باب مصر

الوسم: شيكوريل

  • «مسارات المدينة».. تأملات في وعي آخر

    «مسارات المدينة».. تأملات في وعي آخر

    لا بدّ أن نفحص طويلاً نمو الشغف الذي طرأ على الدراسات والبحوث التي تناولت منظومة المدينة في الآونة الأخيرة، سواء بشكل أدبي، فني، علمي؛ لنقرأ مسيرة وسيرة التمدين والعمران في حقب النشأة والتكوين، مرورا بالأطروحات الراهنة في عصور الحداثة، نحو إنتاج مفاهيم ثقافية ومعرفية متفردة، لاستبصار وجوه المدن النوعية والمتعددة، المعلنة والخبيئة، حتى نعرف أننا تواشجنا مع ناصية النهضة والحضارة ذات يوم، أم أن تلك التقاطعات لم تحدث قط، وظلت كائنة في دائرة الأدبيات والأفكار التي أدركها التاريخ الاجتماعي والثقافي، ولم تتجسد في مجتمعات أو تتحقق في الواقع الثقافي.

    لقد برز أخيرا الاكتراث بموجات التفاصيل الدقيقة لعناصر التحديث، ما أعادني إلى اجترار تجارب ذاتية خصتني في الخمسينيات والستينيات، فحينما كنا نهبط ميدان محطة الرمل، نصادف ساحة متسعة تتوسطها لوحة كبيرة لخريطة المدينة، التي لا يعبأ أحد بالفرجة أو التعرف عليها. وتشتمل أيضاً على ركن باعة الصحف والكتب وفي زاوية أخرى يحتشد بها من يهوى “الفشار” والعصائر “تمر هندي”، وقليل من يتوفر على زجاجات الحليب أو الآيس كريم.

    ***

    يفضى الميدان إلى ضفاف أخرى، شارع سعد زغلول وصفية زغلول، يصلنا بها السلم الكهربائي الصغير الكائن بالنفق، الذي يتسع لمجمع استهلاكي كبير، ليكتمل طرق أخرى تبعث على النشوة والمسرة، حيث متعة السير ومطالعة بيوت الأزياء الراقية “صالون ڤير” و”شيكوريل”، الكافتريات مثل “تريانون” و”ديليس”، الكازينوهات والمقاهي “بسترودس” و”إيليت”، البنايات العتيقة ذات الطرز البديعة المتنوعة؛ والمكتبات العريقة مثل “سلامة موسى” و”دار المعارف”؛ ومنافذ الموسيقى “بابازيان”، والورود والزهور “أوبافيون دي فلوريل”.

    غير أن رحلة الترام والنفق لم تطل، هجر الركاب الطابق العلوي للترام، وتلاشت بهجة التأمل والبطء. وحال اكتظاظ الترام، دون مقاعد خالية؛ وضاق العابرون بالنفق، حتى تعطله وإغلاقه، وصار مأوى للجرذان والقطط. سادت الفوضى شوارع المدن وروافدها، وذاعت ظاهرة ملابس الرصيف “البالة” والصياح المفزع لترويجها؛ وتبدلت حديقة الخالدين ذات الأربعة تماثيل سيد درويش، عبدالله النديم، سيد كريم، حسن الإسكندراني من منتزه للمارة إلى مطاعم الـFast Food ذات ضجة وموسيقى صاخبة. وهو ما حدث لـRoofs الفنادق العريقة الفاخرة “وندسور” و”متروبول”، التي صارت أشبه بملاه ليلية، فبنايات الميدان لا تعرف غير السهاد والأرق حتى الصباح.

    ***

    تلك المشاهد تمثل استعادة ملامح الغربة عن الحياة. كل تلك التحولات تكشف عن أن التمدين يحمل في رحمه عناصر فنائه. وفي هذا السياق نذكر سردية د. أنور عبد الملك، حين هبط في القاهرة في سبعينيات القرن الماضي وافدا من باريس، وطوافه في وسط البلد، حين كتب: “الفلاحون يحتلون القاهرة”. التقط كافة صور انهيارات التحضر العصري الأفيشات.. شرائط الكاسيت والفيديو، الأزياء، سلوك الجماهير الذي يعبر عن ثقافة أخرى تحمل كثير من الانحطاط والتردي، وقليلا من الأمل في النهوض.

