأ العربي الكلاسيكي الآخر، والذي يعود إلى عصر ما قبل ظهور الإسلام، يرتبط بتصورهم عن أصالة الفكرة الإبداعية أو العمل الفني. حكم ذلك المبدأ نظرة العرب لقضايا انتحال الشعر وسرقته. وهو مبدأ يعتمد على نظرية جمالية أدبية سادت لعدة قرون عند العرب في العصور الوسطى. وأصوغها موجزةً بعبارتي كالتالي: المعاني على المشاع والألفاظ على الخصوص.

    ***

    أي أن العرب لم تكن تجد غضاضة في أن يستلهم شاعر أو مبدع معنى أو فكرة نطق بها أحد قبله. معيار الأصالة وعكسها الانتحال أو السرقة كان الإجابة عن سؤال: إلى أي مدى استخدم الشاعر ألفاظ وعبارات وقوافي ومجازات الشاعر الأسبق الذي يقتبسه أو يعيد استخدام بعض مما جادت به قريحته؟ أي أن العرب في العصور الوسطى لم يكونوا يمانعون أن يمارس المبدع ما نسميه اليوم بالاقتباس، وأن تعريفهم للخطأ أو التجاوز في هذا الصدد -الذي نسميه اليوم بالسرقة الأدبية- كان أضيق بكثير من معاييرنا المعاصرة.

    لم يكتب العرب في العصور الوسطى باستفاضة أنهم ترجموا أو اقتبسوا -وربما لم يتصوروا أنفسهم أنهم مقتبسين على الإطلاق-. ولا نبه العرب إلى أن الغرب قد ترجم أعمالهم إلى اللاتينية، وبنى عليها نهضته منذ نهاية العصور الوسطى ودخول أوروبا عصر النزعة الإنسانية. لأن العرب كانوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جزءا من دائرة العالم أو العولمة. بالمعنى نفسه لا نسمع المخرج الأمريكي جورج ستيفنز (George Stevens) يقول إنه اقتبس عام 1965 أعظم قصة في العالم في فيلمه “أعظم قصة رواها بشر” (The Greatest Story Ever Told). رغم أنها قصة شخص ولد في فلسطين -وهو المسيح- بينما هو مخرج أمريكي، وذلك لأنه يعتبر أن ما هو فلسطيني يخصه بفضل المسيحية.

    ***

    ولا نسمع المخرج الأمريكي أورسون ويلز (Orson Welles) يعلق على فيلمه”عطيل” (Othello) من إنتاج 1951. ويقول إنه قد اقتبس مسرحية إنجليزية عن قبطان أو ضابط بحري عربي مغربي، بل لعل ويلز يقول إنه قد “قدم” المسرحية في صيغة سينمائية. لا شك أن المخرج الشهير أورسون ويلز يظن أن ما هو عربي يخصه بفضل اللغة الإنجليزية التي كتب بها شيكسبير مسرحيته “عطيل”. وبالمناسبة، من الأوفق -على حد رأي إبراهيم المازني- أن نعتبر اسم الشخصية الشيكسبيرية: عطاء الله أو عطا الله. ولعل الاسم الذي اختاره شيكسبير كان تصحيفاً بريئاً للاسم العربي. لكن التصحيف أدى إلى اغتراب الاسم الإنجليزي عن الاسم العربي المألوف للناطقين بالعربية: عطا الله.

    بالمنطق العربي الكلاسيكي نفسه لم يكن مؤلفو الأفلام ومخرجوها في مصر في القرن العشرين ينظرون إلى الاقتباس بوصفه سرقة. فهم كانوا جزءا من العالم وينهلون من إنتاج العالم الثقافي، وهم يعتمدون موقفا تراثيا عربيا لا يرى فرقا ثقافيا بين العرب والروم. ثم إنهم يتعاملون مع الغرب بمنطق خذ وهات: إنجلترا تقتبس دخل قناة السويس والقطن، ونحن نقتبس قصص الغرب ومسرحه وأفلامه. ثم إن الاقتباس قد يبدو لنا اليوم سرقة، إن قبلنا أننا مختلفون جذريا ومعرفيا عن الغرب. وهذا الاختلاف هو أيضا أساس فرض هيمنة الاستعمار بالاستشراق فالأمريكي لا يسرق شيكسبير إن اقتبسه، لأنه ينهل من تراثه الأنجلوساكسوني. لكن عاطف الطيب في فيلم “الغيرة” يسرق شيكسبير بمعنى ما-لأن “الغيرة مقتبس عن مسرحية “عطيل”-، إن اعتمدنا مبدأ أن شيكسبير يخص الغرب وحده، ولا يخص الإنسانية جمعاء. على أن مثال شيكسبير تحديداً يكشف فكرتي عن مشروعية اقتباس الجميع من الجميع، حيث إن منتجات البشرية الثقافية تخص البشرية جمعاء.

    ***

    ليس المقصود بالطبع تبرير السرقة الأدبية. السرقة الأدبية في رأيي تحدث عندما ينتحل شخص أسطرا أو أفكاراً من شخص آخر معاصر -دون إقرار بهذا- وفي إطار مجتمع أو مجتمعين متعاصرين وفي إطار علاقات قوى تجعل المبدع الأصلي والسارق على نفس المستوى من القوة أو حين يكون السارق في موضع قوة أو سلطة أعلى أو أكبر من قوة المبدع الأصلي المسروق. فعندما يقتبس المغني الأمريكي جاي زي (Jay-Z) موسيقى أغنية لعبد الحليم حافظ في أغنيته (Big Pimpin) هذه سرقة. لأن جاي زي من أكبر وأشهر المغنين في الولايات المتحدة والعالم أجمع بينما عبد الحليم نجم عربي لا يتمتع بسطوة جاي زي في كافة أرجاء العالم.

    حدوتة مصرية
    حدوتة مصرية

    ولو صح ادعاء يوسف إدريس أن يوسف شاهين قد استلهم قصته في فيلم “حدوتة مصرية” دون أن يذكر اسمه. فهذه سرقة لأن إدريس وشاهين متعاصران ويتمتعان بقدر متماثل من الرصيد الرمزي والاعتبار الجماهيري والمؤسسي. وقد فضل شاهين أن يحل المشكلة بالتفاهم ووضع اسم إدريس على تيترات الفيلم. أما عندما يقتبس مبدع ينتمي إلى مجتمع مستعمر أو حديث العهد بالاستقلال مثل مصر في الخمسينات والستينات، وعندما ينتمي المؤلف المقتبس منه، صاحب العمل الإبداعي الأصلي، إلى مجتمع استعماري أو مهيمن أو ينتمي إلى العالم الأول، تنقلب علاقات القوة بين المقتبس والمقتبس منه، فلا أرى في ذلك الاقتباس غضاضة.

    اقرأ أيضا:

    الأصول الأمريكية للحارة المصرية

  • علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزينة

    علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزينة

    يصدر قريبا للشاعر والروائي علاء خالد كتابه الجديد «داود عبدالسيد: سينما الهموم الشخصية» (دار المرايا). في الكتاب يقدم صاحب «ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر» قراءة شخصية في مشروع داود السينمائي. يكتب علاء: «اعتقد أنني كنت قارئًا محايدًا لهذا النص السينمائي، الذي يمثله داود، والبحث عن طرق حضوره داخل الثقافة الشخصية والثقافة العامة. احتفظت في قراءتي، بالعلاقة التحليلية، ولكن دون إغفال هذه الوحدة المقدسة بين القارئ والنص، واستبطان معانيه ودلالاته، وسمحت لنفسي برصد كل الذبذبات المنتجة منها بدون البحث عن تأويل أو تنظير من خارجها، لذا أسميها “قراءة شخصية”.

    يتضمن الكتاب حوارا مطولا بين علاء وداود، حرره الكاتب من حوارات عديدة جرت بينهما على مدى عشرين عاما. تحمل الحوارات وجهة نظر عبدالسيد في أعماله، كما حرص الكاتب على عمل حوار مع فريق العمل الذي أصبح جزءًا من تجربة داود في السينما، والمكوَّن من مهندس المناظر أنسي أبوسيف، زميل دراسة داود في معهد السينما، والموسيقار راجح داود، حول تجربتهما مع سينما داود، ورأيهما في أعماله. ننشر هنا مقاطع من الحوار الهام حول تجربة صاحب «الكيت كات».

    حدثني عن نشأتك؟

    نشأت وسط أسرة عادية من الطبقة المتوسطة. الأب كان يعمل موظفًا في أحد البنوك، والأم تعمل بالتدريس. لم تكن لديَّ أي مخاوف في طفولتي لأني كنت مؤمَّنًا بشكل دائم. كنت أعيش في وسط اجتماعي أقرب إلى الوفرة، لذا لم تكن لي حاجات مؤجلة لظروف مادية. حتى الهوايات كانت الأسرة تؤمنها، وهي هوايات مكلفة، مثل القراءة والسينما والتصوير الفوتوغرافي.

    ولكني بدأت أشعر بالقلق بشكل حقيقي بعد وفاة أبي. عندها لم أكن قادرًا على العيش بدخلي من الوظيفة. لم تكن لديَّ مصاريف ضخمة، لذا لم أشعر أبدًا بالاحتياج. لا أقصد أنني كنت مدللًا، لأنىي طوال عمري كنت رافضًا لفكرة التدليل. كنت أملك قدرًا من التقشف لا أعرف مصدره. مثلًا لم أكن أهتم بأناقة ملابسي. واحتياجاتي اليومية كانت بسيطة جدًّا، يكفي أن أؤمن مصاريف الشاي والقهوة والسجائر.

    كنت طفلًا منطويًا، ليس لي إخوة أو أي علاقات اجتماعية بالأصدقاء، إلا في حدود المدرسة والعائلة. لم يتوفر لي حينها الاحتكاك بالطبقات الشعبية أو الأرستقراطية. لذا أعتبر نفسي نموذجًا جيدًا لابن الطبقة المتوسطة، والذي من المفترض أن تكون تجربته محدودة في الحياة، ولكني الآن بالتأكيد غير هذا الافتراض.

