باب مصر

الوسم: النيل

  • حكاية عيد وفاء النيل

    حكاية عيد وفاء النيل

    “ولا بيوصل ولا بيتوه، ولا بيرجع ولا بيغيب، النيل سؤال ومازال ماجاش عليه الرد”، كلمات غناها المطرب محمد منير، ولكنها لخصت قصة النيل وارتباط المصريين به.

    اعتاد المصري القديم الاحتفال بعيد فيضان النيل، أي عندما يفيض النيل وتزيد مياهه طوال 48 يوما، وخصص الاحتفال به في الرابع عشر من شهر مسري والذي يوافق يوم 20 أو 21 من شهر أغسطس، ومن خلال هذا التقرير سنتعرف أكثر على قصة عيد وفاء النيل.

    الاحتفال بعيد وفاء النيل - ويكيبيديا
    الاحتفال بعيد وفاء النيل – ويكيبيديا

    عيد وفاء النيل

    يقول الدكتور ناجح عمر، عميد كلية الآثار بجامعة الفيوم، إن الفيضان كان يغمر كل أراضي مصر (الوادي والدلتا)، وقد ربط المصري القديم هذا المنظر بحالة الكون قبل ظهور اليابسة، فكان عبارة عن ماء أزلي أطلق عليه مصطلح (نون)، وهو أحد العوامل التي ارتبطت بأساطير خلق الكون عند المصري القديم، فعند انحسار هذا الفيضان تظهر الأجزاء المرتفعة من الأرض التي أوجدت عند المصري فكرة التل الأزلي الذي وقف عليه المعبود الخالق وخلق هذا العالم (عالم مصر).

    ويضيف عمر، أنه لجلال الفيضان، وضع المصريون القدماء معبودا له وأعطوه صفات تتماشى مع قوة اندفاع المياه وما يحمله من خير وخصوبة لأرض مصر وأطلقوا عليه المعبود “حابي” وارتبط بعرش الملكية فهو الذي يمنح الملك الخير والخصوبة والتي يمنحها بدوره لشعب مصر.

    الفيضان وفصول السنة

    يتابع عميد كلية الآثار: كان الفيضان يبدأ عند بزوغ نجم سوبدة الذي كان يبشر بقدوم الفيضان، وهذا أدى إلى اعتماد المصريين على الظواهر الطبيعية التي تحيط بهم من فيضان النهر وانحساره في زراعة الأرض وحصادها، وفي علم الفلك ربط المصري القديم بين ظهور نجم سوبدة قبيل ظهور شروق الشمس – وهي ظاهرة لا تتكرر سوى مرة واحد كل عام في شهر أغسطس –  وتوافقه مع بداية وصول مياه الفيضان، ما جعله المصري القديم بداية للعام الجديد والذي قسمه إلى ثلاثة فصول كل فصل يضم أربعة أشهر، ثم أضافوا في نهاية السنة خمسة أيام ليكتمل عدد أيام السنة المصرية إلى 365 يومًا، إلى أن تتكرر ظاهرة شروق نجم سوبدة مرة أخرى وبالتالي تبدأ سنة جديدة.

    ويشير إلى أن المصري القديم تأثر عند اختياره لأسماء الفصول بطبيعة كل فصل، فأطلق على فصل الفيضان اسم (آخت) أي (المفيد أو النافع) حيث يتميز هذا الفصل بالفيضان الذي يجلب معه الخير للأرض والإنسان والحيوان، وأطلق على فصل الشتاء أو فصل الزراعة اسم (برت) أي (الخروج) حيث يخرج الفلاحون لزراعة الأرض بالمحاصيل والغلال ليحصلوا منها على الخبز، بينما الفصل الثالث فصل الحصاد أو الصيف فأطلق عليه اسم (شمو) أي (الحار) حيث يخرج الفلاحون للحصاد وجمع المحاصيل وفيه تقل وتجف مياه النهر، وكان لفصول السنة أثر كبير في حياة المصري القديم مما دفعه إلى ابتكار وسائل عملية للاستفادة من طبيعة كل فصل لذا ابتكر مقاييس لتحديد ارتفاع الفيضان وتحديد كمية المياه اللازمة لري الأراضي الزراعية وتقدير الضرائب على المحاصيل.

     مظاهر الاحتفال

    يسرد عمر قصة الفيضان، أنه كان يمثل عيد بداية العام عند المصري القديم ويستقبلوا الفيضان بالفرح الشديد فهو الخير القادم لإعادة الحياة والخصوبة لأرض مصر بعد فصل الصيف الحار وقلة المياه بالنهر والترع والقنوات، وتأثر الفكر الديني كثيرا بفصول السنة فكان التل الأزلي وهو العامل المشترك بين كل أساطير الخلق التي تفسر بداية الكون ما هو إلا تلك الأرض التي تبرز وترتفع أثناء انحسار الفيضان، وأحيانا يطلق المصري على الفيضان عند وصفه لشدته اسم (نون).

    ويشير عمر إلى أن المصري القديم خصص معبودا للفيضان ومنحه صفات تتناسب وقوة اندفاعه وصفات تتفق وما يحمله من خير وخصوبة، كما ارتبط معبود الفيضان بعروش الملوك فهو الذي يمنح الملك الخصوبة والخير والذي يمنحه الملك بدوره إلى شعبه، وغالبا ما صور “حابي” آله النيل على جدران المعابد في الصف الأسفل ليرمز إلى أنه أساس المعبد وضامن الخيرات والقرابين المقدمة لمعبودات المعبد.

    كما ارتبط بالفيضان معبودات أخرى خاصة “خنوم” الذي يتحكم في مياه الفيضان فيرسلها أو يمسكها، وهو صانع البشر من طمي الفيضان، وكان أوزيريس ربا لكل الفصول فهو القوة الكامنة في الفيضان وهو الثور الأسود لون طمي الفيضان وهو الذي تنشق عنه الأرض وتعود روحه كما تعود الروح إلى البذرة الميتة، وهو رب الحصاد حيث يتحول إلى “نبرى”.

    ويري عمر، أن تحديد أعياد خاصة بكل فصل جاء لهدفين الأول: الاحتفال بتلك المعبودات طلبا لرضاها وخيراتها، والثاني: محاولة ضبط السنة المصرية القديم، لذا خصصوا لكل فصل أعياد تتوافق وطبيعة الفصل نفسه، وزيادة في إحكام السنة المصرية القديمة ربطوا بين أسماء الأشهر وبين معبوداتهم وبين أعياد تلك المعبودات.

    الاحتفال بالنيل عند الفراعنة- الصورة من ويكيبيديا
    الاحتفال بالنيل عند الفراعنة- الصورة من ويكيبيديا

    أنشودة النيل في عهد الفراعنة

    يذكر أنطوان زكري في كتابه “النيل في عهد الفراعنة والعرب”، أن المصري القديم سجل في لوحتين على الورق البردي، معروفتين بورقتي ساليير وأنسطاسي، وهما من مجموعة الأوراق البردية المحتفظ بها إلى الآن في المتحف البريطاني، وترجمها العالمان الأثريان الشهيران ماسبرو وجبس، وهما اللذان نقلاها من الشعر المصري القديم، ويقول مطلع النشيد:

    ” الحمد لك يا نيل، يا من تخرج من الأرض وتأتى لتغذى مصر، يا ذا الطبيعة المخيفة، ظلام فى وضح النهار، إنه الذى يروى المراعي، وهو المخلوق من رع ليغذي كل الماشية، وهو الذى يسقى البلاد الصحراوية البعيدة عن الماء، فإن ماءه هو الذى يسقط من السماء، هو المحبوب من جب، ومدبر شؤون إله القمح، وهو الذى ينعش كل مصنع من مصانع بتاح، رب الأسماك وهو الذى يجعل طيور الماء تطير نحو الجنوب، إنه هو الذى يصنع الشعير والقمح وبذلك تتمكن المعابد من إقامة احتفالاتها”.

    وبالعودة لكتاب “النيل في عهد الفراعنة والعرب” يذكر المؤلف أن الاحتفالات التي تُقام لفيضان النيل سنويًّا كانت بمنزلة فريضة دينية، وكان يقام لها الزينات المعتادة للأعياد العامة.