    كل ذلك لم ينجو من التوثيق والأرشيف العمومي، السينما، الفوتوغرافيا، مدونات الجدران التي صارت أدبا حقيقيا، الصحف، الروايات، الدراسات والبحوث.

    ***

    ويردنا كل ذلك إلى خبرات وتجارب إبداعية لكتاب وشعراء هاجروا من الريف إلى المدينة. فمن اللافت أن عديدا من الكتاب آمن بتبني في الكتابة والإبداع الفني رؤية واحدة، وحس واحد، فيكتب الشاعر صلاح عبدالصبور في ديوان “الناس في بلادي”:

    يا صاحبي إني حزين

    طلع الصباح فما ابتسمت، ولم ينر وجهي الصباح

    وخرجت من جوف المدينة أطلب الرزق المتاح

    وغمست في ماء القناعة خبز أيامي الكفاف

    ورجعت بعد الظهر في جيبي قروش

    فشربت شاياً في الطريق

    حتى يصل إلى.. في غرفتي دلف المساء

    ***

    ويصف هذا الحزن:

    حزن تمدد في المدينة

    كاللص في جوف السكينة

    ويعبر أحمد عبدالمعطي حجازي عن علاقته بالمدينة في ديوانه “مدينة بلا قلب”، في قصيدة “رسالة إلى مدينة مجهولة”:

    أبي

    إليك حيث أنت

    إليك في مدينة مجهولة السبيل

    مجهولة العنوان والدليل

    إليك في مدينة الموتى، إليك حيث أنت

    أبي، وكان أن ذهبت دون أن أودعك

    حملت لحظة الفراق كلها معك

    أبي، وكان أن عبرت في الصبا البحور

    رسوت في مدينة من الزجاج والحجر

    الصيف فيها خالد، ما بعده فصول

    بحثت فيها عن حديقة، فلم أجد لها أثر

    وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون

    ودائماً.. على سفر

    فصلاح وحجازي لا يغدقان حنينا مفرطا وعاطفة رومانسية لقرية فارقت الذاكرة، ولم يبغضا مدينة ملهمة ضنت بثمارها من أحضان دافئة أو رغد وفير لمن لم يجف عرقه أبدا.

    اقرأ أيضا:

    «الميدان».. ساحة الإمكان

  • قاهرة يوليو (11): خلافة سكنية

    قاهرة يوليو (11): خلافة سكنية

    تناولت الحلقة العاشرة من سلسلة قاهرة يوليو الإجراءات التي اتخذها النظام الناصري ضد وجود الأجانب وكيف أن أغلب هؤلاء غادروا البلاد في رحلة “ذهاب بغير عودة”. كان لخروج الأجانب الأثر الكبير في تغيير مورفولجيا المجتمع المصري، خصوصًا المجتمع القاهري، فضلًا عن التغيرات الاقتصادية.

    كل ذلك ألقى بدوره ظلالًا على الحالة العمرانية والمعمارية، كما سيتقدم. لكن تجدر الإشارة إلى أن المؤسسات التي أممتها الدولة لم تكن جميعها مملوكة لأجانب، لكن بعضها قد أسستها النخبة ما قبل 1952 – الطبقة الأرستقراطية – ومن ثم كانت عمليات التأميم ثأرًا للعهد الجديد من العهد البائد. تم تأميم المؤسسات والشركات المملوكة للأجانب، ومعظمها كان يقع في وسط القاهرة، وتغيرت أسماؤها إلى أخرى مستمدة من شعارات المرحلة الناصرية: فشركة “عدس” تحولت إلى شركة “الأزياء الحديثة” منذ عام 1960.  شمل ذلك أيضًا شركتي “شيكوريل” و”بنزايون”. أما “عمر أفندي” فقد جرى تأميمه قبل ثلاث سنوات في عام 1957، لكنه احتفظ لحسن الحظ باسمه.

    شملت التأميمات بالطبع البنوك الأجنبية، فبنك ناصر الاجتماعي، مثلًا، هو نفسه مصرف “دي روما” بعد التأميم. أما المدارس الأجنبية فقد أخذت نصيبها من حركة التأميمات مثل “مدرسة الليسيه الفرنسية” بباب اللوق، التي تم تعميدها باسم “ليسيه الحرية”.

