باب مصر

الوسم: الست

  • حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟

    حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟

    أثار فيلم «الست» بطولة الفنانة منى زكي، الذي يتناول السيرة الذاتية للمطربة أم كلثوم، جدلا واسعا وتباينا في الآراء حول اختيار الممثلين لأداء الشخصيات الرئيسية، ومدى التشابه بينهم وبين الشخصيات الحقيقية. وهو ما فتح باب التساؤلات حول مدى الالتزام بالحقائق التاريخية في أفلام السيرة الذاتية. وإمكانية تقديم هذه الأعمال مع وجود اختلاف في الملامح الجسدية أو الصوت للشخصية الرئيسية. وتأثير ذلك على مصداقية العمل وقدرته على إقناع الجمهور.

    هذا الجدل ليس جديدا، إذ يتكرر مع تقديم أفلام السيرة الذاتية الأجنبية. ويستعرض «باب مصر» أبرز الدراسات المتعلقة بأفلام السيرة الذاتية لا سيما الخاصة بالفنانين، إلى جانب آراء فنانين ونقاد بشأن أفلام سيرة ذاتية عالمية تعرضت للجدل نفسه.

    بدايات أفلام السيرة الذاتية للفنانين

    ترجع بدايات أفلام السيرة الذاتية لشخصيات فنية إلى أربعينيات القرن الماضي. حين قدم المخرج ألفريد إي. جرين فيلم «قصة جونسون» عام 1946، الذي تناول سيرة المغني وكاتب الأغاني الأمريكي من أصل ليتواني آل جونسون. لاقى الفيلم إقبالا جماهيريا آنذاك، وحاز ثلاث جوائز أوسكار عن الموسيقى التصويرية. وبحسب مجلة “ميلوديك مجازين” شكل نقطة انطلاق حقيقية لهذا النوع السينمائي.

    ولم تقتصر هذه الأفلام على تقديم السيرة الذاتية للموسيقيين فقط، بل نجحت كذلك في تحقيق إيرادات مرتفعة. من بينها فيلم “سيلينا” إنتاج عام 1997، من بطولة جينيفر لوبيز، الذي حقق إيرادات وصلت إلى 611 مليون دولار في الأسبوع الأول للعرض. ونال إشادة لتناوله السيرة الإنسانية والفنية لسيلينا كوينتانيلا بيريز.

    جينيفر لوبيز من فيلم سيلينا.. الصورة من أي أنسايدر
    جينيفر لوبيز من فيلم سيلينا.. الصورة من أي أنسايدر
    تشكيل الذاكرة العامة

    من هنا، تصاعدت شعبية هذا النوع السينمائي الذي يستكشف حياة رموز الموسيقى والفن وتأثيرهم في مجالهم. وبحسب مجلة “ميلوديك مجازين”، تمثل أفلام السيرة الذاتية مزيجا من السرد والسيرة والموسيقى. لتسليط الضوء على القصص الشخصية لفنانين ذوي شهرة واسعة.

    ووفقًا لمبادرة آننبرج للشمول بجامعة جنوب كاليفورنيا، “بإمكان أفلام السيرة الذاتية تشكيل الذاكرة العامة والتأثير في التغيير الاجتماعي”. لأنها تمزج بين السرد والحقيقة إلى حد يتلاشى فيه الفارق بينهما. وغالبا ما تصبح هذه الأفلام هي الرواية التاريخية الراسخة، سواء بشكل إيجابي أو سلبي.

    الحقيقة والخيال

    يواجه هذا النوع من الأفلام انتقادات مستمرة بسبب طمس الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال. وبحسب تحليل نقدي نشر في مجلة “تاستراي” الفنية. فإن هذه الأعمال تعتمد على مشاهد مضاءة بأضواء الاستوديوهات لتحقيق أقصى قدر من التأثير العاطفي، وليس بالضرورة إعادة بناء أحداث الماضي بدقة.

    وعن الجدل المتعلق بمدى شبه الشخصيات الرئيسية بنظيراتها الحقيقية في أفلام السيرة الذاتية. يشير تحليل نقدي بموقع “تاستراي” الفني إلى أن تحدي التمثيل يتضاعف في هذا النوع من الأعمال. لتوافر كم كبير من المعلومات الموثقة عن الشخصية.

    ويضيف: “هنا لا نكون أمام دور متخيل بالكامل، بل أمام إنسان حقيقي يعرفه الجمهور ويتفاعل معه. فضلا عن أن ملامح الشخصية وطريقة حديثها وحركاتها موثقة ومحفوظة في الذاكرة العامة. وعلى الممثل أن يحاكيها بدقة”.

    دور غير متخيَل

    بحسب مقالة بحثية بعنوان “التمثيل في سيرة ذاتية: لعب الدور الحقيقي” للممثلة والكاتبة ميشيل ساباتو، فإن التمثيل يتطلب من الممثل دراسة متعمقة لأبعاد الشخصية التي يؤديها. إلا أن تقديم السيرة الذاتية يُضاعف من صعوبة المهمة. لأن الدور هنا غير مُتخيل، بل يستند إلى شخص حقيقي.

    وتستشهد ساباتو بمقولة سانفورد ماينسر، مدرس التمثيل الشهير: «التمثيل هو التصرف بصدق في ظروف خيالية». وتطرح تساؤلا حول إمكانية تطبيق هذه المقولة في حالة أفلام السيرة الذاتية المستمدة من أحداث واقعية، وتقديم شخصية تاريخية معروف شكلها للجمهور.

    ما دور الممثل في أفلام السيرة الذاتية؟

    في ورقة بحثية بعنوان: «اللعب والتقليد والتجسيد: عن التمثيل في أفلام السيرة الذاتية»، للباحثة سيلفيا كولوس، من قسم الدراسات الثقافية وقسم السينما والثقافة البصرية بجامعة نيكولاس كوبرنيكوس في مدينة تورون البولندية. تنطلق الدراسة من سؤال جوهري حول دور الممثل في فيلم السيرة الذاتية. وما الذي يعنيه تجسيد شخصية حقيقية.

    وتستعرض الدراسة تجارب بارزة، مثل أداء هيلين ميرين عند تجسيد شخصية الملكة إليزابيث. سواء الأولى أو الثانية، وتجربة فيليب سيمور هوفمان في تجسيد شخصية ترومان كابوت.

    كما تشير إلى تجربة توماش كوت في أداء دور جراح القلب البولندي الشهير زبيجنيو ريليجا. وتتساءل عن أسباب التأثير الذي تركته صورة تشارلي تشابلن على الشاشة كما قدمها روبرت داوني جونيور.

    تصور مقنع للشخصية الأصلية

    تطرح كولوس في ورقتها البحثية سؤال الإقناع، ومدى قدرة أدوار السيرة الذاتية على جعل المشاهد يصدق ما يراه. وتستخدم كلمة “مقنع” عن قصد بدلا من “دقيق حرفيا”. لأن النقاش لا يدور حول التطابق النصي، بل حول شعور المشاهد بان هوفمان كان كابوت فعلا، وأن ميرين كانت الملكة إليزابيث.

    وتؤكد في ورقتها البحثية أن الدور لا يتعلق بطمس الحدود بين الحقيقة والواقع المعروض على الشاشة. بل بخلق تصور مقنع للشخصية الأصلية، وليس إعادة إنتاج واقعها الخاص كما هو.

    أساس الشخصية السينمائية

    من هذا المنطلق، تبني كولوس تأملاتها على افتراض أن أداء الممثل في فيلم السيرة الذاتية ينتج شخصية سينمائية قائمة على عنصرين أساسيين:

    •  تفسير الدور: تقديم قراءة تحليلية لشخصية البطل، مستمدة من سيرته وحياته، تحمل دلالات أعمق تساعد المشاهد على فهمه.
    •  التكيف: ويتصل بالبنية الجسدية للأداء. مثل المظهر الخارجي، ولغة الجسد، وتعابير الوجه، وطبيعة الصوت واللهجة، وطريقة النطق، إذا كانت جزءا من الشخصية الأصلية.
    الملامح والصوت

    تستند كولوس إلى آراء بيوتر سكريبتشاك في كتابه، مستعينا برأي الفيلسوف ستانلي كافيل، الذي يرى أن الممثل على خشبة المسرح يجسد الدور بمعناه الخارجي. بينما يكون التمثيل في السينما أعمق، لأنه يقوم على احتواء الدور ووضعه داخل الممثل نفسه.

    وتقول في ورقتها البحثية إن من بين العناصر الأساسية التي تخضع لعملية التكيف في أفلام السيرة الذاتية تبرز أهمية المظهر الجسدي للممثل. إذ تمنح هذه الأفلام الأولوية للمظهر بدرجة تفوق كثيرا من الأنواع السينمائية الأخرى.

    اختلاف الملامح وعدم إقناع الجمهور

    ينص البحث على أن: “هذه الأفلام تكشف أهمية المظهر في بناء الشخصية وتثبيت إحساس الواقع على الشاشة. وأول ما يثير خللا في تلقي المشاهد للفيلم غالبا ما يكون مرتبطا بعدم الاقتناع بالمظهر”. وتضرب مثالا برد فعل الجمهور لو أسند دور أدولف هتلر إلى رجل أشقر خال من شاربه المميز. في إشارة إلى أن تأثير الإخلال بالملامح الأيقونية للشخصية وعلاقته بمصداقية التجسيد.

    وتطرح تساؤلا آخر حول شكل الفيلم لو  تم تجسيد دور الأميرة ديانا بواسطة امرأة سمراء أو قصيرة وممتلئة الجسم. وتقول في البحث: “العلاقة بين الممثل والشخصية التي يؤديها تقوم على توقعات راسخة لدى المشاهد”.

    وترى أن المسؤولية في هذا السياق مشتركة بين منظومة العمل بالكامل. بدءا من مختصي اختيار الممثلين، مرورا بفناني المكياج، وصولا إلى القرار النهائي الذي يتخذه المخرج والمنتجون. فاختيار الممثل هو نتيجة عمل جماعي يهدف في النهاية إلى تحقيق قدر من الانسجام بين الصورة المعروفة للشخصية وتجسيدها السينمائي.

    رامي مالك وفريدري ميركوري.. مشاع إبداعي
    رامي مالك وفريدري ميركوري.. مشاع إبداعي
    تطابق المظهر والمكياج

    رغم ذلك، تؤكد الباحثة أن مسألة تطابق المظهر لا تلغي إمكانية الإبداع. إذ تتجلى درجات الإبداع تبعا لتأثير مظهر الشخصية في حياتها العامة. والفترة الزمنية التي عاشت فيها، والسياق التاريخي الذي يعالجه الفيلم.

    وبحسب البحث، تزداد الإشكالية عندما يقدم الفيلم شخصية تحولت صورتها إلى أيقونات بصرية من خلال لوحات أو رسوم أو تماثيل. لأنها- على غرار السيرة الذاتية- “لا تقدم الشكل كما هو، بل تنشئ علاقة قائمة على تفسير فني أو تحويل جمالي لمظهر الشخصية”.

    أنجح أفلام السيرة الذاتية

    تزايد تقديم هذا النوع من الأفلام، وأصبح واحدا من أكثر الأنواع جذبا للجمهور. ويبرز في هذا السياق فيلم Bohemian Rhapsody الصادر عام 2018، الذي تناول قصة فريدي ميركوري وفرقة كوين. وحقق نجاحا استثنائيا بإيرادات عالمية تجاوزت 910 ملايين دولار، ليصنف ضمن أنجح أفلام السيرة الذاتية في تاريخ السينما الأمريكية.

    تغيير الحقائق في أفلام السيرة الذاتية

    يختار بعض المخرجين كسر القوالب السائدة وعدم الانصياع للقواعد المألوفة، مبتعدين عن السرد التقليدي. وتطرق موقع “تاستراي” لهذه الإشكالية في تحليل استند إلى مواقع Rotten Tomatoes وFactCheck.org وIndieWire.

    ومن بين هذه الأعمال فيلم “أنا تونيا” الذي قدم تجربة مختلفة عبر مزج رواية غير موثقة بروح وثائقي ساخر. ما يدفع المشاهد إلى الشك في صحة كل ما يراه. إضافة إلى فيلم “ستيف جوبز” الذي تم تقسيمه إلى 3 فصول. مع تركيز واضح على البعد النفسي للشخصيات أكثر من الالتزام بالتسلسل الزمني.