    وكان يتم خلال الاحتفال ذبح قربان قد يكون عجل أو دجاجة، ثم تلقى فى النيل رسالة بها بعض الصلوات والمدائح في النيل، وكان الملك يحضر الاحتفال ومعه القادة ورجال الدين وسط جميع طوائف الشعب، وقد وجد على سفوح جبل السلسة شمال أسوان ثلاث لوحات تضم ثلاثة مراسيم في الفترة ما بين 1300 ــ 1225 ق.م تقر بأن يقام احتفال للإله حابى مرة عند أعلى ارتفاع للفيضان ومرة أخرى عند أدني ارتفاع، ويتقرب خلالها بقرابين من الحيوانات والخضروات والزهور والفاكهة.

    كما جاء ذِكر أعياد النيل في مائدةٍ للقرابين محفوظة في متحف فلورانس بإيطاليا، ويرجع تاريخها إلى ملوك الأسر الثلاث الأولى، وقال المؤرخ ماسبرو عن العيد الفيضان “عندما يصل الماء المقدس إلى جدران مدينة “سين” يقدم الكهنة أو الحاكم أو أحد نوابه ثورًا أو بطًّا، ويلقيه في الماء في حرز من البردي مختوم عليه، ويكتب في الحرز الأمر الملكي الخاص بنظام الفيضان، ومتى ترأس الملك نفس هذا الاحتفال نقشوا في الصحراء وسجلوا هذا الحادث تذكارًا تاريخيًّا، وإذا تغيب الملك عن الاحتفال ناب عنه الكهنة باحتفال عظيم، حاملين تمثال المعبود سائرين به على ضفاف النيل والجسور مرتلين الأناشيد.

    وقد أشار العالم الأثري “دي روجيه” إلى الاحتفال أيضا وقال: “في اليوم الخامس عشر من شهر توت جاء فيضان النيل في سلسلة، وفي 15 أبيب صعد النيل فقدمت القرابين والهدايا للمعبود “حابي”، وفي ذاك اليوم كانوا يلقون له ميثاقًا مكتوبًا من ديوان الملك، فيقبل النيل هذا العهد ولا يتخلف عن وعوده فيمنح مواهبه أرض عبيده المؤمنين”.

    عيد ليلة النقطة السماوية

    روى “سنيك” الفيلسوف الروماني، أن المصريين في عهد الرومان كانوا يلقون في نهر بيلاق القرابين، ويُلقي الحكام بعدها هداياهم من الذهب وأنواع الحليِّ المختلفة.

    واستمر المصريون على عاداتهم في الاحتفال بأعيادهم، وكما كان يعتقد الفراعنة أن سبب الفيضان نزول دمعة المعبودة إزيس في النيل، اعتقد الأقباط أن النيل يفيض بنقطة تنزل من السماء، ويحتفل في اليوم الحادي عشر من شهر بئونة بعيد “ليلة النقطة السماوية”، التي تنزل بفضل دعوة وصلاة رئيس الملائكة جبرائيل قبل نزولها بثلاثة أيام حيث يسجد ويتوسل إلى ربه بأن يفيض النيل وينزل إلى الأرض المطر والندى.

     العصر المملوكي والعثماني

    حينما دخل العرب مصر، محوا كثيرا من العادات والتقاليد التي كانت متبعة في الاحتفال بالفيضان، لكنهم لم يتمكنوا من محو الاحتفال تماما، بل اضطروا إلى إتباع التقاليد المصرية للاحتفال بفيضان النيل، وفى العصر المملوكي كان الاحتفال يبدأ يوم 26 بؤونة وبعد أن يصل قياس ارتفاع مياه الفيضان إلى 16 ذراعا، يبدأ احتفال شعبي ضخم تضيء فيه القناديل والشموع كل الشوارع، وينتشر الرقص والغناء، وتباع الخمور بكثافة.

    ويصف المؤرخ ابن إلياس في كتابه “بدائع الزهور” ليلة من ليالي احتفال المماليك بالنيل “خرجت سفينة سلطان مصر وعامت من بولاق وهي متزينة بالورد والأعلام واستقبلها الأمراء بالطبل والزمامير عند مقياس فيضان النيل”.

    ويتناول عبدالرحمن الجبرتى احتفال العثمانيين ويقدم وصفا تفصيليا ليوم الاحتفال بداية من نزول الوالى من القلعة وركوبه هو والأمراء مراكب مزينة تنطلق من مصر القديمة حتى تصل إلى مقياس النيل بالروضة، وعندما يصل مقياس الفيضان إلى 16 ذراعا، تقام الاحتفالات التي يعطي الوالي إشارة البدء بها، وذلك بعد أن يضرب السد الذي يحجز الماء بمعول من فضة محدثا فتحة يخرج منها الماء إلى قناة فم الخليج.

    النيل في أبوسيف- تصوير: هادي أبوالعز
    النيل في أبوسيف- تصوير: هادي أبوالعز

    عروس النيل

    سادت في الاعتقاد الشعبي فكرة روج لها المؤرخ العربي أبوالقاسم عبدالرحمن بن عبدالحكم في كتابه “فتوح مصر والمغرب”، أن المصريين كانوا يلقون فتاة شابة مزينة بالحلي ليفيض النيل.

    وظل طقس إهداء النيل فتاة شابة في عيد وفاءه مستقر في الأذهان، لكن تم استبدال الفتاة بدمية خشبية على شكل فتاه آدمية، وتذكر الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها “القاهرة في حياتي”، أن حكاية عروس النيل ليس لها أساس تاريخي.

    ويقول عباس محمود العقاد في كتابه “عبقرية عمر”، وعقب العقاد على روايةُ ابن عبد الحكم قائلا ” الرواية على علاتها قابلة للشك في غير موضع عند مضاهاتها على التاريخ”.

    كما يقول عميد كلية آثار الفيوم، إن هذا غير صحيح ولا يوجد ما يؤكد ذلك عند المصري القديم.

    طقوس النوبة

    هناك العديد من الطقوس الخاصة بالنيل في النوبة ومستمرة إلى الآن منها “كمولود” أو السبوع، وهي طقوس عقائدية ترتبط بهم في شتى المناسبات سواء الوفيات، أو الزواج، أو المواليد، ففي ليلة الزفاف يذهب العروسان ليغتسلان من ماء النيل لجلب الخير وإنجاب الأطفال، وفي حالة الرزق بمولود جديد تحمله الجدة وتذهب به إلى نهر النيل وسط الأحباب والأهل والأطفال، وتحمل سيدة أخرى طبق من العصيدة وهي أكلة تصنع من القمح والسمن واللبن، ويبدأ الاحتفال عند شاطئ النهر بإلقاء سبعة لقيمات من العصيدة، لملائكة النهر مع الترديد بالدعوات لحصول الطفل على الصحة وطولة العمر، ثم يتم غسل وجه المولود والأم من ماء النهر، ثم يغسل باقي الحضور وجوههم للتبرك، ثم يتذوق الجميع من طبق العصيدة ويغسل بعدها الطبق في النيل.

    النيل من المنصورة - تصوير: محمود الحفناوي
    النيل من المنصورة – تصوير: محمود الحفناوي

    قياس ماء النيل

    كان قديما يتم تكليف مجلس شرعي إداري بمهمة رصد زيادة مياه النيل، وكانت جباية الضرائب ترتبط بهذا القياس، إذ كانت واجبة وملزمة إذا وصلت زيادة المياه في النيل إلى 16 ذراعا فأكثر، ويتم الإعفاء منها إذا كان مقياس المياه أقل من 16 ذراعا، وبرغم التقدم الذي رافق ثورة 1952‏،‏ إلا أنها أبقت على هذا التقليد وظل راسخا وهو المجلس الشرعي الإداري الذي كانت مهمته رصد وقياس فيضان النيل، وتولى رئاسته رئيس المحكمة الشرعية العليا حتى ألغيت تلك المحاكم،‏ وكان يتولى رئاسة المجلس مفتي الديار المصرية‏.

    والأمر المثير للدهشة أن تكوين هذا المجلس ومهامه ظلت كما هي حتى عام 1972، وهو العام الذي انتهي فيه عمل المجلس بعد أن فرض الواقع الجديد نفسه حيث لم يعد النيل يفيض بفضل مشروعات ري كبرى أعظمها مشروع السد العالي.