    ***

    على نفس النحو، طالت موجات التأميم كبرى الشركات صاحبة امتياز بناء بعض أحياء القاهرة منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين: فخلال ستينيات القرن الماضي، تم تأميم شركات “هيليوبوليس” و”المعادي”، وكل منهما قد أسس ضاحية مستقلة باسميهما في الجزء الشرقي والجنوبي من العاصمة. لكن تأميم الشركتين لم يؤثر بشكل ظاهر على مستوى الضاحيتين، فظلا يحتفظان بمستواهما الراقي زمنًا طويلًا. بالنسبة لشركة “هيليوبوليس”، فقد تحولت إلى شركة “مصر الجديدة للإسكان والتعمير”، وزادت أهميتها بعد أن أصبح مقر الحكم – قصر الاتحادية- ضمن نطاقها، ومن ثم أصبحت ضاحية مصر الجديدة هي المكان المفضل لسكنى الضباط وموظفي الحكومة من أبناء الطبقة الوسطى أو من البرجوازية الصغيرة.

    تُعتبر العمارة الكبيرة المعروفة باسم “الإيموبيليا” في وسط القاهرة، والتي بناها الاقتصادي المصري أحمد عبود باشا، من أشهر مباني القاهرة في أواخر الأربعينيات، حيث سكنها شخصيات سياسية وفكرية وفنية بارزة. تم تأميم الشركة المؤسسة لعمارة “الإيموبيليا” في عام 1961، واستبدال مجلس إدارتها، الذي كان يضم نخبة من الشخصيات المصرية ومن الأجانب، بمجلس وطني قوامه الموظفون المدنيون والعسكريون، فحملت الشركة الجديدة اسم شركة “الشمس للإسكان والتعمير”.

    ***

    يمكن النظر إلى رحيل الأجانب على أنه تم خلال موجات متتالية بدأت بالحرب العالمية الثانية ثم تأسيس دولة إسرائيل، وانتهت بحركة التأميمات الكبرى وحرب يونيو 1967. أثرت هذه الموجات بشكل كبير على الوضع الاقتصادي للبلاد، فوفقًا للمؤرخ أندريه ريموند، فإن رحيل عدد كبير من الخبراء والفنيين الأجانب قد أدى لـ”إفقار مصر”. لا يسعنا إلا أن نشارك ريموند الرأي، خصوصًا أن الدولة الناصرية اتخذت إجراءات الترحيل دونما خطة لتدريب كوادر جديدة تحل محل الخبراء والفنيين الأجانب الذين غادروا.

    وبالرغم من التزام دولة يوليو بنظام تعليمي يتيح الفرصة للطبقات المتوسطة والدنيا، إلا ذلك الالتزام لم يكن ليسد فجوة غياب الخبراء الأجانب، فذلك يستغرق السنوات الطوال. نضيف إلى ذلك أن التقلبات والأزمات السياسية، التي اعتبرها أندريه ريموند «زوبعة متصاعدة» خلال الخمسينات والستينات، قد أبطأت عملية تطوير التعليم.

    أتاحت هذه الأزمات السياسية، وخاصة أزمة السويس كما أسلفنا في الحلقة العاشرة، فرصة كبيرة لعبد الناصر في تعزيز أيديولوجيته المرتبطة بالفكرة القومية وبالمذهب الاشتراكي من خلال رفضه للوجود الأجنبي في البلاد. لكن مع ذلك، يظل قرار طرد الأجانب من مصر من القرارات الغاضمة التي أظهرت الحوادث فيما بعد أنه لم يكن مدروسًا أو مخططا له، شأنه شأن قرارات أخرى اتخذت بانفعال ونفذت على وجه السرعة دونما النظر إلى أية عواقب.

    ***

    ورغم ما سبق، فإنه – ومن الناحيتين السياسية والاجتماعية- فإن خروج الأجانب قد صدر للمصريين فكرة وطنية هامة: استعادة البلاد والانتصار على الهيمنة الأجنبية بعد قرون من الاحتلال ومن التمييز العرقي. هذه الفكرة الرئيسة أفرزت واقعًا مجتمعيًا جديدًا سوف يميز حاضر المرحلة الناصرية ومستقبلها، كما سيغير من جديد وجه العاصمة ومركزها مثلما أوجز أندريه ريموند:

    “كان هذا الرحيل ثقيلًا لدلالة: فقد ساعد على إعادة عاصمة المصريين إلى المصريين، فقد ساهمت سياسة عبد الناصر، مهما كانت عيوبها وإخفاقاتها، في إعادة مصر إلى سكانها، وتسببت تلك السياسة في حدوث انتقال اجتماعي واقتصادي غير بدوره وجه المدينة”.