    ولكن متى بدأ الوعي يخرج من قوقعة البيت وينشئ عالمه الخاص؟

    التشكيل الحقيقي لوعيي تم بعد دخولي معهد السينما، مع الأصدقاء وشقاوة الشباب في الحب والعلاقات. قبلها لم يكن عندي أي علاقات. أيضًا بعد التخرج من المعهد بدأت العمل في السينما التسجيلية. وقتها كنت شابًّا عنده عطش وجوعٌا للمجتمع الذي حوله. كان عندي فضول ورغبة في الانفتاح على العالم المحيط. كنت أحس دائمًا بأني قادر على الكتابة والتعبير عن الطبقات الشعبية. إحساس لا أعرف مصدره، ربما يكون قائمًا على الملاحظة المستمرة لحياتهم.

    ربما توجد حقيقة وراء هذا الإحساس؛ وهو أنك في النهاية عندما تتعرف على الإنسان الذي أمامك بشكل حقيقي، عندها ستكون قادرًا على الكتابة عنه. وأن معرفتك الحقيقية للبشر يمكنك أن تخضعها لبيئات ولطبقات مختلفة، ويمكن أن تكون صادقًا إلى حد ما في درجة التعبير عنها. أجد من الصعوبة على أي كاتب، خصوصًا لو كان إنتاجه غزيرًا وجيدًا؛ أن يكون قد قابل كل النماذج التي يحكي عنها، ولكن من خلال خبرات قليلة، ولكن حقيقية، يكون باستطاعته تشكيل عوالم أكثر اتساعًا.

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب
    والدعوة إلى التحرر المنتشرة في أفلامك هل مصدرها كونك ابن طبقة متوسطة؟

    بدايةً، فكرة التحرر ترجع إلى فكرة التمرد الطبيعي لأي شاب. عندما يتمرد على كل شيء، ويناقش كل شيء يبدو بديهيًّا في العالم والقيم المحيطة. بدأ معي التحرر هكذا: الفرق بين العيب والحلال والحرام والصح والخطأ. في النهاية على مستواي الشخصي، لا أدين بالأخلاق، ولكني مؤمن بأهميتها. أقيد نفسي بمجموعة من القيم الأخلاقية، ولكن في الكتابات التي أقرؤها لا أتخذها معيارًا، ربما أكون ضد الأخلاق بمعنى immoral وليس unmoral أنا مع هذا النوع من الأخلاق الذي يتجاوز مجرد الأوامر والنواهي. أخلاق إنسانية تقوم على مبدأ عند ممارستها “هل أنت تفيد أم تضر”. أخلاق تتعاطف مع كل إنسان، ومع كل نفس بشرية. أن تكون عونًا للبشر بدلًا من أن تدينهم وتحكم عليهم.

    أنا ضد المفهوم الضيق للأخلاق، مثلًا أي قيمة دينية مثل “المغفرة” معناها أن الله يغفر لنا وبالتالي علينا أن نغفر للآخرين. عندما نطبق هذا المبدأ فمعناه أنك ستحاول أن تفهم الآخرين لكي تستطيع أن تجد لهم العذر وتغفر لهم. ولو بدأت في فهم الآخرين، فهذا معناه أنك بدأت تكون إنسانًا كما أتصور لمفهوم الإنسان. وعندها ستكون قادرًا على أن تغفر لهم نتيجة لهذا الفهم، وليس نتيجة لأمر ديني. أنا ضد الأخلاق السلطوية التي تتحول إلى سوط أو وسيلة لتعذيب البشر والحكم عليهم.

    هل هناك تداخل، في توصيفك، بين الأخلاق الدينية وأخلاق الطبقة المتوسطة؟

    أنا لم أُعِد النظر في الأخلاق الدينية التي نشأت معي، وإنما في أخلاقيات الطبقة المتوسطة لأنها أقسى الأخلاقيات، كونها طبقة محافظة تحب الوضوح بين الصواب والخطأ، وتحب أن تكون دائمًا على صواب وتخشى من الخطأ. لحسن الحظ كان بيتنا خاليًا من أي تعصب، أو تزمت ديني. لقد تعلمت على يد عمي وكان شخصًا مستنيرًا له قدرة على تحليل كل الأشياء. أنا لست ثائرًا على قيم متزمتة لأني لم أعشها في طفولتي، ولكن التمرد صاحبني كمرحلة من مراحل العمر، وهى مرحلة الشباب، ولكنه استمر معي، ويبدو أنه كان لعبة محببة لي أكثر مما يجب.

    لذا حلمك في أفلامك هو الحلم الرومانسي لمقهوري وضحايا الطبقة المتوسطة؟

    أنا كده. أنا ابن طبقة متوسطة، هذا تكويني، لا أقدر أن انتمي إلى أي طبقة أخرى، ولست محتاجًا إلى استعارة هموم طبقة أخرى. بالتأكيد الطبقات الأخرى تهمني، ولكنى لا أملك القدرة على التعبير عنها. أختلف معك، ليست القضية في أفلامي هي حلم هذه الطبقة، ربما فيلم “البحث عن سيد مرزوق” ما ينطبق عليه هذا الحلم. ولكني أعبر عن هموم شخصية. ليس دائمًا الهم الشخصي هو هَم الطبقة المتوسطة. مثلًا فيلما “أرض الخوف” و”مواطن ومخبر وحرامي” ليس لهما مدخل طبقي. في فيلم “سارق الفرح” تكلمت عن المهمشين، ولكن التناول كان من وجهة نظر الطبقة المتوسطة. بمعنى أني أتكلم عن جانب من تجربة آخرين، الجانب الإنساني الذي يتشارك فيه الجميع. ولكن من وجهة نظري الطبقية. هناك أهمية للخروج من حدود طبقتك. وإن لم يحدث هذا فسيكون أفقك ضيقًا. حتى عندما تتكلم عن طبقتك لابد وأن تتجاوزها وتخرج منها.

    يعني أن يكون لك مكان خارجها بالرغم من انتمائك إليها؟

    بالضبط، سواء بالنقد أو الدفاع، يجب أن تكون خارجها، ولكن هناك حقيقة مهمة: أن كل الذين صنعوا تغييرًا في المجتمع كانوا من أبناء الطبقة الوسطى. هذه حقيقة الطبقة: القلق والحركة والحلم.

    لهذا السبب، البطل عندك محمَّل بحلم يتجاوز طبقته، ربما ماعدا فيلم “الصعاليك”؟

    نعم حلم ينوء به. ربما لأن فيلم “الصعاليك” أقل أفلامي ذاتية.

    كأن الحلم يقترب من حدود إيديولوجيا متعصبة إلى حد ما، ولكنه في النهاية حلم مفرح؟

    أنا لا أتامل أعمالي، ولا أحب تقديسها، ولكن ما تقوله ليس غريبًا على أذني. أنا وأنت محمَّلانِ بأحلام ثقيلة علينا، لأنك مثلي لست محمَّلًا بحلم الثراء والسيارة، ولكنك تحلم حلمًا جماعيًّا للناس كلها: أهلك وبلدك وأسرتك وعالمك، وربما يمتد حلمك إلى عدوك ليصبح حلمًا إنسانيًّا.

    ولكن الاستغراق في هذا الحلم الفردي المستحيل ربما يحجب فكرة البحث والسعي لتمثيل “الآخر”، كونه هدفًا لكل حلم إنساني..

    أنا في النهاية أعبر عن نفسي، كل ما يهمني هو التعبير عن نفسي. وشيء آخر وهو صعب في السينما، وهو كيف توصِّل هذا الحلم إلى جمهور عادي وليس جمهور صفوة.

    علاء خالد مع داود عبدالسيد
    علاء خالد مع داود عبدالسيد
    شحنة الأمل
    برغم تحفظك وحزنك البادي في نوعية أسئلتك التي تطرحها في أفلامك، فإن مساحة الأمل أيضًا قوية جدًّا. هناك انتصار ما في النهاية، انتصار للوجود الداخلي والتغلب على أي مصاعب أو ضعف مهما كانت التكلفة.

    أنا لست متشائمًا، ربما أصرِّح دائمًا بأن الأوضاع سيئة، ولكن هذا لا يعني أني متشائم. ربما الحزن الذي لاحظته لأن الحياة بها دائمًا ما يدعو إلى الحزن، سواء بشكل شخصي أو بشكل عام. الحياة في النهاية رحلة، بشكل ما، حزينة، لأنها تنتهي بالموت. الحزن جزء من تكويني، بمعنى أني لا أفكر في أن أكون حزينًا.

    فمن أين تأتي مساحة وشحنة الأمل في أفلامك؟

    من التفاؤل. ليس تفاؤلًا على المستوى الشخصي، ولكن على المستوى الاجتماعي، مستوى الحياة بشكل عام، المستوى السياسي، المستوى الوطني. أنا متفائل باستمرار. عندى ما يسمونه بالتفاؤل التاريخي. الذي لا تتحقق نتائجه بعد يوم أو سنة.

    “تفاؤل تاريخي” بأي معنى؟

    بمعنى أن التاريخ له دور فعال و”بيشتغل”. النوستالجيا البادية الآن لأفلام الأبيض والأسود في الأربعينيات والخمسينيات، والتي يطلقون عليها الآن “الأيام الحلوة”، أو “أفلام الزمن الجميل”؛ في رأيي أن هذه التسمية كلام فارغ. بالفعل هي أفلام مريحة وظريفة، تجلب لمشاهدها الاسترخاء وتشعره بأن الحياة خالية من الهموم. في أغلبها تشعر بأن الناس “رايقة وظريفة”، ولكن هل يعني هذا أن هذه الفترة التاريخية التي تؤرخ لها الأفلام لها نفس المواصفات من روقان وظرف كما يظهر في أفلامها؟ أم أن السينما كانت متجاهلة جوانب أخرى في الحياة والمجتمع لا تريد أن تتوجه إليها أو تثيرها كونها تتوجه إلى جمهور لا يشعر بها. أو يعاني منها.

