لماذا نعود بعد سنوات للاحتفال بذكرى وفاة «مصطفى العبادي»؟ هل لأننا نفتقد رجلًا أعاد إحياء مكتبة الإسكندرية؟ أم لأننا نفتقد نموذجًا لمثقف لم يكتفِ بإنتاج المعرفة، بل حوّل شغفه بالتاريخ إلى فعل حيّ في الحاضر؟
كان المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي يميز بين «المثقف التقليدي» الذي يكتفي بالكلام، و«المثقف العضوي» الذي ينخرط في واقعه ويحوّل أفكاره إلى ممارسة. وربما يكون الاحتفاء بمصطفى العبادي محاولة لاستعادة هذا النموذج: المثقف الفعّال.
أصداء الذاكرة
يمكن قراءة هذا المعنى بوضوح في الندوة التي نظمها قطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية ضمن «حوارات الإسكندرية»، تحت عنوان: «أصداء الذاكرة.. مصطفى العبادي ومكتبة الإسكندرية»، بمشاركة شقيقه السفير هاني عبد الحميد العبادي، وثلاثة من تلاميذه: الدكتور محمد السيد عبد الغني، أستاذ التاريخ والحضارة اليونانية والرومانية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، والدكتورة منى حجاج، أستاذ الآثار اليونانية والرومانية المتفرغ بكلية الآداب جامعة الإسكندرية ورئيس جمعية الآثار بالإسكندرية، وأمنية فتح الله، كبير أخصائيي بحوث بقطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية.
لم تكن الندوة مجرد استعادة لسيرة رجل، بل محاولة لفهم تجربة فكرية امتدت لعقود، ونجحت في ربط المعرفة بالفعل.
من بيت الكتب إلى وعي المسؤولية
يروي السفير هاني عبد الحميد العبادي أن شقيقه نشأ في بيت كان الكتاب جزءًا من الحياة اليومية، بفضل مكتبة والدهما الضخمة التي ضمت كتبًا في التاريخ والأدب واللغة. في هذا المناخ، أصبحت القراءة عادة، والمعرفة ممارسة يومية، لا مجرد وسيلة للنجاح الدراسي.
بعد انتقال الأسرة إلى الإسكندرية، التحق مصطفى العبادي بكلية الآداب، وتخصص في التاريخ اليوناني والروماني، ثم سافر في بعثة علمية إلى جامعة كامبريدج، حيث حصل على الدكتوراه، وترسّخ لديه منهج البحث الدقيق والانضباط العلمي.
لكن ما يلفت في هذه السيرة، كما تكشفها الندوة، ليس فقط مسارها الأكاديمي المنتظم، بل ما أنتجته من وعي مبكر بدور المثقف. في هذا المناخ، ترسخت لديه قناعة بأن المعرفة مسؤولية، وأن التاريخ ليس مادة للحفظ، بل أداة للفهم والتغيير.
مكتبة الإسكندرية.. تصوير: ميرنا جوهر
الأستاذ الذي صنع مدرسة
يشهد تلاميذه الثلاثة على أن مصطفى العبادي لم يكن أستاذًا تقليديًا داخل قاعة الدرس، إذ أكدوا أن علاقتهم به لم تكن علاقة تعليم فحسب، بل علاقة مشاركة في البحث، وتحفيز دائم على التفكير المستقل.
لم يكن يقدم المعرفة في صورة جاهزة، بل كان يدفع طلابه إلى طرح الأسئلة، والمشاركة في المشروعات البحثية، والانخراط في العمل الأكاديمي الحقيقي. وكان يعتبر أن دور الأستاذ لا يقتصر على الشرح، بل يمتد إلى تكوين شخصية الباحث.
ومن هنا يمكن فهم ما تركه العبادي من أثر يتجاوز عدد كتبه. فرغم قلة مؤلفاته، كان أثره الحقيقي في أجيال من الطلاب الذين حملوا منهجه، وأصبحوا امتدادًا حيًا لأفكاره. كان يؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن كتابة الكتب، وأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى ممارسة يومية.
من الجامعة إلى المدينة: المعرفة تتسع
لم يتوقف مشروع مصطفى العبادي عند حدود الجامعة. فالطريقة التي صنع بها طلابه هي نفسها التي صنع بها لاحقًا مشروع مكتبة الإسكندرية. في الندوة، أوضحت الدكتورة منى حجاج أن فكرة إحياء المكتبة كانت «مشروع حياته» للعبادي منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث بدأ التفكير فيها أثناء دراسته في كامبريدج، ثم طرحها عبر محاضراته في بيروت عام 1968، وفي الإسكندرية عام 1972.
سعى العبادي إلى الربط بين المكتبة القديمة والحديثة، باعتبارهما امتدادًا لتراث علمي واحد، لا مجرد استعادة رمزية للماضي. هنا، انتقل مشروعه من بناء الأفراد إلى بناء مؤسسة، ومن التأثير في الطلاب إلى التأثير في المدينة كلها والعالم.
طريق طويل نحو الحلم
مرّ مشروع إحياء المكتبة بمراحل من التعثر والتراجع، خاصة في مطلع الثمانينيات، لكن العبادي لم يتخلَّ عن فكرته. وكما أوضح المتحدثون في الندوة، استعاد المشروع زخمه عبر جولات علمية في جامعات أمريكية، ثم بدعم وزارة التعليم، وتخصيص أرض من جامعة الإسكندرية، ودخول اليونسكو كشريك دولي.
ومن الموافقات الرسمية إلى وضع حجر الأساس عام 1988، ثم صدور كتابه عن المكتبة عام 1990، وصولًا إلى افتتاحها عام 2002، ظل العبادي يعمل بصبر طويل، خارج منطق النتائج السريعة. هكذا تحولت فكرة أكاديمية إلى مؤسسة ثقافية عالمية.
استقلال المثقف وحدود الموقف
توقفت الندوة عند موقف كاشف لشخصية العبادي. فبحسب ما روته الدكتورة منى حجاج، دار حديث بينه وبين مدير مكتبة الكونجرس آنذاك دانيال بورستن، قال فيه بورستن: “لو تعهدتم بأن تكون لإسرائيل مكانة في هذه المكتبة، أعدكم بأن نضع كافة إمكاناتنا لتنفيذها”. فجاء رد العبادي: “هذه موضوعات يتم تناولها بين رؤساء الدول، وليست بين عالم فقير الحال مثلي”.
لم يكن هذا موقفًا سياسيًا مباشرًا بقدر ما كان تعبيرًا عن استقلالية المثقف، ورفضه توظيف المعرفة خارج سياقها الثقافي والتاريخي. هنا تتجسد فكرة «المثقف الفعّال» في بعدها الأخلاقي: مثقف يعرف حدود دوره، ولا يساوم على معنى مشروعه.
لماذا نحتفل بالعبادي؟
نحن لا نحتفل فقط برجل أعاد بناء مكتبة، بل بنموذج كامل في التفكير والعمل. من قاعة الدرس إلى المؤسسة الثقافية، ظل مصطفى العبادي يعمل بالمنطق نفسه: تحويل الفكر إلى واقع، والمعرفة إلى مسؤولية، والتاريخ إلى أداة لبناء المستقبل. لم يفصل يومًا بين البحث والمجتمع، ولا بين الثقافة والحياة اليومية.
وجاءت هذهالندوة انعكاسًا لمنهج العبادي في قراءة التاريخ: لا بوصفه مادة للحنين، بل أداة للفهم والبناء. وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم عن مصير هذا النموذج من المثقفين: هل ما زال يوجد مثقفون قادرون على بناء إنسان، ثم مؤسسة، ثم وعي عام؟ أم أننا نكتفي بتكديس المعرفة دون أن تتحول إلى فعل؟ ربما يكون الاحتفاء بمصطفى العبادي محاولة للإجابة عن هذا السؤال.
أطلقت جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين الثقافية، أمس، أولى فعاليات «سلسلة محاضرات أحمد بهاء الدين التذكارية»، بمحاضرة ألقاها الروائي والكاتب المسرحي محمد سلماوي تحت عنوان: «الأدب المصري القديم والريادة المنسية».
تعزيز الحركة الثقافية
افتتح الفعالية الدكتور زياد بهاء الدين، رئيس الجمعية، بكلمة أكد خلالها أن هذه السلسلة تأتي ضمن البرامج السنوية للجمعية لتعزيز الحركة الثقافية. وفتح آفاق معرفية للأجيال الشابة لمواصلة مسيرة التنوير التي كان الراحل أحمد بهاء الدين أحد أبرز روادها.
وعلى هامش المحاضرة، شهدت الاحتفالية تكريم شادي جمال، الفائز بـ«جائزة أحمد بهاء الدين الثقافية» في دورتها الرابعة عشرة، والتي ركزت هذا العام على موضوع «التعليم النقدي». وتعد الجائزة ركيزة أساسية في جهود الجمعية لدعم وتشجيع شباب الكُتاب والباحثين، واكتشاف النابغين في مختلف المجالات الثقافية.
جانب من تكريم الباحث شادي جمال، الفائز بـ«جائزة أحمد بهاء الدين الثقافية».. بإذن خاص من المؤسسة
الأدب المصري القديم
في محاضرته، ألقى الكاتب محمد سلماوي الضوء على العمق التاريخي للأدب المصري القديم، واصفا إياه بـ”الريادة المنسية”. واستعرض سلماوي كيف وضع المصري القديم الحجر الأساس لأشكال التعبير الإنساني المختلفة. من الشعر والنثر الإبداعي، والفنون الدرامية والمسرحية، وصولا إلى النصوص الفلسفية والأخلاقية.