    برحيل الأجانب، فقدت وسط مدينة القاهرة خاصيتها الكوزموبوليتانية التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر. فمنذ أكثر من قرن، حظي مجتمع القاهرة بحضور أجنبي واسع سمح له بالانفتاح على ثقافات متنوعة والتعرض لمناخ تعددي عززه النظام الملكي في ظل حياة دستورية، بغض النظر عن عيوبها وارتباطها بالمحتل وبمؤامرات القصر. لكن على أية حال، أصبح مجتمع قاهرة يوليو رهين نهج أحادي المشرب فرضته إجراءات النظام الناصري.

    ***

    بعد هذه الأمواج من طرد الأجانب، تم تحرير عدد كبير من الشقق والمساكن في وسط المدينة. حدث الأمر نفسه للمساكن التي كانت تسكنها الطبقة الأرستقراطية، فتم وضعها أولاً تحت الحراسة. لاحقا، سوف يتم توزيع هذه المساكن الشاغرة والكائنة في أحياء القاهرة الأوروبية على أفراد الطبقة الحاكمة وأقاربهم وموظفي الدولة والعاملين في شركات القطاع العام. جاء توزيع هذه المساكن مصاحبًا لنظام عقاري جديد سمح ببيع الوحدات السكنية الشاغرة بأسعار منخفضة للغاية أو إتاحتها بقروض طويلة الأجل. اعتبر الجغرافي الكبير جمال حمدان هذا الانتقال عملية “خلافة سكنية”. شرح حمدان هذا المصطلح بشكل مثالي موضحًا تجلياته على المشهد الحضري:

    “في هذه الأحياء [في وسط المدينة] فضلت الأقليات الأوروبية الاستعمارية العيش، شأنها شأن العائلات الرأس مالية والصناعية المحلية. بعد تصفية الطرفين (يعني الأجانب والأرستقراط)، نمت تدريجيًا طبقة بورجوازية صغيرة، ثرية ومتعلمة. ساهمت تلك الطبقة بشكل معين في تخفيف حدة التضاريس الاجتماعية في العاصمة”.

    اقرأ أيضا:

    قاهرة يوليو (10): خروج بدون عودة

  • القاهرتان (16): أدب وأزياء… وعمران

    القاهرتان (16): أدب وأزياء… وعمران

    بدأت النهضة الأدبية في مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتميزت بالاتجاه نحو الاهتمام باللغة العربية وتعزيز الهوية الوطنية مع الانفتاح على الحضارة الأوروبية. ساعدت عوامل أخرى على ازدهارها مثل تدهور الدولة العثمانية. ثم الظرف السياسي والاقتصادي الصعب الذي أدى للاحتلال البريطاني على أنه تظل ثورة 1919 هي المحفز الأكبر للأدب المصري الحديث ليصطبغ في كثير من موضوعاته بالصبغة الوطنية.

    تطورت النهضة الأدبية المصرية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، واتخذت موضوعات الأدب الرئيسية نهجًا واقعيًا عكست بحسب الناقدة وأستاذ الأدب العربي بالسوربون ندى طوميش «رؤية قلقة للعالم».

    **

    أدى التضاد العمراني والمجتمعي بين القاهرتين إلى انقلاب في منظومة القيم مما ألهم خيال الروائيين المصريين فانبرى بعض هؤلاء يعقدون المقارنات بين المدينة الحديثة والقديمة داخل قوالبهم الأدبية. لم تقتصر هذه المقارنات على عمران المدينين وحظ كل منهما من النظام أو من الفوضى فحسب. وإنما تطرقت إلى فكرة المواطنة في كل من المدينتين من خلال المسارات الحياتية التي يرسمها أبطال الروايات وشخوصها. ثم ما يؤول إليه هؤلاء جميعًا في نهاية المطاف.