    تقييم أفلام السيرة الذاتية

    استعرض موقع “تاستراي” أبرز أفلام السيرة الذاتية مع تقييماتها والمشكلات الملحوظة فيها. فعلى سبيل المثال، حاز فيلم Selma على تقييم 9 من 10. ووثق مسيرات الحقوق المدنية التي قادها الدكتور مارتن لوثر كينج الابن عام 1965، وكانت المشكلة الملحوظة فيه التعديلات على الجدول الزمني.

    أما فيلم “Bohemian Rhapsody” السيرة الذاتية للمطرب فريدي ميركوري، فحصل على تقييم 6 من 10. وكان من أبرز مشكلاته الجدول الزمني والشخصيات المركبة. في حين نال فيلم “The Imitation Game” تقييم 5 من 10، بسبب تغيير بعض الحقائق الرئيسية.

    ويرجع الموقع الفني أسباب تغيير الحقائق في أفلام السيرة الذاتية إلى أن التركيز الصارم على الوقائع قد يجعل الفيلم مملا. بينما تؤدي المبالغة في التركيز على الترفيه إلى تبسيط التاريخ.

    من سيؤدي دور البطولة؟

    حول الجدل الدائر بشأن اختيار الممثلين في أفلام السيرة الذاتية وتحوله أحيانا إلى معركة. لم يعد السؤال المطروح يقتصر على من سيؤدي الدور، بل امتد إلى من يملك الحق في رواية القصة.

    وبحسب بحث أجرته مجلة “تاستراي”، تستمر النقاشات حول مفاهيم التمثيل والتجربة الحياتية. وقد تسببت قرارات من هذا النوع خلال السنوات الأخيرة في موجات غضب ومراجعات نقدية حادة حول من يستحق أن يروي القصة.

    وتواجه هذه الأفلام رقابة متزايدة من الجمهور الذي يطالب بمزيد من الشفافية واحترام هويات الشخصيات. وبحسب جوردان، تراهن بعض المشاريع على نجوم الصف الأول لضمان النجاح التجاري. بينما تعتمد أعمال أخرى على اختيارات مختلفة، مثل الاستعانة بممثلين غير معروفين.

    فيلم الجوع إنتاج عام 2008

    يعد فيلم “الجوع” إنتاج عام 2008 أحد أبرز أمثلة أفلام السيرة الذاتية. إذ قدم الممثل مايكل فاسبندر شخصية بوبي ساندز (9 مارس 1954- 5 مايو 1981). وهي شخصية محورية في تاريخ أيرلنديا، إذ كان جمهوريا أيرلنديا ومتطوعا في الجيش الجمهوري. ولعب دورا بارزا في النضال ضد الإمبريالية البريطانية في شمال أيرلندا خلال سبعينيات القرن الماضي.

    اختار المخرج ستيف ماكوين فاسبندر لبطولة هذا الفيلم الروائي المستوحى من إضراب ساندز عن الطعام. بوصفه محاولة أخيرة لاستخدام جسده للتعبير عن رفض الوجود الاستعماري. إذ مات جراء هذا الإضراب مع تسعة آخرين.

    وبحسب مقالة نقدية نُشرت في صحيفة “الجارديان” البريطانية، فإن الفيلم “صريح ومُؤدَى ببراعة، ويقدم رؤية جريئة عن الإضرابات عن الطعام”. مشيدة بأداء فاسبندر الذي وصف بالمقنع، خاصة بعد فقدانه أكثر من 22 كيلوجراما من وزنه للظهور بمظهر شديد النحافة.

    اقرأ أيضا:

    عشرات الآثار المصرية تغادر المتحف البريطاني للهند.. وحجر رشيد في الواجهة| ما القصة؟

    من أين جاء المصريون؟ قراءة في الجغرافيا والجينوم وأصل الهوية المصرية

    الكشري المصري بـ«اليونسكو».. كيف يواجه الطعام الشعبي غزو الثقافة الأجنبية؟

  • قاهرة أم كلثوم: المدينة التي وجدت صوتها!

    قاهرة أم كلثوم: المدينة التي وجدت صوتها!

    لا يوجد صوت بشري هيمن ويهيمن على فضاء القاهرة مثل صوت أم كلثوم، تحول إلى لازمة يعرفها كل من يتردد على العاصمة المصرية، وعلامة أساسية من علامات المكان. انصهر في تفاصيل المدينة فصار منها ومعبرا عنها. هكذا فرضت الست -التي رحلت عن عالمنا قبل خمسين سنة- إيقاعها على القاهرة.  في لحظات مجدها، رسمت مسارات الحركة في المدينة، وبإشارة منديلها الشهير، تفرض الصمت على مدينة عاشت للصخب.

    البشر والحجر يندمجان في منحوتة واحدة تستسلم لتلقي نفحات الموهبة المتفجرة. صوت جادت به السماء مرة، فأحسنت أرض القاهرة استقباله وتكريسه عنوانا للمدينة الألفية. الأخيرة كان ينقصها الصوت الذي يعبر عن تاريخها العريض، وجدته في معجزة أم كلثوم. لم تجد أفضل منها لتعبر عن نفسها، ولم يكن صعود الست إلى عرش الغناء العربي بلا شريك، إلا تحولا في هوية القاهرة التي كانت تمر بمنعطف تاريخي، عبرت أم كلثوم في رحلته الفنية عن بعض جوانبه بامتياز.

    ***

    تعرضت القاهرة لتحولات عنيفة وسريعة على مدار القرن العشرين، بداية من الدخول في عمليات التحديث التي جرت على وقع صدام المصريين الباحثين عن الحرية مع الاحتلال البريطاني، وتفجر مشاعر الوطنية الوليدة مع ثورة 1919، مرورًا بميلاد المدينة الكوزموبوليتانية ذات المساحات المتقاطعة والمتداخلة بين عوالم الأجانب والأفندية وأولاد البلد. ثم عصر الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والانسداد السياسي الذي ميز عقد الأربعينيات، لندخل بعدها إلى ثورة يوليو وميلاد زعامة جمال عبد الناصر ومشروعه الاجتماعي الوطني، وسنوات الحرب والنصر والهزيمة، وعصر السادات ومبارك وما شهده من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة. وفي كل هذا، ظل الحائط الشامخ في جدار المدينة هو صوت أم كلثوم، فمنذ لحظة ميلاده ظل يتردد في أرجاء المدينة التي عرفت لحظات من الألق والحزن والانكسار والفرح والتشتت والأفول.

    تركت أم كلثوم ما يمكن وصفه بالمذكرات عن الفصول الأولى من حياتها في القاهرة. تصلح هذه المادة لاستكشاف نظرتها للمدينة وكيف رصدت تفاصيلها منذ العقد الثاني من القرن العشرين، بالتوازي مع تحليل الدور الذي لعبته سيدة الغناء العربي في تشكيل المجتمع القاهري كونها فاعلة في مجتمع نخب المدينة من ناحية، ومؤثرة بصوتها في جميع طبقات وشرائح مجتمع القاهرة من ناحية أخرى. وهو أمر يمكننا بحسب ما نزعم من إلقاء أضواء على التفاعل بين صاحبة الصوت المعجز والقاهرة كوعاء مكاني أصبح المسرح الرئيس لتحركات الموهبة الاستثنائية. ربما يساعدنا هذا على تلمس بعض جوانب عظمة أم كلثوم الاستثنائية وتحولها إلى صوت المدينة. بعدما تعددت أوجه تأثيرها في مناحي مختلفة من الحياة الاجتماعية والفنية في القاهرة.

    ***

    جاءت أم كلثوم إلى القاهرة في مطلع عشرينيات القرن العشرين، وهي الفتاة الريفية القادمة من أعماق الدلتا، “اكتشفت أن هناك مدينة جديدة اسمها القاهرة! اكتشفتها بمحض الصدفة“، هكذا تقول بحسب ما نقل الكاتب الكبير محمود عوض في كتابه عنها (أم كلثوم التي لا يعرفها أحد)، والقائم على لقاءات معها، أي أنه كتاب سيرة ذاتية تتضمن ما أملته وسيرة عنها بقلم سيال مثل قلم عوض.

    هكذا كان اللقاء الأول للطفلة المنطلقة في عالم الإنشاد مع والدها وأخيها، باهتا بحسب ما تتذكر، لم يعلق في ذاكرتها من هذه الزيارة التي يبدو أنها تمت في العشرية الثانية من القرن العشرين إلا مشاهد قليلة. في زيارة تالية، أضاعت “تحويشة العمر” بعدما غنت في حي العتبة الخضراء. التجربة القاسية جعلتها تعاهد نفسها بألا تزور العاصمة الكبرى، “لكن نداء القاهرة كان أقوى من ضياع أموال قارون”، تقول أم كلثوم التي كان يمكن أن نخسرها جميعا بسبب واقعة نشل!

    وقعت أم كلثوم في غرام القاهرة، في الزيارة التالية نزلت في لوكاندة جوردون هاوس التي تطل على شارع فؤاد (26 يوليو حاليا)، ورأت من شرفة الغرفة الفندقية السينما لأول مرة في حياتها. رأت “دنيا غريبة“، وفي هذه الغرفة سمعها الشيخ أبو العلا محمد، وقرر أن يشرف على هذه الموهبة المتفجرة، وفي السنوات الأولى من عشرينيات القرن الماضي استقرت أم كلثوم في القاهرة وتحديدا حي الزمالك، عرفت القليل من المدينة وقتها.

    ***

    تحتفظ بانطباعها الأول عن المدينة خلال السنوات الأربع الأولى التي قضتها فيها، تقول: “كانت القاهرة بالنسبة لي هي الطريق من الزمالك إلى باب الخلق (حيث مقر إقامة صديقتها روحية ابنة أمين المهدي عازف العود)… كانت العاصمة بالنسبة لي هي شارع فؤاد وميدان قصر النيل وميدان عابدين وميدان باب الخلق… كانت معلوماتي عن القاهرة هي ما أقرؤه في الصحف والمجلات، وأسمعه من الناس. ومع هذا الحصار الذي كنت أعيش فيه، أحببت القاهرة وعشقتها. كنت أحس أنني أعيش في أجمل بلد في الدنيا، أحببت أهلها. وجدت في هذه المدينة الحلوة ضمانًا واهتمامًا وتشجيعًا. وجدت فيها مجدًا لم يخطر على بال“. هذه المشاعر دافعت بها أم كلثوم عن قرارها بالبقاءفي القاهرة عندما أراد والدها مغادرة المدينة والعودة إلى طماي الزهايرة، بعد هجوم صحافي أصفر على ابنته العام 1926، التي جيشت معارف الأسرة لإقناعه بالرجوع عن قراره وهو ما كان.

    عندما جاءت أم كلثوم إلى القاهرة، كانت المدينة تمر بتحولات متلاحقة. البلاد لا تزال في مرحلة تداعيات ما بعد الثورة المصرية، الاستقلال الشكلي وميلاد الملكية وصعود زعامة سعد زغلول وحزب الوفد. حياة جديدة جرت في ينابيع الواقع الاجتماعي المصري الذي عرف لأول مرة تبلور لمفهوم الوطنية المصرية بشكل جلي، وجيل الثورة من شباب الأفندية بدأ يبحث عن وسائل للتعبير عن استحقاق الأمة المصرية للاستقلال التام عبر التأكيد على قدرة المصريين على إدارة أمورهم وقدرتهم على الوقوف حضاريا في محاذاة الأمم المتقدمة ولا تحتاج وصاية بريطانية، وبدأ تيار التمصير في كل شيء؛ الاقتصاد والسياسة والفن والثقافة والغناء والمسرح والرواية إلخ.

    ***

    في هذا المناخ جاء صوت أم كلثوم المصري جدا، المتوهج بالموهبة الخارقة. ومن المهم هنا أن نشير إلى أن قصة صعود أم كلثوم كفتاة ريفية حفرت طريقها بفضل موهبتها، تتطابق مع قصص صعود جيل الأفندية الذين سيطروا على الحياة الثقافية والفكرية في مصر خلال عقود العشرينيات والثلاثينيات وما بعدها. لقد رأوا فيها التعبير الأنثوي لرحلة صعودهم، والنموذج المعبر عن الروح المصرية الخالصة في ضوء تقديمها فنها بلا ابتذال وفي إطار من الحشمة والوقار، صورة مصرية أردوا أن يقدموها بعيدًا عن صورة لم يتقبلوها لمطربات العصر وفي مقدمتهن منيرة المهدية.