    ربما كان جمهور الطبقة المتوسطة، في ذلك الوقت، مستريحًا لا يعاني من مشاكل ضخمة، فمن الممكن أن يقابلك أحدهم في الشارع، كما نرى في هذه الأفلام، ويقول لك: “نهارك سعيد يا أستاذ” فترد عليه: “نهارك سعيد يا إكسلانس”، مثلًا. ولكن هذا لا يعني أن هذا هو نمط الحياة، أو أنها كانت تسير على هذه الوتيرة الهانئة. ربما كان الفقر مقيدًا أو محجَّمًا بحاضنات اجتماعية، ولكني أتذكر وأنا صغير أنني كنت أرى الناس تسير حافية في الشوارع. ربما كذلك لم تكن هناك صراعات سياسية كبيرة، لأن المجتمع بكامله كان مرهونًا بكليته تجاه قضية التحرر الوطني. رغم هذا لا نقدر أن نسميها “الأيام الحلوة”، والتي أظهرتها سينما هذه الفترة.

    تقصد أن هذه النوعية من الأفلام كانت تفتقد القراءة الحقيقية لمجتمع ذلك الوقت؟ كيف تفسر إعجاب الناس بها، هل فقط نتيجة لغفلة وتناسٍ، أم استجابة لوظيفة الخيال كما يتصورونها؟

    إعجاب الناس كان مبنيًّا على الرغبة في الاسترخاء، ووضوح الرؤية: أن الإنسان الشرير سوف ينال جزاءه والطيب سوف ينتصر في النهاية، وأن الناس ستتحاب، وأن الباشوات أناس محترمون، والفقراء أناس عندهم أخلاق، وبعض الأغنياء فقط هم من يفتقدون هذا الوازع الأخلاقي، لذا يتعلمونه من الفقراء. كل هذا يجعلك مسترخيًا أثناء الفرجة. ولكن مدى صحة هذا من عدمه، هذا موضوع آخر.

    ماذا كنت تتوقع من أفلام هذه الفترة، شيئًا أكثر واقعية مثلًا؟ أم أن السينما دائمًا تصنع نماذج متخيلة، كنموذج الأمل في أفلامك على سبيل المثال؟

    ماذا تقصد بـ”ماذا كنت تتوقع”؟

    أقصد أنك كنت تتوقع من أفلام الأربعينيات أن يكون لها صورة وأخلاق مختلفة أكثر واقعية…

    لأ.. أنا لم أتوقع شيئًا.. لا ينفع أن أتوقع الآن، هذا جزء من الماضي.

    ولكن انتقادك للصورة النمطية التي كانت عليها السينما في هذه الفترة يشير ضمنيًّا إلى أن لك تصورًا مختلفًا…

    لأ.. لأ.. أنا لا أرفض هذا النوع من الأفلام. أنا أرفض تسمية هذه الفترة بالأيام الحلوة والجميلة وأن ما نعيشه الآن هو الأيام السيئة المليئة بالصراعات. في هذه “الأيام الحلوة” بجانب الحفاء كانت مصر تعتبر دولة العميان، نسبة إلى ارتفاع نسبة العمى فيها. لكل عصر مشاكله، ونتمنى أن نجتاز هذه المشاكل، ونصل إلى حالة من الرفاهية، ولكن دون أن نمجِّد عصرًا على حساب عصر آخر.

    تقصد أنه يجب على كل عصر أن ينتج تمثيلًا دقيقًا عنه؟      

    ما أخاف منه كونك تحاول أن تضعني في مواجهة مع هذا العصر القديم، أنا لن أربِّي العصر السابق، ولن أعيد إنتاجه.

    ولكنك ستعيد إنتاجه داخل الثقافة عبر أفلامك، عندما تعدل مساره وتضيف “الدقة” أو “الموضوعية” المفتقدة؟ 

    نعم يجب أن نكون واعين، ولكن لا أعرف، على سبيل المثال لا أقوم بنقد كيف أظهرت السينما هذه الفترة…

    الأجيال القديمة تشكلت بتضحيات وطيبة نجيب الريحاني وأخلاقيات يوسف وهبي. هذه الأجيال بالرغم من وجود قيم إيجابية عندها فإنه تم حجب جوانب أخرى أكثر إنسانية من الحزن والتضحية بسبب تأثرها بنماذج عصرها السائدة في الحزن والتضحية.

    أنت ابن ثقافتك وعصرك، أنت ابن المشكلة اللي عليك أن تحلها.

    صحيح، أحيانًا هناك “عصر”، يدخلك في صورة معينة لممارسة المشاعر، وأحيانًا تطغى الصورة على دورك الشخصي. النموذج الماركسي في جيل الستينيات قدم نموذج الارتطام مع المستحيل، والذي كان إحدى صوره أو عواقبه هو الانتحار في الأجيال التي تلتها، أو الانسحاب من المجتمع. ثقافةُ عصرٍ ما تضعك في تناقض جوهري مع احتياجاتك الحقيقية، وغالبًا هي التي تكسب؟

    عندما يسود فكر إيديولوجي في فترة ما، ويكون هدفه العمل لصالح آخرين غيرك، هذا يفترض أن هناك تضحية لابد منها. المجتمع الأمريكي بالرغم من عدم إيمانه بالفكر الماركسي، ولكن هناك مبادرات للخدمة العامة لها نفس مواصفات التضحية. في مصر ليس هناك نظام يستخدم هذه التضحيات، لا في المدرسة، ولا في الحي. التضحية ليس شكلها الوحيد هو الانتحار. اعتقد أن الانتحار ليس سببه إيمان المثقفين بالماركسية، ولكن سببه الدولة التي تواجه أي اتجاه سياسي مخالف لها بالعنف وبالقمع وبالسجن، والتعذيب. لذا فلأنك مؤمن بهذا الاتجاه لابد وأن تضحي بأن تسجن وتعذب. لا يمكن أن ألوم ثقافة أو اتجاهًا أو إيديولوجية ما تطالبك بأن تضحي بمصالحك الصغيرة من أجل الآخرين، فالناس تضحي في الحروب من أجل أوطانها. المشكلة في رأيي، في قوى القمع التي تدفع التضحيات تجاه هذا النوع المأساوي أو المجاني، كالانتحار أو الهذيان وكل أشكال الانفصال عن الجماعة.

    برغم هزيمة 67 تحقَّق لكل أفراد جيل الثمانينيات من المخرجين مشروع فكري سينمائي مستمر حتى الآن. يدور غالبًا عن أزمة إنسان معاصر، غالبًا ما ينتمي إلى الطبقة الوسطى، ربما تكونون آخر جيل يمتلك مصطلح “مشروع”. لماذا حدث هذا في رأيك، هل الهزيمة هي التي منحت المشروع الفكري والتماسك النظري لهذا الجيل؟

    من المؤكد أن هزيمة 67 لم تكن فقط هزيمة حربية، وإنما هزيمة حضارية وأيضًا هزيمة مشروع. كان رد الفعل لهذه الصدمة هو التقوقع والعزلة، اللذان فرضهما النظام السياسي آنذاك. كلنا كنا مؤمنين بإيديولوجية الثورة مهما كنا مضادين للسلطة. عام 65 دخلت منظمة الشباب، بعدها بأسبوعين تم رفدي لأني حاولت أن أناقشهم. كلنا كنا نعشق عبدالناصر، ويتملكنا إحساس بأننا نبني تطورًا وطنيًّا. مشكلة عبدالناصر أنه عطَّل نمو المجتمع المدني والنقابات، أخذ دور الأب.

    الجيل الذي عاش الهزيمة والواعي لأبعادها أو الأكثر وعيًا وحساسية منهم، هذا الجيل شاركت الهزيمة في تحولاتهم الحياتية وصياغة أفكارهم. جعلتني متشككًا في أي شيء قادم من الإعلام المصري، الذي كان ولا يزال بوقًا للسلطة. لا أصدق شيئًا إلا بعد تمحيص. طبعًا الهزيمة حفرت جروحًا في نفسية الجيل. ولكن موضوع المقارنة بأجيال أخرى، لا أعرف كيف تفكر هذه الأجيال الأخرى. ولكن دائمًا أفترض أن هناك قضية أو سببًا يجعل كل جيل يقدم ما عنده من إضافة وتميز وفكر، وهو مايسمى بـ”المشروع”. لا أريد أن أنتقد الأجيال الجديدة، ولكن أريد أن أوجه نقدي إلى النظام السياسي وأسأله ماذا فعل في هذه الأجيال، في التعليم والوعي، والوعي بالحق، والمطالبة به.

    داود.. تصوير: نبيل بطرس
    داود.. تصوير: نبيل بطرس
    التحرر من الأب
    معنى هذا أن مقاومتك للفكرة الأبوية الموروثة مع نظام عبدالناصر، مع هزيمة 67، منحتك “المشروع”، ودفعتك إلى أن تدافع عن فردانية كل أبطالك باختلاف طبقاتهم الاجتماعية. لتحررهم من هذا “الأب”…

    مبدئيًّا أنا ليبرالي، بالمعنى الإنساني وليس السياسي. لا أقدر على إلغاء ذات الفرد من أجل الكل، لأن هذه الذات لا تتكرر، لا ينفع أن أقول “ما يموت ده لأن فيه آخرين مثله”. البشر ليسوا نسخًا متشابهة، تجليات الحياة لا تتكرر، وبالتالي يجب النظر إلى كل إنسان على حدة بحب واحترام وفهم لدوافعه. ربما هذه “حتة مسيحية شوية”. المسيح قال: “أحبوا أعداءكم، وباركوا لأعدائكم”. كيف أحب عدوي، وهو الذي من الطبيعي أن أكرهه وأقاومه وربما أقتله أو يقتلني؟ الطريقة الوحيدة في رأيي لحب العدو هي محاولة فهمه وفهم دوافعه. ربما لسان حاله يقول: “أريد أن أقتلك فقط خوفًا منك”. طوال حياتي لم أكن أنزل أسعى في الأسواق أو أجمع الحطب كي أعيش وأحصل على الرزق، فتكوَّن لي ترف أن أعيش مراقِبًا للناس، وهو ما وفر لي الوصول إلى هذه الأفكار التي تخص الفرد.

    بمعنى أن عدم السعي في الأسواق، بمعناها المجازي طبعًا، وفرت عليك الاحتكاك وآلامه، وأيضًا الوقت وأصبح عندك وفرة فيهما لتمارس هواية مراقبة الناس؟

    يهمني كمراقب أني لست طرفًا في صراع، أو في معركة، مع أحد من أجل قتله أو قتلي. لو هناك معركة أمامي، كل الذي سوف أفعله أن أحاول فهم أسبابها لتجنب مشاكلها.