وشدد سلماوي على ضرورة إعادة إحياء هذا التراث العظيم عبر التوسع في ترجمته ونشره، ليكون متاحا للأجيال الجديدة كجزء أصيل من هويتهم الثقافية.
أعقب المحاضرة جلسة نقاشية مفتوحة أدارتها السفيرة ليلى بهاء الدين، عضو مجلس إدارة الجمعية. حيث تفاعل الحضور من الشخصيات العامة والمثقفين مع الطروحات التي قدمها سلماوي. مما عكس حراكا فكريا يعيد الاعتبار للتراث المصري القديم في سياق معاصر.
حول جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين
تأسست الجمعية عام 1995، وتهدف إلى نشر الخدمات الثقافية، خاصة في صعيد مصر. وتدير الجمعية مركزا ثقافيا متكاملا في قرية “الدوير” بمحافظة أسيوط، مسقط رأس الراحل أحمد بهاء الدين. وتهتم برعاية الموهوبين وتنمية الوعي المجتمعي. بالإضافة إلى برامج متميزة لدعم وتأهيل الأطفال ذوي الإعاقة ودمجهم في الحياة الثقافية.
وافق مجلس النواب في جلسته المنعقدة الثلاثاء الماضي بالإجماع على التعديل الوزاري الجديد للحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، وشمل التعديل ترشيح الدكتورة «جيهان زكي» وزيرة للثقافة، خلفا للدكتور أحمد فؤاد هنو، وتشغل الدكتورة جيهان حاليا منصب أستاذ الحضارة المصرية القديمة، وهي باحثة في مركز البحوث العلمية بجامعة السوربون في فرنسا.
عن جيهان زكي
ولدت «زكي» في القاهرة عام 1966، وتخرجت في كلية السياحة والفنادق بجامعة حلوان. وحصلت على بكالوريوس علوم المصريات عام 1987 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. ثم ماجستير علوم المصريات عام 1993. وصولاً إلى درجة الدكتوراه من جامعة ليون بفرنسا عام 2000 عن أطروحتها بعنوان: «أسوان والنوبة في العصر اليوناني الروماني». كما نالت ماجستير الإدارة الثقافية من جامعة سيينا الإيطالية عام 2014 حول «الدبلوماسية الثقافية والعولمة».
تدرجت جيهان أكاديميا بجامعة حلوان من معيدة عام 1988 وصولاً إلى درجة أستاذ علوم المصريات عام 2010. وخلال مسيرتها، شغلت مناصب تنفيذية وإدارية هامة في قطاع الآثار والثقافة. منها ممثل الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار لدى اليونسكو بباريس بين عامي 2003 و2005، ومدير عام آثار الوجه البحري، ومدير عام إدارة شؤون المنظمات الدولية واليونسكو. بجانب إشرافها على إدارة الآثار المستردة. وتوليها رئاسة صندوق إنقاذ آثار النوبة عام 2010، وعملها مستشارة للمنظمات الدولية وللمكتب الإقليمي لليونسكو بالقاهرة. هذا بجانب تعيينها في مجلس النواب عام 2021.
مناصب وتكريمات
كما تولت «زكي» رئاسة الأكاديمية المصرية للفنون بروما من عام 2012 وحتى عام 2019. وعملت أستاذا زائرا ومحاضرة في العديد من الجامعات منها السوربون، وليون، ولاسابينزا روما، وفاسيدا طوكيو، وسنجور، ومعهد الدراسات الدبلوماسية.
وحصدت جيهان زكي عددا من الأوسمة والتكريمات الدولية الرفيعة. منها وسام فارس عام 2009، وزمالة أكاديمية برلين عام 2010، والوردة البرونزية الإيطالية عام 2015، ووسام شجرة الإنسانية عام 2017. وفي عام 2025 حصلت على وسام جوقة الشرف الفرنسي وهو أعلى وسام تمنحه الجمهورية الفرنسية.
د. جيهان زكي وزيرة الثقافة الجديدة.. مصادر مفتوحة
التوازن الكوني
منذ مرحلة مبكرة من حياتها، وبعد حصولها على شهادة البكالوريوس، أرادت جيهان التوسع في فهم النصوص واللغة المصرية القديمة بشكل أعمق، وكانت وجهتها جامعة لوميير ليون 2. حيث تتلمذت على يد عالم المصريات الشهير جان كلود جويون. ركزت رسالة الدكتوراه على «الإقليم الأول بمصر العليا خلال العصور البطلمية والرومانية». وهو اختيار لم يكن عشوائياً بل عكس اهتمامها المبكر بمنطقة الشلال الأول بأسوان باعتبارها منطقة تماس حدودي وديني معقدة.
استطاعت جيهان استنطاق النقوش الهيروغليفية في المعابد المتأخرة مثل فيلة وكوم أمبو وإدفو. بهدف إعادة بناء الخريطة الدينية والإدارية للمنطقة. وركز مشروعها على مفهوم الجغرافيا الدينية، وهو تخصص دقيق يبحث في كيفية تجسيد العقيدة الدينية في المكان الجغرافي.
خيال الحدود
في دراسة منشورة عام 2020 في دورية Oriens Antiquus تناولت «زكي» موضوع «خيال الحدود». وجادلت بأن الشلال الأول لم يكن مجرد عائق طبيعي أو خط دفاعي عسكري. بل كان بمثابة البوابة المقدسة ومكانا رمزيا يربط بين عالمين. حاولت ربط علم الآثار التقليدي بالأنثروبولوجيا الثقافية. وهو ما أضاف بعدا حديثا كانت تفتقر إليه الدراسات التقليدية في مجال الآثار. كما تسعى جيهان أيضًا إلى الربط بين علم الآثار والعلوم السياسية. معتبرة أن شرعية الحكام في مصر القديمة كانت مستمدة من قدرتهم على تحقيق «ماعت» أي التوازن الكوني.
في أبحاثها، لا تكتفيِ «زكي» بوصف الآثار، بل تحلل منطق الأبدية الذي يربط القرارات السياسية بالمعتقدات الكونية. مؤكدة أن كل معلم أثري كان يهدف في الأصل إلى الحفاظ على الانسجام بين عالم البشر وعالم الآلهة. وترى أيضًا -في أبحاثها- أن العمارة المصرية القديمة لغة إلهية وليست مجرد فن زخرفي، وأن الموقع الأثري وفقًا لرؤيتها عبارة عن نص فلسفي يشرح قوانين الوجود والبعث.
تأثير ثقافي متبادل
بين عامي 2012 و2019، تولت «زكي» الأكاديمية المصرية للفنون في روما. وهي المؤسسة الثقافية الوحيدة لمصر والعالم العربي وإفريقيا داخل العاصمة الإيطالية. واستطاعت تحويل الأكاديمية من مجرد مرسم للفنانين إلى منصة دولية للدبلوماسية الثقافية.
وأكدت في لقاءاتها مع الإعلام الأوروبي أن دور الثقافة هو تقديم صورة إيجابية وعميقة عن الحضارة المصرية لمواجهة الصور النمطية السلبية. وأطلقت سلسلة من المبادرات النوعية للمصريين المهاجرين من فئة الشباب بين 18 و21 عاما، لتعريفهم بتراثهم الوطني ودمجهم ثقافيا. كما استهدفت المبادرات الأطفال من 9 إلى 12 عاما عبر زيارات ميدانية منظمة للأكاديمية، ما عزز وعي الأجيال الناشئة.
توجت هذه التحركات عام 2013 بفتح قنوات حوار فني وثقافي مع الفاتيكان. وهي الخطوة التي مهدت لتقارب كبير بين الرموز الدينية الكبرى، وجعل الأكاديمية منصة دولية للحوار والتأثير الثقافي المتبادل.
اتفاقية اليونسكو
عملت «زكي» أيضًا كمنسق وطني وخبير دولي لاتفاقية اليونسكو لعام 2005 المعنية بحماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي. وأسهمت في صياغة تقارير مصر الدورية لليونسكو، والتي ركزت على كيفية دعم الصناعات الإبداعية وتوفير منصات للشباب للتعبير عن هويتهم في ظل العولمة.
وترى جيهان أن الثقافة سلاح في حرب العقول. إذ تعتب أن الخطر الأكبر الذي يواجه المجتمعات المعاصرة هو الإلغاء التدريجي للهويات. لذلك، فهي توظف أبحاثها في مجال الدبلوماسية الثقافية كأداة للمقاومة الفكرية. مؤكدة أن استعادة التاريخ والفلسفة في المناهج والمتاحف ضرورة لمنع الانغلاق والتطرف.
كما ترى أيضًا أن التنوع الثقافي يمثل معركة من أجل الحياة، منتقدة بشدة تحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصات لبناء الجدران بدلاً من الجسور. وتعتقد أن الخوف من الآخر ناتج عن الجهل، وهذا الجهل – من وجهة نظرها – أكبر خطر يهدد نسيجنا الاجتماعي. لذلك تعتبر أن الفن والموسيقى والسينما هي الأدوات الوحيدة القادرة على اختراق عقول الفئات المعرضة للتطرف. كالشباب والمهاجرين غير الشرعيين، بهدف إعادة ربطهم هويتهم.