    نص آخر حجة لوفاء النيل

    وقع الشيخ حسن مأمون، مفتي الجمهورية، عام 1958 على آخر حجة لوفاء النيل وجاء فيها:

    “بعد الإقرار الصادر أمامنا من السيد المهندس فؤاد عبد العزيز زكي مدير مكتب وكيل وزارة الأشغال وهو الثقة المعين من قبل حكومة الجمهورية العربية المتحدة لقياس النيل بمقياس الروضة، وبعد الاطلاع على الكشف المحرر بتاريخ اليوم بمعرفة سيادته وسماع شهادة الشهود، المتضمن ذلك جميعه، أن النيل بلغ في هذا العام بمقياس الروضة اثنين وعشرين ذراعًا وتسعة عشر قيراطًا، وإقرارهم بأنه ببلوغ فيضان النيل هذا المقدار، يتوفر ري الأراضي المصرية، تحقق لدينا نحن حسن مأمون مفتي الجمهورية العربية المتحدة وفاء النيل المبارك في هذا العام، وبذلك وجبت جباية جميع أنواع الضرائب المقررة بمقتضى القوانين واللوائح والنظم المعمول بها، واستحقت كافة الأموال والمرتبات والمستندات للخزانة المصرية العامة، كما هو متبع في كل عام، وتمت نعمة الله تعالى على هذه البلاد بكمال فيض نيلها المبارك سبب نماء رزقها ومصدر حياتها، فحق علينا جميعا حمده سبحانه والثناء عليه بما هو أهله”.

    الهوامش

    كتاب بدائع الزهور لابن إلياس.

    كتاب النيل عند الفراعنة والعرب لأنطوان زكري.

    اقرأ أيضا

    من هي عروس النيل؟.. حابي يجيب

  • من هي عروس النيل؟.. حابي يجيب

    من هي عروس النيل؟.. حابي يجيب

    “أنا أجري في بداية العام وأفيض على الحقول الجافة في الريف، وأملأ الترع حتى لا تكون هناك مجاعة، وأطمر جسدي فتزداد الأرض خصوبة”.. هكذا يتحدث إله “النيل” حابي عن نفسه، بحسب ما أورد سيلفي كوفيل في كتابه قرابين الآلهة.

    دموع ايزيس
    دموع إيزيس


    دموع إيزيس

    ويشير كوفيل إلى أن أسطورة فيضان النيل، اعتمدت على فكرة أن مياه النيل هي جسد أوزوريس، والفيضان يأتي في موعده وفقا لرغبته، وبحسب الأسطورة تندمج الآلهة إيزيس مع نجم الشعري وهو النجم الذي يبزغ قبيل طلوع شمس أول أيام العام الجديد، وتحديدًا وقت وصول الفيضان إلى جزيرة الفنتين عند الشلال الأول، وفي هذا التوقيت تفيض دموع إيزيس حزنًا على زوجها لتنهمر المياه عند الشلال الأول، لتعانق تراب مصر، فكما أعادت إيزيس الحياة إلى جسد أوزوريس تمنحها للنيل في بداية العام الجديد، وبحسب وصف الأسطورة لها: “هي الرب في بداية العام وهي التي تجعل النهر يفيض ليهب البلاد الحياة وليعيد الحياة والنشاط لمن أضناهم الجهد والعذاب”.

    النيل عند الشلال الاول باسوان
    النيل عند الشلال الأول بأسوان


    أنر- أعا

    يشير المرشد السياحي حسن عوض، إلى أن المصري القديم عبر عن إله النيل بكلمة “حابي”، والتي تعني السعيد أو جالب السعادة، وصور الإله على هيئة رجل سمين منبعج البطن وله ثديين متدليين ولون جسده باللون الأخضر والأزرق، وهي درجات لون مياه الفيضان، لافتًا إلى أن المصري القديم عبر النيل الجغرافي بكلمة (أنر- عا) فكلمة أنر تعني نهر وكلمة عا تعني العظيم، ملمحًا إلى أنه يحتمل أن تكون هذه الكلمة هي أصل كلمة ( ترعة ) المستخدمة حاليًا.

    الاله حابي من معبد الاقصر
    الاله حابي من معبد الاقصر

    الزواج المقدس
    ويوضح الآثاري محمد حامد أن المصري القديم قسم السنة إلى ثلاث فصول، أولها فصل الفيضان والذي ارتبط بإقامة الاحتفالات التي كان يحضرها الملك بنفسه وكانت تستمر لمدة 14 يومًا وتعد من أهم الاحتفالات وكان يجري بالتزامن معها احتفالات طقسية دينية مثل الزواج المقدس بين الآلهة في المعابد المصرية، ملمحًا إلى أن المصري القديم ربط بين عملية الفيضان، والتي تمتزج فيها مياه النيل بطمي الأرض وعملية الزواج المقدس للآلهة في رمزية للحياة المتجددة مع بزوغ شمس أول أيام السنة.
    ويلفت حامد  إلى أن المصري القديم عبر عن الأرض الزراعية بكلمة “كيميت”، والتي تعني الأرض السوداء، أما الصحراء فعبر عنها بكلمة “ديشرت”، والتي تعني الأرض الحمراء، ملمحًا إلى أنه غالبًا ما كان يشار إلى مصر بـ”كيميت”.

    النيل يزف الى عروسه مصر كل عام
    النيل يزف الى عروسه مصر كل عام


    من هي عروس النيل؟

    يوضح المرشد السياحي رمضان بسيوني أن احتفالات المصريين القدماء بفيضان النيل، كانت تشهد تقديم القرابين من حلي وذهب وأحجار كريمة وكانت تذبح المذابح عند معبد الإله حابي، موضحًا أنه لم يثبت أن المصري القديم عبر تاريخه أن قدم قرابين بشرية ، ولا أساس لإشاعة طقس إلقاء عروسة في  عيد وفاء النيل، ويوضح بسيوني أنه حسب معتقدات القدماء فان عروس النيل هي “كيميت”، أو مصر والتي تزف إلى عريسها “النيل”.
    ______________________
    هوامش:
    قرابين الآلهة في مصر القديمة “ب يدي إف” – سيلفي كوفيل – ترجمة: سهير لطف الله – مكتبة بي اتشرو- رقم الايداع 5410/2010-  ص 16 و17.

  • معركة الأيام الأربعة التي غيّرت شكل النيل

    معركة الأيام الأربعة التي غيّرت شكل النيل

    “افتح افتح، حول حول، نقعد نرتاح، لأ حنكمل، دا السد العالي، شهّل” بهذه الكلمات تغنى العندليب من كلمات المبدع صلاح جاهين وألحان محمد الموجي أغنية “بستان الاشتراكية” في ذكرى تحويل مجرى مياه النيل في 14 مايو من سنة 1964، التي أعلنت عن انتهاء أولى وأصعب مراحل بناء السد العالي والتي استغرقت 4 سنوات.
    حارب فيها المصريون ومعهم الخبراء الروس ضد الطبيعة الصماء ليغيروا شكل المجرى، الذي حفر مجراه منذ  آلاف السنين  وقبل معركة الطبيعة خاضت مصر وقيادتها معارك سياسية واقتصادية ضد محاولات إجهاض بناء السد.
    سنقاتل
    يوليو 1956 تأميم قناة السويس، الذي نتج عنه العدوان الثلاثي على مصر، ليرد عبد الناصر “سنقاتل ولن نستسلم”، واستطاعت مصر أن تصد العدوان وتتقدم للبنك الدولي بطلب لتمويل مشروع السد العالي.
    لكن الولايات المتحدة آنذاك استخدمت نفوذها ليرفض البنك الدولي تمويل السد بحجة أن مصر غير قادرة على بنائه، لتتجه أنظار القيادة السياسية نحو الاتحاد السوفيتي، الذي رحب بالتعاون مع مصر تقديرًا لحجمها ودورها في المنطقة ونكاية في أمريكا.
     4  أيام خالدة
    في صباح يوم 13 من مايو 1964 يصل موكب الرئيس عبدالناصر، بصحبته الرئيس الروسي خروتشوف، ليشهدا المراحل الأخيرة من تحويل مجرى النيل، واستغرقت المرحلة الأخيرة لتحويل مجرى النيل أربعة ايام بدءًا من 13 إلى 16 مايو.
    13  مايو “افتح “
    وفي اليوم الأول كانت عملية فتح المياه عبر المواسير العملاقة وضخ المياه في المجرى الجديد لحمايته من اندفاع المياه بعد تفجير السدود الرملية بالديناميت، وتندفع المياه عبر الأنفاق لتصل إلى القناة الأمامية والقناة الخلفية، لحظات اختفت فيها الأنفاق تماما تحت المياه، معلنة ولادة المجرى الجديد للنيل.
    14 مايو “حول”
    الهدوء يخيم على المجرى الجديد، ينتظر اللحظة التي يترقبها أكثر من 35 ألف عامل ومهندس مصري، عملوا طيلة أربعة سنوات، وفي تمام الساعة الثانية عشر والنصف كانت اللحظة الفارقة في تاريخ السد العالي، انطلقت المياه في الأنفاق وملأت قناة التحويل.
    كانت فكرة السد تقوم على إقامة قناتين أو سدين في الأمام والخلف، وبينهما ساتر رملي، ثم الردم بينهما للحصول على السد في شكله النهائي، وبعد مرور أقل من نصف ساعة يُفجّر الساتر الرملي وتغطي المياه أساسات محطة الكهرباء وتندفع الرمال في المجرى الأصلي للنيل، ليصبح هناك مجريان: الأصلي والجديد، لتكون المهمة المتبقية هي إغلاق المجرى الأصلي والاكتفاء بالمجرى الجديد .
    15 مايو “اقفل”
    مئات العربات المحملة بصخور الجرانيت الغنية بها محاجر أسوان تلقى في وسط النهر لتغلق المجرى القديم، وتعلن عن ولادة المجرى الجديد، آلاف الأطنان من صخور الجرانيت تُضّيق فتحة القناة الأمامية، وتبدأ في إغلاقها.
     16 مايو “الانتصار “
    أخيرا جاء الانتصار على الطبيعة، نظرة أخيرة ألقاها الرجال على المجرى القديم بينما صخور الجرانيت تسد آخر فتحة فيه، معلنة اختفاؤه إلى الأبد، وانتهاء أصعب وأطول مرحلة في بناء السد العالي.
    انتهت المرحلة الأولى في مايو 1664 وبعدها بست سنوات يكتمل مشروع السد العالي ببناء باقي أجزائه، وإنشاء محطات الوقود الأولية، التي كان عددها 8 محطات من أصل 16، أضيفت بعد بدء التشغيل، ليعود حليم ليغني ” قلنا حنبني وأدي احنا بنينا السد العالي”.
    https://www.youtube.com/watch?v=YWbExRkvsUM