    وضعك الاجتماعي والفكري والديني جعلك دائمًا غير متورط في النزاع…

    ليس وضعي الديني، ولكن وضعي الاجتماعي المتيسر، إلى حد ما، وظرفي المعيشي. لحسن حظي طوال عمري لم أكن على شفا الجوع. وأيضًا لم أكن غنيًّا كما قلت لك في بداية حديثنا.

    وهذه “البينية” إحدى صفات المراقِب؟

    المراقب ينفصل بنفسه قليلًا عن الآخرين وأيضًا يمتلك صفة الصبر. مثل الصياد الذي يتأمل بنظارته ما حوله كي يفهم..

    المراقب أيضًا يمكنه أن يخسر أشياء كثيرة وينفصل تمامًا عن نهر الحياة؟

    آه طبعًا. هذا هو التوازن الذي عليك أن تحافظ عليه.

     هل تقبل نتيجة وخسارة الانفصال؟

    هذه ليست خسارة كاملة. في رأيي أن يوسف إدريس عبقري، لماذا؟ ليس بسبب صفاته الشخصية وذكائه إلى آخر هذه الأشياء والصفات المعروفة عنه، ولكن لكونه ابن ريف، وأيضًا مارس السياسة، وكان طبيبًا وكان شيوعيًّا، كل هذا منحه كمية خبرات، بالإضافة إلى موهبته، فكانت عبقريته تجسيدًا لكل هذا. لماذا أذكر يوسف إدريس هنا، لأني أنا أيضًا أتمنى أن تكون لي تجاربه: ابن ريف وابن طبقة عاملة وابن طبقة أرستقراطية، وابن كلب، وابن أي حاجة، وأمتلك هذه الثروة والمعرفة والخبرة الحياتية. ولكن لا يمكن أن تكون كل شيء وتشغل كل هذه المواقع والأدوار، ولكن يوسف إدريس نجح، بالإضافة إلى موهبته، فرفعته في رأيي إلى مصاف العبقرية. أنا أرد هنا على فكرة الاحتياج الدائم إلى التجربة، لن أشبع أبدًا من التجارب.

    هل أحسست بالشبع من قبل، بمعنى أنك دخلت عالمًا أو تجربة ولم تخرج منها، مثل بطلك “يوسف كمال” في “البحث عن سيد مرزوق”، إلا بعد أن تستنفد تحولاتها، هل عندك توق إلى ممارسة تجربة؟

    أحاول دائمًا أن يدخل كل أبطالي تجارب من هذا النوع. ليس فقط “يوسف كمال” في “البحث عن سيد مرزوق”، أو “المواطن” في “مواطن ومخبر وحرامي”، أو “نرجس” في “أرض الأحلام”. ولكني هنا أريد أن أرد على جزئية سؤالك حول أن هذا النوع من التربص بالرقابة والمراقبة ومحاولة الفهم قد يتعارض مع ممارسة الحياة نفسها. استنتاجك صحيح، أريد أن أملك كل شيء، ولكن هذا لن يحدث.

    اقرا أيضا:

    علاء خالد يكتب: كانت تمتلك نسخة حديثة من النوستالجيا

  • يوسف إدريس عن بهاء طاهر: «وكأنه كلما لمس شيئا تحول إلى ذهب»

    يوسف إدريس عن بهاء طاهر: «وكأنه كلما لمس شيئا تحول إلى ذهب»

    فى مارس 1964 نشر بهاء طاهر في مجلة الكاتب أولى قصصه القصيرة، كان عنوانها “المظاهرة”. وقد احتفى يوسف إدريس بالقصة.. وكتب يبشر بالكاتب الشاب الجديد “الذي لا يستعير أصابع غيره”. هنا مقدمة إدريس التى كان بهاء يعتز بها كثيرا، ويعتبرها رغم قصرها أول مقال نقدي عن عوالمه:

    «هذه قصة جديدة لقصاص جديد، وإذا كان الناس يعرفون بهاء طاهر مخرجا دقيقا ممتازا فى البرنامج الثاني للإذاعة ومسرحياته، فبهاء طاهر هنا إنسان مختلف، استطاع أن يدلف إلى قصر القصة المسحور، وأن يعثر فى سراديبه المظلمة على الخيط الأساسى لصناعة القصة، وهي مسألة مهمة وخطيرة، فالإنسان لا يعثر على نفسه أو على الخيط الأساسي لقصته هكذا بسهولة ومن أول ضربة أو قصة. إن ما أعجبنى في هذا العمل أنه بهائي طاهري إلى درجة كبيرة.

    وإذا استطاع الإنسان أن يكون نفسه الحقيقية تماما في أي عمل يزاوله، فإنه بهذه الاستطاعة يكون قد وصل إلى مرتبة الفن، وأصبح كل ما يلمسه ويكتبه ــ كالأسطورة الإغريقية المشهورة ــ ذهبا فنيا، وإنى هنا أقدم هذه القصة لقراء الكاتب فإنما أقدمها في الحقيقة أولا لكتاب القصة إذ قد أخذت أسرة التحرير على عاتقها ألا تنشر القصة لشهرة كاتبها أو لأسمه أو لتاريخه وإنما فقط لكونها نموذجا جديدا نقدمه، نموذجا قد يكون صاحبه كاتبا مشهورا أو قد يكون أولى خطواته على السلم ونحن نفعل ذلك أولا لمصلحة فن القصة، فهو، وكل فن لا يزدهر إلا بالتجارب الخصبة الجديدة، بالتربة الجديدة، والزهرة الجديدة والمعول الجديد».

    أقرا أيضا:

    هالة جلال تكتب: رحلة بهاء طاهر

  • فن «الردح» من قاع المدينة إلى الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي

    فن «الردح» من قاع المدينة إلى الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي

    الردح نوع من الهجاء الشخصي، الذي تنهمر من خلاله الشتائم واللعنات كما تنهمر الطلقات من فوهات البنادق، وغايته تحطيم الآخر معنويا، عبر قهره بعلو الصوت، ونشر فضائحه الفعلية أو المُختلَقة، وتضخيمها وتهويلها. وهو من أشد أنواع الهجاء الشخصي عنفا وابتذالا وفضحا لعيوب الخصم ومساوئه. وهو يشبه عقوبة التجريس التي انقرضت بظهور الدولة الحديثة، حيث كان المجرم يوضع فوق ظهر الحمار، بشكل معكوس، وفي يده أو يد غيره جرس، يجمع الناس حوله.

    ويعتمد الردح هو الآخر على كلمات تشبه الجرس، من حيث قدرتها على جذب انتباه الجمهور، وتحويل الخصم إلى (فُرْجة). وهو عقاب يحكم به الشخص على خصمه، ويقوم هو بتنفيذه، ويمكن اعتباره سلوكا بدائيا مثل السلوك الثأري. لكنها البدائية المُروَّضة، فهو ظاهرة من ظواهر المدن، و يجتنب العنف الموجَّه إلى البدن، مكتفيا بإحداث الجروح المعنوية.

    ***

    في كتابه (قاع المدينة) يتناول يوسف إدريس ظاهرة الردح، ويعتبرها فنا مصريا أصيلا. وكما أن الزغاريد لا تجيدها كل النساء فكذلك الردح. هناك متخصصات فيه يحفظن عددا لا نهاية له من الشتائم والأوصاف. بعضها عادي وبعضها فيه تشبيهات واستعارات وكنايات. وبعضها أدب خالص.

    ولا يكفي الحفظ بل لابد أن يكون في استطاعة الواحدة منهن أن تلضم الكلمة في الكلمة بلا تردد أو توقف، وتصنع من الشتائم سيلا متدفقا لا ينقطع، فإذا انقطع وقع المحال.

    ولابد للشتيمة المستعملة من وقع موسيقي. ولابد أن يكون للصوت المستعمل مقام معين يرتفع  في الأماكن المهمة إلى “السوبرانو”، وينخفض عند بعض الكلمات الماسة إلى “الألتو” .

    ثم لابد للرداحة من موهبة فطرية تستطيع بها أن تخرج أرفع الأصوات وأعلاها بأقل مجهود. حتى لا تستند طاقتها وحتى تستطيع الصمود. فالردح مسابقة والفائزة هي من يعلو صوتها ويظل عاليا إلى النهاية.

    والردح ظاهرة من ظواهر المدن لا الأرياف. ويعرض يوسف إدريس صورة لنموذج الريفية التي سكنت المدينة، فتظهر في وصلة الردح  بوصفها، غلبانة، أو مبتدئة لا تستطيع أن تجاري بطلات المدينة. صحيح أنها بدأت في الآونة الأخيرة تتعلم، ولكنها لاتزال (تطبش) كما يفعل الرجال حين يتعلمون السباحة على كبر. كل ما تستطيع أن تفعله هو أن تقف في النافذة وتوارب الشيش وتحاول الرد على غريمتها، وتخرج ردودها بعد جهد. فهي ريفية خجول لا تستطيع أن تحشو فمها بكلمة فارغة مثلما تحشو نساء المدينة أفواههن. ولذلك فمهما قالت فكلماتها تتساقط كأوراق الخريف أمام التيار اللافح الذي يهب من فم غريمتها.

    ***

    الصورة التي يقدمها يوسف إدريس تعبر عن واقعٍ بعضنا شاهده، وبعضنا لم يشاهده، بسبب المتغيرات الكبيرة التي عرفناها خلال العقود الأخيرة، والتي قضت من ضمن ما قضت على “فن الردح”، لكنها احتفظت بروحه الهمجية البذيئة.

    لقد ارتبط الردح بالحارة المصرية التي اختفت حاليا بمعناها المعروف، بسبب انتشار المدن والأحياء الجديدة. وتحول البيوت القديمة إلى عمارات شاهقة وأبراج. ومع ظهور الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، ظهر الردح على نطاق واسع، ولم يعد  فنا فرضته الظروف على بعض النساء. صار بذاءة لا فن فيها. وفُحشا لا حدود له. ونكسة إلى البدائية مع الاحتفاظ بأبهى الحلل العصرية.