    لم تكن هذه المسارات مجرد “حواديت” متخيلة ومتقاطعة لسكان القاهرتين. وإنما صور دقيقة الوصف عبرت عن وجهات النظر المختلفة لإدراك واقع المدينتين والتي نعتقد أنها تساعد على فهم عميق لدقائق الحياة اليومية للقاهريين وفق قراءة متأنية للظروف الاجتماعية والسياسية التي صاحبت تشييد المدينة الجديدة التي ستصبح فيما بعد وسط المدينة.

    تعتبر الناقدة الأدبية إيف دي دامبيير نواري أن الأدب المصري يتم تصنيفه منذ أوائل القرن العشرين على أنه “يكاد يرتبط كليًا بالحياة السياسية”. بالطبع يشهد تاريخ الدولة المصرية على العديد من التحولات الكبرى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أدت بدورها إلى تحولات أخرى في المشهد الحضري.

    **

    ومن ثم انتبه الأدب المصري إلى عمق تأثيرات هذه التحولات، ليتم بذلك غزو التاريخ السياسي للمجال الأدبي، ويصبح الأمر كما توضح نواري، «لافتًا للنظر بشكل خاص في مصر» وبطريقة خاصة «تتجلى على مستويين هما الدور الاجتماعي للأديب ومحتوى إنتاجه الأدبي».

    ربما يجدر بنا في معرض الحديث عن تأثر الأدب المصري بحالة “القاهرتين” التأكيد على دور الروائيين المصريين في التعبير عن الحياة السياسية والاجتماعية. علاقة الأديب بهاتين الأخيرتين. وفقًا للناقد الأدبي ريتشارد جاكيموند، تؤكد خصوصية المجال الأدبي الذي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه «تعاقب للأجيال» يرتبط ظهوره، في كل مرة، بـ«نقطة تحول في التاريخ الوطني».

    ونظرًا لأهمية و خصوصية الأدب المصري. فإننا نعتقد أن تحليل الصور في بعض الروايات سوف تؤدي إلى فهم الروابط التي وصلت بين المدينتين وفق سياقات سياسية ومجتمعية جد متطورة.

    **

    سوف نحاول في المقالات القادمة تأطير هذه الروابط في شكل أنساق ترسم علاقة واضحة بين التطور العمراني للقاهرة الأم. وكذا التحول السياسي والمجتمعي منذ بداية القرن العشرين وحتى حريق القاهرة الكبير سنة 1952 الذي كان النذير الأخير بزوال النظام السياسي القائم برمته.

    نعتقد بالتالي أن التحليل الحضري لأمثلة من الروايات المصرية سوف يسمح لنا بتصور محددات العلاقة بين المدينة القديمة والحديثة. ومن ثم سوف تؤدي تبني هذه الفرضية إلى سردية جديدة تساعد على فهم نشوء وازدهار المدينة الحديثة منذ أوائل القرن العشرين حتى سقوط أسرة محمد علي.

    هذه السردية غير مروية وغير مكتوبة، ولا يمكن الكشف عنها بمجرد مطالعة الخطط والخرائط والصور أو بالاكتفاء بقراءة الأدبيات المنشورة في مجالي العمارة والعمران. من خلال ما سنعرضه في الحلقات القادمة من السلسلة ومن خلال ما سوف نورده من الروايات، سوف يلاحظ القاريء بوضوح دائمًا مجموعة من الأنماط أو الثيمات تصف العلاقة بين المدينتين، أو بين منطقتين تنتمي كل منهما لقاهرة من القاهرتين.

    **

    من خلال هذه التحليلات ذات الطبيعة الأدبية والمعمارية، يمكننا تكوين حالة جديدة من المعرفة للقاهرتين في ضوء التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت خلال ما يزيد قليلا عن النصف قرن.

    وبالنظر إلى الرواية المصرية خلال النصف الأول من القرن العشرين يتبين لنا أنها قد تطرقت لمجموعة من القضايا السياسية والمجتمعية تم إسقاطها عمدًا على حالة المقابلة بين القاهرتين من خلال استحضار بعض العناصر العمرانية التي تعتبر شواهد على مجريات الأحداث لكل رواية. كذلك يلعب الحوار بين شخوص الرواية و الأوصاف الأدبية للأماكن المدينية الحقيقية أو المتخيلة في القاهرتين دورًا هامًا في إدراك المدينة. خصوصًا حينما يتم ترجمة هذا الإدراك إلى صور حسية تنقل الصورة والصوت والرائحة إلى المتلقي الأمر الذي يجعله يقف على مستوى عميق من فهم المدينة – المدينتين في حالتنا وسياقهما السياسي، الاجتماعي والاقتصادي.