    الموضوع اعتمد على:
    كتاب قصة السد العالي لطاهر أبو فاشا- الهيئة العامة لقصور الثقافة
    فيلم تسجيلي انتج في 64 عن تحويل مجرى النيل- من إنتاج الهيئة العامة للاستعلامات

  • "حضرة وريد الأضرحة"  قصيدة للشاعر محمود منشاوى

    "حضرة وريد الأضرحة" قصيدة للشاعر محمود منشاوى

    النيل بيغرق م البعاد
    النيل عناد
    بيضم مسافاتك طريق
    و يبصلك
    بيداري خوفه م الحنين
    و من الشغف
    لعيون بتقتل كل أحلام
    العذاري
    ف سد خانة الأرتباط
    النيل رباط ..
    جامع ما بين الملهوفين
    و المشتاقيين يوم  للدفا
    و العشمانيين بالأجوبة
    كان مين بيسرق حلمهم
    و يردهم من غير ما حتي
    يرسموا كلمة وداع
    يوهبلهم كحلة
    دموع الليل ..
    يا قلب عليل
    كفاية عويل علي فراقها
    كفاية الضحكة تسرقنا
    ب خطاوي الموشومين
    بالصمت
    و تبعتها لأخر سكة
    تجمعنا ف طابور الدم
    جناين هم ..
    و بتلم الحكاوي براح
    مانيش مرتاح
    ولا عارف أداري الدمع
    ف جبيني
    ولا عارف أرق عليه
    هاتفرق أيه ..
    حتي اللي كانوا بيجمعوا
    المواويل فرح
    لموا العزال ..
    شالوا الرحال و فضلت أنا
    رب الرزيلة المغرضة
    و رب الفضيلة المستباحة
    للطغاة ..
    ضحكة عطش
    بتجري ريق الأضرحة
    لحبة مناسك ملزمة
    لتوب الإله
    زغدة بخور
    مع دعوة تعمي
    السكرانيين وسط الصلاه
    تشبه ملاحم للغنا
    ف صوت الشيطان
    تواشيح ملايكة
    بيلعنوا نبض الملل
    و بيوئدوا أنين الرحم
    جوا الأدان ..
    حبة صور متجمعة
    علي توب غريق
    بيناجي روح متعلقة
    علي شكل قشايه
    و يديها لون
    يشبه لضي مقام
    ولي
    كان برضه سكران
    ف الصلاه
    و سايب دموعه
    تضم نيل
    و النيل ساعتها
    ماكنشي عارف
    صوت ملاك الرحمة فين ..!
    النيل بيغرق م البعاد
    النيل عناد
    بيضم مسافاتك طريق
    و يبصلك
    بيداري خوفه م الحنين
    و من الشغف
    لعيون بتقتل كل أحلام
    العذاري
    ف سد خانة الأرتباط
    النيل رباط ..
    جامع ما بين الملهوفين
    و المشتاقيين يوم  للدفا
    و العشمانيين بالأجوبة
    كان مين بيسرق حلمهم
    و يردهم من غير ما حتي
    يرسموا كلمة وداع
    يوهبلهم كحلة
    دموع الليل ..
    يا قلب عليل
    كفاية عويل علي فراقها
    كفاية الضحكة تسرقنا
    ب خطاوي الموشومين
    بالصمت
    و تبعتها لأخر سكة
    تجمعنا ف طابور الدم
    جناين هم ..
    و بتلم الحكاوي براح
    مانيش مرتاح
    ولا عارف أداري الدمع
    ف جبيني
    ولا عارف أرق عليه
    هاتفرق أيه ..
    حتي اللي كانوا بيجمعوا
    المواويل فرح
    لموا العزال ..
    شالوا الرحال و فضلت أنا
    رب الرزيلة المغرضة
    و رب الفضيلة المستباحة
    للطغاة ..
    ضحكة عطش
    بتجري ريق الأضرحة
    لحبة مناسك ملزمة
    لتوب الإله
    زغدة بخور
    مع دعوة تعمي
    السكرانيين وسط الصلاه
    تشبه ملاحم للغنا
    ف صوت الشيطان
    تواشيح ملايكة
    بيلعنوا نبض الملل
    و بيوئدوا أنين الرحم
    جوا الأدان ..
    حبة صور متجمعة
    علي توب غريق
    بيناجي روح متعلقة
    علي شكل قشايه
    و يديها لون
    يشبه لضي مقام
    ولي
    كان برضه سكران
    ف الصلاه
    و سايب دموعه
    تضم نيل
    و النيل ساعتها
    ماكنشي عارف
    صوت ملاك الرحمة فين ..!

  • “حكاية السحاب والنيل”.. عرض كورال يعكس علاقتنا بالبيئة

    “حكاية السحاب والنيل”.. عرض كورال يعكس علاقتنا بالبيئة

    “كان يا مكان كل الناس كانوا عايشين بطول حوض النيل سُعدا و مش خايفين، لكن سنة بعد سنة كان فيه خطر بيحل ورغم إن الحياة ماشية كانت المياه بتقل لحد ما وصلت المشكلة لمشكلة حياة أو موت، اتعودت الكائنات والقبائل على حوض النيل أنها تحتفل كل سنة أول يوم الفيضان ينطوا كلهم في المياه فترطش على الضفة فتروي الزرع، و في يوم الفيضان الكل بيخرج من بيته و الأرض بتفرح فبتتزرع، الفيضان جاي جاي حتى لو اتأخر شوية، لكنه مجاش لأن السحاب قرر ما يمطرش”… هكذا كانت افتتاحية عرض كورال النيل، الذي يحمل عنوان “حكاية السحاب والنيل”.

    يوم السبت 28 مايو كان العرض الأول لكورال “حكاية السحاب والنيل”، على مسرح الفلكي في القاهرة، وهو نتاج الورشة الأولى لمشروع كورال النيل، وجزء من “مشروع النيل” والذي يجمع هواة وموسيقيين محترفين مهتمين بالمشاركة والتعاون في عملية التأليف الجماعي، الأوبريت الفريد، حكاية السحابة والنيل، تمت كتابته وتلحينه عن طريق كورال النيل الذي التقى خلال ١٦ جلسة موسيقية، خلال ورشة عمل دامت شهرين.