حفائر جزيرة بيجة
تشغل «زكي» حاليا منصب مديرة البعثة الأثرية الفرنسية المصرية في جزيرة بيجة بأسوان، الموقع المقابل لمعبد فيلة. والذي يتميز بقدسية كبيرة في الديانة المصرية القديمة. ويعتقد أنه يضم المقبرة المقدسة للإله أوزيريس. وتركز في أبحاثها على توثيق النقوش والمباني التي تعود للعصور المتأخرة، بجانب دراسة الطقوس الجنائزية المرتبطة بفيضان النيل.
حلّ الكاتب الفلسطيني «باسم خندقجي» ضيفا بمركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية، في لقاء مفتوح مع الجمهور. ولم يقتصر النقاش، الذي أدارته الكاتبة المصرية هند جعفر، على رواية «قناع بلون السماء» الحاصلة على جائزة البوكر، بل امتد إلى مناقشة العديد من القضايا الأدبية والفنية والسياسية أيضا.
وقدمت هند جعفر الكاتب الفلسطيني باسم خندقجي للجمهور بوصفه كاتبا فلسطينيا ولد عام 1983 في مدينة نابلس. مشيرة إلى أنه في نوفمبر عام 2004 تم اعتقاله من قبل قوات الاحتلال، وقضى في الأسر 21 عاما. دون أن يمنعه ذلك من ممارسة نشاطه الأدبي. وأضافت أن له عددا من الدراسات المنشورة في دوريات عربية معروفة. مؤكدة أن رواية “قناع بلون السَّماء” تُعد رواية فارقة. لأنها أعادت تقديم السردية الفلسطينية بشكل كان العالم في حاجة إليه. خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر.
أمواج البحر أشعرتني بالحرية
في بداية حديثه، عبر الكاتب الفلسطيني «باسم خندقجي» عن سعادته بوجوده في الإسكندرية، قائلاً: “على الرغم من أن هذه زيارتي الأولى للمدينة، فإنني كنت أتخيل الإسكندرية دائما. وهذه هي المرة الأولى منذ 25 عاما التي أرى فيها البحر وأنصت لأمواجه، وهو ما أشعرني بالحرية الحقيقية”.
وتابع أنه لم يجد الإسكندرية في الواقع كما تخيلها. إذ كان يتصورها كما ظهرت في كتابات أسامة أنور عكاشة، لكنها لا تزال مدينة جميلة، ويرغب في قضاء مزيد من الوقت لاكتشافها. مشيرا إلى أنه شعر بذاته بشكل خاص أثناء زيارته لمكتبة الإسكندرية.
وأشار «خندقجي» بألم، إلى أن معاناة الأسرى في سجون الاحتلال اختلفت بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتحولت إلى مكان إبادة حقيقية. فقبل ذلك كان السجون تضم كراسات وأوراقا وأقلاما وكتبا ومكتبات تضاهي مكتبات الجامعات. وهو ما جاء نتيجة نضال الأسرى داخل السجون، والإضرابات عن الطعام أحيانا. كما كانت هناك فرص للحصول على درجات علمية. بل وتمكن بعض السجناء من تهريب وسائل اتصال في أوقات معينة. إلا أن واقع السجون تغير تماما بعد السابع من أكتوبر، حيث جرى حرق الكتب وإبادة المكتبات بالكامل.
الكاتب الفلسطيني باسم خندقجي يوقع على روايته للجمهور.. تصوير: دعاء عبدالحميد
السجن سبب إبداعي الأدبي
أوضح «خندقجي» أن الحكم عليه بالمؤبد كان يعني السجن مدى الحياة لدى قوات الاحتلال. أي ما يعادل حكما بالسجن لمدة 300 عام، قضى منهم 21 عاما متنقلا بين مختلف السجون الصهيونية من الشمال للجنوب. ومثّل ذلك تحدياً كبيراً أمام ممارسته للكتابة، فكان يختزل الوقت أحيانا ويكتب بسرعة في أحيان أخرى. لكنه اعترف بأن السجن، كما سلبه حريته، كان سبباً في إبداعه الأدبي.
وعن رواية “قناع بلون السَّماء” الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكَر”، قال «خندقجي» إن هدفه الأساسي من كتابتها لم يكن نيل الجائزة. رغم سعادته بها، وإنما الكتابة من أجل الحرية. وأضاف أنه حوّل السجن إلى شرفة يطل منها على العالم ويصرخ في وجهه، دون أن يسجل معاناة سطحية.
وتحدث عن طقوسه في الكتابة داخل السجن، موضحا أن الكتابة كانت سرية، إذ لم يكن يجب أن يراه السجّان. كما كان حريصا على ألا يراه زملاؤه الأسرى أيضا. وكان يستيقظ مبكراً في الخامسة صباحاً ليبدأ الكتابة. ثم يخفي أوراقه داخل زنزانته أو في زنزانات أخرى. وأكد أن “الخيال” كان صديقه المخلص، قائلا: “كنت أحلم وأتخيل المشاهد، حتى إنني وصفت منطقتي الأزهر والحسين في مصر دون أن أزورهما قط. وعندما قرأها مروان البرغوثي، زميلي في السجن، وكان قد زار مصر من قبل، أكد لي أن الوصف دقيق للغاية”.
اضطُهدت بسبب الجائزة
استرجع «خندقجي» لحظة معرفته بحصوله على جائزة “البوكر”، قائلاً: “بمجرد دخولي القائمة القصيرة للجائزة، قاموا بتضييق الخناق علي، والتحقيق معي من قبل جهاز الشباك. وليس ضباط السجن، وهو أمر غير معتاد”. وأضاف أن التحقيق تناول كل التفاصيل، ما جعله يستنتج فوزه بالجائزة.
وتابع أنه نتيجة التعذيب والاضطهاد الشديدين، صرح بكل ما بداخله من مشاعر، قائلا لمحققيه: “لو كنت أعلم أن كتابتي ستغضبكم، لكنت كتبت العشرات من الكتب”. وعلى الرغم من كل هذا العذاب، فإنه شعر بالانتصار، لأن خوفهم الشديد كان واضحا، موضحا أن هدف السجّان الأساسي هو محو الهوية والملامح الفلسطينية. وهو ما أدركوا وجوده بقوة في كتاباته، ومن هنا جاء خوفهم.
ارتداء القناع الصهيوني
على جانب آخر، دافع «خندقجي» عن نموذج الفلسطيني الذي يضطر أحيانا إلى ارتداء “القناع الصهيوني” في سبيل لقمة العيش. فأحيانا يقوموا بتزوير الهوية للحصول على عمل، مؤكدا أن ذلك لا يؤثر على الجوهر الفلسطيني. كما سليط الضوء في إحدى رواياته على هذه الفكرة، ودافع عنها، متناولا كذلك أوضاع فلسطينيي (عرب 48) الموجودين داخل الأراضي المحتلة. وكيف ينظر لهم باقي الفلسطينيين والعرب.
ووصف فلسطينيي الداخل بأن هويتهم الفلسطينية أكثر نضجا. لأنهم يشتبكون يوميا مع الاحتلال في مختلف مناحي الحياة. ويعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية، دون امتيازات، ومحرومين من بعض المهن والوظائف. وأشار إلى أن عددهم اليوم يقارب مليوني مواطن، ويمثلون أكبر خطر ديموغرافي على الصهاينة. مؤكدا أنهم ما زالوا صامدين على أرضهم رغم الاضطهاد، ونجحوا في تقديم إبداعاتهم بأشكال مختلفة داخل فلسطين وخارجها.
كُتاب أثروا في إبداعه
قال «باسم خندقجي» إنه كان يعشق قراءة روايات الجيب المصرية؛ وأعمال نبيل فاروق، وروايات الجاسوسية مثل “أدهم صبري”، “ورأفت الهجان”. وخلال زيارته لمعرض القاهرة للكتاب، قام بشراء عدد كبير منها، فهو يراها نموذجا للبطل الخارق المصري العربي. وأضاف أنه قرأ الأدب الصهيوني خلال فترة سجنه باللغة العبرية التي تعلمها وأتقنها في السجن أيضا.
وأشار إلى أن الكاتب إلياس خوري، الذي كان لكتاباته تأثير كبير عليه رغم كونه لبنانيا. موضحا أنه علم بخبر وفاته بعد 10شهور وتأثر كثيراً بذلك. كما تأثر برحيل الكاتب العظيم صنع الله إبراهيم، وزياد رحباني، وغسان كنفاني. معتبرا هؤلاء آخر العظماء من الكُتاب.
وكشف «خندقجي» أن هناك عرضين لتحويل رواية “قناع بلون السَّماء” إلى عمل سينمائي. لكنه لن يتحدث عن التفاصيل حتى يكتمل المشروع.
اختتمت «طبلية مصر» فعاليات الموسم الرابع، الذي حمل اسم «إحياء الماضي وتوثيق الحاضر من أجل المستقبل»، بحفل فلكلوري لفرقة «طبلة الست» ومعرض عن السوق المصري، أقيم بالمتحف القومي للحضارة المصرية بالتعاون مع مؤسسة «صادكو»، وامتد خلال الفترة من 15 يناير حتى 5 فبراير.
فعاليات يوم الختام
افتتحت الدكتورة نشوى جابر، نائب الرئيس التنفيذي للمتحف القومي للحضارة المصرية للشؤون الأثرية، حفل الختام. حيث رحبت بالحضور وتحدثت عن أنشطة وفعاليات الموسم الحالي، قائلة: “حزناء جدًا على انتهاء فعاليات طبلية مصر لهذا العام وانتهاء الأسابيع الثلاثة. على وعد بأن نلتقي العام القادم بموسم جديد وفكرة جديدة. هذا العام كان الموسم موفقا جدًا. وأقمنا خلاله أنشطة عديدة جمعت بين الأطفال والأسرة والمجتمع. بهدف إبراز جمال وجودة المطبخ المصري وتميز نكهة أكلاتنا”.