    الثيمة الأولى: المدينة الجديدة بين الانبهار والازدراء

     

    كما رأينا في الحلقات السابقة، فإن أسلوب الحياة في المدينة الحديثة كان مختلفًا تمامًا عن المعهود في المدينة القديمة. أثر أسلوب الحياة الغربي على عادات وتقاليد ومظاهر المصريين المتفاوتين حظًا من حيث الثروة والعمر. على سبيل المثال في مجال الأزياء: ارتدى أفراد الطبقات العليا في المدينة الحديثة الصوف الأوروبي، وانتشرت البزة – البدلة – المكونة من السترة والبنطلون ورابطة العنق. على عكس معظم السكان التي عاشوا في المناطق القديمة حيث تسود الملابس المسدلة على الطراز الشرقي أو التركي كالجلباب و الجبة و الكاكولة.

    أما بالنسبة للملابس النسائية، فقد انتشرت على الطراز الأوروبي، فارتدت النسوة في المدينة الحديثة البلوزة والجونيلا/التنورة والفستان المزركش وأصبح المعطف أو البالطو الأوروبي أو الفراء في مقابلة الملاية اللف والعباءة. أصبحت كذلك القبعات الأوروبية مثالًا للأناقة في المدينة الحديثة بينما في المقابل تتمسك نسوة المدينة القديمة بالبرقع واليشمك وبفكرة حجاب شعر الرأس عمومًا.

    ساعد ظهور المتاجر “الألافرانكا” وبيوت الأزياء الكبرى في المدينة الحديثة مثل هانو وسمعان وشيكوريل على عملية التطور والانفتاح على صيحات الأزياء الأوروبية، يغذي ذلك ظهور نوعيات جديدة من المستهلكين، يؤكد ذلك جاك بقوله: «التغييرات التلازمية بين الاستهلاك والبنية الاجتماعية واللغة تأخذ قدرًا مهمًا في الاتجاه نحو التجارة الدولية».

    **

    وكجاك بيرك فقد علق عالم المصريات والباحث الفرنسي آرثر رونيه على هذه التغيرات في المظه، لكنه قام برسم علاقة بين انتشار الأزياء الغربية و ازدهار العمارة الأوروبية الجديدة في قاهرة إسماعيل:

    “لقد تطورت القاهرة إلى مدينة حديثة ولكنها أقل جاذبية من قاهرة القرون الوسطى ذات السحر الشرقي الفتان. فهؤلاء الأفندية وهؤلاء التجار الذين يخجلون اليوم من الظهور في الشوارع إلا بملابسهم الأفرنجية كانوا إلى عهد قريب يتمتعون براحتهم الكاملة في قفاطينهم الحريرية الطويلة الواسعة.

    وكانت المشربيات التي تزين واجهات الشوارع قديما تمتد في خطوط متواصلة حتى تختفي عند نقطة التقابل. حيث تبدو مآذن رشيقة ترتفع إلى السماء. أما اليوم فقد اختفت هذه المشربيات وحل محلها شبابيك مستطيلة لها ضلف من الزجاج وتم تصفيف المنازل على خطوط متوازية مستقيمة. اختفت إذن هذه المشربيات الجميلة المصنوعة من الخشب المخروط بتفنن فائق ولم يبق من آثار صناعة الخرط بالقاهرة، إلا قطع من الأثاث الغربية الشكل المصنوعة تقليدًا لها”.