    يقول سلام يسري، مدير ومخرج الورشة، كورال النيل هو شراكة بين مشروع كورال ومشروع النيل وأعضاء موسيقيين أفارقة، والفرق بين كورال النيل ومشروع كورال أن كورال النيل مخطط له من البداية، بحيث يكون معروف نوع الموسيقى أو اتجاهها نحو الموسيقى الإفريقية ومعرفة وجود عناصر موسيقية محترفة مثل عادل مدني وآخرون، وأن العرض سيخرج في شكل أوبريت، لكننا في مشروع كورال كنا نترك كل شيئ للمجموعة داخل الورشة فالكلمات والألحان وكل شيىء يخرج تلقائيا بشكل جماعي، مضيفا كل ما يقدم ليس إخراج ما أقدمه، هو مجرد تدريب فالقرارات في العمل كلها جماعية، المشترك بينهم نفس الإسلوب في الكتابة الجماعية، ولكن الجو الأفريقي محدد قبل الورشة ونوع المزيكا والألحان والموضوع والناتج كان أوبريت متكامل وليس أغاني فردية مثل مشروع كورال.

    ويشير مينا جرجس، منتج العرض، إلى أن مشروع النيل بدأ من 4 سنوات بدعوة فنانين من أفريقيا النيل، لكن هذا العام نجمع خبرات بين مشروع كورال وبين مشروع النيل وأفريقيا، وأغلب الكورال أول مرة يغني وأول مرة يألف أغاني وأول مرة يلعب مزيكا.

    الفيضان جاي جاي حتى ولو أتاخر شوية

    العرض الذي يعد مزيج من الحكي والغناء هو أوبريت قصير من تأليف المجموعة التي صاغت الفكرة على غرار الحكايات والأساطير الشعبية الإفريقية، إلا أنها لم تأخذ من التراث الأفريقي فجاءت فكرة العرض لتعكس مشكلة المياه التي يمر بها العالم وتلقي النظر على علاقة البشر بالبيئة. بدأ العرض بدخلة حدوتة أسطورية (كان يا مكان كل الناس كانوا عايشين بطول حوض النيل سُعدا و مش خايفين، لكن سنة بعد سنة كان فيه خطر بيحل ورغم إن الحياة ماشية كان فيه خطر بيحل كانت المياه بتقل لحد ما وصلت المشكلة لمشكلة حياة أو موت، اتعودت الكائنات والقبائل على حوض النيل أنها تحتفل كل سنة أول يوم الفيضان ينطوا كلهم في المياه فترطش على الضفة فتروي الزرع، و في يوم الفيضان الكل بيخرج من بيته والأرض بتفرح فبتتزرع، الفيضان جاي جاي حتى لو اتأخر شوية، لكنه مجاش لأن السحاب قرر ما يمطرش) ومزج بين أربع حواديت بطول حوض النيل مربوطين ببعض متداخلين وهم: ولاد الكوبرا جابي وهابي، وسبع السبوع، ونبؤة الحكيم، وسحابة منفية، وقصة التمساح، لكن في النهاية تجمع السحاب الذي احتبس المطر واتفق كيف سيروي الأرض، ثم “بخ جابي و هابي الدوا اللي بيحول التراب لطمي على البذور وسبع السبوع اتنطط على الأرض عشان يسويها والتمساح بكى عشان يرويها، ورجع السحاب من جديد يمطر ورجع تاني حوض النيل يتعمر وعاش الناس من تاني بطول حوض النيل سعدا ومش خايفين”.

  • “النيل” عندما غنى.. كيف ربط المصريون أفراحهم وأحزانهم بالنهر؟

    “النيل” عندما غنى.. كيف ربط المصريون أفراحهم وأحزانهم بالنهر؟

    “سأرتقي صفحة النيل، ومعي حزمة من الغاب أحملها على كاهلي، سأذهب الليلة، فالنهر خمر، وتباح غابه، وسخمت لوتسه، وأيارت براعمه، ونفرتم زهوره…” هكذا تغنى المصري القديم بالنيل وله…

    الأغاني التي ارتبطت بالعمل هي أقدم أنواع الفن الشعبي، والأعمال التي ارتبطت بـ“النيل” هي أقدم أنواع الأعمال أيضًا.

    سليم حسن، أحد أبرز علماء الآثار، الذي يرى أن الغناء تأصلت جذوره الأولى في أرض الفراعنة، يقول في كتابه الموسوعي “مصر القديمة”: الفلاح والصانع كانا يستعينان على عملهما الشاق بالغناء المتواضع، حتى لقد كان الغناء جزءًا من العمل الذي يؤديه العامل، يدلنا على ذلك أن المثَّال كان يضيف إلى تمثاله الذي صوره الأغنية التي تناسبه.

    والفلاح أو الزارع عندما يعمل لساعات طويلة متأخرة من الليل، في ري الأرض، ماذا يجد أمامه إلا النيل ليحكي له ويبثه شكواه وحزنه بل وحبه وعشقه، أليس النيل “حمَّال الهموم” الملك الذي “يطيب” لحم كل من خاضه، لكن كيف يطيب لحم من خاضه؟

    أرقُّ ما يكون الشوق

    بلد الحبايب بعيد.. نوحي يا عين

    يامن يجيب لي حبيبي وياخد من عيوني عين

    النيل هدف جرف وأنا دمعي هدف جرفين

    دموع الشاعر لكثرتها غلبت مياه النيل، أليس الشاعر وُفِقَ في مبالغته المحمودة تلك؟ إنَّ أصدق الشعر أكذبه.

    كان النيل وراء المصري حين يولد وحين يموت وحين يغني وحين يحتفل وحين يقص وحين يطلق المثل الحكمة بل حتى حين يتسلى بالفوازير، وأرق ما يكون الشوق إذا مر عبر النيل…

    والقصر دا ما اطلعه

     كان حبيبي فيه

    والفل دا ما اقطفه

    بياض جبينه فيه

    والبحر دا ما اشربه

     سافر حبيبي فيه

    والبحر إذا أطلق دون صفة أو إضافة فهو نهر النيل، هكذا يقول درويش الأسيوطي في كتابه أفراح الصعيد.

    شلباية البحر في ليلة العمر عجبتيني

    مدي دلالك على البحر عديني

    عديت دلالي على البحر عديتك

    لو كان خشيمه قليلة كنت سقيتك

    وفي رواية:

    شلباية البحر يا بيضا عجبتيني

     مدي شعورك على البحر عديني

    “العريس” يغني لعروسه “شلباية البحر”، في ليلة العمر، وقد أُولِع بحسنها، فطلب منها أن تستخدم دلالها على البحر ليمرا عليه ويلتقيا، والبحر شهم، لن يرد الجميلة، أو ربما غلب دلالها هيبة البحر، فإن للبحر هيبة.

    و”الشلباية” هي إحدى أنواع السمك النيلي فضية اللون رشيقة الحركة، وربما هذا هو سبب تشبيه المرأة الجميلة بها، فكما أولع شعراء العرب القدامى بغزلان الصحاري القفر، أولع المصريون بـ”الشلباية” إحدى أسماك النيل.

    فالشلباية إذن هي المرأة الجميلة، وفي بعض قرى الصعيد يطلقون على البقر  أنه “شلبي”، لأن المشهور عنه أنه لا يقرب أي طعام، ولأن منظره جميل أيضًا، كأنه “شلباية من البحر”.

    وصورة النيل في الأغاني الشعبية غنية وثرية فـ”البحر مليان لجروفه”، والنيل في الأدب الشعبي حياة الأرض فإذا سقاها أخضرت “وبقت مليحة” حتى سمكه عجيب “بيصلي”، هكذا تروي نعمات أحمد فؤاد،  في كتابها “النيل في الأدب الشعبي”.

    بعيني رأيت السمك بيصَّلي

      وفروجنا يخرِّط بصل ويتقلي

    يعني كان السمك يصلي بينما الدجاج يقطع البصل ليصنع الصلصة، عجيب هو النيل!

    بحر النيل

    والأدب الشعبي لا يعترف بإطلاق اسم النهر على النيل، فهل يمكن أن يكون النيل إلا بحرًا، وفي الوقت نفسه لا أحد ينكر أن النيل نهر، لكنه من الجنة، إنها تناقضات العشاق لا أكثر.

    زرعت بستان من أحسن زهور وريحان

    وبدرت تقاويه على النيل العظيم وريحان

    وكل عاشق أتى تحت الشجر والعود

    والزهر جميل.. الموعود يا بخته

    والعطر هبت روايحه واتمايل العود

    أخف شيء القرنفل حلو يا بخته

    في كتاب “الفلاحون”، للأب هنري عيروط، يذكر أن النيل هو من يهب مصر نضوجها، فهو يدخل أرضها غنيًا بجريان 5 آلاف كيلومتر، محملا برواسب يجلبها معه أثناء رحلة السفر العظيم، وهو يتجدد كل عام وينظم بحياته حياة مصر.

