باب مصر

الوسم: جروبي

  • قاهرة يوليو (13): إعلان وفاة جروبي

    قاهرة يوليو (13): إعلان وفاة جروبي

    كنا قد تناولنا في الحلقة (12) انفعالات الأدب المصري بالتجربة الناصرية، لا سيما خروج النخب والأجانب من مصر، واتصال ذلك بقاهرة يوليو. تناولنا بالتحليل رواية لا تطفئ الشمس لإحسان عبد القدوس، وفيها انتبهنا إلى أن الراوي ينقل للقارئ حالة احتضار لأشهر الأماكن التي ارتبطت بالنخب والأجانب: جروبي، المقهى والمطعم النخبوي العريق.

    والواقع أن راوي لا تطفئ الشمس لم يكتف بتصوير حالة احتضار جروبي فحسب، بل أعلن وفاته فعليا حين ذكر المقهى للمرة الثانية في الرواية، عندما بدأت دائرة الأحداث في الرواية تتقاطع مع دائرة السياسة، تحديدًا في صبيحة اليوم التالي لتأميم قناة السويس. عن ذلك يستحضر الراوي مشاعر أحمد زهدي المترددة بين الفرح والحماس:

    “وصحا في اليوم التالي متلهفا على الصحف.. وقرأ خطاب جمال عبد الناصر مرة ثانية.. وقرأ التعليقات. واستغرق في محاولة تحليل الموقف السياسي.. ثم نزل من بيته.. وخيل إليه أن القاهرة قد ارتفع ضجيجها عما تعوده.. وقرأ الخبر المثير في عيون الناس، وفي دقات أقدامهم فوق الأرض.. ودخل جروبي. وجلس يتلفت حوله باحثا عن صديق. ولكن لم يكن حوله إلا فريق من العجائز وسمع الرجل الذي يجلس على المائدة المجاورة يقول لزميله:

    • والله البلد حاتروح في داهية..

    وقلب أحمد شفتيه.. وأحس أنه هنا – في جروبي- كأنه بلد آخر.. بلد لا ينتمي إليه.. وكان كل من يجلسون حوله يكونون شعبًا آخر.. ليس شعبه.. ويتحدثون لغة أخرى ليست لغته.. وخرج من جروبي سريعا كأنه يهرب. إنه يريد أن يلتقي بالشعب.. يريد أن يضم حماسه إلى حماس الآخرين.. يريد أن يضع خواطره بجانب خواطر الآخرين”.

    ***

    في سياق دراستنا لموضوعي التمصير وخروج النخب والأجانب (عملية الصفحة البيضاء) – وهما محوران أساسيان في فهم قاهرة يوليو- تبرز لنا من خلال قراءة رواية لا تطفئ الشمس عدة عناصر دالة تستحق التأمل والتحليل.

    نجد أولًا أن الراوي يعمد إلى ذكر الاسم الكامل لرئيس الجمهورية “جمال عبد الناصر” مجردًا من أي صفات أو ألقاب رسمية، وكأنما يريد بهذا التجريد أن يؤكد على أمرين: الأول أن هذا الشخص وإن كان رأس الدولة، ليس إلا مواطن من عامة الشعب- ولم تكن تلك هي الحال أيام الملكية. والثاني أن هذه الطريقة في التسمية تضفي على العلاقة بين أحمد (بطل الرواية) وناصر طابعًا من الألفة والقرب، فيصبح جمال عبد الناصر بطلًا للرواية هو الآخر، رغم ما يفترض أن يكون عليه من مهابة المنصب و المقام.

    ثانيًا، يبدو أن تبعات قرار التأميم المصيري لم تكن واضحة المعالم صبيحة27 يوليو 1956، فلم يسترسل الراوي لماذا استغرق أحمد وقتًا لتحليل الموقف سياسيًا؟ ولماذا تحمس المارة وفيم؟ وماذا يجول في خواطر الناس؟ كما لم يخبرنا الراوي عن ماهية “الداهية” التي يجلبها عبد الناصر للبلد بحسب “عجوز جروبي”.