    عرفت أم كلثوم القاهرة وتلمست روحها وعرفت كيف تسيطر على إيقاعها، هذه المرة وقعت المدينة في عشق المطربة الاستثنائية، فتحت أبواب مسارحها لاستقبال الفتاة التي تردد صوتها في أصداء المكان، والتي اتقنت فنون اللعبة وعرفت كيف تندمج في المجتمع المديني دون أن تفقد احترامها لنفسها، تخلت عن الجوقة العائلية وكونت تختها المحترف الذي ضم أساطين العزف وقتذاك. غنت في مسارح عماد الدين، هناك مسرح على رأس الشارع في تقاطعه مع شارع فؤاد استأجرته وعرف باسمها لم يعد له وجود الآن.

    ***

    غنت في حديقة مقهى ريش، دخلت السينما وغنت في الأوبرا المصرية بالأزبكية، لم تعد غريبة عن المكان خصوصا بعدما اندمجت في نخبة القاهرة وأصبحت نجمة مجتمع، تركت العقال والبالطو والمنظر البدوي الذي أطلت به أول مرة، استبدلته بصورة أكثر وقارا لفتاة قاهرية محتشمة، أنيقة دون ابتذال. نالت الدعم من شخصيات قاهرية مرموقة في مقدمتها الشيخ مصطفى عبد الرازق؛ الذي تولى مشيخة الأزهر في ما بعد، والذي كتب مقالة داعمة والذي دعمها كثيرا ورعاها بعد ذلك.

    يمكن لنا رسم خريطة بتحركات أم كلثوم في مدينة القاهرة، غنت في النادي الأهلي، أمام مسرح سينما قصر النيل يمكن أن نسرح بالخيال في المكان الذي أحيت فيه الكثير من الحفلات، انتقالها من بيتها في شارع فؤاد بالزمالك إلى فيلا بالحي ذاته مع إطلالة نيلية، هنا عاشت المعجزة الأرضية حتى وفاتها، لم يعد البناء القديم قائما حل محله في سنوات الانفتاح القبيحة بناء بلا معنى، تم الاعتذار بأثر رجعي بنصب تمثالها أمامه، هي السيدة الوحيدة التي لها تمثالين في القاهرة، الثاني يقع داخل الأوبرا المصرية في الجزء الجنوبي من جزيرة الزمالك، كأن الجزيرة كرست لها.

    ***

    تتبع المسارح التي غنت عليها في شارع عماد الدين والأزبكية يغني خريطتنا الافتراضية عن تنقلاتها في المدينة، لكن الأهم أنها فرضت تصورات ذهنية عميقة على مستويات مختلفة، فوجودها شكل أكبر داعم لقضايا المرأة وقتذاك، لم تعد المرأة مجرد سلعة، ارتقت بالفن المصري وخلصته من الغناء الخليع الذي ألصق كتهمة بالمطربات، حققت انتصارا طبقيا لفتاة ريفية اقتحمت عالم القاهرة النخبوي وطبقته الارستقراطية حتى وصلت سطوتها إلى أبواب القصر الملكي ثم مجلس قيادة الثورة.

    أصبحت أم كلثوم رسميًا صوت القاهرة، مع تعاقد الإذاعة المصرية معها قرب نهاية الثلاثيناتلإذاعة حفلها في الخميس الأول من كل شهر، ساهمت حفلاتها في تشكيل الحياة الاجتماعية لأبناء القاهرة، فاللقاءات تؤجل والمواعيد تُلغى والجميع يمكث في البيت بجوار المذياع، ظاهرة استوقفت فرجينيا دانيلسون، التي أرخت لأم كلثوم في كتابها (صوت مصر: أم كلثوم والأغنية العربية في القرن العشرين)، بقولها إن حفلات الخميس الأول من كل شهر أصبحت عند غالبية المصريين هي “ليلة أم كلثوم”، فرسخت من مكانتها الأسطورية “وصارت حفلاتها مناسبات يُدعى فيها الناس إلى التجمع حول أقرب جهاز راديو للاستماع إلى ما تغنيه في ليلة الخميس ومسامرة الأصدقاء والأقرباء… لقد ظلت حفلات الخميس الأول المذاعة أحداثًا كبرى في الثقافة الجماهيرية المصرية حتى توقفت بسبب مرضها ثم وفاتها“.

    ***

    البعض سيجادل بأن مشهد جنازتها هو مشهد الهيمنة المطلقة لها على فضاء المدينة، كونها المرأة الوحيدة التي تشهد شوارع القاهرة مثل هذا الوداع الأسطوري الممزوج بجلال الموت، لحظة تتساوى تمامًا مع تاريخ حفلاتها في الخميس الأول من كل شهر، عندما فرضت سطوتها على إيقاع المدينة لعقود، ينصت الجميع لسماع الصوت المعجز، اكتملت دائرة الهيمنة التي استمرت لنحو أربعة عقود كاملة، كان لافتًا أن صور جنازتها التي تحولت إلى تظاهرة وداع، تعكس غلبة الشباب على الحضور، ما كشف وسط الدموع المنسكبة والوجوه الحزينة عن مستقبل مشرق ظل صوت أم كلثوم حاضرًا فيه بقوة لم تزده الأيام إلا عمقًا ورسوخًا.

    لذا أرى أن المشهد الختامي لهيمنة أم كلثوم على المدينة وتحولها إلى أحد رموزها العليا، أي أن تتحول إلى أحد أدوات تعريف المكان، هو مشهد الألفية الجديدة عندما تسمع صوتها وترى صورتها في كل مكان، القاهرة تحولت في المخيلة الشعبية إلى مدينة الست، الأخيرة هي صوت القاهرة والمصريين عموًما، عشرات المقاهي تحمل اسمها بصورة لا يمكن حصرها تقريبًا، صوتها يناسب حاملا بهجة أول ساعات النهار مع “يا صباح الخير يا اللي معانا”، ويجلجل في فحمة الليل بـ “أنت عمري”.

    ***

    تسمع صوتها ينطلق مرحًا يتسلل من سيارة مسرعة، يقتحم عليك خلوتك من مصدر لا تعلمه. هكذا أصبحت من رموز المدينة الأبدية؛ نقول قاهرة المعز؛ قلعة صلاح الدين؛ جامع محمد علي؛ جمالية نجيب محفوظ؛ صوت أم كلثوم. أشياء تعيش مع الزمن وتكسب معركتها معه تعطي للمكان تعريفه وخصوصيته، تتحول إلى أحد فسيفساء تعريفه هكذا أعادت أم كلثوم بفنها إعادة صياغة فضاء القاهرة لتصبح صوت المكان والمعبر عنه، في مفارقة صارت المدينة مقهورة أمام صوتها القاهر.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «الست».. صوت السماء

  • «أم كلثوم» تكتب: قصتي مع المليم والجنيه

    «أم كلثوم» تكتب: قصتي مع المليم والجنيه

    بدأت أغني وعمري ثماني سنوات، وكان ذلك عند مأذون قريتنا «طماي»، وغنيت يومها “أقول لذات حسن ودعتني بنار الوجد طول الدهر آه”. ولم أتقاض مليما، فقد كان شرفا لنا أن نغني عند المأذون، وسمعني أهل القرية المدعوون عند المأذون وقالوا إن صوتي جميل. وفي اليوم التالي دعيت إلى فرح خفير نظامي في عزبة “الجوال” بالقرب من قريتنا، وقد غنيت هناك إلى الصباح. وفي تلك الليلة تقاضيت أول أجر في حياتي وكان عشرة قروش صاغ، ولم يكن هذا نصيبي وحدي، وإنما كان أجرة الفرقة المكونة من والدي وأخي خالد وأنا.

    وبدأت القرية تسمع باسمي، وبعد ذلك بخمسة أيام أقام الحاج يوسف تاجر الغلال بالسنبلاوين ليلة ودعانا لإحيائها، وغنيت في تلك الليلة أغنية: “حسبي الله من جميع الأعادي وعليه توكلي واعتمادي”. وبقيت أغني من الساعة التاسعة مساء إلى الساعة الثانية صباحا بغير انقطاع. وكم كان سرورنا عندما دس صاحب الفرح يده في جيبه وأعطانا أجرنا الضخم، وكان في ذلك الوقت خمسة وعشرين قرشا. سررنا كل السرور وأعتبرنا أنفسنا بهذا المبلغ أغنياء.

    ***

    وبعد ذلك فكر حسن أفندي حلمي التاجر بمحطة أبوالشقوق فى إقامة “ليلة” يكون الدخول فيها بأجر، وكان أجر الدخول خمسة قروش في الدرجة الأولى، وثلاثة قروش، في الدرجة الثانية، وبلاش في الدرجة الثالثة. أي يقف المتفرج من وراء الخيمة. ونجحت الليلة نجاحا لم يخطر لنا على بال. فقد حضرها متفرجون من البلاد المجاورة، وكان بين هؤلاء بعض أهالي المنصورة فأقبلوا يهنئونني، ولم أعرف أني نجحت إلا عندما أعطانا صاحب الليلة جنيها ونصف جنيه، ونظرت إلى الجنيه فى دهشة، فقد كان أول جنيه أراه في حياتي.

    ودعانا عبد المطلب أفندي الموظف بدائرة المرحوم الشناوي باشا في الأسبوع التالي. لإقامة فرح أخيه فى كفر دماص بندر المنصورة بأجر قدره جنيه ونصف في الليلة بما في ذلك مصاريف الانتقال. وبدأت أشعر أني انتقلت من مطربة “محلية” إلى مطربة “عالمية”. ذلك أني دعيت بعد ذلك إلى الغناء في مركز أجا. ثم وجدت نفسى انتقل من مديرية الدقهلية إلى مديرية الشرقية فغنيت في كفر صقر. وفي سنة 1915 كنت أركب حمارا ويسير أبي وأخي على أقدامهما!

    وفى سنة 1916 زاد إيرادنا، فكنا نركب نحن الثلاثة حميرا. ومن الطريف أن أهل الفرح كانوا يحضرون لنا الحمير لنذهب إلى الفرح وبعد انتهاء الفرح يتركوننا نعود إلى بيتنا مشيا على الأقدام. وحتى سنة 1919 كنت أركب الدرجة الثالثة فى قطار السكة الحديد، وفي سنة 1919 ارتفع أجري بارتفاع القطن فوصل إلى ثماني جنيهات، ثم قفز إلى عشرة جنيهات. وكنا نجلس في الدرجة الثانية بتذاكر الدرجة الثالثة، لقد كنت أغني لهذا الكمساري طول الطريق ولا أقف إلا في المحطات!

    ***

    وأول بيت رجل كبير دخلته منزل”حمزة” بالمحلة الكبرى، وكان الداعي نعمان الأعصر باشا عمدة المحلة، وقد أرسل يدعونا بالتلغراف، وكان هذا أول تلغراف تلقيته في حياتي، ولم نقاوله طبعا، واكتفينا بأن نرسل له خطابا بالقبول. وغنيت وأعطاني ثلاثة جنيهات فقط، ولم أقل شيئا فقد أعطاني المبلغ في كوفية حرير. ولم يكن هذا المبلغ قليلا في تلك الليلة، فقد رآني الشيخ أبوالعلا محمد لأول مرة. ومنذ تلك الليلة أصبح أستاذي ومنذ تلك الليلة أيضا تغير مجرى حياتي.

    فقد سافرت مع الشيخ أبوالعلا محمد إلى مصر وتتلمذت على يديه. وكان أول شيء فكر والدي بعد أن تحسنت حالتنا المادية هو أن سمع أن البيض يحسن الصوت، فكان يجعلني آكل خمس بيضات كل يوم. وقد ظهر أن هذا البيض الكثير يتلف المرارة، ونتج عن هذا أن الأطباء الآن يمنعونني من أكل البيض، وفي كثير من الأحيان أشعر أن من أعظم أماني حياتي أن آكل بيضة واحدة!