    كاتم الأسرار

    وفي مروية حسن ونعيمة، واحدة من أشهر المرويات الشعبية، التي أداها الفنان محمد طه في ستينيات القرن الماضي، لم تغفل المروية دور النيل بعد مقتل حسن، بطل الموال، بسبب حبه لنعيمه، فحين قتله أهل نعيمة قطعوا رأسه وألقوا جثته في النيل لتسافر الجثة إلى بلده:

    الجتة شالوها على البحر الكبير ولا وش

    العمدة عنده خبر وشيخ الغفر ولا وش

    حتى يصل إلى:

    يومين في البحر والتالت دفنته حنّت

    طلعت بنات البلد تملا عليه حنّت

    ظلت الجثة في البحر “هو النيل لا شيء غيره” يومان، إلى أن حنَّت إلى الدفن في اليوم الثالث، وعندما ذهب “بنات البلد” يملأن جرارهن من البحر وجدن الجثة فأشفقن عليها.

    إن القتلة عندما أرادوا التخلص من جثة القتيل أودعوه النيل، والنيل يعرف كيف يصون الودائع، ليقذف الجثة أمام بلدته، فالنيل يعرف ويسمع ويرى ويرد الغريب، ويشفق على المظلومين.

    هل ينتهي الأمر عند هذا، كلا إن “ضابط المباحث” وهو يبحث عن قاتل حسن وجد نعيمة تجلس قبالة البحر:

    مشى عالبحر بيدوَّر

    لقي صبية بتبكي والبكا جبلي

    فأين يمكن أن تذهب نعيمة، ذات البكاء “الجبلي” إلا “قُبالة البحر”، ولمن تشكو سوى للنيل “مودع السرائر”.

    إن النيل مصدر كل شيء حي في مصر، حياة العاشق والمعشوق والناس والحيوان، وكل احتفالات المصريين ترتبط بشكل أو بأخر به، إنه ملهم الأغاني والحواديت، إنه الملهم والشاعر والملحن والمؤدي، والحديث عنه يطول.


    مصادر وأسانيد:

    1. نعمات أحمد فؤاد، النيل في الأدب الشعبي،ص45 وما بعدها، الهيئة العامة لقصور الثقافة1997
    2. سليم حسن، موسوعة مصر القديمة، ص35، ج18، الهيئة العامة للكتاب 2000
    3. الأب هنري عيروط، الفلاحون، ص40 وما بعدها نسخة pdf دون تاريخ نشر
    4. درويش الأسيوطي، أفراح الصعيد الشعبية، ص28، الهيئة العامة للكتاب ج1،دون تاريخ نشر
    5. أحمد رشدي صالح، الادب الشعبي، مكتبة النهضة، ص283 وما بعدها، الجزء الاول، 1971
    6. هشام عبدالعزيز، فولكلور النيل، الهيئة العامة للكتاب، 175 وما بعدها، 2016

    مصدر الصورة: كتاب الفلاحون، الأب هنري عيروط

  • “بحر الدميرة”.. الوجه الغاضب لـ”النيل”

    “بحر الدميرة”.. الوجه الغاضب لـ”النيل”

     

    “سأرتقي صفحة النيل، ومعي حزمة من الغاب أحملها على كاهلي، سأذهب الليلة، فالنهر خمر، وتباح غابه، وسخمت لوتسه، وأيارت براعمه، ونفرتم زهوره…” هكذا تغنى المصري القديم بالنيل وله…

    احتفال المصريين يرتبط بشكل أو بآخر بالنيل العظيم، فهم إذا حزنوا ذهبوا إلى النيل، مودع الأسرار، كما جرت العادة أيضًا تحديد موعد الأفراح في أوقات الفيضان، قبل بناء السد، وإذا حزنوا حملت النساء “النيلة” على رؤوسهن.

    والنيلة قطعة طين من النهر توضع فوق الرأس أربعين يومًا، أما إذا تعسرت الولادة فماذا كان النساء يفعلن إلا أن يلجأن إلى النيل، فتبتلع الواحدة منهن قطعة من طينه لتسهيل الولادة، إن النيل رفيق وطبيب لا يمله المصريون ولا يملهم.

    كان من عادات المصريين أوقات الفيضان تفريق العطايا واغتسال ذوي العاهات في مياه الفيضان لـ”يطيب لحمه”، واستمر ذلك الاعتقاد إلى وقت قريب في القرى، فضلًا عن الاعتقاد أن مياه النيل تساعد على سرعة التئام الجروح، بحسب ما ذكره هشام عبدالعزيزي في كتابه “فلكلور النيل”

    وإذا احتضر الفلاح وجاء أجله نسي كل شيء، لكن أهله جميعا لا ينسون أن يعطونه جرعة أخيره من “الماء الحي”، من ماء النيل.

    بحر الدميرة

    والنيل كما أنه “جبَّار الخواطر” وهو الشهم طبيب المرضى، فهو أيضًا بحر الدميرة، وهي أوقات الفيضان، حيث كان النهر يُغرق بيوتًا وأقاليم، هذا الفيضان كان يُطلق عليه “بحر الدميرة”.

    بحر الدميرة  جروف فوق جروف

    ولا قلب رق يطلع الملهوف

    بحر الدميرة رمال فوق رمال

    ولا قلب رق يطلع الغرقان…

    لقد أطبق بحر الدميرة على الغريق، وغيبه في أعماقه، كما يبتلع التيه الضال فيه، كلاهما رمال فوق رمال، والدميرة هي الفيضان والجرف شط النيل.

    والبنت عندما غرق والدها أخذت تردد أغان غاية في الحزن قائلة:

    واقول عليك يا فلق من نخلة

    والله رجيل وصاحب النخوة

    واقول عليك يا فلق من جميزة

     والله رجيل وصاحب الهيبة

    أبوي العزيز أوعى تكون نايم

    عدي البحر وتعالى عايم

    والفِلق هي جذع النخل، ويضرب به المثل للرجل قوي البنية، و”رجيل” بحسب لهجة الصعيد القصد منها المبالغة في رجولته وقوته، واللفظ يرتبط غالبًا بمواقف البطولة، ثم تقول “أوعى تكون نايم، عدي البحر وتعالى عايم” وهنا عبور البحر مظهر قوته وقدرته.

    موسم جبر الخواطر

    ولأهمية النيل في حياة المصريين اقتصاديا واجتماعيا فقد كان وقت الفيضان ونقصانه وزيادته أمور في غاية الأهمية، وعندما  يزيد ماء النهر بعد النقطة بـ17يومًا، يدور المنادي على  أهل البلد، وكل حي كان له مناد بمرتب شهري، يأتي كل صباح ينادي ومعه طفل يردد وراءه.

    يقول: يا من تدبيره عظيم، فيرد الطفل مولاي مالي غيرك، ويستمر في تسبيح الله إلى أن يصل إلى بيت فلاح يروي ويزرع ويحصد فيقول: والله يؤمنني على سر فلان، ويرد الصبي أي ان شاء الله

    وكما تقول نعمات فؤاد في كتابها “النيل في الأدب الشعبي” كان من العادات أيضًا أن يطوف المنادون مع صبياهم على البيوت وهم ينشدون بالمعازف والطبل.

    المنادي: وحلَّ جبر الخواطر

    الصبيان: عوف الله

    المنادي: وجبر الخواطر على الله

    الصبيان: عوف الله

    دا شيء من السنة للسنة… والمنادي يستطرد في مناداته والصبيان يردون في كل مرة عوف الله، فماذا يقصدون بعوف الله، هل هي محرفة من أوفى الله بمعنى أن الله أوفى وبعث النيل فياضَا فسقى زروعهم، أم يقصدون عفو الله فبدلوا الحروف؟ كلا الأمرين جائز، خاصة أن عوف الله تلك تطورت إلى تحية عندما يلقيها الناس في القرى البعيدة على بعضهم بعضَا “عواف عليك” أو عوافي ليرد الآخر الله يعافيك.

    نعود إلى المنادي وصبيه، فما زالت تلك العادة موجودة في قرى الصعيد، إلا إنها بعد بناء السد تغير الوقت ليصبح وقت الحصاد، بدلًا من الفيضان، إذ هناك مهن يتعين لأصحابها نصيب معلوم من القمح أو المال بشكل سنوي ثابت، مثل التربي وصانع الكفن والمغسل…

    ويظل النيل يغني، ويلهم ويسرح المصريون في حكاويه، ورغم أنه كريم معطاء إلا أنه لا أمان له، فإذا جاء “بحر الدميرة” فخف على نفسك منه.