    ***

    هذه الأحاسيس المتضاربة تكشف، بشكل غير مباشر، في رأينا عن طبيعة المناخ السياسي آنذاك: مناخ يلفه الغموض وعدم اليقين، إذ يصعب خلاله تحليل القرارات السياسية وفهم أبعادها الحقيقية.

    لكن – رغم كل شيء – فإن قرار تأميم قناة السويس لا شك ترك أثرًا بالغًا في المجتمع القاهري، أثرًا واضحًا يمكن لقارئ لا تطفئ الشمس تلمسه في ضجيج الشوارع ووقع أقدام المارة. وللمرة الثانية في الرواية، يقدم لنا الراوي زاويتين متوازيتين لعالمين متناقضين صبيحة يوم التأميم: عالم جروبي المعتم، المنغلق، وعالم الشارع المنير، المنفتح.

    حيث يجسد مقهى جروبي – بروّاده القدامى وزبائنه المعتادين – رؤية متشائمة تجاه مستقبل البلاد، لدرجة أنه يبدو بمثابة “دولة داخل الدولة”، شأنه في ذلك شأن شركة قناة السويس قبل تأميمها. فهو مكان معزول عن محيطه، منطوٍ على نفسه، يصل بأفكار مرتاديه إلى حد الرجعية، كأنه جزيرة غريبة في قلب العاصمة النابض بالحياة والناس.

    وبحسب ما نفهم من الراوي، فإن روّاد جروبي ينتمون، بحكم أعمارهم ولغاتهم، إلى زمن مضى، زمن لا يمت بصلة إلى لغة الشعب الذي استولت عليه المشاعر الوطنية وأسرته روح العزة القومية التي زرعتها فيهم جمهورية يوليه.

    ***

    من هذا الوصف الدقيق، يمكننا أن نستشف من أحداث الرواية ضرورة حدوث تغيير جذري حتى يعود هذا المكان إلى أيدي المصريين. هذا التغيير المنشود سيتحقق بالفعل في عالم الواقع بعد سنوات قلائل من زمن الرواية، حيث تم تأميم جروبي عام 1960، يعني في نفس العام الذي شهد نشر الرواية!

    ومن الرجعية واللامبالاة اللذين يسودان أجواء جروبي، يخرج أحمد إلى ميدان سليمان باشا وكله حماس في أن ينضم إلى الحشود في الخارج. وهنا ومن خلال عملية الانتقال بين الداخل والخارج، يبرز التباين الصارخ بين ديناميكية الجماهير – المفعمة بالفخر والبهجة – وبين جمود جروبي، وتشاؤمه، وانعزاله عن السياق العام.

    وبينما يعجز أحمد عن العثور على أصدقاء داخل جروبي، سرعان ما ينتقل إلى حال أخرى: “ما حاجته إلى صديق؟ إن كل هؤلاء الناس أصدقاؤه.. كل الذين يسيرون في الشارع.. إنه يكاد يسمع حماسهم يتجاوب في صدورهم.. ويكاد يرى أفكاره تنطلق مع نظراتهم”. يعني حتى لو كان جروبي يرتاده أصدقاء لأحمد، فهو ليس بحاجة إليهم، لأن رابطة الفخر والحماس بينه وبين الناس قد تغلبت على صلة الصداقة وعشرة السنين مع أي إنسان كان.

    ***

    لكننا نجد أن الكلمات الحادة التي حملت هجومًا قاسيًا على جروبي في الرواية قد تحمل جانبًا من المبالغة أو المغالاة، خاصة عند مقارنتها بموقف الراوي من المؤسسات الأجنبية الأخرى في وسط المدينة. فثمة مقاهٍ أخرى مذكورة في الرواية –كمقهى البن البرازيلي، ومقهى إكسلسيور، ومقهى لاباس في شارع سليمان باشا –قد نجت من النقد اللاذع ومن التقريع.

    فعلى سبيل المثال، ذكر الراوي مقهى لاباس في سياق لقاءات أحمد بـ”جرمين” التي ارتأى الراوي وصفها وصديقاتها بـ”أنصاف أجانب”، مما يعني أن وجود هؤلاء مقبول، أو على الأقل غير مستهجن. وربما لاختلاف الشريحة العمرية، فهم شباب يعبرون عن المستقبل أيا كانت انتماءاتهم. وربما لرغبة الراوي تأكيد استمرارية الطابع الكوزموبوليتاني للمدينة رغم التهجير والطرد.