                                                                                                                          آخر ساعة- فبراير 1948.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «الست».. صوت السماء

    شهادة أصدقاء الطفولة: «أم كلثوم» في سنوات التكوين

    «الست» في 2025: ماذا لو كانت أم كلثوم بيننا اليوم؟

    أم كلثوم العربية ضد عبد الوهاب المصري على الشاشة

    مصطفى بيومي يكتب: «أم كلثوم في عالم نجيب محفوظ»

  • مصطفى بيومي يكتب: «أم كلثوم في عالم نجيب محفوظ»

    مصطفى بيومي يكتب: «أم كلثوم في عالم نجيب محفوظ»

    غيب الموت أول أمس الناقد والروائي مصطفى بيومي، صاحب العديد من الدراسات البارزة والمميزة، من أهم معجم شخصيات نجيب محفوظ. نستعيد هنا واحدة من مقالته المهمة التي يرصد فيها علاقة سيدة الغناء العربي أم كلثوم بالروائي نجيب محفوظ. وقد سبق أن نشر المقال في موسوعته«المسكوت عنه في عالم نجيب محفوظ»

    لا تقتصر أهمية أم كلثوم في عالم نجيب محفوظ على تصدر عرش الغناء دون منافسة جدية أو مزاحمة، باستثناء الصراع مع منيرة المهدية في بداية الظهور، لكنها تُعدَّ من أهم الشخصيات في إبداع الكاتب الكبير، وربما تحتل المكانة الثانية في عالمه الرحيب بعد الزعيم المقدس ذي السحر الخاص؛ سعد زغلول.

    باستثناء أقلية ضئيلة، تقل كثيرا عن المعادين لسعد والرافضين لزعامته، فإن إجماعا كاسحا يتفق على الإعجاب بأم كلثوم والإقرار بتفردها، وهو إجماع يتجاوز صراعات الأجيال وخلافات الاجتهاد السياسي وتباين الأفكار.

    • البداية والنشأة

    لم تكن الساحة خالية عند ظهور أم كلثوم، ذلك أن المرحلة التاريخية، عشرينيات القرن العشرين، تشهد وجود عدد كبير من المطربين والمطربات الذين يحظون بشعبية هائلة، وهو ما ينعكس على عالم محفوظ، حيث يتبدى الولع بكثرة من العلامات الغنائية البارزة، في مقدمتهم عبده الحامولي ومنيرة المهدية، لكن انتماء الأول للقرن التاسع عشر، وسيادة الثانية في الربع الأول من القرن الجديد، يضفى على أم كلثوم مكانة خاصة تنبع من تفوقها المطلق اعتبارا من بداية الربع الثاني في القرن، وهي الفترة التي تمثل الإطار الزمني للغالبية العظمى من أبطال نجيب وشخوصه.

    مع بداية الظهور، تطل منيرة المهدية لتمثل منافسا شرسا أكثر شعبية وانتشارا. أفراد شلة أطفال «المرايا» يتذاكرون يوما مطربة «جديدة»، أم كلثوم، يقول عنها سرور عبدالباقي:

    « – سمعتها في فرح وأعتقد أن صوتها أحلى من صوت منيرة المهدية!

    فـ «كبر علينا» ذلك وقال جعفر خليل:

    • صوت منيرة يعلو ولا يُعلى عليه.

    وانتهره خليل زكى، عديم الاهتمام بالغناء، قائلا بوقاحته المعهودة:

    • لا تردد آراء أمك بيننا!».

    الأغلبية الساحقة من «الرأي العام»، ممثلا في أطفاله، تنحاز إلى منيرة المهدية، ومقولة سرور، البريئة العابرة، تمثل «صدمة» ينم عليها استخدام الراوي لتعبير «كبر علينا»، واندفاع جعفر خليل للدفاع، ومبادرة خليل زكي بالهجوم الوقح!.

    إذا كان هذا هو موقف الصغار الذين لم يتشكل وجدانهم ويكتمل وعيهم بعد، لكنهم يعكسون الشائع السائد في عالم الكبار الناضجين، فإن الجيل الأقدم يبدو أكثر حذرا وحرصا في التعامل مع الصوت الجديد.

    ***

    في «قصر الشوق»، يستشهد إسماعيل لطيف في حواره مع كمال عبدالجواد بأغنية للمطربة الجديدة أم كلثوم: «الحقيقة إن قلبك موجع، إنه يغنى مع المطربة الجديدة أم كلثوم: أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا».

    هذا الاستشهاد يمثل بدايات استيعاب الجيل الجديد لصوت أم كلثوم والاندماج معها، لكن جيل الآباء يختلف. في الرواية نفسها، يستمع السيد أحمد عبدالجواد، أحد أبرز المولعين بالغناء في عالم نجيب محفوظ، إلى أسطوانات المطربة الجديدة، ولا يبدى شيئا من الحماس والتعاطف: «أعارها أذنا حذرة مضمرة لسوء الظن، فلم يتذوقها رغم ما قيل من أن سعد زغلول أثنى على جمال صوتها».

    تتشكل ذائقة الجيل الذي ينتمي إليه أحمد على أغاني عبده الحامولي ومحمد عثمان ويوسف المنيلاوي، وليس من الميسور إضافة الصوت الجديد الشاب إلى التراث المزدحم المستقر، ولا تجدي شهادة الزعيم سعد زغلول في الإحساس بالصوت وتذوقه.

    في جلسة الشراب التي يتذكر فيها أحمد سماعه لأسطوانات المطربة الجديدة في منزل صديقه محمد عفت، يسأل عفت العالمة العتيقة جليلة عن رأيها في أم كلثوم، فتقول: «صوتها، والشهادة لله، جميل. غير أنها كثيرا ما تصرصع كالأطفال»!.

    ***

    يبدو أن محمد عفت، الذي يقتني الأسطوانات ويسمعها لأصدقائه، من المؤمنين بموهبة المطربة الصاعدة، وقادر على التخلص من مؤثرات تراثه الغنائي التقليدي، فهو يعود ليقول:

    « – البعض يقولون إنها ستكون خليفة منيرة المهدية، ومنهم من يقول بأن صوتها أعجب من صوت منيرة نفسها!».

    تتوالى ردود الفعل المحتجة الرافضة لمقولته الجريئة، وتهتف جليلة مدافعة عن مقام منيرة ومكانتها:

    « – كلام فارغ!، أين هذه الصرصعة من بحة منيرة؟

    وتقول زبيدة بازدراء:

    • في صوتها شيء يذكرني بالمقرئين، كأنها مطربة بعمامة!

    ويقول أحمد عبدالجواد رافضا، مقرا في الوقت نفسه بشعبية الصوت الجديد وانتشاره:

    • لم أستطعمها، ولكن ما أكثر الذين يهيمون بها، والحق إن دولة الصوت زالت بموت سي عبده».
    ***

    البداية القوية لا تحول دون الانقسام والتحامل العنيف الجائر على الموهبة الثرية، ذلك أن توجهها يصطدم بالشعبية الجارفة لمنيرة المهدية وهيمنتها على عشاق الغناء. أحمد عبدالجواد يتخلص من الصراع وعبء الاختيار، فهو يرى البطولة المطلقة لعبده الحامولي، ولا متسع عندئذ لمنيرة وأم كلثوم معا!.

    بعد استقرار أم كلثوم على العرش، في سنوات تالية، يستمر الصراع بلا هوادة، فهذا الاستقرار لا ينفى وجود متحمسين إلى درجة التعصب الأعمى لكل ما هو قديم، في مواجهة غلاة المحبين لأم كلثوم إلى درجة الهوس والتطرف غير المحدود.

    في «خان الخليلي»، يرى أحمد عاكف، المحافظ التقليدي، أن الغناء القديم هو الطرب الذي يأسر النفوس بغير عناء. وإزاء هذا التصريح، يتساءل سيد عارف في إنكار:

    « – وأم كلثوم وعبدالوهاب؟»

    لا يملك أحمد إلا الاستمرار في الدفاع عن رأيه، فيقول:

    « – عظيمان فيما يرددان من وحى القديم، تافهان فيما عداه!».

    ويأتي تعليق سيد متعصبا لا هوادة فيه:

    «- أم كلثوم عظيمة ولو نادت ريان يا فجل!».

    عندئذ، لا يجد عاكف مفرا من الإقرار بعظمة «صوت» أم كلثوم، دون اعتراف مماثل بعظمة «فنها»!:

    « – أما صوتها فلا خلاف عليه، ولكن حديثنا عن الغناء من الناحية الفنية!».

    رأى غرائبى قوامه التناقض والتلفيق، بما يتوافق مع شخصية قائله. كيف يكون الصوت عظيما لا خلاف عليه، و«الناحية الفنية» تافهة ما لم تلتزم بالقديم؟، وهل يمكن الفصل بين الصوت وما يسميه بالناحية الفنية؟

    • السيادة والتفرد

    تسود أم كلثوم بلا منافس، وتتهاوى قلاع المدافعين عن القديم السابق لها.

    في «السكرية»، يعترف رضوان ياسين لعبدالرحيم باشا عيسى بأنه من «غواة» أم كلثوم، وكان ذلك في مطلع الأربعينيات، ولا يجد الباشا، المحب للقديم من الغناء، مفرا من الخضوع لسريان الزمن وتحولاته: «جميل، لعلى من عشاق القديم، ولكن الغناء كله جميل، فأنا أحب ثقيله وخفيفه كما يقول المعرى».

    وإذا كان أحمد عاكف، في المرحلة التاريخية نفسها كما تقدمها «خان الخليلي»، يتفلسف ليميز بين الصوت وأصول الفن، فإن شقيقة الأصغر رشدي يبدو نموذجا للجيل التالي الذي يعشق أم كلثوم، ويرضخ لفنها وسحره وجاذبيته بلا مقاومة.

    في مطاردته للجارة نوال، يسر بالسينما التي تختارها محطة أخيرة في رحلة المتابعة الطويلة، ومرد سروره أن السينما تعرض فيلم «دنانير» الذي تقوم أم كلثوم ببطولته: «وأدرك أن هذه المطاردة أتاحت له لذتين عزيزتين».

    ***

    وهكذا تتساوى لذة الاستماع إلى أغاني أم كلثوم في الفيلم، مع لذة المغامرة العاطفية الجديدة في حياته.

    داخل صالة العرض، يبقى رشدي مخلصا لعاطفته الغزلية، فيتجول بصره بين البناوير والألواج والمقاعد، مزجيا تحيات المودة إلى الصدور والنحور والثغور والمعاصم، لكن هذا كله ينتهي ببزوغ صوت أم كلثوم: «فما أن يغرد الصوت الإلهي بأغنية النبع «طاب النسيم العليل» حتى غفل عن الوجود».

    تفكر نوال، بعد عودتها إلى البيت، في جارها المثابر العنيد الذي يتبعها عامدا، وتتوقف أمام انشغاله بأم كلثوم على حسابها: «ومن عجب أنه نسى وجودها في السينما بترنيم أم كلثوم!، أما هي فلبثت تشعر بوجوده عن كثب منها طوال الوقت».

    ***

    لأن أم كلثوم تمارس هذا التأثير على العاديين من الناس الذين يحبون الغناء ويذوبون فيه، فإن ممارسي الفن، مع اختلاف مواهبهم وحظوظهم في الانتشار، يقرون بتفوقها ويستسلمون بلا مقاومة لشهرتها ولا يحملون بتجاوزها. غاية الطموح هو الاستمرار والتواجد في ظل سيادتها، ولعل هذا ما يفسر أن مدعى الفن على صبري، في «بداية ونهاية»، على الرغم من غروره وتعالمه الكاذب، لا يصل به التهور النرجسي إلى ادعاء منافسة أم كلثوم أو التشكيك في مكانتها، فهو يخاطب تابعه الخائب حسن كامل في مرارة وتهكم: «ماذا يُسمع الآن في الراديو؟. لا شيء. هذا زعيق فارغ وليس بغناء. ولو كانت المحطة تراعى وجه الفن وحده لكنت المذيع الأول بعد أم كلثوم وعبدالوهاب».

    بعد سطور قلائل، ينهال «نقده الفني» على محمد عبدالوهاب، ما يكشف عن اعتقاده بأنه أولى منه بالغناء في الإذاعة، لكنه لا يتعرض لأم كلثوم مقرا بأنه دونها.