وأضافت أن الفعاليات ضمت مشاركات من مختلف الفئات من داخل المتحف وخارجه، في محاولة لتغيير الإطار التقليدي للأنشطة داخل المتحف. وأوضحت أن الموسم هذا العام كان عن الأكل والفن، بدءا من عربات الشارع وصولا إلى الذوق في الوصفات. مشيرة إلى أن الختام جاء بالسوق المصري بألوانه وتقسيماته ولوحات الخضار، التي رسمها فنانو المتحف القومي بأيد مصرية خالصة. ووجهت الشكر إلى جميع إدارات المتحف.
1000066180
1000066279
كلمة مؤسسة صادكو
من جانبها، ألقت الدكتورة داليا فخر، ممثلة مؤسسة “صادكو” كلمتها عن مشاركة المؤسسة في “طبلية مصر”، وقالت: “لم نعد بحاجة لشرح علاقة صادكو بالطبلية. فكل موسم يكون مميزًا لأنه يضيف لنا عمقا جديدا في تأثير تراثنا الغذائي”. وأشارت إلى أن فعاليات هذا العام، من ورش وأنشطة وغيرها، وضعت التراث الغذائي في مكانة مهمة جدًا. بوصفه منتجا إبداعيا وثقافيا، مؤكدة أن الأكل ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل له تأثير واستدامة وبعد اقتصادي. معربة عن حماسهم للموسم القادم.
ورش داخل وخارج المتحف
تابع الدكتور الطيب عباس، الرئيس التنفيذي للمتحف القومي للحضارة المصرية، الحديث قائلا: “نحتفل اليوم بختام الموسم الرابع من طبلية مصر. وقبلها كنا نحتفل بورش خاصة بالأطفال وورش للطبلية داخل وخارج أسوار المتحف”. وأكد أن المتحف القومي ليس مكانًا لحفظ وعرض الآثار فقط، بل مجتمع متحرك وفاعل داخل وخارج أسواره.
وأضاف أن ما يميز المتحف القومي للحضارة المصرية أنه “قلعة ثقافية” تتناول مختلف أوجه الثقافة وكل ما يخص التراث المادي واللامادي. مشيرا إلى أن امتداد الفترات الزمنية التي يتعامل معها المتحف، من عصور ما قبل الأسرات حتى العصر الحديث، أتاح خبرة كبيرة في تنويع الأنشطة. وأوضح أن المتحف يسعى إلى ترسيخ الفكر المؤسسي. حيث يستكمل كل فرد ما بدأه من قبله، مؤكدا أن المؤسسات الثقافية ليست تنافسية، بل تكاملية. نافيا التخوفات التي أثيرت حول إهمال متحف الحضارة بعد افتتاح المتحف المصري الكبير.
1000066114
1000066115
1000066129
تعاون مؤسسي مع المتحف
استكمل عباس حديثه قائلا إن المتاحف لا تنجح بمفردها، بل من خلال التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني. مؤكدا أن “الطبلية” كانت دائما مساحة للاجتماع والمشاركة. وأن فكرتها لا تتعلق بالتغذية فقط، بل بثقافة المشاركة الممتدة منذ مصر القديمة، حيث يعد الطعام وسيلة للتفاعل والتواصل. ومع ختام فعاليات هذا الموسم، أشار إلى البدء في التفكير بفكرة الموسم الجديد.
واختتمت الافتتاحية بتكريم الدكتور الطيب عباس للفنان حسن أبو العزم، أكبر الداعمين لمعرض الشارع والسوق المصري. وصاحب المعالجة الكاريكاتيرية للأعمال، والمسؤول عن المقابلات واللوحات الذي تم عرضها في معرض السوق المصري.
طبلة الست ومعرض السوق المصري
فيما بدأت الاحتفالات بحضور فرقة “طبلة الست”، التي قدمت عددًا من الأغاني والمعزوفات الفلكلورية. من بينها: “يا بنت السلطان، يا حبيبتي يا مصر، أنا بعشقك، الأقصر بلدانا، اللي غاب عن عيني، ولا بد عن يوم محتوم”. وغيرها من أغاني والتراث والفلكلور المصري. واختتم اليوم بافتتاح معرض السوق المصري، الذي ضم 20 صورة معبرة عن ألوان الفن في الأسواق الشعبية المصرية والأحداث المصاحبة لها.
بين الخطوط المعمارية والهندسية الصارمة ولمعان الفضة والأحجار الكريمة، وجدت «أميرة القاضي» لغتها الخاصة، حيث يحتل التراث مساحة كبيرة وواضحة في تجربتها الفنية لتصميم الحُلي، ليس بوصفه مادة للحنين، بل كونه مصدرًا للإلهام الحي. فقد حوّلت تفاصيل العمارة القديمة وملامح الوجوه وعناصر البيئة المحلية إلى قطع فنية صغيرة تحمل أثر المكان وذاكرة التفاصيل، لتجعل من الحُلي خريطة مصغرة يمكن ارتداؤها.
رحلة أميرة مع الحُلي
لم تأت رحلة أميرة مع الحُلي عبر مسار تقليدي، بل من خلال بحث طويل عن الذات واللغة والشكل المناسب للتعبير عما بداخلها. وعن تجربتها وبدايتها الفنية تقول:
“أنا خريجة كلية الهندسة، قسم عمارة، ودرست فنون جميلة، قسم الدراسات الحرة، لاكتسب الخبرة الفنية. عملت كمهندسة معمارية لمدة 8 سنوات في التصميمات الهندسية، وبالرغم من أنني أحب الهندسة والعمارة والتراث المعماري. وهذا الربط بين الإنسان والمكان، إلا إنني تركت هذا المجال كي أتفرغ إلى تصميم وصناعة الحُلي”.
وتكمل القاضي: “منذ صغري وأنا أحب الرسم والفن، وكانت والدتي تصطحبني إلى ورش الرسم بالمتحف المصري بالتحرير. وقتها تعلمت الرسم وصناعة الحُلي من الأسلاك النحاسية. وهو ما أثر في شخصيتي، وجعلني أنظر للأشياء من منظور فني منذ الصغر”.
من أعمال أميرة القاضي صانعة الحُلي.. الصورة بواسطتها
بداية الحكاية
عملت القاضي مهندسة معمارية لسنوات، لكنها قررت فجأة ترك المجال والدخول إلى عالم الحُلي. وحول هذا القرار تقول: “درست الكثير من الأشياء مثل الدوبلاج والتسويق والفنون وغيرها من المجالات، وكنت أبحث عن شغفي وسط تلك الأشياء. كنت أشعر بسعادة بالغة وأنا أمسك بالقلم وأرسم. وفي أحد الأيام كنت أجلس في وقت راحتي من العمل، وكعادتي أمسكت بالقلم ورسمت قطعة حُلي عبارة عن تصميم لـ”كولية”. وعندما شاهد أصدقائي ذلك شجعوني على الاستمرار في هذا المجال، ومن هنا شعرت أن هذا ما كنت أبحث عنه”.
وتكمل: فضلت قبل الدخول في هذا المجال أن أقوم بالدراسة أولا. فلدي موهبة التصميم والخيال، لكن لم تكن لدي خبرة في كيفية التصنيع. وهو ما دفعني لأخذ دورة في صناعة الحُلي على يد المصممة العالمية عزة فهمي.
بعد الورشة، اتخذت القرار النهائي بترك مجال الهندسة والاتجاه إلى تصميم الحُلي. إذ شُعرت أنني أريد التركيز في هذا المجال دون شريك آخر قد يشوش على أفكاري ووقتي. كما ساعدني تشجيع والدتي التي قالت لي إن هناك الكثير من المهندسين، لكن القليل جدًا الفنانات في هذا المجال.
مراحل الصناعة والبحث عن الخامات
لا تنفصل تجربة أميرة القاضي عن واقع الحرفة وتحدياتها، لذا كان لزامًا عليها أن تكتشف تفاصيلها بنفسها. وأن تحقق المعادلة الصعبة التي تتطلب قطعة تحمل قيمة فنية. وفي الوقت نفسه يمكن لمن يرتديها الاحتفاظ بها لسنوات طويلة. لذلك اختارت معدن الفضة وطعمته بالأحجار الكريمة. وحول مراحل تحول الفكرة إلى قطعة فنية تقول القاضي:
“في البداية تكون لدي فكرة، ولأن جميع أفكاري تراثية أقوم بعملية بحث عنها، وجمع كل المعلومات حول أصلها وتاريخها الفني. ثم أحول الفكرة إلى تصميم أقوم برسمه على الورق. وبعد ذلك أذهب بهذا التصميم إلى الورشة لتنفيذه”.
من أعمال أميرة القاضي.. الصورة بواسطتها
منطقة الصالحية – كنز الأحجار الكريمة
تستخدم القاضي، إلى جانب الفضة، الأحجار الكريمة. وتختار أحجارها بنفسها من منطقة الصالحية بالقاهرة، والتي تصفها بأنها بمثابة كنز يضم مختلف أنواع الأحجار المصرية والمستوردة.