    ولعل هذا التسامح مع “لاباس” مرده إلى أن مرتاديه لا يقفون في موقف عداء واضح من سياسات العهد الجديد، كما يراها الراوي في مرتادي جروبي.

    انفتاح وسط المدينة: الطبقات المتوسطة والدنيا تسود

    من خلال أحداث ومشاهد الرواية، يمكننا ملاحظة انفتاح وسط المدينة أمام الطبقات الوسطى والشعبية، وهو الأمر الذي تناولته السلسلة في الحلقات (5 و6 و7).

    يتجلى ذلك بوضوح عندما يقرر أحمد زهدي التوجه إلى سينما مترو في شارع سليمان باشا: “ووقف في الطابور الطويل أمام شباك تذاكر سينما مترو، دون أن يرفع رأسه ليقرأ اسم الفيلم الذي يُعرض. وظل ينظر في قفا الرجل الذي يقف أمامه، إنه قفا عجيب، رفيع، معروق، لا بد أن صاحبه موظف، ولا بد أن له زوجة سمينة مترهلة تسومه العذاب، ولا بد أن له ستة أولاد، ولا بد أنه يضرب أولاده ليفرّج عن كربه فيهم..”.

    في هذا المشهد القصير جدًا، ولكن شديد الدلالة، نستنتج كثافة الحشود التي تزدحم أمام دور السينما في وسط المدينة. هؤلاء المتفرجون هم الوافدون الجدد من أبناء البلد، الفاتحين لوسط المدينة، والتي بدورها استقبلتهم في إطار ما يمكن أن نطلق عليه: “عملية التمصير الناصرية”.

    إن “القفا العجيب المعروق” للشخص الواقف أمام أحمد زهدي يرمز إلى طبقة الموظفين – أصحاب الياقات البيضاء، بحسب التعبير الفرنسي- الذين غالبا لا يقطنون وسط المدينة، وإنما هو بالنسبة إليهم مقرًا للعمل أو للتنزه. وبحسب تخيلات أحمد، فإن هذا الموظف يقطن على الأرجح في أحد الأحياء الشعبية، حيث تكثر في الأغلب الأسر كبيرة العدد كثيرة العيال وينتشر فيها “النكد” والعنف الأسريين. وهكذا يصبح وسط المدينة بالنسبة لهذه الطبقة مكانًا متعدد الوظائف: مكان للعمل، ومكان للتسوق، ومكان للترفيه في آن واحد.

    سينما مترو: رمز الطبقة الوسطى

    عن اختيار الراوي لسينما مترو، فهي تُعد من أعرق دور السينما في وسط المدينة. شُيدت عام 1938 وافتُتحت عام 1940 على يد شركة “مترو-غولدوين-ماير” الأمريكية الأشهر في مجال إنتاج وتوزيع الأفلام ـ ومنها جاءت التسمية.

    وبفضل تصميمهما على طراز الأرت ديكو المتأثر بالمدرسة التعبيرية، ونظام التكييف المركزي- الأول من نوعه في مصر- احتلت سينما مترو مكانة بارزة بين دور السينما في مصر.

    لكنها، كغيرها من المؤسسات الأجنبية، لم تسلم من الأحداث الجسام التي مرت بها البلاد، فقد تعرضت لمحاولة نسف عام 1947، وتضررت من نيران حريق القاهرة الكبير عام 1952، وأخيرًا طالتها حركة التأميمات في الستينيات.

    قاهرة يوليو وموجة الحساسية الجديدة في الأدب

    إن التحولات التي شهدتها القاهرة الناصرية لم تقتصرعلى حالة الحماس الثوري التي ظهرت جلية في لا تطفئ الشمس، ولكن امتدت أصداؤها إلى أجيال لاحقة من الروائيين فرصدوا حالات جديدة.