    **

    نفس العلاقة بين الأزياء والعمران تم التطرق إليها لكن مع وصلها بالحركة الأدبية في عام 1926. حين قدمت المجلة الفرنسية الشهرية Jardins et cottages وصفًا لفيلا في القاهرة صممتها وكالة Azéma وEdrie وHardy من باب تأكيد فكرة هيمنة العمارة الفرنسية على الدول الأخرى لاسيما بعد نجاح الطراز النيو كلاسيكي في باريس. في هذا الوصف، تم التأكيد على غياب نمط معماري وطني في مصر، بسبب تأثير الغرب والفرنسيين على وجه الخصوص، تقول المجلة:

    “ودعونا لا نتفاجأ بنقص العمارة المصرية المعاصرة. إن التغييرات في الفن المعماري لبلد ما تواكب دائمًا تغييرات مماثلة في الأزياء، وظهور بعض “البدع”. بالإضافة إلى التحولات التي أحدثها اكتشاف مواد جديدة. هذه الموضات وهذه البدع هي نفسها ناتجة عن التوجهات الجديدة للأدب والمسرح والتي تظهر تداعياتها بشكل كبير في الزينة الأنثوية وترتيب الديكورات الداخلية. لكن مصر، التي بدأ انتعاشها الوطني مؤخرًا، تحتفظ لديها بثقافة فرنسية حتى أن المصرية المتأنقة تقتني أزيائها من باريس”.

    اقرأ أيضا

    القاهرتان (15): هويتان وطنيتان

  • “شيكوريل” حلقة جديدة من مسلسل هدم تراث الإسكندرية

    “شيكوريل” حلقة جديدة من مسلسل هدم تراث الإسكندرية

    ذات مساء جمعة عادي، كان سكان منطقة رشدي بالإسكندرية يشاهدون- بشكل عادي أيضًا- أعمال هدم في فيلا رقم 404، فيلا شيكوريل التراثية، فقد أصبح مسلسل هدم المباني التراثية بالإسكندرية أمر عادي جدا.

    في مساء هذا اليوم الذي وافق 30 سبتمبر الماضي، أشيع أن المبنى التراثي قد أزيل بالكامل، وهو ما نفاه حي شرق الإسكندرية، عقب ذلك بأيام.

    في حالة من الاستياء يقول الدكتور محمد عوض، ئيس لجنة حماية التراث بالإسكندري، إن فيلا شيكوريل هدمت دون تصريح هدم، ورغم محاولات عديدة في الماضي لإخراجها من الفيلات التراثية، لكن ما زال الأمر تنظر فيه “الإدارية العليا”.

    يضيف عوض أن القيمة التراثية لهذا المبنى يرجع إلى تصميمه في عشرينيات القرن الماضي على طراز زخرفي مميز، على يد ثلاثة من أشهر المهندسين في فرنسا آنذاك.

    وعن دور لجنة حماية التراث في موضوع الهدم يوضحأنهم طالبوا بوقف أعمال الهدم وتحويل المسؤولين عنه إلى النيابة للتحقيق معهم، وهم الملاك الحالين الذين اشتروا العقار.

    ويتابع أن ماتم هدمه هو نصف الفيلا، ولا يستطيعون هدمها بأكملها وإلا فأن هناك عقوبات ستفرض عليهم، بمقتضى القانون، وإذا تم انقاذ ما تبقى يمكن ترميم الفيلا مرة آخرى، لكن الأمر بحاجة إلى قرار من المسؤولين .

    بينما يعرب محمد أبو الخير، منسق مبادرة أنقذوا الإسكندرية، عن إحباطه بعد تنظيم عدة وقفات لإيقاف الهدم، وبعد محاولات التواصل مع المسؤولين، وتقديم حلول دون استجابة.

    يقول أبو الخير إن المبادرة  في الوقت الحالي تدرس الموقف من كافة جوانبه،لتكون أكثر موضوعية حول الأمر.

    ويذكر أنالفيلا تعود إلى الثري اليهودس يوسف شيكوريل، الذي بناها في عام 1930، على طراز يسمى Art Deco، والتي أشرف عليها المعماريون الفرنسيون ليون أزيمان وجاك هاردي وجورج بارك.

    عقب صدور قانون التأميم فى الخمسينيات انتزعت ملكية الفيلا لتصبح مقرًا تابعا لرئاسة الجمهورية، ثم انتقلت تبعيتها إلى الشركة العربية للملاحة البحرية،وأدرجت على قائمة حفظ التراث برقم 278 لسنة 2008.

    وكانت “شيكورال” تعرضت خلال السنوات الماضية، لمحاولات هدم وتشويه، بعد صدور قرار بخروجها من مجلد التراث بحكم من محكمة القضاء الإداي، الذي طُعن عليه.

باب مصر