وتتابع: “استخدم الأحجار الطبيعية والأحجار الكريمة. في البداية لم تكن لدي الخبرة الكافية، لكنني اكتسبتها من خلال تعاملي مع الأحجار. إذ أصبحت قادرة على التفرقة بين الأحجار الأصلية والمزيفة أو المقلدة. ومن أهم الأحجار التي استخدمها: العقيق وخاصة العقيق اليمني، الصدف، الملاقي، الأماتيست، الفيروز، الكوارتز. وهناك أيضا قطع من الفضة المطعمة بالذهب، ولا استخدم أي خامة معدنية سوى الفضة”.
وفي النهاية أقوم بتصوير القطعة من أكثر من منظور، وأكتب عليها بعض الجمل التي تحكي قصتها بشكل مناسب.
المعارض وطريقة العرض
تشارك أميرة بمجموعاتها الفنية والتراثية من الحُلي في العديد من المعارض. خاصة المعارض ذات الطابع التراثي أو المقامة في أماكن مميزة مثل سوق الفسطاط. وتقول: “أحب بيع القطع بنفسي حتى أحكي حكايتها، سواء كانت قطعة تصف مكانا أو قطعة تراثية. فكل قطعة وراءها قصة يجب أن تُحكي. لا يهمني فقط أن تُباع القطعة، بل يهمني أكثر أن تعرف السيدة حكاية القطعة التي ترتديها”.
وتكمل: “حتى طريقة عرضي مختلفة عن باقي البائعين. فأنا لا استخدم الصندوق التقليدي المبطن بقماش القطيفة، لعرض القطع، بل صممت بنفسي استاندات من الخشب الطبيعي، مثل خشب الورد، والزيتون، ونفذتها داخل ورشة بدمياط. وهو ما جعل أسلوبي في العرض مميزا”.
قصص وحكايات
اختارت أميرة أن تجعل من الحُلي وسيلة لرواية القصص، لا مجرد قطعة إكسسوار أو زينة تُضاف إلى المظهر، بل وسيلة لحفظ القصص وذاكرة المكان. فجعلت من تصميماتها مساحة للتعبير والذاكرة معا، وصممت قطعا مستوحاة من بعض الأماكن الأثرية. مثل: جامع ابن طولون، وصحن السلطان حسن، والنجمة الإسلامية، إلى جانب بعض المفردات التراثية القديمة والجمل التراثية. وقد اهتمت كثيرا بالتراث المعماري والثقافي والفني، وحول هذا تقول أميرة:
“اهتم كثيرًا بتراثنا المعماري والفني والتراثي، وهو ما يجعلني انظر للمكان بشكل مختلف. وأتخيل كيف يكون تحويله إلى قطعة فنية يمكن ارتداؤها. ويسعدني كثيرًا تقبل السيدات لهذه الأفكار وإقبالهن على شراء تلك القطع. خاصة المهتمات بالتراث، حتى إنني كررت بعض القطع مرات كثيرة”.
من أعمال أميرة القاضي.. مستوحاة من لوحات وجوه الفيوم.. الصورة بواسطة أميرة
وجوه الفيوم على قطع فنية
لم تكتف أميرة بتوثيق الأماكن الأثرية على قطع الحُلي، أو نقل لوحات الفنان الكبير حسين بيكار إلى بعض القطع. لكنها فاجأت الجميع بفكرة غير متوقعة في مجموعتها الجديدة “وجوه الفيوم”. وهي تلك البورتريهات الشهيرة لأشخاص عاشوا منذ آلاف السنين، وتصف القاضي تلك التجربة وتقول:
“عمرك تخيلتي أن تكون قطعة الحُلي بوابتك للزمن، وأن نرتدي التاريخ لا مجرد إكسسوار؟ كل مجموعة جديدة لدي تبدأ بلحظة إلهام، لكن الإلهام هذه المرة كان مختلفا. إذ شدتني كثيرا لوحات وجوه الفيوم، تلك اللوحات التي تعود للعصر الروماني المصري. فهي ليست مجرد بورتريهات فنية، بل ملامح أناس عاشوا قبلنا بآلاف السنين. وهو ما جعلني أفكر: كيف استعادة قصص تلك الوجوه إلى الحياة مرة أخرى”.
وتكمل: “فكرت كيف أدمج تلك الوجوه مع الفضة لتخرج قطعة حُلُي لها روح. جربت العديد من الخامات، وفكرت في البداية في استخدام الخزف، لكنه لم يكن مناسبا لرسم تلك الوجوه. لذلك فضلت دمج الخشب مع الفضة، لأنني شعرت أنه الوحيد القادر على حمل القصة. بحثت عن فنان يستطيع إعادة رسم تلك الوجوه بتفاصيلها الدقيقة على الحُلي. وساعدتني في ذلك د.دوريس، الفنانة التشكيلية. ثم قمت بدمج الفضة مع الخشب، لدمج الماضي بالحاضر دون أن تختفي روح اللوحة الأصلية. وأعتقد أن هذه المجموعة تحمل قصة بحث وإلهام وتاريخ لا يموت”.
مكان يجمع مصممي الحُلي
حول أمنياتها للمستقبل تقول القاضي: “على المستوى العام، أتمنى أن يكون هناك مكان أو كيان يضم جميع مصممي الحُلي. ويعني بتعليم من يرغب في تعلم حرفة صناعة الحُلي على أيدي متخصصين. وأن نقوم في هذا المكان بتدريس التراث والفن. أما عن أمنياتي الشخصية، فأتمنى أن يحقق البراند الخاص بي شهرة عالمية. وأن يكون لدي مؤسسة تعليمية خاصة لتعليم صناعة الحُلي”.
داخل بدروم المتحف المصري بالتحرير، تستقر بقايا عظمية آدمية تحكي تاريخا لم تنقله النقوش أو تسجله المعابد. هنا تعمل الدكتورة زينب حشيش، أستاذ الآثار المصرية القديمة المساعد بكلية الآداب جامعة بني سويف، على واحد من أدق وأهم المشروعات العلمية في مجال البايو أركيولوجيا بمصر، وهو مشروع توثيق وتسجيل البقايا العظمية والمحنطة، الذي انطلق عام 2018 بمنهجية علمية متخصصة وشراكات بحثية دولية. لتقود فريقًا يعمل على حفظ ما يمكن وصفه بـ«الأرشيف الحي» للمصريين القدماء، في محاولة لإعادة قراءة التاريخ من خلال الإنسان نفسه: صحته، أمراضه، وظروف معيشته، ملامح حياته اليومية.
وفي هذا الحوار، تفتح لنا د. زينب حشيش كواليس هذا المشروع الوطني، وتكشف كيف يمكن للعظام الصامتة أن تتحدث بلغة العلم عن هوية أمة كاملة.
في البداية، كيف بدأت فكرة مشروع توثيق وتسجيل البقايا الآدمية بالمتحف المصري بالتحرير؟ وما الدافع الرئيسي وراء إطلاقه عام 2018؟
تخصصي هو بايو أركيولوجيست، أي كيفية التعامل مع البقايا الآدمية العظمية والمحنطة. فمنذ بدأت العمل في وزارة السياحة والآثار عام 2001، بعد تخرجي مباشرة، وأنا أعمل في هذا التخصص مع البعثات الأجنبية والمصرية، ما جعل اهتمامي به يتزايد، خاصة أن عدد المتخصصين فيه ليس كبيرا. كنا فريق عمل هدفه مساعدة العاملين بوزارة السياحة والآثار على كيفية التعامل مع هذه البقايا العظمية، وضم الفريق ثلاثة متخصصين من مصر واثنين من خارجها.
في عام 2018، بدأنا في سؤال الأمناء العاملين بالمتحف المصري بالتحرير. إن كانت هناك فرصة للتعاون والتدريب معهم، على كيفية العمل على البقايا الآدمية التي تصل المتحف أو المحفوظة عندهم من قبل. وكان ذلك في عهد صباح عبد الرازق، مديرة المتحف في ذلك الوقت. وبالفعل نظمنا تدريبا استمر شهرين. شهر في الجامعة الأمريكية درس فيه المتدربين الجزء النظري، حول أهمية دراسة وتوثيق العظام. بالإضافة إلى دراسة تشريح جسم الإنسان، وكيفية استنتاج معلومات من خلال بقايا الجسم، مثل تقدير عمره وطوله وما يتعلق بالمعلومات البيولوجية. بالإضافة إلى المعلومات الخاصة بالمهنة.
***
أما الجزء العملي فتم داخل المتحف المصري، حيث عملنا على بقايا عظمية أثرية محفوظة في المتحف، وكان التدريب موجها لأمناء المتحف، بعد الحصول على جميع الموافقات اللازمة.
وخلال الشهر الأخير من التدريب، تبين وجود بقايا عظمية محنطة في بدروم المتحف في حاجة إلى توثيق وتسجيل. دون وجود أرقام منفصلة لكل هيكل أو جسد، إذ كانت مسجلة فقط برقم الصندوق. من هنا انطلقت فكرة المشروع. فالتوثيق في الأساس يهدف إلى إتاحة هذه المواد الأثرة للباحثين لاستكمال دراساتهم المستقبلية. خاصة أن هذه البقايا لم يكن أحد على علم بها سواء داخل مصر أو خارجها.
وعلى هذا الأساس، تم تأسيس المشروع بالشراكة مع المتحف المصري ومعهد البايو أركيولوجيا في لندن، الذي دعمنا بشكل كبير. وبدأنا العمل منذ النصف الثاني من عام 2018 وحتى الآن. حيث سجلنا ما يقرب من 11 ألف عظمة، وهي مواد ناتجة عن أعمال حفائر تمت أثناء بناء السد العالي. مثل حفائر رايزنر ووالتر إمرى وبيتري وغيرهم من رواد التنقيب الذين عملوا في مصر خلال الفترة من 1893 حتى 1980. خاصة أن ما تم حفظه بالمتحف مجموعات مختارة للدراسة. لذلك تعد هذه المجموعات الأثرية بمثابة كنز يُكشف عنه من جديد.