    عندما يصل على صبري إلى محطة اليأس من الغناء، متفرغا لإدارة القهوة والاتجار في المخدرات، يعترف بأن الراديو محتكر بمعرفة أم كلثوم وعبدالوهاب وشرذمة من المطربين المختصين بالنشاز، ومن الجلي أن أم كلثوم فوق النشاز المنسوب إلى الشرذمة غير المسماة!.

    قبل اعتزال الغناء، لا يجد على صبري مفرا من حفظ أغاني محمد عبدالوهاب وطقاطيق أم كلثوم، حتى يتسنى له العيش «في البلد الذي لا يقدر الفن»، والأمر نفسه يتكرر مع الشقيقين إبراهيم وزكي ضرغام، في قصة «صباح الورد». تقتصر ثقافتهما الفنية على حفظ الأدوار والتواشيح القديمة: «ثم مضيا مع الزمن يحفظان أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب».

    • خصوصية ميرامار

    لعل «ميرامار» هي أكثر روايات نجيب محفوظ تجسيدا للمكانة الرفيعة التي تحتلها أم كلثوم في الحياة المصرية، وتعبيرا عن الدور الذي تلعبه في الحراكين الفني والاجتماعي معا.

    العلاقة بين سكان البنسيون لا تتجاوز حدود التعارف الشكلي التقليدي، حتى تقترب الليلة الأولى لموسم أم كلثوم، فيعرف الصحفي العجوز عامر وجدي أنهم سيسهرون حول الراديو: «وأنها ستكون ليلة طيبة عامرة بالشباب والغناء».

    لا تقتصر السهرة على الاستماع للغناء والاستمتاع به، ذلك أنها أيضا أداة تواصل اجتماعي وتعاون إنساني وتحرر من وطأة الروتين والملل، وعلى هذا التوجه يجمع السكان المختلفون في كل شيء تقريبا.

    ***

    حسنى علام، المندفع المستهتر اللامبالي، المسكون بالشهوات والمجون، يقول عن السهرة ذات الخصوصية المتفردة: «ليلة أم كلثوم ليلة متوجة حتى في بنسيون ميرامار. أكلنا وشربنا وضحكنا. خضنا في كل موضوع حتى السياسة».

    ويقف الشيوعي المأزوم منصور باهى في خندق واحد مع حسنى، على الرغم من التناقض الكامل بينهما، في الإحساس بطبيعة السهرة الاستثنائية: «ليلة أم كلثوم، ليلة الخمر والطرب، فيها تزحزح النقاب عن أشياء من خبايا النفوس».

    ولا يختلف الأمر بالنسبة للانتهازي الوصولي سرحان البحيري، ذي الشخصية المغايرة تماما لشخصيتي حسنى ومنصور:

    «وكانت ليلة أم كلثوم.

    نازعني المزاج إلى قضائها في بيت على بكير لنتلقى السماع في جو هادئ جدير به، كما دعاني رأفت أمين إلى السماع في مسكنه، ولكنى فضلت – بعد تفكير – السهر مع أسرة البنسيون لأوثق علاقتي بأفرادها».

    ***

    الفوارق الشاسعة بين الثلاثة أكثر من أن تُعد أو تُحصى، لكنهم يتفقون على خصوصية الليلة وطقوسها المميزة.

    ويمتد التأثير الطاغي لأم كلثوم ليطول غير المصريين. مدام ماريانا، صاحبة البنسيون يونانية الأصل، لا تغير المحطة الإفرنجية التي تدمن سماعها إلا ليلة أم كلثوم. يسألها عامر وجدي، بعد وصوله إلى البنسيون بغرض الإقامة الدائمة: «ألا نغير المحطة الإفرنجية؟»، وتأتي إجابتها واضحة سريعة حاسمة لا تردد فيها أو مجاملة: «عدا ليلة أم كلثوم فلا محطة غيرها!».

    في ليلة أم كلثوم، يستمع حسنى علام مع النزلاء الآخرين، وسرعان ما يعجز عن التركيز بسبب قلقه وملله وتوتره الدائم، ويدهشه أن المدام تحب أم كلثوم وتصغي إليها في اهتمام: «ولعلها لاحظت دهشته فقالت:

    • سمعتها عمرا طويلا».

    وفي مناسبة أخرى، يعلق حسنى على طواف ماريانا بحجرات البنسيون حاملة المبخرة: «إذن فأنت تحبين أم كلثوم وتؤمنين بالبخور؟».

    أي شيء يبقى من الانتماء الغربي لليونانية العجوز، وهي التي تحب أم كلثوم والبخور؟

    الاستماع إلى كوكب الشرق والاستمتاع بها هو القاعدة في عالم نجيب محفوظ، وخلاف ذلك هو الاستثناء النادر الذي لا يُقاس عليه ولا يُعتد به. إنها مصدر السعادة والبهجة كما في المقطع الأول من قصة «الميدان والمقهى»، مجموعة «الفجر الكاذب»: «يتهادى صوت أم كلثوم من الراديو ليسعد صباح السامعين».

    ***

    يشكل صوتها جزءا أصيلا في نسيج اللوحة المعبرة عن إيقاع الحياة المصرية، مندمجا في منظومة الصباح والشباب والإشراق والصفاء. ولأنها مصدر السعادة والبهجة، وعلامة التحقق والانتعاش، فإن المعاناة في سبيلها محتملة، وإذ تشكو اليونانية ماريانا:

    « – عيب ثومة أنها تبدأ في وقت متأخر جدا!

    يعلق عامر وجدى كأنه ينفى العيب أو يبرره:

    • ولكن الشباب نجحوا في التغلب على آلام الانتظار».

    رشدي عاكف، في «خان الخليلي»، يغفل عما حوله ليستمتع بأم كلثوم في أغاني فيلم «دنانير»، لكن سرحان البحيري لا يستطيع أن يتجاهل زهرة وهو يستمع. ولعل انشغاله بالحب هو ما يفسد عليه استمتاعه «المعتاد»، أو على حد تعبيره: «لم أستمتع بأم كلثوم كالعادة، ولا رددت معها بعض المقاطع، ولكن نشواتي تفاعلت كسيال كهربائي مع زهرة».

    الفارق بين رشدي وسرحان هو الفارق نفسه بين مغامرة عاطفية لم تكن قد وصلت إلى حافة الحب بعد، وبين حب ملتهب يعانى من أزمة حقيقية معقدة، وهذا الفارق هو ما يؤدي إلى انتصار أم كلثوم على نوال، وتراجعها أمام زهرة!.

    • العلامة والرمز

    غياب استمتاع سرحان يمثل الاستثناء النادر في علاقته مع أم كلثوم، وهو ما يمثل مظهرا من مظاهر «الشذوذ» عند شخصية أخرى تستبدل بالنواح والعديد أغاني أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب.

    من مظاهر «الشذوذ» التي يتسم بها عبدالمنعم الكاشف، في قصة «صباح الورد»، وتعبر عن شخصيته المضطربة: «أنه مولع بنواح الندابات أكثر من أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب».

    في هذا السياق، يبدو التشبه بأم كلثوم هو الأداة الوحيدة المتاحة لتقريب المعنى الذي تعجز اللغة العادية عن استيعابه.

    في «السكرية»، لا تجد العالمة المتقاعدة جليلة ما تعبر به عن مكانتها القديمة المندثرة، إلا أن تقول لكمال عبدالجواد: «كنت في أيامي كأم كلثوم في أيامك الكالحة».

    المراهنة هنا على معرفة كمال اليقينية بالمكانة التي تحتلها أم كلثوم في الثلاثينيات والأربعينيات، وبالقياس يمكن تخيل مكانة جليلة وشهرتها في الزمن القديم.

    تعود جليلة إلى ماضيها المزدهر المندثر مستعينة بأم كلثوم، ويلومه مستقبل أخريات على ضوء ما تمثله المطربة المتربعة فوق القمة، حالمات بمجدها والتطلع إلى خلافتها. النجاح الذي تحققه المطربة الشابة وداد صبري، في قصة «صباح الورد»، يذكر الراوي بما كان يقوله أبوها لأبيه في زمن قديم، في سياق مديح ابنته الموهوبة: «هذه البنت ستخلف أم كلثوم على عرش الغناء».

    ***

    وهل من نموذج يُحتذى يفوق أم كلثوم؟!

    لأن الفكاهة تمثل ملمحا رئيسا في عالم نجيب محفوظ، فإن أم كلثوم لا تنجو منها، لكن: أي نمط من الفكاهة يُمارس معها وتندمج فيه؟ إنها الفكاهة المنطلقة من الإقرار بعظمتها وتفردها، والمستثمرة لمكانتها غير المتنازع عليها.

    المفترض في المحامي الإخواني محمد حامد برهان، في «الباقي من الزمن ساعة»، هو نفوره من الغناء لأسباب فكرية تتعلق بعقيدته السياسية، ذات الجذور الدينية، المعادية للفن، لكن هذا لا يمنع الإخواني العتيد من توظيفه لأغنية كلثومية شائعة للسخرية من جمال عبدالناصر، وليس من المطربة، فهو يقول ساخرا عن «نزهة» اليمن التي تنقلب إلى متاهة: «أسمعت ما يُقال عن أغنية أم كلثوم «أسيبك للزمن»؟. يُقال إن الأصل هو: أسيبك لليمن!».

    وفي «السراب»، يعود الدكتور أمين رضا من بعثته الأوروبية ساخطا متذمرا متمردا، مبشرا بالانحياز إلى الحكومات الفاسدة المعجلة باشتعال الثورة، بديلا للحكومات الشعبية التي لا تستطيع أن تفعل شيئا، وعندما يُسأل:

    « – ألا تجد في مصر ما يستحق إعجابك وتقديرك؟

    يدير عينيه البراقتين في الحاضرين ويقول مبتسما:

    • بلى .. أم كلثوم».

    وبعد انتهاء سهرة أم كلثوم في «ميرامار»، يقول منصور باهى للعجوز عامر وجدي، المنتمى إلى الماضي البعيد:

    « – هل سمعت في ماضيك صوتا كهذا الصوت؟

    فيجيب العجوز بأسى:

    • إنه الشيء الوحيد الذي لا نظير له في الماضي»!
    ***

    أما طلبة مرزوق، الإقطاعي الرجعى المعادي لثورة يوليو، الذي يملأ الرواية بسخرياته اللاذعة من النظام الناصري وقراراته، فإنه يستمع إلى أم كلثوم في السهرة نفسها بعمق، ويهمس لحسنى علام ساخرا: «من نعم الله أنهم لم يصادروا أذني!».

    في النماذج السابقة جميعا، فكاهة مرتبطة بأم كلثوم، لكنها لا تسخر منها ولا تتهكم عليها. المحامى الإخواني يستثمر الأغنية دون المساس بصاحبتها، للسخرية من عبدالناصر وورطته في حرب اليمن، والدكتور أمين رضا يتهكم على واقع وطنه المتخلف من خلال أم كلثوم، القيمة الوحيدة الجديرة بالاحترام، وبذلك يسخر «من خلالها»، ولا «يسخر منها». الأمر نفسه يتحقق مع عامر وجدي، الذي ينتمي إلى زمن سابق لظهور أم كلثوم وممتد إلى ما بعد سيادتها وتألقها. إذا كان التعصب للزمن القديم يفرض عليه أن يحب كل ما فيه، فإن خصوصية أم كلثوم تتبدى في أنها «الظاهرة الوحيدة» التي لا نظير لها في ماضيه، أما مرزوق فيسخر من مصادرات وتأميمات الثورة، ويحمد الله على أنهم لم يصادروا أذنيه، وكأنهما تقبلان المصادرة، حتى يستمتع بالاستماع!.

    لا يخلو الأمر من هجوم حقيقي على سيدة الغناء العربي، لكن الهجوم، مثل الفكاهة المرتبطة بها، لا يتعرض لها في ذاتها. عبدالرحمن شعبان، المستغرب المعادى للشرق والشرقيين في «المرايا»، يسخر من الولع الشرقي بالألقاب، وفي إطار هذه السخرية يتعرض لأشهر ألقاب أم كلثوم متهكما: كوكب الشرق.