    لقد كان الردح التقليدي ـ بكل ما يحمله من فُحْش ـ ظرفا استثنائيا، تعرفه الجماعة الشعبية كما تعرف الجريمة. تمارسه لكنها تدينه في نفس الوقت. وكان (التخريف) من الأسماء التي تطلقها الجماعة الشعبية على الردح و الشتائم بشكل عام، وهي بذلك الاسم تحط ُّمن قيمته، وتُدِينه.

    ***

    الردح الحديث لم يعد ظرفا استثنائيا، بل صار مناخا عاما، ولم يعد قاصرا على المشاجرات الشخصية التافهة، بل صرنا نستيقظ كل صباح على مناسبة من مناسبات الردح، كما اتسع نطاقه ليصل إلى المشكلات الثقافية التي تقوم في جوهرها على العقلانية الرشيدة، والحوار الودود.

    لقد خلقت الفضائيات ومواقع التواصل حارة شعبية حديثة، لا تتوقف فيها وصلات الردح القبيح. حيث قوة الصوت وحدها هي التي تنشئ الحق وتحميه.

    لقد تحطمت الوحدة التقليدية المتماسكة بين سكان الشارع أو المنطقة. وغابت الحميمية والترابط والانتماء للمكان، وتدهورت قيم الحارة الإيجابية مثل الشهامة والجدعنة والمروءة، بينا ظل معجم البذاءة مزدهرا، متطورا.

    كيف نفقد أفضل ما في الحارة ونحتفظ بأبشع ما فيها؟

    كيف طورنا الردح من مهارة تتمتع بها ربات البيوت غير المتعلمات، إلى رذيلة فجة منتشرة بين مختلف الطبقات والمستويات الثقافية؟

    اقرأ أيضا:

    الشيخ محمد عبدالقادر: تجربة تحويل بيوت الصعيد إلى مؤسسات ثقافية

  • شويكار و فؤاد المهندس يحاوران يوسف إدريس: الفن والحب والحياة

    شويكار و فؤاد المهندس يحاوران يوسف إدريس: الفن والحب والحياة

    التقى يوسف إدريس بالعديد من المحاورين صحفيين كانوا أو رجال أدب أو سياسة. كما أن فؤاد المهندس وشويكار التقيا أيضا بالعديد من نجوم الفن والصحافة على صفحات الجرائد، ولكن ماذا لو التقى يوسف إدريس الطبيب الأديب الفنان بفؤاد المهندس وشويكار. تحت عنوان “أنا وهي ويوسف إدريس” نعرض لكم هذا اللقاء النادر الذي جمع بين يوسف إدريس في سهرة ليلة رأس السنة عام 1966 – الذي نشرته مجلة الإذاعة والتليفزيون وقتها – مع نجمي الكوميديا فؤاد المهندس وشويكار، لقاء ناقش أكثر من مشكلة في الفن والحب والحياة.

    مجلة الإذاعة والتليفزيون

    بدأت شويكار حديثها البسيط بسؤال لفت إعجاب يوسف إدريس:

    • يا دكتور يوسف تفتكر أنا وفؤاد مين فينا السيد ومين فينا الفرفور؟

    وضحك يوسف إدريس قائلا:

    • أهو ده سؤال محرج! وهو الحقيقة إذا اجتمع رجل وامرأة المفروض الراجل يبقى هو السيد… المفروض يعني!
    • يعني ده رأيك أنت وبس لاجتماعك مع رجل وامرأة، ولا هناك رأي تحتفظ به لنفسك؟
    • الحقيقة أني لا استطيع أن أقول غير ذلك، لأن طبيعة مجتمعنا تفرض أن يكون الرجل هو السيد ولكن الذي يحدث في الواقع أن الست هي السيد. لأسباب كثيرة وأقصد هي السيد ليس من ناحية أنها تأمر وتنهى أبدا، ولكن لو نظرنا في معظم المجتمعات البدائية وفي إفريقية نجد أن الست هي أساس الحياة والرجل ليس إلا مساعدا لها، أما الرجل في الأيام دي فهو وسيلة فعلا بالنسبة للست فهي لا تستعين به إلا كما يستعين الواحد بالمسدس أو العسكري يعني تفضل في قلب المشاكل إلى أن تتعقد وفي الآخر تقول له: أتفضل بقى اتخانق شوفلك حل، أضرب موت.. الله أنت مش راجل ولا إيه؟

    ويتدخل فؤاد المهندس في الحديث قائلا اسأل أنا يا شوشو:

    • يا دكتور يوسف أنت عملت فيلم “الحرام” وكان من أحسن الأفلام في نظري في الموسم الماضي، فما هو الحرام في نظرك؟

    وسكت يوسف إدريس قليلا، ثم أسند ظهره إلى الوراء وقال:

    • والله “الحرام” في نظري شئ بيختلف شوية عن “حرام” الفيلم، فالسرقة نوع من الحرام.. سرقة سجادة من جامع حرام يرتكبه الفرد ضد حق المجتمع، يرتكبه المجتمع ضد عزيزة في الحرام وكل الظروف غير الإنسانية التي كان يعيشها “التراحيل” الحرام وضع يثمر سلوك عزيزة الذي ينعكس عليها كفرد.. بس!
    لقاء يوسف إدريس وشويكار وفؤاد المهندس في مجلة الإذاعة والتليفزيون
    لقاء يوسف إدريس وشويكار وفؤاد المهندس في مجلة الإذاعة والتليفزيون

    وتدخلت شويكار قائلة:

    • وعلشان كدة هناك فرق بين الحرام كقصة وكفيلم.

    وعلق الدكتور يوسف إدريس: لكن أنا شايف أن الأسئلة دي جد شوية لا إيه؟

    وعادت شويكار تسأل:

    • أنا عايزة اسأل سؤال محيرني بصفتك مؤلف وروائي.. لما يبقى فيه دور ضعيف بيكون من المسؤول عن نجاحه أو فشله؟

    يوسف إدريس: قطعا المؤلف نمرة واحد، والمؤلف اللي يجب عليه وهو بيرسم شخصيات الرواية ألا يستعرض عضلاته ولكن يكتب الدور بحيث يساعد الفنان على أن يعطي كل إمكانياته كممثل، فمثلا في روايات شكسبير الفنان الذي يكتب الشعر فقط تجدي أنه يضع الممثل في موقف معين ويعطيه الكلام، الذي هو عبارة عن خطوط موجهة لإنفعالاته بالموقف بحيث التمثيل هنا مش مجرد سرد، ولكنه بيضيف للنص الإنفعال البشري للممثل، فكلما كان الكلام يغذي الإنفعال البشري كانت النتيجة أحسن بالنسبة للمؤلف والممثل ولذلك تجدي كل المسرحيات الناجحة هي التي تكون كل أدوارها مخدومة من ناحية البناء فلا يظهر دور على حساب دور آخر.

    وتدخل فؤاد المهندس قائلا:

    • تأييدا لكلامك يا دكتور يوسف في فيلم “طبيبتي الحسناء” هناك شخصية تظهر في آخر الرواية شخصية كونستابل لتصبح واحدا من أبطال الفيلم.

    وعادت شويكار تسأل الدكتور يوسف إدريس:

    • هو السؤال اللي ح اسأله دلوقتي اتقال لي كتير ومعرفتش أرد عليه، يا ترى نجاح الدور أو فشله من الممثل ولا المؤلف ولا المخرج. مش عارفة إيه رأيك أنت؟
    • هو أحيانا يا شويكار الدور بيبقى كويس ويأتي الممثل أو المخرج خصوصا ويموته، ولكن أرجع وأقول المسؤول الأول عن بناء الرواية هو المؤلف ولكن بيأتي المخرج ويحب يستعرض عضلاته فيشطب مشاهد ويضيف أخرى، وأنا لا أمانع في هذا لأن عملية الإخراج عملية خلق جديدة للنص، ولكن يجب على المخرج أن يحدث هذه التغيرات مع المؤلف الذي يحمل الفيلم اسمه المسكين الذي يقع عليه اللوم في بعض الحالات.
    أنا وهي

    ويسأل فؤاد فجأة:

    طيب يا دكتور تقييمك كمتفرج لشويكار وفؤاد المهندس إيه؟

    وأجاب يوسف إدريس قائلا:

    • آه ده سؤال صحفي مليان، الحقيقة أني من المعجبين بشخصيتكم الفنية وأظن يا فؤاد أنك تذكر لما عرضنا عليك تمثل دور الفرفور في مسرحيتي لأنك من المواهب الكوميدية التي نحرص عليها، ولكن أنا لي انتقادات على بعض رواياتك مش بالنسبة لك كممثل وفنان، ولكن بالنسبة لقبولك تمثيل روايات ضعيفة المستوى من ناحية النص ونفس الشئ بالنسبة لشويكار، لأن كفاءتكما كممثلين ممكن تعطي أكثر من كدة. وبالنسبة لشويكار فيما يختص بأدوارها القليلة لما نيجي ونحطها في جغرافيا المسرح نبص نلاقيها بتقوم بالأدوار التي كانت تقوم بها ميمي شكيب في روايات الريحاني، لكن برضة على جديد ورغم أن هناك بعض الأدوار غير مخدومة من ناحية التأليف، فمثلا دورها في “أنا وهو وهي” دور من ناحية واحدة هو دور الست الدلوعة الحلوة التي تعطي هذا التعبير على المسرح وأنا مش معترض على هذا الدور لأن هذا النموذج موجود فعلا في مجتمعنا، ولكن كان لابد أن يعالج بطريقة أعمق من كدة ولكن هذا لا يمنع من أنني مازلت معجب بهذه المسرحية.