د. زينب حشيش.. الصورة من المصدر
***
أما فيما يخص أعضاء المشروع، فيضم العمل مجموعة من المتخصصين من قسم الآثار بكلية الآداب جامعة بني سويف، تحت رعاية عميدة الكلية د. عزة جوهري، ود. وزير عبد الوهاب، أستاذ الآثار المصرية القديمة بالكلية. إلى جانب مجموعة من الخبراء المتخصصين بوزارة السياحة والآثار، فضلا عن العاملين ببدروم المتحف المصري بالتحرير. وترأسهم أسماء أحمد، التي أضافت للمشروع جهدا كبيرا من خلال التنسيق الجيد بين فريق العمل والمتحف. وتعاونها المستمر في تطوير العمل يوما بعد يوم.
ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة العاملين ببدروم المتحف المصري. إذ لم يكن هناك في السابق من يمتلك الخبرة الكافية للتعامل مع البقايا العظمية من حيث التسجيل أم الإتاحة للباحثين أو إعداد كتالوج خاص بها. ورغم أن بداية المشروع كانت في مساحة محدودة للغاية، فإننا توسعنا تدريجيا، من مكان صغير إلى غرفة. ثم إلى المكان الحالي، الذي أعتبره إنجازا حقيقيا. إذ يضم ثلاث غرف مجهزة ومصممة بأرفف وإمكانيات حفظ وتخزين عالية. ما يجعلنا مستقبلًا يمكن أن يكون لدينا مركزًا لدراسة البقايا العظمية في مصر ويكون الأول من نوعه.
كيف وازن فريق العمل بين البحث العلمي واحترام البعد الإنساني والأخلاقي للتعامل مع الرفات الآدمية؟
أولى النقاط التي نحرص عليها، وكان الهدف الأساسي من التدريب الأولي ومن عملية التسجيل نفسها، هي البعد الإنساني. فنحن نختلف عن كثير من الشعوب الأخرى، لأن الرفات أو البقايا العظمية التي نمتلكها هي لأجدادنا، وليست بقايا حضارات أخرى. مثل ما موجود في المتحف البريطاني الذي يعرض بقايا مصريين أو سودانيين وغيرهم. نحن نتعامل مع أجدادنا الذين تربطنا بهم علاقة مباشرة. فكان هدفنا الأول حفظهم واحترامهم وتكريمهم بحفظ أجسادهم بطريقة آدمية.
الهدف الثاني، الذي نحرص على ترسيخه لدى الطلاب والعاملين في هذا المجال. هو الالتزام بالأخلاقيات، والتعامل مع هذه البقايا باعتبارها بشرا وليست مجرد آثار. ومن هنا تأتي الموازنة بين البحث العلمي والبعد الإنساني. حيث نؤمن بأن الجانب الإنساني يفوق العلمي أهمية. لذلك نعمل على الصيانة والحفظ والدراسة والتوثيق، وهي جوهر المشروع. في إطار أخلاقي صارم.
وتتمثل هذه الأخلاقيات في معايير واضحة، مثل منع التصوير مع البقايا العظمية بلا هدف، أو تركها مكشوفة، والحرص على نشر علمي يضيف وليس أهوج. أي لا نقبل مثل تجارب الغرب في جعل مومياوات تتكلم أو إعادة تصور شكل المتوفى وهي قواعد الجميع ملتزم بها. نحن لا نبحث عن “التريند”. لذا نلتزم بالنشر العلمي في إطار أخلاقي، يتناول مثلا رعايتهم وصحتهم وغيره. ولدينا عن ذلك 4 أبحاث علمية ليست دراسات حالة ولكن شرح الموجود وتاريخ الكشف عنهم وهكذا.
كيف كان شكل التعاون مع معهد البايو أركيولوجيا بلندن، وهل شمل تطوير الأدوات أم أساليب التوثيق؟
يُعد معهد البايو أركيولوجيا من المعاهد الكبرى المهتمة بالحفاظ على البقايا العظمية، ليس في مصر فقط، بل على مستوى العالم أجمع. إذ لديه مشاريع عديدة في بيرو والصين وإنجلترا وغيرهم، ما يجعله معروفا بخبرته الواسعة في هذا المجال. ومن هنا تمثلت سبل التعاون في أمرين رئيسيين:
أولًا، رفع الكفاءة، من خلال إرسال خبراء من المعهد، مثل الدكتورة روكسي ووكر، وهي خبيرة ومن الأسماء المهمة في هذا التخصص.
ثانيًا، دعم المشروع بالأدوات والاحتياجات اللازمة، إلى جانب الدعم المعنوي في المساعدة في أعمال النشر والتوثيق، أي تعاون في كافة الاتجاهات.
تجميع البقايا الآدمية.. الصورة من د. زينب حشيش
ما التحديات التي واجهتكم أثناء العمل داخل المتحف المصري بالتحرير؟
المشروع بأكمله كان عبارة عن سلسلة من التحديات، بل إن فكرة المشروع نفسها كانت تحديا. وكان التحدي الأول هو توضيح أهمية وقيمة هذا العمل للجمهور. وما يمكن أن نستنتجه من معلومات. وكيف نوفر مادة علمية جديدة على المصريين بالتقنيات الحديثة في ذلك الوقت. أي واجهنا مشكلة في تفسير أن المشروع جزء من علم الآثار وجزء من تراثنا.
التحدي الثاني تمثل في عدم وجود كوادر لديها دراية مسبقة بكيفية التعامل مع هذه البقايا. فواجهنا صعوبة في إيجاد مهتمين بتعلم الموضوع من جميع الجوانب تسجيل وتوثيق ودراسة وتخزين.
كما واجهنا عائقا كبيرا يتمثل في صعوبة المادة نفسها. إذ أن طرق الحفظ القديمة لم تكن قائمة على تخزين كل جسد في صندوق بمفرده، بل كانت كل بقايا عظمية مخزنة على حسب النوع. فالرؤوس في مكان، وعظام العضد في مكان آخر، والحوض والأيدي وبقية أجزاء الجسد في أماكن مختلفة. وبالتالي كان التحدي هو إعادة تجميع الإنسان الواحد مع بقاياه. وحفظه في صندوق يمثل جسدا واحدا، وهو ما استغرق سنوات بسبب ضخامة الأعداد.
ومن التحديات أيضًا أن بعض البقايا لم تكن محفوظة في مكان واحد، فقد يكون جزء من الإنسان محفوظا في المتحف المصري. بينما يوجد جزء آخر في مخزن بكلية طب قصر العيني، وهو تحد ما زلنا نعاني من آثاره حتى الآن. يضاف إلى ذلك تحديات تتعلق بتوفير أماكن مناسبة للعمل، وتجهيز أرفف جديدة، ورفع كفاءة البنية التحتية. من حيث الكهرباء والصيانة، ومراقبة أنواع الحشرات التي قد تدخل المكان وتحديد فترات نشاطها.
هل هناك خطة مستقبلية لتوسيع نطاق المشروع أو تعميم التجربة على متاحف أخرى؟
نعم، لكن أكثر متحف يضم بقايا عظمية هو المتحف المصري بالتحرير، والمجموعة الموجودة به مهمة جدًا لأن لها تاريخ ونشر قديم. أما المتاحف الأخرى فتضم مومياوات حالة حفظها جيدة.
وعن توسيع نطاق المشروع، فقد تمت دعوتنا إلى المركز القومي للبحوث. حيث أصبحنا ملهمين لتطبيق التجربة وتنفيذها في أماكن أخرى، ليس في المتاحف بل المخازن، لأنها من ضمن التوصيات التي ناشدت بها وقتها، لماذا لا يصبح لكل مجموعة مخزن معين من مخازن وزارة السياحة والآثار ويطبقوا تجربتنا. خاصة وأن لدينا حاليا نظام للتسجيل، خاصة وأننا يمكننا مساعدتهم في كيفية بدء الخطوات دون المرور بنفس المعوقات التي واجهتنا. وقوبلت برد فعل إيجابي أتمنى يدخل إطار التنفيذ.
هل هذا فتح المشروع آفاقًا جديدة للتعاون البحثي أو فرص تدريب للباحثين الشباب؟
بالتأكيد. والدليل وجود رسائل دكتوراه أنجزت حول هذا الموضوع، وأيضًا باحثين بدأوا بالفعل العمل على مواد من تلك التي نقوم بتسجيلها. كما أصبح جزء من المواد المسجلة متاحا حاليًا في بدروم المتحف المصري بقسم البحث العلمي للأبحاث. وهذا هدف مشروعنا: فتح وإتاحة نافذة جديدة للباحثين.