    ***

    لا يخلو الأمر كذلك من برود نسبى يعترى بعض الأجيال، بحكم المتغيرات الاجتماعية والمؤثرات الإعلامية، تجاه أم كلثوم. سنية المهدي، في «الباقي من الزمن ساعة»، تنزعج لجهل حفيدها بزعماء مصر قبل ثورة 23 يوليو، ومن بروده أيضا تجاه أغاني أم كلثوم وولعه بعبدالحليم حافظ والأغاني الإفرنجية!.

    تبقى ملاحظة أخيرة حول الموقع الذي تحتله أم كلثوم في عالم نجيب محفوظ، ونعنى بذلك استخدام بعض الأغاني للتعبير عن حماس مستمع أو ذكرياته، أو لتؤدي دورا في تشكيل نسيج فني خاص يستهدفه الروائي.

    في «خان الخليلي»، يتجلى الحماس لأغنية بعينها عند المعلم زفتة، وهو مدمن عتيد قليل الكلام عادة، لكن الحوار الذي يتطرق إلى الغناء يثيره فيقول معلقا: «اسمعوا القول الفصل: أجمل ما تسمع الأذن سي عبده إذا غنى ياليل، وعلى محمود إذا أذن الفجر، وأم كلثوم في “امتى الهوى”، وما عدا هؤلاء فحشيش مغشوش بتراب!».

    من مفردات لغة الإدمان، يستمد تقييمه الفني، الذي يتسم بالإيجاز ومعانقة اليقين الذي لا يطوله الشك!

    ***

    الأغنيات المرتبطة بذكريات معينة، نجدها عند العجوز الحكيم محتشمي زايد في «يوم قتل الزعيم». يستدعى ذكريات شبابه وما يرتبط به من انطلاق وتحرر واستمتاع بالحياة: «أصدقاء العمر يجتمعون حول الدجاج المقلي، والبطاطس والشراب والفونوغراف. أسمر ملك روحي، إن كنت أسامح وأنسى الأسية».

    الأغنية الأولى لمنيرة المهدية، والثانية لأم كلثوم.

    وفي قصة «الرجل الآخر»، مجموعة «الحب فوق هضبة الهرم»، يترنم أحد السابلة شاديا: «أهل الهوى يا ليل».

    يأتي هذا الترنم تعبيرا عن سيادة العادي المألوف، من منظور قاتل مختلف عن غيره، في إطار ضبابي يمزج الواقع بالأحلام، والحقيقة بالخيال.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «الست».. صوت السماء

    شهادة أصدقاء الطفولة: «أم كلثوم» في سنوات التكوين

    «الست» في 2025: ماذا لو كانت أم كلثوم بيننا اليوم؟

    أم كلثوم العربية ضد عبد الوهاب المصري على الشاشة

    «أم كلثوم» تكتب: قصتي مع المليم والجنيه

  • أم كلثوم العربية ضد عبد الوهاب المصري على الشاشة

    أم كلثوم العربية ضد عبد الوهاب المصري على الشاشة

    كتبت في موضع آخر عن أفلام أم كلثوم مستخدما عبارة “سينما أم كلثوم” وميزت في الأفلام الستة التي قامت ببطولتها كوكب الشرق بين ما أطلقت عليه “أفلام المدينة” و”أفلام الصحراء”. وأشرت في عجالة إلى أن أفلام المدينة، التي تدور في المدينة الحديثة، كثيراً ما تقابل بين المدينة الأوروبية والحارة التقليدية، أو بين الريف والحضر. هي أفلام تدعم خطاب الهوية الثقافية المصرية الحديثة، وتجسدها في مباني ومؤسسات المدينة الحديثة والمهن التي يمارسها أهل المدن. بينما أفلام الصحراء هي أعمال تدعم خطاب هوية مصرية عربية، تعبر عن نفسها باستخدام مواضعات ومسكوكات استشراقية عن الصحراء والخيل والخيام، باعتبارها تجسيداً بصرياً لفكرة العروبة الثقافية.

    فيما يلي، أتأمل شخصية أم كلثوم في أفلام العروبة السينمائية على ضوء المقابلة بين شخصيتها السينمائية وتفاعلها مع الواقع الثقافي والاجتماعي، وبين الشخصية السينمائية لمنافسها الغنائي والسينمائي، الموسيقار محمد عبد الوهاب. أرى الفاعلية الثقافية الاجتماعية لخطاب النجمين أم كلثوم وعبد الوهاب في دعم تصور المجتمع عن الهوية المصرية، من خلال حضور كل منهما على الشاشة، تضع عبد الوهاب موضعاً يكاد يكون على النقيض من حضور أم كلثوم السينمائي.

    عبد الوهاب اللاكلثومي

    يتضح تميز اختيار أم كلثوم لأفلامها على المستويين الثقافي والسياسي، إذا ما قورن باختيار الموسيقار محمد عبد الوهاب لأجواء الأفلام السبعة التي قام ببطولتها في حقبة معاصرة لسينما أم كلثوم في الثلاثينات والأربعينات. فكل الأفلام التي ظهر بها عبد الوهاب تنتمي إلى أفلام المدينة، بل وتركز على تفوق المدينة أوروبية الطابع وأحيائها الراقية، أو تميز نمط الحياة التي يتمثلها الأبطال في المدينة، حتى لو كانوا من أصول ريفية. حتى فيلم “ممنوع الحب” بطولة الموسيقار الكبير الذي يدور قسم منه في جو ريفي، يؤكد على أن المثل الاجتماعي الأعلى في القاهرة، وهو اختيار ظل عبد الوهاب يؤكده من خلال الشخصيات التي قدمها على الشاشة، وكذلك بما أستشفه من موسيقاه ومن خطابه في الصحافة ووسائل الإعلام طيلة حياته. والريف في فيلم “يحيا الحب” هو العزبة التي تؤكد ثراء الأبطال المقيمين بالقاهرة، استناداً إلى ثروة العائلة الزراعية. وكذلك الريف في “دموع الحب” هو سر ثروة البطل محمد عبد الوهاب.

    أفلام عبد الوهاب إذاً أفلام مدينة، تدعم فكرة الحداثة المصرية باعتبارها ترتكز على التحديث على النمط الأوروبي. بينما أفلام أم كلثوم تتراوح بين ذلك الخطاب الداعم للحداثة المصرية القطرية، وهو الخطاب الموجود في ثلاثة من أفلامها: “نشيد الأمل” و”عايدة” و”فاطمة”، وبين خطاب العروبة الثقافية التي تضع الثقافة المصرية وتاريخها في إطار إقليمي رحب، وذي جذور قديمة تعود إلى العصور الوسطى، لا سيما في لحظات المجد الأموي في فيلم “سلامة” وزمن الزهو العباسي في فيلم “دنانير”، بالإضافة إلى فيلمها الأول “وداد” غير الواضح موقعه التاريخي، وإن أشار الخطاب النقدي إلى أن زمن الفيلم هو عصر المماليك.

    ***

    أي أن أم كلثوم بحضورها القوي في أفلام الصحراء تعضد خطاب العروبة الثقافية، باعتبار الصحراء علامة نمطية تشير إلى العروبة، بينما عبد الوهاب يكاد يبتعد على وجه الإطلاق عن ذلك الخطاب، مكرساً فكرة مصر الحديثة المستقلة عن الإقليم العربي، المتمثلة النموذج الأوروبي العصري.

    اللحظة الوحيدة التي كاد عبد الوهاب أن يظهر فيها وقد استخدم علامات العروبة الصحراوية التراثية هي أوبريت “مجنون ليلى” التي لحنها عبد الوهاب وغناها في ثنائي دويتو مع أسمهان في فيلم “يوم سعيد” الذي أخرجه محمد كريم عام 1939 وظهر على الشاشة في مطلع عام 1940. كان المفترض في الفيلم أن عبد الوهاب، وهو في المدينة الحديثة وبملابسه على الطراز الأوروبي، يذهب إلى المسرح أو الأوبرا مع حبيبته سميحة سميح، ليحضرا عرضاً لمسرحية “مجنون ليلى” من تأليف أحمد شوقي، وكأن المسرحية قد تحولت إلى أوبريت تؤدى غناءً على المسرح.

    ثم يتخيل عبد الوهاب نفسه وقد تحول إلى شخصية قيس مرتديا ملابس العرب السينمائية، ويظهر على خشبة المسرح أمام أمينة الشريف وهي تؤدي دور ليلى، بينما تؤدي صوت ليلى المطربة أسمهان. وتم تصوير المشهد بحيث يظهر عبد الوهاب/قيس وهو ينشد مع أمينة/ليلى أبياتا من مسرحية “مجنون ليلى” لأحمد شوقي، في إطار مختارات من مشاهد المسرحية.

    ***

    كانت الأوبريت التي يبلغ طولها عشر دقائق فرصة لاستعراض مواهب عبد الوهاب في التلحين الدرامي. وكان المشهد يلعب دور المجاز الذي يشير إلى حرارة حب عبد الوهاب لسميحة سميح. فالاستعارة التصريحية في تلك اللحظة المركبة بين زمن الفيلم وزمن العرض المسرحي الغنائي هي مجاز واضح: عبد الوهاب هو قيس، وحبيبته في الواقع المعاصر على الشاشة هي ليلى.

    كما تؤدي تلك الفقرة دور التأصيل البصري لماض مجيد يعاد إنتاجه: القصة ترجع إلى العصر الذهبي للإمبراطورية العربية المسلمة في بداياتها الأموية. فإذا بالقصة التراثية تكتسي عظاماً ولحماً وتعود بالمشاهد المصري في مطلع عام 1940 إلى القرن السابع. وكأن المشاهد يعيش لحظة مجد مؤسس، وكأنه يشهد في دقائق خيطاً يمتد على الشاشة بين زمن المجد الأموي وزمن المجد الملكي المصري، في عصر الملك الشاب فاروق، الذي كان قد صعد إلى عرش البلاد قبل عرض الفيلم بأربعة أعوام.

    ثم إن ذلك المجد الذي تستعيده السينما هو مجد متصل بخط متين بالحاضر الحديث، لأن الأبيات التي يغنيها عبد الوهاب وأسمهان كتبها شوقي في مسرحية “مجنون ليلى” وقد ظهرت عام 1931، أي قبل عرض الفيلم بأقل من عشرة أعوام.

    ***

    لكن عبد الوهاب لم يعجبه شكله بالملابس العربية والماكياج “البدوي”. وصمم عبد الوهاب على إعادة تصوير المشهد بالاستعانة بممثل آخر. وهكذا قام أحمد علام بأداء الدور بصورته لا بصوته، وهكذا تجنب عبد الوهاب أن يراه الجمهور في ملابس غير حديثة، وبهيئة لا يستريح لها. فظهر فيلم “يوم سعيد” وقد خفتت تلك الاستعارة: عبد الوهاب هو قيس وأسمهان/أمينة الشريف هي ليلى.

    وبذلك اختفت اللحظة الوحيدة التي كان عبد الوهاب قد طرح نفسه بصريا، على الشاشة، وهو يلقي بتحية إلى المجد العربي القديم، ويساهم -بظهوره في ملابس قيس بن الملوح- في تغذية خطاب العروبة السينمائية، وتأصيل الحداثة المصرية في التراث العربي أيام العصر الذهبي للإمبراطورية العربية المسلمة، والذي يتوازى مع فعل أمير الشعراء شوقي نفسه، الذي كتب مسرحية حديثة في مصر، يستعيد فيها قصة حب خالدة تعود إلى العصر الأموي.

    أم كلثوم الجارية المستقلة في النهضة الحديثة

    في أفلام الصحراء التي قامت أم كلثوم ببطولتها، أي في أفلامها “العربية” التي تدعم خطاب الجذور العربية المسلمة العريقة للحداثة المصرية، كانت كوكب الشرق دائما جارية. فشخصيات وداد ودنانير وسلامة في الأفلام الثلاثة التي تحمل أسماء البطلة، كانت جميعاً وبلا استثناء شخصيات جوارٍ مغنيات. ولم تتخل أم كلثوم عن تلك الشخصية النمطية منذ بطولتها في فيلمها الأول “وداد” عام 1936، إلى آخر أفلامها الصحراوية “سلامة” عام 1945.