     مصادر وأسانيد:

    1. نعمات أحمد فؤاد، النيل في الأدب الشعبي،ص45 وما بعدها، الهيئة العامة لقصور الثقافة1997
    2. درويش الأسيوطي، أفراح الصعيد الشعبية، ص28، الهيئة العامة للكتاب ج1،دون تاريخ نشر
    3. أحمد رشدي صالح، الادب الشعبي، مكتبة النهضة، ص283 وما بعدها، الجزء الاول، 1971
    4. هشام عبدالعزيز، فولكلور النيل، الهيئة العامة للكتاب، 175 وما بعدها، 2016

    مصدر الصورة: عرفة عبده كتاب وصف مصر بالصور، دار الشروق 1993

  • والأساطير أيضًا تعشق “حابي”.. معتقدات شعبية بطلها النيل

    والأساطير أيضًا تعشق “حابي”.. معتقدات شعبية بطلها النيل

    في عام 1735، سرت شائعة في مصر أن القيامة قد اقتربت، وبعد يومين فقط سيدك الله الأرض دكًا ويجمع الناس ليوم معلوم.

    هذه الشائعة التي يرويها الجبرتي في تاريخه تقول إن المصريين في ذلك التاريخ، الذي وافق 1147 هجريًا، هرعوا إلى النهر نساء ورجالا يغتسلون فيه، ربما كان ذلك لجوءًا وهربًا من أهوال القيامة أو طلبًا للتطهر الأخير قبل الرحيل للآخرة، وربما كانت نزوة أخيرة من الدنيا.

    لقد عبد المصريون القدماء “حابي” إله النيل، وحابي هو أحد أبناء “حورس”، وحابي أو حعبي تعني السعيد أو جالب السعد، عبده المصريون في الأماكن التي تقترب من النهر أكثر، فهل انتهت علاقة المصريين بالنيل عند هذا الحد؟

    ملك لا يُنجَّس

    علاقة المصري بالنيل، كما تفسرها المعتقدات الشعبية، تبدأ منذ ولادته حتى الممات، وليس مستغربًا في القرى القريبة من النهر أن يكون “وحم” المرأة الحامل هو طمي النيل.

    وليس غريبًا أيضًا أن تلقي المرأة “خلاصها”، عقب الولادة في النهر الجاري، إذا كان لا يعيش لها مولود، وهو طقس شعبي تؤديه إحدى السيدات وهي تبتسم، راجية أن يكون المولود سعيدًا.

    إلقاء الخلاص في النهر يتكرر أيضًا مع المواشي، أملًا في إدرار اللبن، إذ يحمل الخلاص طفلين لم يبلغا الحلم، ليلقيا “المشيمة” في النهر أيضَا.

    لكن في الحالين هل يفكر الناس أنهم يلوثون نهر النيل؟ كلا إن البحر ملك، هل رأيت ملكًا يُنجس؟ الماء الجاري طهور، هكذا يعتقدون.

    عِرق الصِّبا.. عندما ينام البحر

    ولأن النيل ملك فهو خير علاج للأطفال المصابين ببثور، وما إن يغتسلوا في ماء النهر، حتى يذهب ذلك عنهم.

    وماء النيل ليست شفاءً لبثور الأطفال وحسب، بل يمنح الصحة والقوة الخارقة أيضًا، فالنيل يغفو لحظات في السنة، إذ أدركها محظوظ وشرب منه أو اغترف منه فسوف يصيبه “عِرق الصِّبا”، وهي قوة خارقة تُمنح له مدى الحياة.

    هذه اللحظة التي يغفو فيها النيل يُعتقد أنها تكون ليلة القدر في أواخر رمضان، ويعتقد أنها في ليلة غير معلومة من السنة، إلا أن الاعتقادين يتفقان على أنها في ساعة السحر، آخر ساعات الليل قبل بزوغ الفجر “عندما ينام البحر”.

    والبحر هو “النيل” كما يطلق عليه، إنهم يدعون النيل بالبحر، إلا إنهم لا ينكرون اسم النهر على النيل أيضًا.

     صورة قديمة لنهر النيل تعود لما قبل 1890
    صورة قديمة لنهر النيل تعود لما قبل 1890

    ابن منظور، صاحب معجم لسان العرب، أورد عدة شواهد على ارتباط لفظ البحر بالعذوبة، متابعًا “وقد أجمع أهل اللغة أن اليمَّ هو البحر، وجاء في الكتاب العزيز: فَألقيهِ في اليمَّ، قال أهل التفسير هو نيل مصر” انتهى ما قاله ابن منظور، المتوفي 1311 ميلادية.

    الغريب أن بعض العلماء قديما، ومنهم الشوكاني (توفي 1834) قالوا إن البحر لا يطلق إلا على نيل مصر، معللين ذلك بقولهم “لتبحره واتساعه”، اتفق المصريون مع علماء اللغة إذن.

    والبحر، أو النيل، المشهور عنه أنه “غدار”، فإذا أردت اللهو والسباحة فيه، فلا تقترب من وسط النهر إلا إذا كنت ماهرًا، وإلا غلبك وأخذك إليه، وهنا يقال على غريق النهر “أخذه البحر”.

    النقطة المعجزة

    قبل بناء السد العالي كان المصريون يتابعون فيضان النيل، وعلى أساس ذلك تُحدد المحاصيل ومواقيتها، وقسمت أشهر السنة القبطية إلى فصول زراعية.

    وزيادة الفيضان كان مؤشرًا لسنة تحمل رغد العيش لمصر، وقد ارتبط فيضان النيل بـ”النقطة المعجزة”، تلك التي تنزل  في 17  يونيو من كل عام،  إذ كان يُعتقد أنه في تلك الليلة تسقط نقطة معجزة في النهر، فتتسبب في ارتفاعه، وكان المصريون يحتفلون بـ”ليلة النقطة” أو عيد رئيس الملائكة ميخائيل.

     (ميخائيل في الفكر القبطي هو رئيس الملائكة، وهو نفسه ميكائيل في الفكر الإسلامي)

    ويروي الواقدي في كتابه فتوح الشام أن السيدة مريم عندما دخلت البهنسا بمصر هي وابنها وجدا بئرًا وأرادا أن يشربا فوجدا المياه قد غارت فيها.

    وبعد عطش شديد، بكى عيسى فحزنت الأم فارتفع الماء من قعر البئر إلى سطحها حتى فاض فشربا، وهي منذ ذلك اليوم ترتفع في أوقات يعرف منها زيادة مياه نهر النيل.

    مقياس النيل في الروضة- الفترة بين 1850إلى 1890
    مقياس النيل في الروضة- الفترة بين 1850إلى 1890

    “فألقيه في اليم”

    وعلى الرغم من أن “القرآن” لم يصرح بـ”النيل” في أي من نصوصه، إلا أن أكثر المفسرين ذهبوا إلى أن النيل هو “اليم” الذي ألقي فيه نبي الله موسى، هذا فضلًا عن أن يوم وفاء النيل، كما يذكر بعض المفسرين، هو نفسه “يوم الزينة” الذي التقى فيه فرعون موسى.

    وبحسب مفسر بقدر الطبري فإن اسم نبي الله موسى يرتبط  بالنيل أيضًا، إذ يفسر اسمه موسى بقوله “وموسى فيما بلغنا بالقبطية كلمتان”مو”  وهو الماء و”سا” وهو الشجر، ولم يتسن لي معرفة دقة ما ذهب إليه المفسر الكبير، يضيف الطبري: إنما سمى بذلك لأن أمه ألقته في اليم كما أُوحي إليها، وقيل إن اليم هو النيل.

    منبع النيل

    وعندما نزل العرب مصر أرجعوا سبب ثرائها الى النيل، نلمح ذلك في الكتب التي تحدثت عن فضائل مصر، كما أسهبوا في الكتابة عن منابع النيل،  فذهب بعضهم إلى أنه يأتي من جبل يدعى جبل القمر وآخرون ذهبوا إلى تفسيرات غير ذلك.

    ابن كثير في موسوعته “البداية والنهاية” لم يكن ليغفل الكلام عن النيل “وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبُعد مسراه فيما بين مُبتداه إلى مُنتهاه” بحسب قوله، متابعًا: إن أصل النيل من جبال القُمْر، يعني أنها بيضاء، إذن فهم جبال وليست جبل واحد.