جانب من عمليات نقل وتجميع البقايا العظيمة.. الصورة من د. زينب حشيش
هل أدت نتائج المشروع إلى إعادة قراءة بعض الفترات أو الحالات الصحية والاجتماعية للمصريين القدماء؟
بلا شك، نحن حاليا في إطار أعمال التسجيل والتوثيق والمجموعات التي تم الانتهاء من توثيقها سنبدأ في وضعها داخل إطار النشر العلمي، بالتالي سيظهر معلومات جديدة. مثلا المجموعة الحالية التي نعمل عليها مجموعة مكتشفة سنة 1895، عمل عليها ديمورجن. وتم الكشف فيها عن ملوك من نهاية الأسرة الثانية عشرة الدولة الوسطى وبداية عصر الانتقال الثاني. وهي مجموعة مهمة لأن عددهم ليس كبيرًا. 5 هياكل عظمية أربعة منهم بدون، بقايا هياكل من العائلة المالكة خلال نهاية الدولة الوسطى. إعادة فحص الهياكل يكون لهم مكانة تاريخية حول المساعدة في الحكم وغيره. وهو ما سيصبح بحثًا مهمًا تاريخيًا.
هناك أيضًا معلومات أخرى، مثل كهنة وكاهنات آمون التي تم الكشف عنها في خبيئة الأقصر، الموجودة حاليًا في المتحف المصري، وهي مجموعة مهمة جدا، لكشف تاريخ مصر للأسرة 21. معظمهم لهم توابيت لكن تم معاملتها بطريقة غير آدمية بعض الشيء، وتم توزيع المجموعة على 16 متحف حول العالم أثناء تنصيب الخديوي 1893عباس حلمي الثاني. والتي كانت تضم ـالمقبرةـ 154 تابوتًا. فأحيانا خلال وقت التوزيع كان يؤخذ التابوت دون المومياء، وتم توثيق ذلك حتى يدرس.
كما يضم المتحف مجموعة دشاشة، التي خرج منها صور الملابس والأزياء المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. فممكن افتراضيا الجمع بين المتوفى ومحتويات مقبرته، وتحقيق ما كان يعد له طوال حياته حتى يوم وفاته. إلى جانب ذلك توجد مجموعة دهشور، وآثار النوبة، ومجموعات من ما قبل التاريخ. وهي مهمة جدًا لأنها تمس حضارة مصر هل مصريين أم أجانب؟ والتي تؤكد أن حضارتنا مصرية خالصة.
شاركتِ في العمل مع بعثات أثرية مصرية وأجنبية متعددة، كيف ترين مكانة الباحث المصري داخل فرق البحث الدولية؟
أراها مميزة جدًا، وهو ما يفسر استعانة البعثات الأجنبية بنا وبخبراتنا بشكل دائم. وهو ما لم يكن موجود من فترة كبيرة، قديما قلما نجد مصري عضو من أعضاء بعثة أجنبية. أما حاليًا مشاركة العلماء المصريين أصبحت بنسبة عالية جدا داخل البعثات الأجنبية. وهو ما يمثل نجاح وإنجاز عظيم، بالعكس العديد من البعثات المصرية يسع الأجانب للعمل معهم.
ما أصعب قرار مهني اضطررتِ لاتخاذه؟
في مهنتنا، المعاناة ليست في التنقيب وسط الرمال، بل في تلك اللحظة التي نقف فيها أمام التاريخ وجهاً لوجه لنتخذ “القرار”. نحن نعيش في تلك المنطقة الرمادية المرهقة: هل ننشر الحقيقة العلمية المجردة، أم نلوذ بالصمت احتراماً لجلال الموت؟
واجهتُ يوماً اختباراً قاسياً، جسدُ ملكٍ لم يترك له الزمان سوى بقايا متناثرة. كان بإمكاني اعتلاء المنصات وتحقيق مجدٍ شخصي وضجيج إعلامي باسم هذا الملك، لكنني انحزتُ لآدميته. لم أستطع أن أقبَل بعرضه “منقوصاً” أمام أعين الفضوليين؛ فرفات البشر ليست مادة للفرجة. التحدي الحقيقي الذي يشغل بالي هو: كيف أمنح الجمهور حقه في المعرفة، دون أن أنتهك حق هذا الملك في الهيبة؟ كيف نُظهر التاريخ دون أن نجرح وقار الموت؟
أحياناً أشعر بالأسى على الملك الشاب؛ لقد دفع جسده ثمن شهرته غالياً. كثرة النقل، واللمس، وأضواء الكاميرات، جعلته يعاني من “إرهاق” لا يليق بمرقده. لهذا السبب، أصبح مبدئي الأول هو: “الحماية قبل الكشف”.
***
حتى حين أضطر لاستخدام الأشعة السينية(X -ray) أو سحب عينة للدراسة، أجدني أسأل نفسي بصدق: هل هذا “يؤلمهم”؟ قد يبدو السؤال غريباً على عالِم، لكنني أؤمن أنني أتعامل مع “بشر” لهم حرمة، وليس مع أحجار صماء. لا مكان هنا للترف العلمي إذا كان الثمن هو كرامة الجسد.
أنا لستُ ضد أن يشاهد العالم عظمة أجدادنا، لكنني أنحاز للعرض الذي يحترم “السكينة”. ويعجبني جداً أسلوب العرض في متحف الحضارة؛ هناك لا تشعر أنك في متحف، بل في زيارة لمقبرة ملكية حقيقية. الإضاءة الهادئة، والجسد الملفوف بوقار لا يظهر منه إلا ما يربطك بإنسانيته -الوجه واليدين- يجبرك على أن تنظر إليهم بعين الإجلال لا بعين التحديق.
نحن في النهاية لا نعرض “مومياوات”، بل نستحضر أرواحاً عاشت وبنت وعانت. ومهمتنا أن نجعل العالم يصافح تاريخهم بقلبه قبل عينيه.
استضاف بيت الرزاز «طبلية مصر» لمواصلة فعاليات اليوم الثالث من الموسم الخامس، برعاية مؤسسة صادكو وبالتعاون مع المؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، من خلال حلقة نقاشية عن «الطعام في الأدب المصري»، تناولت حضور الأكل في روايات نجيب محفوظ وغيرها من الأعمال الأدبية، وكيف تحول الطعام إلى أداة سردية تعبر عن التاريخ والذاكرة والهوية.
وشارك في الجلسة كل من: د. ماجدة منصور حسب النبي، أستاذ الأدب الانجليزي بكلية البنات جامعة عين شمس، ود. شيرين الصامت، المدير الإداري للمؤسسة المصرية لإنقاذ التراث، ود. منيرة سليمان، أستاذ الأدب المقارن بجامعة القاهرة، ود. نادية طه عبد الفتاح، المشرف على التراث الإسلامي بمكتب الأمين العام بالمجلس الأعلى للآثار.
شعر فؤاد حداد عن الطعام
أدارت الحلقة النقاشية الدكتورة ماجدة منصور، التي استهلتها بأبيات من شعر فؤاد حداد عن الطعام. ثم تحدثت عن حضور الطعام في الأدب المصري، مطالبة بتناوله زمنيًا من الأقدم للأحدث، بدءًا من السير الشعبية والعصر المملوكي.
الطعام في السيرة الشعبية
تناولت الدكتورة شيرين الصامت الحديث عن الطعام في هذه الحقبة، وقالت: “موضوع الطعام في الأدب، خاصة السير مهم. إذ إن الطعام يعد صانع الحضارة. حيث لا توجد حضارة بدون طعام، كما أنه ما يميز الطبخ تحديدًا والإنسان عامة عن أي مخلوق آخر. وبناء عليه فقد تحول من شيء قائم على الغذاء والإمداد بالطاقة إلى أساس معقد نشأ عنه الحضارة”.
وأضافت: “الحضارة واحدة من روافدها هو التراث بأشكاله المختلفة، والتراث المصري تحديدًا كان واعيًا جدًا. ومن ثم استطاع استخدام كل عناصر الحياة ويصلها معًا بحياته. ولعل ما يؤكد ذلك هي السير الشعبية، التي تعني الخيال الجمعي عن حدث تاريخي ما، بها أشخاص يحتاجون مجموعة من العلاقات.
لذا يستخدم الطعام لرسم الشخصية. وفي الأدب المصري نملك العديد من السير مثل السيرة الهلالية وذات الهمة. لكن ما يستوقفني هي سيرة الظاهر بيبرس، لسببين: أنه حاكم، والناس لا تميل لتمجيد الحكام وتخلق له سيرة. ثانيًا أنه ليس له أصل من مجتمعنا، والحقيقة أن الشعب المصري أحبه”.
وتابعت: “بحث الناس عن سبب يجعل صاحب الربابة يحكي حكايته. ومن ثم تم تحويله من عبد مملوك إلى شخص منهم، فبدأوا يحكوا قصص أسطورية حوله ويخلقون له نسب. ثم أضفى عليه من صفات المصريين، الطعام. هنا أعطانا فكرة عن كيفية معاناة الظاهر بيبرس وهو طفل وتخيل تجويعه حتى أقسم أنه لن يجعل الناس تجوع. بعدها وصل مصر والتقى بنجم الدين، الذي أصبح مثله غير طامعًا. حتى في الطعام وأصبح يأكل العيش والدقة وأحيانًا فول. بعد ذلك صورته السيرة كشخص زاهد غير نهم في الأكل. وهو ما جعل المصريين ينسبون إليه كل الموائد. عكس ذلك حدث مع أيبك الذي وصفه المصريون بالنهم دون شبع”.
1000059872
1000059873
الطعام في أدب نجيب محفوظ
من جانبها، تناولت الدكتورة نادية طه عبد الفتاح الطعام في العصر الحديث، وروايات نجيب محفوظ تحديدًا. وقالت: “نجيب محفوظ معروف في رواياته بالأماكن لكن ذلك لم يمنع ظهور الجوانب اللامادية في أعماله. مثل الأكل، الشرب، اللبس، عادات وتقاليد المصريين في رمضان، الذي أطلق عليه شهر الحرية لأن والدته كانت تجعله يلعب في الحارة حتى الصباح”.