    وسكتت شويكار وظهر على وجهها علامات التأثر ثم قالت:

    • يا دكتور يوسف أنت تكلمت كلام كويس عن الممثلين عموما والكوميديين خصوصا، يعني في رأيك أن الممثل أو الممثلة الكوميدي شخص مش منعزل؟

    ورد يوسف دريس بحماس: لا أبدا الكوميديا أخطر أنواع الفنون ومش معنى أني اكتب أو أمثل كوميدي يعني بهرج أبدا والمعروف أن أعظم ممثل أثر في السينما العالمية وفي أذواق الناس هو شارلي شابلن الممثل الكوميدي الخالد، ولا أنتم شايفين أن عملية إضحاك الناس دي مهمة سهلة في هذه الحياة الحديثة التي نعيشها؟

    واندفع فؤاد المهندس قائلا: يا دكتور يوسف يعني أنا احترت في كلام النقاد عن كل مسرحياتي.. قالوا علي مثلا ده راجل بيمثل بإسفاف وإحنا عايزين العمق، وأنا مش موافق على الكلام ده. لأن العمق الذي يطلبه النقاد ده ممكن تنفيذه في الدراما مش في الكوميديا، وقاطعه الدكتور يوسف إدريس قائلا:

    • إنت يا فؤاد مش بتسف إطلاقا، يعني أنا شفت إحدى المسرحيات في التليفزيون لا داعي لذكر اسمها وخرج بعض الممثلين عن النص وبصقوا على بعضهم!! تصور؟، فكانت النتيجة أن أولادي الصغار بدأوا يقلدونهم وده غير سليم من الناحية التربوية وخصوصا بالنسبة لجمهور التليفزيون.
    • طيب يا دكتور يوسف أنا احترت مع النقاد وعايز أعرف الفرق بين الإسفاف وعدمه؟
    • عدم الإسفاف الحاجة اللي الواحد يضحك عليها من قلبه دون أن يندم بعد ذلك، فالإسفاف أنك تضحك بطريقة فيها جرح للشعور العام، الإسفاف هو أنك تضحك بطريقة غير شرعية.

    ورد فؤاد المهندس وشويكار في صوت واحد: تضحك بطريقة غير شرعية… تعبير جميل جدا.

    وعاد فؤاد يسأل: طيب يا دكتور أنت شفت كل المسرحيات التي قدمناها، فإيه الإسفاف اللي فيها؟

    • لا مفيش إسفاف إلا حاجة واحدة بس حقولك عليها هي حركة مش كلام كنت بترفع فيها الجاكتة بطريقة محرجة، بعدها لقيت أطفال في أكثر من بيت قلدوك في هذه العملية.

    ودافع فؤاد المهندس عن نفسه قائلا: الحقيقة أنا واخد هذه الحركة والمشية من الواقع مش من عندي.

    وعادت شويكار تسأل: يا دكتور تفتكر إزاي الست وجوزها ومش لازم تكون فنانة إزاي يحتفظوا بحياتهم لفترة طويلة دون أن يصيبها الملل؟

    • ده سؤال مهم الحقيقة في حياتنا، وأنا هذه الأيام عرضة لسيل من هذه الأسئلة والظاهر أن حكاية الملل بين الأزواج أصبحت مشكلة قومية وده سببها بسيط جدا أننا ناس رومانسيين شوية، يعني البنت بتحب خطيبها في ظروف معينة فيتكون عندها معنى الحب على أنه المشاعر التي خلقتها نفس الظروف التي أحبت فيها خطيبها في الأول ومن هنا ينشأ الملل، فعلى كل الزوجين أن يختارا العلاقة التي تناسب كل وقت يعني تلاقي الست متجوزة وعندها عيال على وش جواز وعايزة تعيش في بحور الغرام والرومانسية كما كانت من عشر سنين مثلا.
    • ثم قال الدكتور يوسف إدريس: إيه رأيكم اسأل أنا شوية؟
    • يا فؤاد إحنا بنعتبر الريحاني كان بيمثل الموظف أو المواطن السئ الحظ الغلبان ويومها كان بيضحك الناس، تقدر تقولي إيه الشخصية اللي بتمثلها مش الشخصيات اللي أنت مثلتها في رواياتك ولكن محصلة هذه القوى؟
    • وأجاب فؤاد: الحقيقة أنا إلى هذا اليوم لم أأخذ خط محدد لشخصية معينة أمثلها إلى الأبد، يعني أنا دايما أبحث على الدور الجديد.
    • أنا أقصد يا فؤاد اسألك ليه الناس بتتعاطف معك؟، يعني الناس تعاطفت مع الريحاني لأنه بيمثل شخصية الراجل الغلبان وأنت ليه؟
    • مش عارف ليه، يمكن هذا التعاطف كان بيختلف من مسرحية لأخرى لاختلاف الدور نفسه، وتدخلت شويكار قائلة:
    • أنا بقول أن الناس تعاطفت مع فؤاد لأنه بيمثل دور المصري الصبور الشريف.

    ويسأل الدكتور يوسف إدريس شويكار: وأنت على المسرح يا شويكار ألم تأت لك لحظة شعرت فيها أن فؤاد جوزك؟، وإيه موقفك في اللحظة دي بين الدور والحقيقة؟

    ضحكت شويكار وبخجل قالت:

    • طبعا ما أقدرش أنسى أن فؤاد جوزي على المسرح، ففي مواقف الحب أو الغزل تحس أن يبمثل طبيعي، أما المواقف اللي مفروض فيها شد وجذب بحقيقي بضعف فيها حوالي 50%.
    • وهنا قال الدكتور يوسف إدريس وسؤال آخر مقابل هل في الحياة في البيت ألم تأت لك لحظة شعرت فيه أن فؤاد المهندس اللي أمامك الممثل مش جوزك وخصوصا في مواقف الحب؟
    • وبسرعة ردت شويكار قائلة:
    • يا خبر ده ما حصلش أبدا، ولكن يا دكتور مفيش مانع أن فؤاد مرة يكون داخل البيت وحالته كدة، أقوله الله أنت بتمثل ولا إيه.. ولكن مواقف الحب في البيت بتكون حقيقة 100% وإلا تبقى حكاية.
    • وعاد يوسف إدريس يسأل:
    • طيب يا شويكار وأنت بتمثلي على المسرح في مشهد أمام فؤاد وحدث منه انفعال جعل الجمهور يصفق ويضحك، هل تشعرين نحوه كفنانة بغيرة بعيدا عن العلاقة الزوجية؟
    • وقبل أن تجيب شويكار قال فؤاد:
    • أجاوب أنا على السؤال ده، اللي بيربطني بشويكار أكثر وأكثر أنها بتحوطني وأنا على المسرح بهالة من الرعاية بحس أنها بتدفعني إلى أن أزيد وأزيد من تصفيق وضحك الجماهير، وأنا عارف أنها كفنانة بتشعر بنوع من الغيرة، إنما شويكار طبيعتها كدة حتى في الحياة. ولكن المهم والأهم أني إذا غلطت غلطة في حقها أو في حق أحد الزملاء فهي أول من ينبهني. وأذكر أني مرة قبل مسرحية “السكرتير الفني” جمعت الممثلين وقلت لهم أنا مش عايز حد على المسرح يعمل أي حركة تلفت إليه نظر الجمهور أثناء زميله في الركن الآخر من المسرح بيقول كلام مهم لدعم المسرية فردت شويكار عليّ: أنت يا فؤاد بتقول الكلام ده وأنت أول واحد بتعمل كدة أنت فاكر أنا ونظيم شعراوي وإحنا بنتكلم في أحد أركان المسرح وأنت في الناحية التانية عمال تربط في كرفتتك وتعمل حركات حولت أنظار الجمهور لك!
    • وسأل الدكتور يوسف إدريس شويكار قائلا: طيب يا شويكار السؤال لك:
    • الحقيقة أنا سعيد بقصة حبك لفؤاد المهندس وهي قصة بتأكد قيمة الحب في الحياة، فأنت قلت أنك اقتنعت بفؤاد كفنان أولا وتطور هذا الإقتناع إلى حبك له كإنسان، فهل ضروري أن الزوجة تكون مؤمنة بزوجها كفنان وهل لها دور في حياته؟
    • طبعا لاشك أن إيمان الزوجة بزوجها سواء فنان أو غيره يدفعه إلى الأمام، وخصوصا إذا كان هذا الحب صادق ومفيش مانع أنها تنقده ولكن بطريقة لا يفقد فيها ثقته بنفسه.

    وختم الدكتور يوسف إدريس حديثه معهما قائلا:

    الحقيقة أن الحب أحسن نهاية ممكن تكون لأي شئ في الحياة. وأقولكم كل سنة وأنتم طيبين وربنا يزيد من حبكم.

    اقرأ أيضا

    وقائع معركة غير أدبية بين يوسف إدريس وأصحاب البنطلونات القصيرة

  • مصري مجهول يهاجم إدريس وهيكل.. والشرقاوي يطالبهما بالصمت

    مصري مجهول يهاجم إدريس وهيكل.. والشرقاوي يطالبهما بالصمت

    في منتصف إبريل 1983 بدأ الدكتور يوسف إدريس بنشر سلسلة مقالات “البحث عن السادات” في صحيفة القبس الكويتية وقبل ذلك كانت صحيفة الأهالي قد نشرت حلقة وحيدة من كتاب “خريف الغضب” لمحمد حسنين هيكل. وإذا بالمجلس الأعلى للصحافة برئاسة رئيس مجلس الشورى صبحي عبدالحكيم يعقد ولأول مرة جلسة لمناقشة حدود حرية الرأي والمنهج الصحيح لمناقشة التاريخ.

    وقد حضر تلك الجلسة موسى صبري، صلاح منتصر، عبدالرحمن الشرقاوي، مكرم محمد أحمد، ثروت أباظة، حسين عبدالرازق، حسين مؤنس، صبري أبوالمجد، أمينة السعيد، عبدالمنعم النمر، سمير رجب، لويس جريس وآخرون، كانت هذه الجلسات أشبه بالمهزلة وتحولت الجلسات لمحاولة لسفك دماء كل من هيكل ويوسف إدريس، وعندما تحدث حسين عبدالرازق مدافعا عنهما تحولت الجلسة لجلد حسين عبدالرازق وقام عبدالرحمن الشرقاوي يخطب في ذلك المؤتمر قائلا: إن ما كتب يسقطنا ويسقط سمعة مصر ويسقط سمعة المصريين إنها موضة مع الأسف وهي الهجوم على السادات.

    ولم يكتف الشرقاوي بذلك.. ولكنه كتب مقالا بعنوان “كفى” يهاجم فيه هيكل ويوسف إدريس.. ويتهمها بأنهما “كاتبان بلا وفاء” يحركهما الانتقام وتضطرب في أيديهما الموازين.. فبدلا من أن يصدرا الأحكام الموضوعية يسوقان المطاعن الشخصية. وأن ما كتبه هيكل ويوسف إدريس ليس تحليلا وإنما هو التشهير بعينه وهو الاعتداء على حرمة رئيس مات وعلى سمعة وطن بأسره.. ويطلب من هيكل طلبا غريبا، وهو أن يسحب كتابه ويؤلف كتابا أخر يعتذر فيه وينصف به السادات.. لأنه- أي هيكل- كان مهندس 15 مايو.