    لكن ابن خلدون لم يدع نصًا كهذا يمر عليه دون تدقيق، فقد رأى أن عند تلك الجبال حيات عظيمة، تقتل بمجرد النظر، وأشياء غريبة وأناس ليسوا عاديين مستدركًا: وليس خلف ذلك عمران.

    المعتقدات الشعبية حول النيل لم تُنتج دفعة واحدة، بطبيعة الحال، بل توارثتها الأجيال تباعًا، فأضاف كل جيل إلى تلك المعتقدات ما يناسب عصره، ومع ذلك فإن تلك المعتقدات قديمة “تحق كحت البحر”، وهو المثل الذي توصف به الأشياء القديمة أو التي نود المبالغة في عمرها، ويَحُق يعني شَاهدَ أو عاصَر، وكَحت أو فَحت يعتي حَفر وأما البحر فهو النيل، ذلك النهر الخالد.


    مصادر وأسانيد:

      • عبدالرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج2، 2013، طبعة الهيئة العامة المصرية للكتاب.
      • هشام عبدالعزيز، فولكلور النيل، 2011، ص70 وما بعدها.
      • عمرو عبدالعزيز منير، مصر والنيل بين التاريخ والفولكلور، الفصل الخامس ص265، 2009، مكتبة الدراسات الشعبية.
      • عماد الدين ابن كثير، البداية والنهاية، ج1 ص 58، 1999، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية، ط1.
      • محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج13 تفسير سورة القصص، نسخة PDF دون اسم أو تاريخ إصدار.
      • عبدالرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الفصل 60 ص 365 وما بعدها، بيت الأفكار الدولية الأردن، نسخة PDF غير مدون تاريخ الإصدار.
      • عرفة عبده، وصف مصر بالصورة، ص32- 50،  1993، دار الشروق.
      • ابن منظور، معجم لسان العرب، مادة بحر.
  • عم “روبي”.. آخر صانع للسواقي في بلد السواقي

    كان يستند برأسه على حائط ورشته العتيقة، ترك الزمن آثاره على هيئة خطوط غائرة ترسم ملامحه وسنوات العمر التي مرت على وجهه.. عم “روبي” الذي تجاوز عمره سبعة عقود، هو من أقدم صانعي السواقي في الفيوم، والوحيد الآن بعد اندثار هذه الصناعة بفعل الحداثة وانحسارها الآن في ورشته التي توارثها عبر أجيال.

    تقترن الفيوم بالسواقي، لأنها المحافظة الوحيدة التي اشتهرت بها وبصناعتها منذ قدماء المصريين، ويرجع ذلك لاختلاف طبيعة الأرض واختلاف مناسيبها، فتنخفض الأرض بشمالها 26 مترًا تحت سطح البحر، وبجنوبها 42 مترًا تحت سطح البحر، ولذلك كانت تدور في أراضيها السواقي.

    “قديمًا كانت الورشة كل يوم ثلاثاء تزدحم بالزبائن من مختلف مراكز المحافظة، للبيع والشراء فى السوق الأسبوعي، الآن لا يوجد إلا الوحدة والفراغ والحسرة علي أيام جميلة مضت”.. هكذا يصف عم روبي وضع هذه الحرفة في الفيوم.

    ويضيف: “خلاص يا أستاذة (الكار انتهى) فين أيام زمان كانت الفيوم فيها سواقي متتعدش، وكنا فى السنة بنعمل من 10 إلى 15 ساقية، دا غير الصيانة لباقي السواقي في موسم السدة الشتوية، كان العمل في الساقية بيحصل فى الأرض اللي هيتركب الساقية فيها في مدة من 5 إلى 6أيام، ونروح من مكان إلى آخر، أنا وعائلتي كنا المسؤولين عن ذلك، أما الآن مفيش شغل ممكن ساقيه كل كام سنة، أو نعمل صيانة ساقية قديمة”.

    ويتابع: “عملت مع أبويا من الصغر أنا وأخواتي والآن بعد موتهك مفيش غيري، عندي ولد وحيد مشتغلش في الشغلانة لأنها خلاص مبقتش تجيب همها، هو عنده عيال محتاجين مصاريف”.

    ويتحسر عم روبي، ويتلفت بعينيه في أرجاء المكان الخاوي من الزبائن والعمال، ويقول: “كان يوجد معي عمال عندما كان هناك عمل لهم، أما الآن وبعد توقف الحال، اتجه الصنايعيهة ومن بينهم إبني وأبناء إخوتي للعمل في مهن أخرى فإبنى فتح ورشة لغسيل السيارات، وأبناء إخوتي اتجهوا للعمل الحكومي أو ورش تصنيع الأثاث”.

    ويضيف: “مين يا أستاذه هيعمل ساقية تتكلف من 10 إلى 12 ألف جنيه في هذا الزمن، زمان كانت تكلفة الساقية ألفين وثلاثة بس كان الفلاح مجبر علي كده لأنه الحل الوحيد للري، أما الآن مع وجود مواتير رفع وتأجيرها الأمر اختلف طبعًا هيوفر عليه الفلوس وكمان الوقت، كما حدث مع (نوارج الدراس) الخاص بدرس القمح والتي كانت من الأخشاب وتجرها الدواب وكنا نصنعها أيضًا، ولم تعد موجودة هي الأخرى لظهور الميكنة الحديثة لدرس القمح”.

    ويكمل: “كما أن ارتفاع أسعار الأخشاب كان له تأثير ملحوظ ليس على صناعة السواقي والنوارج فقط، فقد كنا نصنع مستلزمات الفلاح الخاصة بالزراعة مثل الفأس والذي يتكلف الآن من 50 إلى 60 جنيهًا، قل الطلب عليه بظهور الفأس الصيني الذي يباع بـ 15 أو 20 جنيهًا، وأصبحنا لا نعمل جديد ولكن نشتغل على تصليح القديم فقط والذي يحتاج لتجديد اليد الخشبية فقط أو لصيانة اليد القديمة التي تتكلف 4 جنيهات للتصليح فقط”.

    سبع سواقي كانت بتنعي …… على اللي نابها من المظالم
    فضلت حياتها تدور وتدعي …… الله أكبر عليك يا ظالم

    هذه الكلمات لصالح جودت، وغنتها شادية في إحدى الأفلام، فصوت السواقي لمن يسمعها يثير جو من الشجن والحزن الدفين بالفعل، وأيضًا صوت عم “روبي” وهو يحكي عن السواقي تلمح في عينيه بريق وحب دفين لصنعة السواقي، وتسمع في صوته كثير من الحزن حتى أنه في بعض الأوقات كانت تقف الكلمات منه فلا يتكلم ولكن يخبط كفيه بحركة تدل على الأسف والحزن.

    يشرح عم روبي أنواع السواقي، ويقول: ليست كل السواقي تسمي ساقية فهناك نوعان، الأول وهى التي تسمي ساقية بالفعل والتي تصنع من خشب الأشجار وتعمل بجر الدواب، وهي رخيصة نسبيًا لنوع الخشب وحجمها الصغير، وهذه تصلح لرى الأراضي المرتفعة التي لا تصلها المياه.

    أما النوع الثاني ويسمى “التابوت” وهي الأغلى سعرًا لأن الخشب المستعمل فيها يكون خشب أبيض من الموسكي أو العزيزي الغالي الثمن، لكي يكون خفيف الوزن لأنها تعمل عن طريق قوة ضغط المياه، ويصل ارتفاعها من 9 إلى 12 مترًا في بعض الأحيان.

    وهذا النوع يوجد الآن في ميدان السواقي فهناك أربعة توابيت “سواقي” كما يطلق عليها بعد أن كانوا سبعة، فيما مضى، لأن هذه المنطقة كانت أراضي زراعية هي ومنطقة المسلة الآن، والتي أصبحت جميع الأراضي عبارة عن أبراج سكنية ومحال تجارية، وأصبحت السواقي للفرجة فقط.

    يقول عم روبى: “مينفعش أشتغل شغلانه تانية غير دي.. مقدرش أعملها، وكمان الورشة بشم فيها ريحة جدودي، وفي سني ده هروح فين، المهم عندي إني جوزت بناتي الثلاثة، كل اللي خايف منه المرض وأنا ماليش تأمين صحي وربنا يستر ويصلح حال البلد”.

    وتركته ورائحة الورشة العتيقة العبقة برائحة الأخشاب ورطوبة الأرض الترابية المنداة بالمياه تملأ المكان، وكلماته الأخيرة ترن في أذني إلى الآن “هنعمل إيه، أدينا عايشين وربنا يفرجها”.

باب مصر