    فقد تناول كتّاب جدد من جيل الستينيات – عُرفوا بـ”جيل موجة الحساسية الجديدة” –التحولات السياسية وأثرها على القاهرة ومجتمعها برؤية أكثر نضجًا وعمقًا. رصد هؤلاء الكتّاب مسيرة المشروع الناصري، بما حققه من انتصارات، وما مُني به من إخفاقات، وتأثير ذلك كله على المجتمع المصري. فعكست رواياتهم واقعًا مجتمعيًا وحضريًا يتأرجح بين الحماسة والإحباط. كان من بين هؤلاء: رضوى عاشور، وصنع الله إبراهيم، وبهاء طاهر، ولطيفة الزيات، ويحيى الطاهر عبدالله، وإبراهيم أصلان، وخيري شلبي، وجمال الغيطاني.

    وقد تجاوز هؤلاء في كتاباتهم مرحلة انتقاد الهيمنة الأجنبية في العهود السابقة إلى مرحلة نقد الواقع المعاصر لهم. وكما تذهب مارا نامان، فإن روايات هؤلاء الكتّاب تحولت إلى أداة لطرح تساؤلات جوهرية حول التجربة القومية الشمولية، والممارسات القمعية التي جرت في عهد ناصر.

    وقد استطاع هؤلاء الروائيون – بما يتمتعون به من وعي اجتماعي رفيع وثقافة متنوعة – أن يرسموا صورة دقيقة لتطور المشهد الحضري، وأن يصوروا كيف أثرت الاضطرابات السياسية والاجتماعية على الحياة اليومية لسكان قاهرة يوليو، وهو موضوع الحلقات القادمة.

    اقرأ أيضا:

    قاهرة يوليو (12): لا تطفئ الشمس واحتضار جروبي

  • قاهرة يوليو (12): لا تطفئ الشمس واحتضار جروبي

    قاهرة يوليو (12): لا تطفئ الشمس واحتضار جروبي

    كان للوجود الأجنبي والنخبوي في وسط قاهرة يوليو ونهايته الدرامية تأثيرًا مهمًا على الأدب المصري، لاسيما فيما أنتجه جيل روائيي خمسينيات القرن الماضي. استهدف بعض أدباء هذا الجيل، الذي لم يكن لينفصل عن الاتجاه العام وقتئذ، الأجانب والنخب، ربما مساهمة صادقة من بعضهم في الحملة التي شنها النظام الناصري ضدهم، وربما لارتباط بعضهم بهذا الأخير، كونهم جزءًا من آلة الدعاية الخاصة به. تؤكد ناقدة الأدب مارلين بوث في مقدمة ترجمتها الإنجليزية لرواية “لصوص متقاعدون” لحمدي أبو جليل أن المشروع القومي للحقبة الناصرية كان يسيطر على الأدب المصري لدرجة أنه مازال يلقي بظلاله على المشهد الخيالي (الروائي والقصصي) حتى الوقت الحاضر.

    على الرغم من أن حدث ثورة الضباط الأحرار 1952 في حد ذاته لم يتم التطرق إليه في كثير من روايات الأدب المصري كأنه “حدث سلبي”، بحسب تعبير الناقدة الأدبية إيف دامبيير نويري، إلا أن تأثير هذه الثورة على تحول المشهد الحضري للعاصمة تناوله بعض الروائيين بشيء من الابتهاج أو على الأقل الارتياح. لعل من هؤلاء الروائي الكبير إحسان عبد القدوس (1919-1990) في روايته الشهيرة «لا تطفئ الشمس»، التي نشرت عام 1960 في مجلدين.

    ***

    تتناول الرواية حياة عائلة الزهدي، وهي عائلة أرستقراطية مصرية، بعد وفاة عائلها. تتألف الأسرة من الأم وولدين وثلاث بنات. تدور الأحداث خلال فترة محورية في تاريخ البلاد من 1952 إلى 1956، حيث ومن خلال الرواية، تُطرح أسئلة مجتمعية مهمة مثل استقلال وحرية الشباب والرقابة الاجتماعية التي تفرضها التقاليد القديمة.