    من الناحية القانونية التقنية، لم تكن دنانير/أم كلثوم أمةً، لأنها كانت حرة في مضارب عشيرة أبيها في الصحراء. وذهبت مع جعفر البرمكي/سليمان نجيب إلى بغداد مختارةً لا أسيرة أو سبية. لكن في النهاية، من حيث علاقات القوة والوضع الاجتماعي، فحتى دنانير كانت رهن إشارة “سيدها” الوزير جعفر، لأن وضعها في القصر مرتبط بأنها قد دخلت الحريم، ولأن دنانير قد دخلت في خدمة جعفر البرمكي كمغنية، وأن مصيرها مرتهن بإرادته، ثم بإرادة الخليفة هارون الرشيد بعد أن أعدم جعفر.

    ***

    ليس التناقض صارخاً على الشاشة فحسب، بين وضع الجارية القانوني في العصر الذهبي للحضارة المسلمة، وبين وضع أم كلثوم كنجمة مثقفة مستقلة تعتبر من قيادات الحقل الثقافي والمجتمع المدني، لكن التناقض الأخطر قائم بين الرغبة في إحياء ماض تليد، والسعي إلى التوفيق بين ممارسات ذلك الماضي وقيمه من ناحية، وبين سياق الحداثة المعتمد على حرية الأفراد والمساواة القانونية بينهم، من ناحية أخرى. كيف تقدم السينما -وسيط الحداثة بامتياز ودرة تاجها التكنولوجي- أم كلثوم جارية أموية أو عباسية في “دنانير” أو “سلامة”، بحيث تصلح أن تكون في الأربعينات أصلاً لصورة المرأة الجديدة، المرأة المتحررة التي ظهرت في الغرب غداة الحرب العالمية الأولى، والتي كانت أم كلثوم تجلياً لها على صفحات المجلات في الثلث الأول من القرن العشرين؟

    في أفلام الصحراء العربية، تقف أم كلثوم على حدود المفارقة التوفيقية التحديثية في خطاب النهضة، موقفا شبيها بموقف هيكل والعقاد وطه حسين في فترة معاصرة لظهور أم كلثوم الأموية العباسية السينمائية. فهؤلاء المفكرون والمؤرخون الثقافيون يكتبون سيرة النبي محمد وأيام الإسلام الأولى بوصفها – بتعبير جرجي زيدان- عصر النهضة. وكما أن كتاب النهضة يعيدون صياغة حياة النبي محمد، بحيث تبدو سياسته متفقة مع معاير الحرب والسياسة في القرن العشرين، تظهر أم كلثومعلى الشاشةفي أفلام الصحراء، في شخصية جارية، لكنها تتمتع بقوة شخصية وحرية واستقلال تنسي المشاهد أن وضعها القانوني هو العبودية أو على الأقل التبعية لمشيئة الرجال. أي كما أعاد هيكل والعقاد وطه حسين إنتاج التراث العربي المسلم ليصير مؤسساً للنهضة في الثلاثينات والأربعينات، أعادت أم كلثوم إنتاج التراث ذاته ليبدو “مشابهاً” لأفضل التصورات عن المرأة ووضعها في القرن العشرين، زمن إنتاج الأفلام.

    ***

    لكن يلفت النظر وجود تناقض كبير بين وضع الجارية أو “الخريدة” في القصر -بالتعبير التراثي-، أو حتى الحرة التي تنازلت عن حريتها بإرادتها في حالة دنانير، وبين تصورات الحداثة عن حرية المرأة، حتى في حدود المطروح في النصف الأول من القرن العشرين. المطروح آنذاك هو حق المرأة في اختيار زوجها، وحقها في الاختلاط والتعلم. وهو ما تقوم به جواري أم كلثوم على الشاشة. لكن يظل وضعها القانوني متناقضاً مع طموح الحداثة، وكأن وضع الجارية هو المسكوت عنه في لاوعي أفلام أم كلثوم التي تدور في الصحراء، وكأن الأفلام تزعم أن المرأة قد تحررت في الحداثة، بينما تعترف بشكل لاواعٍ بأن المرأة، على شاشة أم كلثوم، كما في الثلاثينات والأربعينات، لم تزل في وضع مقيد لحريتها واستقلالها.

    فالحق أن السينما بشكل عام في الثلاثينات والأربعينات، لم تكن فقط طليعية في تقدميتها وحداثتها. بل كانت السينما تحاول عمل مواءمات أخلاقية، بين فكر التحرر والمساواة والرغبة في عدم إفزاع القوى المحافظة في المجتمع. فهكذا، مثلاً، فمن ناحية تظهر السينما تطلع أم كلثوم كجارية، لكن تعطيها سطوة على الرجال بفضل ذكائها المثقف وصوتها الخلاب.

    ***

    ربما كانت علامة النهضة في أفلام أم كلثوم هي التوازي المضمر إنتاجه بين المجد المعروض على الشاشة، والمجد المفترض في مصر الملكية الحديثة. وربما كان التحسن المقصود في وضع المرأة تحديداً -كما تصوره أفلام الصحراء من بطولة أم كلثوم- هو إمكانية ترقي المرأة اجتماعياً بفضل التعلم، فغناء الجارية والخدمة في الحريم معادلان لمؤسسات التعلم الحديثة- مع اقتران التعلم باحتضان الدولة، وليس فقط احتضان رجل ثري.

    من المثير أن أم كلثوم في كل أفلامها، في الصحراء والمدينة، تترقى اجتماعياً بالزواج، أو بالرابطة العاطفية_ من رجل غني (طبيب في “نشيد الأمل” أو وزير في “دنانير”) ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لأفلام عبد الوهاب، التي كثيراً ما نراه يصعد فيها اجتماعيا بفضل التعلم والتوظف، بالإضافة على زواجه من أسرة ثرية، بعد أن يثبت “استحقاقه” للترقي.

    لكنَ فيلمين من أفلام أم كلثوم العربية الصحراوية ينتهيان بموت الحبيب أو بالفراق بين الحبيبين، في “دنانير” و”سلامة”. بينما تنتهي كل أفلامها الحديثة، التي تدور ولو جزئيا في أحياء القاهرة أوروبية الطابع، بنهايات سعيدة، أي بزواج أم كلثوم من حبيبها. ألاحظ أن النهايات السعيدة عددها أكبر في أفلام المدينة عند عبد الوهاب، فخمسة من سبعة أفلام تنتهي بالزواج السعيد بين البطل والبطلة. أرصدُ التباين بين عدد النهايات السعيدة في أفلام الصحراء عند أم كلثوم، ونهايات أفلام المدينة عند أم كلثوم وعبد الوهاب معاً.

    ***

    لكن هل نبني على هذا فرضية أن اللجوء إلى الماضي العربي عند أم كلثوم يحمل حزنا وليس فقط حنيناً، باعتبار أن وداد وحدها هي التي ينتهي بها الحال إلى العودة لحبيبها أحمد علام (والعيش معه، لا الزواج منه)؟ هل نلاحظ أن أم كلثوم الجارية تتقطع بها سبل الترقي الاجتماعي بوفاة سيدها في فيلم “دنانير”، أو تترقى اجتماعيا في “سلامة” لكنها تفقد الحب؟ مع ملاحظة أنها لا تترقى كثيراً في “وداد”، بل إنها تعيش تدهوراً متواصلاً بعد أن يبعها سيدها وحبيبها، والتحسن في نهاية الفيلم هو مجرد عودتها إلى كنف سيدها الحبيب، بلا ترقي حقيقي. وكأن الركون إلى الماضي العربي في العصر الذهبي لا يحمل عند أم كلثوم على الشاشة إلا التعاسة.

    وفي المقابل، فمعظم أفلام عبد الوهاب، وكلها ذات طابع مصري حديث تنتهي نهاية سعيدة، باستثناء فيلمي”الوردة البيضاء” و”ممنوع الحب”.وربما لا يعدو الأمر أن يكون تصوير محمد كريم وعبد الوهاب لتطور الذائقة العامة يتمثل جمهوراً يستعذب النهايات التعيسة قبل الحرب العالمية الثانية ولا يستعذبها. ففيلما عبد الوهاب اللذان ينتهيان بنهاية حزينة قد أنتجا قبل الحرب، فإذا ما اندلعت الحرب، لم يقدم عبد الوهاب إلا نهايات سعيدة، بينما أقدمت أم كلثوم على تقديم عملين “صحراويين” أثناء الحرب ينتهيان نهايات مفجعة، وكأن جلال الماضي العربي العريق لا يكتمل إلا بالحزن.

    ***

    ربما كانت العظة المستخلصة من أفلام الصحراء العربية عند أم كلثوم أن الترقي والتحديث في كنف السلطة مآله الخراب. فحبيبا الجارية في “دنانير” و”سلامة” يموتان في ميدان السياسة أو ميدان الحرب، وفي أفلام أنتجت أو بدأ صنعها في خضم الحرب العالمية الثانية: عرض “دنانير” عام 1940 و”سلامة” عام 1945 بينما استمرت الحرب من 1939 إلى 1945. وتدهور حال البطلة بتدهور حال حبيبها وحاميها يشير للمشكلة المذكورة: أن التحديث كما نراه على الشاشة يزعم تصوير نهضة، لكنها نهضة لم تزل ترهن تقدم المرأة وتطور أحوالها بكونها “جارية” لرجل أو على الأقل تابعة له.أما في “وداد”، ينتهي الفيلم بالزواج بين الحبيبين أم كلثوم وأحمد علام، لكن بعد خراب حياتيهما، فلا يبدو الهناء هو الأفق في الفيلم، ولكن تضميد الجراح.

    الاقتباس وخاتمة المصير السينمائي

    يلعب الاقتباس عن الأدب دورا في تلك المقابلة بين الهوية الثقافية، كما يرسمها كل من النجمين أم كلثوم وعبد الوهاب على الشاشة. عندما لجأ محمد كريم إلى الاقتباس، فقد استلهم رواية “ماجدولين” التي اقتبسها المنفلوطي عن رواية “تحت ظلال الزيزفون” الفرنسية لألفونس كار، المنشورة عام 1832والمقتبسة إلى العربية عام 1912.

    وكذلك استلهم الثنائي كريم/عبد الوهاب المسرحية الخفيفة الكوميديا الرومانسية “رصاصة في القلب” من تأليف توفيق الحكيم، في فيلم بالعنوان نفسه. أما الاقتباس الأوضح عند أم كلثوم فهو استلهام قصة سلامة الجارية الأمية المذكورة في كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، كما استلهمها علي باكثير في رواية “سلامة القس” ومصطفى الرافعي الذي نشرها في كتابه “وحي القلم” بعنوان “سمو الحب”.

    ***

    أي أن كلا النجمين قد لجأ إلى الاقتباس عن الأدب، ليزيد من رصيد عمله الرمزي والأدبي. لكن عبد الوهاب لجأ بوضوح للأدب الرومنسي والمسرح الحديثين، المعتمد بالأساس على الغرب الحديث، ورموزه “كار” والمنفلوطي بالنسبة ل “دموع الحب” والحكيم بالنسبة لـ”رصاصة في القلب”. بينما لجأت أم كلثوم في فيلم “سلامة” إلى كاتب محافظ، هو علي أحمد باكثير، يكتب نوعا فنيا حديثا نسبيا -وهو الرواية- لكنه يستلهم كتاب “الأغاني” القديم. أي أن المرجعية في حالة أم كلثوم هي التراث البعيد المنتمي إلى العصور الوسطى. وكأن حتى الاقتباس يشي بالتصاق عبد الوهاب بفكرة المصرية المستقلة المتمثلة الغرب الحداثي، بينما تلجأ أم كلثوم بقدر أكبر إلى المرجعية العربية التراثية.

    لجأ عبد الوهاب إلى اقتباس أدبي جزئي، إذ ضمن فيلم “يوم سعيد” مقتطفاً من مسرحية أحمد شوقي الشعرية “مجنون ليلى”. كانت هناك لحظة وحيدة في ذلك الفيلم، كاد فيها عبد الوهاب أن يعمل عمل أم كلثوم، فيظهر مرتبطاً بعلامات الصحراء وبالتالي بإشارات العروبة الثقافية تراثية المصدر. لكن شاءت المصادفة -التي هي من بلاغة القدر وحكمته- أن يشاهد عبد الوهاب الشريط بعد تصوير أوبريت “مجنون ليلى”، فلايعجبه شكله بالزي البدوي واللحية المسرحية الملازمة للقوالب البصرية عن صورة العربي القديم. وبالتالي يوجه عبد الوهاب بإتلاف البوبينة المصورة، ويطلب من المخرج محمد كريم أن يعيد تصوير المشهد بممثلين آخرين وباستخدام صوت الثنائي عبد الوهاب وأسمهان من خارج الصورة.