    الصحف الحكومية

    الصحف الحكومية وقتها لم تفتح المجال للكتاب وحدهم في الهجوم على هيكل وإدريس.. ولكنها أيضا بدأت بفتح المجال للقراء.. فنجد مثلا في بريد الأهرام رسالة ملحقة بصور ربما هي الأكبر في بريد الأهرام على مر تاريخه لم تفرد صورة بهذا الحجم.. فنجد المحرر قد كتب “في الأيام الأخيرة تلقى الأهرام سيلا من الرسائل التي بعث بها المصريون في الخارج.. يعبرون فيها عن الآلام الرهيبة التي يعانونها في مواجهة تلك الهجمة الشرسة من أقلام مصرية تكتب ضد مصر.

    إن أصحاب هذه الرسائل لا يطلبون من حملة الأقلام المصرية غير أن يتقوا الله في مصر.. ويرحموا مصر واسم مصر وشعب مصر”. والمفارقة أنه في إطار الهجوم على الكتاب تم نشر بعض الصور الضوئية للدعاية لمقالات إدريس.

    كما نشرت في الصحف العربية، وتضمنت هجوما على السادات، ربما بقصد أو بدون قصد.. من محرر صفحة البريد الذي نشر رسالة تحت عنوان “كارثة أخلاقية بكل المقاييس” وموقعة باسم “مصري”. مكتوب فيها: أرفق مع هذا إعلانا في إحدى صحف دولة الإمارات عن حلقات للدكتور يوسف إدريس. اكتب إليكم بعد أن فجعت في اثنين امتهنا مهنة الصحافة هما يوسف إدريس ومحمد حسنين هيكل.. وبرغم الإعجاب بهما إلا أنهما خيبا ظنون الكثيرين هنا.. ثم رسالة ثانية بعنوان” ويدعون أنهم يؤرخون” لا تقل عنفا عن سابقتها.

    عندما جمع يوسف إدريس المقالات السبعة التي كتبهم في القبس في كتاب ذكر واقعة بريد الأهرام متهما إدارة الأهرام بكتابتها وتوقيعها باسم “مصري”.

    اقرأ أيضا

    ملف| يوسف إدريس: المعارك الكبيرة.. والمعارك الصغيرة

    وقائع معركة غير أدبية بين يوسف إدريس وأصحاب البنطلونات القصيرة

    خالد عبدالناصر: لهذا لم أسامح يوسف إدريس

  • وقائع معركة غير أدبية بين يوسف إدريس وأصحاب البنطلونات القصيرة

    وقائع معركة غير أدبية بين يوسف إدريس وأصحاب البنطلونات القصيرة

    في عام 1980 وسط أجواء سياسية مضطربة وتزامنا مع صدور قانون العيب، تحدث يوسف إدريس في الإذاعة المصرية ضمن برنامج «مشوار حياتي».. قال إنه عندما بدأ حياته الفنية لم يجد من يكتب القصة القصيرة لكي يتعلم منه، فقرر أن يخلق هذه القصة من العدم وأنه أول من كتبها في المنطقة العربية، مضيفا أن القصة ماتت من بعده لأن أجيال الشباب لم تستطع أن تقدم أية إضافة جديدة.

    وأضاف: أن عدد رسائل الدكتوراه التي قدمت عنه في كل أنحاء العالم تبلغ 86 رسالة، كما أنه العربي الوحيد الذي اختارته لجنة جائزة جامعة “آيوا” الأدبية في أمريكا كعضو في لجنة التحكيم وهو الذي يرشح أدباء من كل أنحاء العالم للفوز بهذه الجائزة، وقد رشح عن العام الماضي نجيب محفوظ للفوز ولكن خطاب الترشيح ضاع في الطريق ولم يصل أمريكا رغم كافة الطرق والمسالك التي توصل بين مصر وأمريكا هذه الأيام.

    رسالة الحكيم

    عقب إذاعة البرنامج، نشرت الصفحة الأدبية بجريدة الأخبار رسالة من توفيق الحكيم بصفته رئيسا لاتحاد الكتاب موجهة إلى ثروت أباظة بصفته نائبا للرئيس يطلب الحكيم في الرسالة اتخاذ إجراء ما ضد أحد أعضاء الاتحاد بتهمة تعظيم نفسه في أحد الأحاديث وسلب الآخرين بعض ما قدموه للحياة الأدبية، حيث إن هذا السلوك يتنافى مع حياتنا الأدبية الجديدة ولابد من محاسبة هذا العضو..(دون الإشارة إلى اسمه) مع أن جميع من في الوسط الثقافي يدرك أن العضو المقصود بالرسالة هو يوسف إدريس، بعد أيام من النشر قام توفيق الحكيم بنشر رسالة أخرى في صحيفة الأخبار يقول فيها إنه لم يقصد نشر الرسالة الموجهة منه إلى ثروت أباظة أبدا وأن هذه الرسالة هى مما يتداوله الأعضاء داخليا في أي نقابة مهنية وليست للنشر.

    بعد هذه الأحداث خرج إبراهيم الورداني في جريدة الجمهورية وفي عموده اليومي “صواريخ” بكلمة عن الطاووس المختال يوسف إدريس وأنهى المقال مطالبا توفيق الحكيم بأن يأخذ زمام المبادرة ويزيح ستار الافتتاح عن قانون العيب ليصبح اتحاد الكتاب أول جهة تنفذ هذا القانون في مصر. كشف الورداني في كشف الستار عن اللعبة التي كانت تعد، فلم يكن الأمر مجرد محاولة وقفيوسف إدريس عن تمجيد نفسه بقدر ما كان بهدف تقديمه لمحكمة حماية القيم من العيب. لم تنته القصة إلى هذا الحد، إذ سافر يوسف إدريس إلى باريس بدعوة من اليونسكو لحضور ندوة عن التعليم وقال إن الدعوة موجهة إليه بصفته الشخصية، وأنه الكاتب العربي الوحيد الذي وجهت له الدعوة، ولكن بعد عودته أعلن أن سبب هجوم الحكيم عليه يرجع إلى رغبته في السفر إلى باريس بدلا منه، كما أن ثروت أباظة يستخدم الحكيم ضده. بعدها تردد أن إدريس سيرفع دعوى قضائية ضد الحكيم وأباظة والورداني لتشهيرهم به.

    نص حوار جريدة القبس الكويتية مع يوسف إدريس
    نص حوار جريدة القبس الكويتية مع يوسف إدريس
    يوسف إدريس يتحدث

    وفي ديسمبر 1980 أجرت صحيفة “القبس الكويتية” حوارا مع إدريس حول الأزمة فقال بالنص: “أن العاجز وحده هو الذي يلجأ للقضاء ليشكو الصراصير، أما أنا فلست عاجزا وسأتصدى بنفسي كرجل لهؤلاء الصبية الصغار أصحاب البنطلونات القصيرة.. أولئك الذين تنازلوا عن شرف الكلمة وأصبحوا لا يملكون غير أساليب المداهنة ومغازلة السلطة حتى بلا ثمن ويريدون بعد هذا كله أن يغتالوني وكأني الضمير الحي الذي يريدون التخلص منه”. ثم بدأ يحكي في حواره عن سبب الأزمة: “بدأت القصة بالمؤتمر الذي عقده اليونسكو حول مستقبل التعليم خلال العشرين سنة المقبلة أي حتى نهاية القرن العشرين وأرسلت لي هيئة اليونسكو دعوة لحضور هذا المؤتمر وسافرت إلى باريس وكنت أتصور أنني مدعو كمراقب لأني لست من رجال التعليم، ولكن فوجئت هناك بأني عضو أصلي في المؤتمر مع عشرين شخصية من مختلف أنحاء العالم منهم علماء من بريطانيا وأمريكا وروسيا وأوروبا الغربية، ووزيرة الثقافة في البرازيل ونائب وزير الثقافة الصيني ووزير التعليم في الإمارات، واكتشفت أنني الكاتب الوحيد من العالم المدعو، وحين أبديت دهشتي لسكرتير المؤتمر قال لي لقد أردنا أن نشرك كاتبا ليعطينا تخيله عن طريقة التعليم خلال الأعوام العشرين المقبلة ولأن الكتّاب أحيانا يملكون رؤية مختلفة ومفيدة جدا لأولئك المنغمسين في مشكلة التعليم”. وبعد أن تحدث عن كيفية استقبال كلمته  في المؤتمر بحفاوة بالغة، بدأ في سرد تداعيات مشاركته.. قائلا: “عدت إلى القاهرة متوقعا التكريم ولكني فوجئت بمؤامرة غريبة نسجت خيوطها أثناء غيابي. فالأستاذ توفيق الحكيم أشاع أنه هو الذي كان مدعوا إلى المؤتمر وحين اعتذر دعوني أنا وهذا غير صحيح بالمرة. ولم يكتف الأستاذ الحكيم بنشر هذه الإشاعة عن طريق بعض صغار الكتاب وإن كانوا كبارا في السن، بل أرسل خطابا زعم أنه “سري للغاية” من رئيس اتحاد الكتاب إلى نائب رئيس الاتحاد ونشر الخطاب السري للغاية بشكل بارز في جريدة الأخبار ويطالب الحكيم في خطابه بمحاكمتي تأديبيا على أساس أنني أقوم بعمل دعاية لنفسي وحجته في ذلك الخبر الذي نشرته جريدة الأهرام من دعوة اليونسكو لي لحضور المؤتمر. وهو أمر يستوجب عقابي عند الأستاذ الحكيم عن طريق اتحاد الكتاب! والخطاب السري للغاية والذي يستطيع الأستاذ الحكيم تسليمه باليد لجاره في الأهرام ثروت أباظة وصل لجريدة الأخبار.. كيف؟، وعندما لاموا الحكيم على هذا التصرف أرسل خطابا عاجلا آخر نشر أيضا الأخبار في اليوم التالي يعلن فيه أنه لم يذكر اسم الكاتب المطلوب محاكمته وكأن كاتبا غيري هو الذي دعى وسافر وتكلم في مؤتمر باريس! وعلى الرغم من عدم اهتمامي في البداية بهذا العبث إلا أنني وجدت أن ما حدث كان مقدمة لحملة ضارية تحاول أن تصورني بمظهر الكذاب المدعي وكان لابد أن أقف منهم موقف الرجل من الصبية الصغار فكتبت إلى الرأي العام في مجلة “صباح الخير” اكشف هذا العبث وأوضح أن كل ما يشغل ثروت أباظة وشلته في اتحاد الكتاب ثلاثة أشياء: ضرب أي تفكير علمي، منع ظهور أي موهبة جديدة بل وقتلها، خنق المدرسة الأدبية التي أمثلها لدرجة الموت.. وهم لا يستطيعون ذلك بالطرق الأدبية لأنهم لا يملكون القدرة على الخلق فلجأوا إلى النفاق حتى يستميلوا المسؤولين وهكذا انفصل اتحاد الكتاب تماما عن الحركة الأدبية وتحول إلى قلاع حكومية”.