    توضح الرواية الصراع العميق بين العقلية المحافظة للمجتمع المصري، التي يمثلها أحمد، الموظف الذي يتحمل مسؤولية الأسرة بعد والده كونه الابن الأكبر. على عكس أخيه وأخته، ممدوح وليلى، اللذان يمثلان العقلية المتحررة، وتمرد الشباب على القيود. تتسبب هاتان الرؤيتان المتعارضتان للحياة صراعات داخل البيت الواحد.

    ترتبط ليلى ضمن أحداث الرواية بعلاقة برجل متزوج يكبرها سنًا هو معلم البيانو. تتصاعد الخلافات بين الأخوة أحمد وممدوح وليلى حتى تصل لمرحلة الذروة بوفاة ممدوح عرضيًا في حادث سير. وهنا تأخذ الأحداث منعطفًا خطيرا: يتمرد أحمد على نمط حياة الموظف التقليدية المحافظة، ويقرر مواصلة السير على طريق شقيقه المتوفى. يتزامن التحول العقلي والنفسي الذي يعتري أحمد زهدي مع أحداث مصيرية في البلاد: تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956، متأثرا بالروح القومية العامة، ينضم أحمد لكتائب المتطوعين في الجيش ويغادر القاهرة إلى منطقة القناة للذود عنها.

    ***

    أما ليلى، فقد وقعت في غرام جندي من الجيش بعد أن أعطت ظهرها لمعلم البيانو. تنتهي الرواية بوصف شروق الشمس الذي يمثل الأمل والانتصار، توائما مع الحالة العامة للمصريين. وبالتالي تمثل الشمس في عنوان الرواية المستقبل المشرق والمجيد للبلاد، تحققه الرغبة الأكيدة في التغيير نحو الأفضل، وذلك كله بفضل إرادة وحماس الشباب.

    القراءة السريعة للرواية توحي بأن حبكتها مبنية على فكرة التحول. كما أن النهاية السعيدة للرواية المتمثلة في شروق الشمس أخيرًا على الأسرة الأرستقراطية لم تكن لتحدث بدون أحداث جسام اختلطت فيها الدموع بالدم. لا نعتقد أننا نبالغ لو قلنا إنه – قياسًا على الوضع في مصر بعد عام 1952- فإننا نبصر من خلال أحداث الرواية توجهًا ضمنيًا نحو فكرة أن الطريق إلى التغيير هو الثورة و المسار الذي اتخذه النظام الناصري.

    وبالرغم من أن هذا المسار محفوف بالمخاطر، إلا أنه ضروري في سبيل المجد المنشود للبلاد! من خلال ذلك نستنتج أن عائلة زهدي، بعد رحيل والدهم، تمثل المجتمع المصري بعد سقوط النظام الملكي في مواجهة زمن جديد متغير. يُستنتج أيضًا أنه من غير المجدي مقاومة تطور الزمن وما يصاحبه من رياح التغيير التي هبت على عائلة زهدي، تمامًا كالتي تهب على مصر عبد الناصر.

    ***

    ظهرت منطقة وسط مدينة القاهرة في رواية “لا تطفئ الشمس” على أنها بقعة لطبقة الأرستقراط لكنها تعج بالمارة والزائرين بفضل الرواج التجاري وأنشطة التسوق. في الفقرة التالية، يصف الراوي حركة ليلى بين شارعي سليمان باشا وقصر النيل:

    “ونزلت من الأتوبيس.. وسارت في شارع سليمان باشا ووقفت تتفرج على معرض موبليات.. ثم وقفت مرة ثانية أمام معرض آخر،  ووصلت إلى ميدان سليمان باشا. ثم سارت في شارع قصر النيل، ثم دخلت أحد المحال الأنيقة وأخذت تنتقي منفضة السجائر. ضيعت وقتا طويلا في اختيارها.. كأنها تختار قطعة من الماس. ثم حسبت النقود التي معها واشترتها”.