    ***

    هكذا احتفظنا بصريا بصورة عبد الوهاب الشاب والرجل الناضج حصرياً بملابس الحداثة الإفرنجية في فيلم “يوم سعيد”. ويزيد من المفارقة أن عبد الوهاب في حضوره العربي القديم على الشاشة، حين يعير صوته لشخصية من العصر الأموي مثل قيس بن الملوح، إنما يفعل هذا باستخدام تقنية الفويس أوفر، وهي من أكثر التقنيات السينمائية تعقيدا في عمر صناعة السينما المصرية آنذاك، لأنها تقتضي تركيب الصوت على الصورة بعدما تم تسجيلهما بممثلين مختلفين وفي سياقين مختلفين. مما يضاعف من صعوبة موائمة حركة الممثل في الصورة مع تدفق الكلمات المسموعة من فمه. أي أنه حتى عندما ظهر بصوته فقط حاملاً لإشارة إلى العصر الذهبي الأموي، فإنه يفعل ذلك محمولاً بتكنولوجيا معقدة حديثة.

    سينمائياً، قدم عبد الوهاب شريطاً صوتياً أظنه الوحيد الذي يجمعه بمنافسة أم كلثوم المحتملة: أسمهان. لكن ظلت المنافسة بيننجمي الغناء العربي التحديثي: أم كلثوم وعبد الوهابمنافسة مباشرة في ساحات المسارح والأسطوانات والشاشات. وفي السينما تحديداً، مثل النجمان على الشاشة خطابين متمايزين عن الهوية الثقافية في نهايات عصر النهضة (الثقافية) المتأخرة: من ناحية، التحديث النخبوي القطري، المتطلع طبقيا والمستغرب، الذي يجسده عبد الوهاب في كل أفلامه،والذي تتفاعل معه أم كلثوم في أفلام المدينة التي قدمتها، لكن باعتباره تحديثاً يتطلع طبقيا دون نفي الأصول الفقيرة الريفية (في فيلم”عايدة”)، أو الأصول المدينية الشعبية في الحارة (في فيلم”فاطمة”). لكن موقف أم كلثوم السينمائي المناقض لموقف عبد الوهاب كان يتجسد في أفلام الصحراء التي قدمتها، والتي دعمت خطاب التحديث الحريص على التأسيس التراثي العربي للثقافة المعاصرة.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «الست».. صوت السماء

    شهادة أصدقاء الطفولة: «أم كلثوم» في سنوات التكوين

    «الست» في 2025: ماذا لو كانت أم كلثوم بيننا اليوم؟

    مصطفى بيومي يكتب: «أم كلثوم في عالم نجيب محفوظ»

    «أم كلثوم» تكتب: قصتي مع المليم والجنيه

  • ملف| «الست».. صوت السماء

    ملف| «الست».. صوت السماء

    بعد شهور قليلة من وصولها إلى القاهرة، حققت الشابة الآنسة أم كلثوم نجاحا غير متوقع، وكتب عنها النقاد أنها أكمل وأجمل صوت نسائي عرفته مصر. أوغر هذا النجاح صدور كثيرات ممن سبقنها، حتى أن مطربة أخرى غيرت اسمها إلى «أم كلثوم» ربما يأتيها- بالخطأ أو بتشابه الأسماء- بعض المجد الذي وصلت إليه أم كلثوم الحقيقية. أم كلثوم كتبت إعلانا قصيرا، وقامت بتوزيعه باليد على مستمعيها وجمهورها: «أنا وحدي أم كلثوم الأصلية، وأنا أم كلثوم إبراهيم البلتاجي، وأما الأخريات فإنهن أمهات لكلثوم زائفات، لا يعترف كلثوم بأمومتهم فن الغناء»!

    ***

    منذ البداية، وقبل أن تصبح سيدة الغناء العربي أو «الست»، كانت تعي أم كلثوم مكانتها، هي الأصل، لا فروع أخرى لها، والباقي أسماء مزيفة.

    لم تكن الساحة خالية عند ظهور أم كلثوم، فقد كان هناك عدد كبير من المطربين والمطربات الذين يحظون بشعبية هائلة، وهي لم تكن سوى فتاة ريفية لا تملك إلا حنجرتها، وموهبة غير محدودة، وذكاء فطري مكنها من أن تحدد هدفها وتعرف ما تريد. ومن هنا استطاعت أن تخرج منتصرة في كل المعارك، وأن تواجه الحروب والصعوبات التي كانت تحول بينها وبين الغناء. انتصرت في كل معاركها، ووجدت من المؤمنين بموهبتها من يدافع عنها، ويتحمس لها، زعماء مثل جمال عبد الناصر، وشيوخ مثل علي ومصطفى عبدالرزاق الذي كتب عنها العديد من المقالات في جريدة “السياسة الأسبوعية”. وقد حاولت مئات الكتب وآلاف المقالات البحث عن «الست»، وسر خلودها رغم تعاقب أزمنة وحكام وثورات ومطربين وملحنين.

    ***

    لذا، ليس في الأمر مبالغة عندما نصف أم كلثوم بالأسطورة، هي كذلك بالفعل، أسطورة عابرة للأجيال والطبقات، والإجماع عليها يتجاوز خلافات السياسة وتباين الأفكار، وهو ما جعلها صامدة أمام سؤال الزمن وتحولاته، ورمزا لذوبان كل الطبقات والقيود أمام الموهبة. لقد استطاعت، وهي «الفلاحة» القادمة من قلب الريف المصري، أن تحكم العربي بحنجرتها، وأصبحت جزءا من تاريخ الفن الحضاري العربي وجزءا من تاريخ الزعامات الشعبية أيضا.

    منذ نصف قرن، تحديدا في الثالث من فبراير 1975 استيقظ العالم العربي على خبر وفاة أم كلثوم التي شُيّعت بعد يومين بجنازة شعبية حاشدة لم تحدث لأي من فناني جيلها أو الأجيال التالية. وتوقع البعض اختفاء السيدة أو انحسار الأضواء حول أغنياتها بعد الغياب، أو حتى ظهور من يقاربها. ولكن على مدى نصف قرن لم يحدث كل ذلك. لأنها أم كلثوم، الصوت الاستثناء أو صوت السماء.

    بالتأكيد لا تحتاج أم كلثوم إلى مناسبة، حتى لو كانت المناسبة متوفرة: مرور نصف قرن على رحيلها. نحتفي بها دائما، طوال هذا العام، ونفتح «باب مصر» لكل الآراء حول «الست».

    اقرأ أيضا:

    شهادة أصدقاء الطفولة: «أم كلثوم» في سنوات التكوين

    «الست» في 2025: ماذا لو كانت أم كلثوم بيننا اليوم؟

    أم كلثوم العربية ضد عبد الوهاب المصري على الشاشة

    مصطفى بيومي يكتب: «أم كلثوم في عالم نجيب محفوظ»

    «أم كلثوم» تكتب: قصتي مع المليم والجنيه

  • فيديو| حكايات “كوكب الشرق” من قلب قريتها طماي الزهايرة

    فيديو| حكايات “كوكب الشرق” من قلب قريتها طماي الزهايرة

    “لقد لمستي بصوتك العظيم قلبي، وقلوب الفرنسيين جميعًا”.. بكلمات رقيقة رثاها الجنرال ديجول، رئيس فرنسا الأسبق، إنها كوكب الشرق “أم كلثوم”، أبرز فناني مصر، صاحبة الصوت الفريد والحنجرة الذهبية، والعاطفة الجياشة.

    “أم كلثوم” لقبت بـ”كوكب الشرق”، حيث معروف عنها أنها ولدت في 31 من ديسمبر عام 1898، ولكن “ولاد البلد” حصلت على شهادة ميلادها التي وثقت يوم ميلادها بتاريخ 4 مايو عام 1904 عكس ما يتداول عنها، لذا يمر على ميلادها وفقا للشهادة 114 عامًا.

     

     

    كوكب الشرق

    عرفت بأن لديها اسم آخر حقيقي وهو “فاطمة”، ولكن شهادة الميلاد تثبت أن اسمها الحقيقي هو “أم كلثوم”، وتم تسميتها به منذ ولادتها، وأن اسم “فاطمة” هو اسم والدتها، وهذا ما أكدته لنا عائلتها خلال زيارة محررة “ولاد البلد” لمنزلها.

    شهادة ميلاد كوكب الشرق ام كلثوم
    شهادة الميلاد توضح حقيقة اسم فاطمة وتاريخ ميلاد التي عرفت به “أم كلثوم” تصوير: دينا البلتاجي
    ولدت أم كثلوم في قرية “طماي الزهايرة” التابعة لمركز ومدينة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، أما تاريخ وفاتها فهو موحد ومعروف للعالم بعد أن نالت شهرة على نطاق واسعة في العالم أجمع، فهي لقبت بعدة ألقاب منها “الست”، “كوكب الشرق” “ثومة”، “سيدة الغناء العربي”، “شمس الأصيل”، وغيرهم.
    تعاني قريتها من طريق ضيق وغير ممهد، بالإضافة إلى عدم توافر وسائل لإنارة الشوارع، وتهالك الوحدة الصحية بها، بما لا يليق بموطن سيدة الغناء العربي، حسبما ذكر خالد سمير خالد البلتاجي، “حفيد أم كلثوم”، ابن شقيقها لـ”ولاد البلد”.
    يناشد “خالد”، محافظ الدقهلية بإنشاء متحف داخل القرية لتخليد ذكرى أم كلثوم، إذ أن القرية يأتي إليها زوار من مختلف دول العالم، لافتًا إلى دور أم كلثوم الوطني تجاه مصر وكذلك قريتها، فهي تبرعت بقطعة من أرضها للاستصلاح الزراعي، إضافة إلى تبرعها للتعاون الزراعي، ووزارة الصحة، ومزرعة دواجن للقرية، وكانت دائمًا تحرص على إرسال عربات نقل محملة بالأقشمة لأهل بلدتها، وغيرها من الخيرات.
    تحكي الحاجة بثينة محمد السيد، من أقارب “أم كلثوم” التي مكثت معها في منزلها بالقاهرة أكثر من 12 عامًا حتى وفاتها لـ”ولاد البلد”: “جئت إلى منزل أم كلثوم في عمر 18 عامًا تقريبًا مع ابني عادل، فكانت أم كلثوم من عاطفتها بمثابة أم لعادل، وحرصت على لحاقه بمدرسة سان جوزيف”.
    وتصف الحاجة بثينة، “أم كلثوم” بالعطوفة، قائلة: “كانت تعاملني معاملة الأم لابنتها، حيث أنها تكفلت بمصاريفي من معيشة وعلاج وعمليات، كما أنها كانت لابد أن تطمئن علي قبل البروفة، فهي أغمرتنا بعطافتها واهتمامها طوال الوقت”.
    سرايا "أم كلثوم" بقرية طماي الزهايرة
    مكان سرايا “أم كلثوم” بقرية طماي الزهايرة بالسنبلاوين تصوير : دينا البلتاجي
    تقول الحاجة بثينة بأسى وحزن، مر على وفاة “أم كلثوم”سنوات عديدة، وطوال تلك السنوات ناشدنا كافة المسئولين بالإهتمام بقرية “أم كلثوم” وجعلها قرية نموذجية، ولكن لم يتحقق شيء على أرض الواقع، ولكن الأمل في محافظ الدقهلية الحالي، حيث التقيت به مؤخرا في حفل إحياء ذكرى “أم كلثوم”، وطالبته بالإهتمام بالقرية ووعدني بتنفيذ مشروع تطوير القرية.
    يذكر أن الدكتور كمال شاروبيم محافظ الدقهلية، كان قد أعلن عن تطوير قرية “طماي الزهايرة”، مسقط رأس كوكب الشرق أم كلثوم، حتى يمكن وضعها على خريطة السياحة الداخلية والخارجية، حيث جاء الإعلان خلال اجتماعه مع عدد من ملاك المنشآت والشركات السياحية بالدقهلية في ديسمبر الماضي.
باب مصر