    وأضاف إدريس: “وانتهزت فرصة استضافتي في إذاعة الشرق الأوسط لأعلن على الرأي العام انسحابي من اتحاد الكتاب وسحب ثقتي منه بعد أن أصبح عمله التشهير بالكتاب وليس حمايتهم”. ثم ذهب إدريس للحديث عن موقف توفيق الحكيم منه فقال: “دأبت دائما على معاملة الحكيم معاملة الأستاذ والشيخ الجليل وعندما وضع يده في أيدي أصحاب البنطلونات القصيرة اضطررت إلى معاملته بنفس معاملتهم. فأنا لا كبير عندي إلا الأدب. وبعد كل ما حدث التقيت بالأستاذ الحكيم وحاول أن يبرر لي موقفه على أساس أنه لم يذكر اسمي وكأن هذه منّة منه ومنحة فنظرت إليه وتذكرت عودة الروح التي قرأتها وأنا صبي وضربت كفا بكف وبطريقتنا المصرية الخجولة أمام كبار السن قلت: فليسامحك الله أيها الشيخ فلم أكن أتصور  أن الفنان يظل طفلا إلى الأبد”.

    كاتب قصة فقط

    لم يتوقف هجوم يوسف إدريس على الحكيم في هذا الحوار، بل امتد إلى نجيب محفوظ حيث قال: “للأسف انضم نجيب محفوظ لهذه الشلة. أما تفسيري لذلك فهو أن الأستاذ نجيب إنسان غريب لقد كنت أراجع كتاباتي في الأيام الأخيرة فوجدت أنني قد كتبت عن نجيب أكثر من ستين مرة واكتشفت أيضا أن المرة الوحيدة التي ذكر فيها نجيب اسمي كانت في ندوة بالإسكندرية مع الحكيم وثروت أباظة ومجموعة من هواة الأدب وكان وقتها يقول رأيه في الطريقة التي يجب أن تتبع لمساءلتي عن الدعاية لنفسي. إن نجيب محفوظ إنسان في غاية الرقة والأدب ولكنه يعيش لنجيب محفوظ فقط. إنه يدعي دائما أنه نصير الكتاب الشبان في حين أنه لم يساهم بكلمة واحدة في حق كاتب جديد، بينما ساهمت أنا شخصيا في ظهور 16 كاتب قصة قصيرة ورواية منذ الخمسينيات وحتى الآن كتبت عنهم وكتبت مقدمات لأعمالهم وكتبت عن أعمالهم حين ظهورها، شيئ آخر قد يفسر موقف محفوظ مني لقد ذكر في حديث له –أثار دهشتي- أنني مهما كتبت روايات فسوف أظل كاتب قصة قصيرة فقط!! وهذه للعلم المرة الأولى التي يدلي فيها نجيب محفوظ برأي في حق كاتب آخر.. حسنا يا أستاذ نجيب وشكرا”!

    اقرأ أيضا

    ملف| يوسف إدريس: المعارك الكبيرة.. والمعارك الصغيرة

    مصري مجهول يهاجم إدريس وهيكل.. والشرقاوي يطالبهما بالصمت

    خالد عبدالناصر: لهذا لم أسامح يوسف إدريس

  • خالد عبدالناصر: لهذا لم أسامح يوسف إدريس

    خالد عبدالناصر: لهذا لم أسامح يوسف إدريس

    في عام إبريل 1986، وقع خلاف بين خالد عبدالناصر والأديب يوسف إدريس، حيث كان الأخير في المعمورة ورأى شاليهي الرئيسين الراحلين جمال عبدالناصر وأنور السادات، وسأل من معه ما هي مساحة تلك الحدائق التي يقع في وسطها القصران.

    وكان معه أحد كبار المسؤولين عن شركة المعمورة، فذكر أنها أربعمائة فدان أي ضعف مساحة المعمورة، ثم بدأ يوسف إدريس يحسب مساحة الأرض بالأمتار ويضرب ويجمع ويطرح إلى أن توصل إلى أن ثمن هذه الأرض لا يكفي لتسديد ديون مصر فقط، ولكنه يكفي لإنهاض الاقتصاد المصري كله.

    فما كان من إدريس إلا أن كتب مقالا في السابع من إبريل عام 1986 بجريدة الأهرام بعنوان «رجاءان» يطلب في المقال أن يتنازل أبناء الرئيسين عبدالناصر والسادات عن تلك الاستراحات للدولة، ولم ينس أن يذكرنا في مقاله بأوروبا وكيف يعامل الملوك هناك معاملة أفراد الشعب. وطالب في النهاية أبناء الرئيسين بإعادة الشاليهات إلى الدولة: «فالوفاء لمصر هو الذي يجب أن يدفعكم ويهيب بكم أن تعينوا مصر في شدتها».

    مقال إدريس

    قامت الدنيا بعد مقال يوسف إدريس وتوالت التحقيقات عن حقيقة الشاليهات الرئاسية وحقيقة الأرقام الواردة في المقال، وماذا يعني استعادة هذه المساحة الكبيرة، وكيف يمكن استغلالها وما هو العائد المادي للاقتصاد المصري وللسياحة.. إلخ، إلى أن أرسل خالد جمال عبدالناصر مقالا للأهرام بعنوان «الذين يتجاهلون الحقائق»

    كان الرد حادا، وقد فند فيه حقيقة الأرقام المبالغ فيها وكذلك وضّح كيف أنهم لا يملكون شيئا حتى يتبرعوا به لسداد ديون مصر، فكتب: «كنت أتمنى أن يراجع الدكتور يوسف إدريس مصدر معلوماته الذي وصفه بأنه مسؤول في شركة المعمورة ليتيقن من صحة هذه المعلومات قبل أن يردد أي ادعاءات كاذبة.

    خالد عبدالناصر: المقال معلومات مغلوطة

    وبداية فإنني أود أن أصحح المعلومات غير المسؤولة التي استقاها يوسف إدريس من مصدره المسؤول.. ليعلم الجميع أن البيت الذي يقيم فيه جمال عبدالناصر في المعمورة هو ملك للدولة.. وقد خصص لإقامة الرئيس قبل إنشاء شركة المعمورة.. وأن مساحة هذا البيت بحدائقه ليست أربعمائة فدان بحال من الأحوال.. وقد قمت بنفسي بقياس المنزل والحديقة التي تحيط به فوجدت أن مجمل هذه المساحة لا يتجاوز خمسة أفدنة محاطة بسور.. ويبدو أن السيد المسؤول صديق الدكتور مصاب بعمى الأرقام حيث نمت الفدادين الخمسة لمائة ضعف مساحتها الحقيقية».

    ولم تنته القصة فقد أرسلت السيد تحية عبدالناصر رسالة للأهرام.. ورسالة إلى رئيس مجلس الشعب تعلن فيه تنازل أسرة جمال عبدالناصر عن استراحة المعمورة.

    يوسف إدريس يتراجع ويعتذر

    واضطر يوسف إدريس إلى التراجع والاعتذار بكتابة مقال بعنوان «العظمة سيدة فاضلة».. كتب فيه: والواقع أني حين كتبتُ هنا تحت عنوان: «رجاءان» كان عَقلي الباطن يُخاطب تلك السيدة العظيمة المتواضِعة.. التي لا يُمكن أن ترضى بأن يكون شعب مصر في ضائقة ولا تخفَّ إلى مساعدته وتقديم كل ما تستطيع تقديمه من أجله.

    كنتُ موقنًا ومتأكدًا أنها ستفعل هذا، حتى وأنا اقرأ خطاب الدكتور خالد جمال عبدالناصر -الذي استنكره الكثيرون – لم أَستنكره أنا.. حتى بما فيه من بعض الشطط؛ فالابن له الحق أن يشتطَّ إذا تصوَّر أن شيئًا من أبيه أو سيرة أبيه أو مخلفات أبيه ستَمسُّه يد.

    غير أن الغريب أني لم أَقترح أو أرج أن يمسَّ شيء من استراحة الرئيسَين أبدًا، لا الاستراحات.. ولا الحدائق المحيطة بهما، فليبقيا للأسرة كما قرَّر مجلس الشعب.. فليتحولا إلى متحف ومزار يضم كل ما يتعلق بالرئيس من مخطوطات، وقرارات، ومحاضر اجتماعات.. إذ هكذا يكرم الزعماء، وليس بأنه في سبيل عمل منطقة حرام حول الاستراحتَين تحتجز كمية من الأرض,, قال عنها رئيس شركة المعمورة إنها 387 فدانًا، وقلت أنا عنها إنها أربعمائة، وطبعًا رقمه وتقديره هو الأدق.

    في النهاية لخص خالد عبدالناصر نتائج هذه الواقعة في إحدى حواراته مع الكاتب سعيد الشحات.. قائلا: إن الاستراحات عادت ولم تسدد ديون مصر لهذا لم أسامح يوسف إدريس.

    اقرأ أيضا

    ملف| يوسف إدريس: المعارك الكبيرة.. والمعارك الصغيرة

    وقائع معركة غير أدبية بين يوسف إدريس وأصحاب البنطلونات القصيرة

    مصري مجهول يهاجم إدريس وهيكل.. والشرقاوي يطالبهما بالصمت

باب مصر