    على الرغم من تغيير أسماء الشوارع منذ عام 1954 (راجع الحلقة الثامنة)، يحتفظ الراوي بالأسماء القديمة لشوارع وسط المدينة مثل ميدان وشارع سليمان باشا. نعتقد أنه نظرًا لأن الأسماء الجديدة للشوارع حديثة جدًا مقارنة بزمن الرواية الذي تتم فيه الأحداث، فقد ارتأى الكاتب عدم استخدامها لئلا تُحدث ارتباكًا للقارئ. يُفهم من الفقرة السابقة ومن غيرها أن ميدان وشارعي سليمان باشا وقصر النيل، بسبب تنوع بضائعها ومحلاتهما العصرية، هما محط نظر الزائرين ولاسيما المتسوقين منهم، وهو ما يضيف طابعًا تجاريًا خاصًا لوسط المدينة يختلف عن أي منطقة أخرى في المدينة.

    ***

    في نفس الفقرة السابقة، يمكننا أن نلاحظ التأثيرات الأجنبية على الواقع الحضري وقتئذ، والتي تتمثل في استخدام مصطلحات أجنبية معينة مثل mobilia، وهو مصطلح إيطالي يعني الأثاث. وعلى الرغم من أن لكلمة “موبيليا” نظيرًا في اللغة العربية، إلا أن الراوي ارتأى استخدام مصطلحات تشكل جزءًا من اللغة العامية المصرية، وهو ما يؤكد على الطابع الكوزموبوليناني للمجتمع الذي كان يسكن وسط المدينة. البضائع متنوعة وجذابة هناك، ويمكننا أن نفهم لماذا تسعد ليلى بقضاء الوقت في اختيار هدية. ويبدو أن البضائع باهظة الثمن لدرجة أن ليلى، المنحدرة أصلًا من عائلة ثرية، ستحتاج إلى حساب أموالها لشراء منفضة سجائر بسيطة. بعد شراء الهدية، تتوجه ليلى لزيارة مدرس البيانو الخاص بها في شقته بشارع شامبليون:

    “واتجهت إلى شارع شامبليون […] ودخلت إلى العمارة وحاولت أن تنظر إلى البواب لكنها لم تستطع. دخلت كأنها تتسلل. ووضعت نفسها في المصعد وصعدت.. وقلبها يصعد إلى حلقها”.

    كقاعدة عامة في ذلك الوقت، كانت مهمة حراسة العمارات في وسط المدينة معهودة إلى حراس (بوابين) نازحين من جنوب مصر، لاسيما من النوبة. تدلف ليلى إلى داخل العمارة والخوف يملؤها من البواب، إذ أنه من المؤكد أنه سيسألها عن وجهتها، خاصة وأنه كان – ولا يزال – من غير المقبول في المجتمع أن تذهب فتاة إلى شقة يعيش فيها رجل بمفرده. يمكننا أن نلاحظ أنه، على الرغم من الأجواء الكوزموبوليتانية للحي، فإن التقاليد المصرية لم تزل مصانة.

    ***

    يُعتبر بوابو وسط المدينة من العناصر البارزة فيها. ورغم اضطرارهم للعمل بعيدًا عن مدنهم الأصلية في جنوب مصر، استقر معظمهم في حي شعبي قريب من وسط المدينة: حي بولاق الذي سيصبح “غيتو” لهم خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. تعتبر المؤرخة جانيت أبو لغد هذا الحي عالمًا قائمًا بذاته، كما تصف سلوكيات حراس العقار أثناء العمل:

    “يُرى البوابون في حالة استرخاء بعد انتهاء مهمتهم اليومية في تنظيف طرقات وباحات العمائر، لكن أناقة ملابسهم وقيامهم أحيانًا بالانحناء حال دخول أحد السكان، وكذا حملهم لأغراض السكان تميزهم كأعضاء مفيدين في مضمار العمل، بعكس المتواكلين ساكني بولاق (غالبا تقصد النازحين من الجنوب بدون عمل)”.

    تتمثل التحولات الجذرية في حياة أحمد زهدي بعد وفاة أخيه ممدوح في سلسلة من القرارات التي أثرت على نمط حياته اليومي. على سبيل المثال، كان معتادًا على تناول إفطاره يوميًا في صالون جروبي في وسط المدينة، وتحديدًا في ميدان سليمان باشا. يُعتبر جروبي من أبرز أماكن الترفيه التي افتتحت أولًا في الإسكندرية عام 1890 ثم في القاهرة عام 1903.

    ***

    ترجع شهرة جروبي إلى كونه المكان المفضل لنخبة المجتمع المصري منذ بداية القرن العشرين، حيث اشتهر بصالونه ومطعمه المسمى «الروتوند»، بالإضافة إلى حديقته الخلفية التي كانت أحيانًا تعمل كـ«سينما في الهواء الطلق». علاوة على ذلك، فإن جروبي سليمان باشا، وهو الأخير في سلسلة الفروع، قد شهد أحداثا مهمة في تاريخ المجتمع المصري، ففيه تمت ولادة الحركة السريالية في الفن التشكيلي المصري.

    يتميز جروبي بإطلالته على ميدان سليمان باشا وبموقعه المميز أسفل أحد العمارات الضخمة المصممة على الطراز النيو كلاسيكي من تصميم جوزيبي مازا. واجهة المحل مزينة بالفسيفساء الفينيسية متعددة الألوان، وهي من عمل أنطونيو كاستامان. أما الديكور الداخلي فهو على طراز «آرت ديكو» تصميم ليون كاييه. ساهمت كل هذه العناصر التلقيطية في ترسيخ طابع جروبي الاستثنائي وسمعته المرموقة.

    في ذروة تحوله العميق، يبدأ أحمد زهدي في رؤية الأماكن التي كان يرتادها يوميًا بطريقة ثورية. وفقًا للنظرة الجديدة، يصف الراوي جروبي بعيون أحمد زهدي:

    “ووصل محل جروبي في ميدان سليمان باشا، وهم أن يدخله ليتناول في طعام إفطاره.. ولكنه توقف عند الباب فجأة.. لماذا يصر على أن يتناول افطاره في جروبي؟ إنه محل معتم، رطب، صامت، لا يضم إلا العجائز، وكبار الموظفين..كأنه آخر محطة في الحياة”.

    ***

    إن العتمة والرطوبة والصمت في جروبي، رغم إطلالته وإضاءته، إنما تأتي من رواده لأنهم هم النخبة التي عفا عليها الزمن. إنهم يمثلون، في عيون أحمد زهدي، العصر البائد الذي يحاول النظام الجديد القضاء عليه. داخل جروبي، يوجد عالم قديم يحتضر، تمامًا مثل العصر الذي ينتمي إليه. يعبر الراوي عن التباين بين الأجواء المحتضرة داخل جروبي والحياة الصاخبة خارجه في المشهد التالي:

    “وهز كتفيه ساخرًا من جروبي، ثم استدار وسار على قدميه في شارع سليمان باشا، ودخل محلا لبيع الساندويتش.. ووقف يقضم في قطعة ساندويتش، ويلتقط قطع المخلل، ويملأ أذنيه بضجيج الشارع، ويملأ عينيه بالزحام النشط الذي يضم آلاف المتجهين.. ويبتسم في حبور.. يبتسم لكل وجه يمر أمام عينيه. وهو يحس أنه واقف في وسط الحياة”.

    يمكننا أن نرى بوضوح حركة المشاة في شارع سليمان باشا. يمكننا أن يشعر بالحشود التي تغزو الحي، والتي تنتمي بلا شك إلى الطبقة الوسطى. هذا الجانب من الحشود يبدو جديدًا في عيون أحمد زهدي، ومع ذلك فهو لا ينزعج من رؤية آلاف الأشخاص الذين يمثلون السعي النشيط. أما القيمة التاريخية والمعمارية العميقة للمدينة الحديثة (وسط المدينة) فلا تلبث تختفي أمام حيوية جماهير الشعب التي تمثل، في نظره، حياة حقيقية قد بدأت للتو، بعكس التي تقترب من النهاية خلف أبواب مقهى جروبي. وبالتالي فإن انفتاح وسط المدينة على هذه الجماهير الغفيرة هو بمثابة إصدار شهادة وفاة لعصر قد ولى.

    اقرأ أيضا:

    قاهرة يوليو (11): خلافة سكنية

باب مصر