وتابعت: “نجيب محفوظ أعطانا انطباع عن تجهيز الأكلات المصرية، وتنظيف البيت قبل رمضان تحديدًا عند الطبقة المتوسطة. وهذا ظهر بوضوح في رواية “بين القصرين”، و”خان الخليلي”. وهذا يدل أن الطعام انعكاس لجو العائلة أو المطعم كذلك ظهر في دخول “سي السيد” لأمينة وسؤالها عن خزين البيت من سكر ولحمة وغيره.
هناك أيضًا عجن أم حنفي الذي كان يعتبر منبهًا. مع ملاحظة أن بيت “سي السيد” هو بيت محفوظ في الحقيقة وصف بيته هو وصف قصر الأمير بشتاك. كما أن الطعام ظهر في رواياته مثل تجهيز أمينة صينية الفطار التي تحوي الفول المدمس، الطعمية، العيش المخبوز صباحًا. الأكثر من ذلك أنه أعطانا أداب الطعام. كما أن الأكل بالنسبة له كان عامل جذب للسيدات.
وفي رواية “زقاق المدق” يظهر الحمام المحشي. من خلال شخصية سليم علوان التاجر الغني، الذي كانت له طقوس للأكل خاصة الحمام بالفريك. الذي يرص جانبه الخضار والبطاطس المحشية. وهناك أيضًا البسبوسة التي وردت في الرواية حيث مع بيع آخر قطعة ينام صاحبها من التعب، وأوضح كذلك طقوس الشركسية”.
من فعاليات طبلية مصر في بيت الرزاز.. تصوير: هبة معوض
أدب الطعام
في هذا السياق اختتمت الدكتورة منيرة سليمان الحلقة النقاشية بالحديث عن “أدب الطعام”. والفرق بين كاتب يستخدم الطعام في أعماله سواء رواية أو شعر أو قصة. ما بين كاتب الطعام يكون محور عمله. لأن ليس كل عمل أدبي وصف أو تناول أكله أو مكونات يصبح أدب طعام. هنا الطعام يسقي معاني عديدة تراثية، مثل أعمال نجيب محفوظ ويحيى حقي.
أما أدب الطعام فهو المبني عليه العمل كامل، وفعل الطبخ والمكونات تعد شخصية من الشخصيات. وهو موجود في الأدب العالمي منذ القدم، لكن في مصر لم ننتبه له سوى من فترة قريبة. مثل “كحل وحبهان” لعمر طاهر، الوصفة الغريبة لمحمد أبو النجا، و”طبيخ الوحدة” لأمنية طلعت.
وإذا أخذنا رواية “كحل وحبهان” مثالًا، نجد الكاتب لا يستهدف أو يشير إلى أكله وطبخة. بل يتتبع حياة شخص وسط عائلته يلتقي بفتاة يحاول دعوتها للطعام. ومن ثم بدأ بالتفكير في أي طعام سيطهوه لها، ليتذكر الأكلات من مكرونة ومسقعة وغيره حتى يستقر على الملوخية، التي من خلالها يوصل رسالة معينة. أنها أصبحت قريبة منه، وتختلف الرسائل من أكلة لأخرى.
وواصلت: “في عمل أمنية طلعت نرى صينية البطاطس كانت تجمع الأسرة. حيث سيدة متزوجة توفى زوجها وتزوج أبناءها واستقروا في حياتهم، وأصبحت وحيدة. فكانت الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها أن تجذب ولادها للسؤال عنها أن تطبخ لهم ما يحبونه من يدها، ويذكرهم بذكرياتهم معها وهم أطفال. فنجد الرواية أحداثها طقوس طبخ الأكلة وخطواتها من التسوق والشراء حتى الطبخ، مع تذكر كلمات أبنائها عنها”.
في عام المئوية، يظل حضور يوسف شاهين (1926–2008) السينمائي مثار احتفاء وجدل ونقد، لا لأنه مجرد مخرج، بل لأنه حالة فنية مركبة تجمع بين عبقرية الرؤية وسلطة السيطرة، وبين طموح الممثل الذي لم يكتمل.
تمنحنا المئوية فرصة للتأمل في رحلته كاملة، لفهم كيف شكّلت بداياته في التمثيل وتحوله إلى الإخراج مشروعًا سينمائيًا فريدًا، فالاحتفاء بمئويته ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل مدخل لفهم الصراعات الداخلية التي ولدت سينما يوسف شاهين، سينما لا تتجاوز ذاته، بل تجعل من تناقضاته مادتها الأساسية.
التمثيل المقموع… ظل حي داخل شاهين
حين ذهب يوسف شاهين لمعهد باسادينا، لم يكن الإخراج حلمه الأول، بل التمثيل. هكذا يقدّم شخصيته الدرامية “يحيى شكري مراد” في إسكندرية ليه؟ صبيًا سكندريًا يحلم بأن يقف في مواجهة العالم لا خلفه، باحثًا عن المجد على خشبة المسرح وأمام الكاميرا. لكن هذا الحلم لم يكتمل، لا لأن شاهين لم يمتلك الموهبة. بل لأنه – كما يبدو لاحقًا – لم يرَ نفسه، وربما لم يحتمل فكرة الفشل أو العادية كممثل.
كانت دراسة التمثيل لحظة تأسيسية شكّلت علاقته اللاحقة بالسينما والجسد والسلطة. هناك، حيث يُقاس الممثل بقدرته على الحضور والانكشاف، اصطدم شاهين مبكرًا بهاجس لم يفارقه: ماذا لو لم يكن استثنائيًا؟
لم يكمّل شاهين حلم التمثيل حتى نهايته. وانجذب إلى الإخراج لا بوصفه مهنة موازية، بل موقعًا أعلى: موقع الرؤية والسيطرة والتحكم في العالم. في الإخراج لا يُختبر الجسد مباشرة، ولا يُحاكم الصوت وحده، بل تُدار الصورة من أعلى، هناك وجد شاهين ملاذه.
قراءات نقدية متعددة
منذ بداياته، لم يُخفِ طبيعته الديكتاتورية، بل اعترف بها بوصفها ضرورة فنية. كان يرى أن الفيلم لا يخرج جيدًا إلا إذا خضع الجميع لرؤية واحدة: رؤيته هو. هذه السلطة لم تكن تقنية فقط، بل نفسية وجمالية. سلطة على الجسد، والانفعال، وحدود التعبير، وحتى على خيال الممثل ذاته.
تشير قراءات نقدية متعددة إلى أن تمثيل يوسف شاهين في أفلامه – باستثناء بضع أدوار، أهمها قناوي في باب الحديد – قُرئ بوصفه فعلًا سيريًا مرتبطًا بموقعه كمخرج. وهو ما يعكس إشكالية حضوره كممثل داخل مشروعه الفني. شاهين لا يتقمص الدور بقدر ما يعلن ذاته، ولا يختفي داخل الشخصية بقدر ما يفرض حضوره عليها. لهذا بدا تمثيله محل تحفظ أحيانًا، لا لأنه يفتقد الوعي. بل لأنه يقف خارج قواعد اللعبة التي اختار أن يكون حكمها لا لاعبها.
تنعكس هذه الإشكالية مباشرة على علاقته بالممثلين. فكثيرون ممن عملوا معه تحدثوا عن “مدرسة شاهين” التمثيلية، لا بوصفها أسلوبًا، بل نظام ضبط صارم ورفضا لأي ارتجال لا يخدم الرؤية الكلية. الممثل في سينما شاهين ليس ذاتًا مستقلة، بل وسيطًا لتحقيق صورة ذهنية مسبقة. الموهبة شرط ضروري، لكنها غير كافية؛ الأهم هو القابلية للخضوع.
من فيلم باب الحديد.. مصادر مفتوحة
شاهين كما يراه المخرج ومدرب التمثيل حسن الجريتلي
يشارك حسن الجريتلي، مساعد يوسف شاهين في السيناريو والإخراج وتدريب الممثلين، رأيه في حوار قصير: «رأيي أنه ممثل متميز كـcharacter actor، يستطيع أن يجسد أدوارًا استثنائية ذات تشخيص قوي. وليس بالضرورة الأدوار الواقعية العادية. يعني قطعًا هو أفضل بكثير في دور قناوي في فيلم باب الحديد مقارنة بدوره في فجر يوم جديد، الذي كان أقرب إلى شخصيته العادية وطبقته الاجتماعية».
ويستكمل: «أما دور قناوي فهو الباقي في الذاكرة، لأنه أقرب للمدرسة الأمريكية التي كان شاهين قريبًا منها. وإيليا كازان نموذجًا، وActor Studio النابع من منهج ستانسلافسكي. لكن ربما، لكي تظهر موهبته التمثيلية كاملة، كان يحتاج إلى مخرج متمكن. ومع ذلك لم يمثل أدوارًا كبيرة إلا من خلال أفلامه، فلم نكتشف مدى قدراته كممثل».
عالم شخصي جدا
يضيف الجريتلي: «عالم يوسف شاهين في أفلامه شخصي جدًا، وبالتالي عندما نقيس أحداث هذا العالم. ربما نحتاج إلى استخدام نسبه الداخلية ومنطقه الخاص. وفي بعض الأفلام استطاع بعض الممثلين أن يتماهوا مع هذا العالم. خاصة في الأعمال التي تعاون فيها على السيناريو مع كتاب كبار، مثل إسكندرية ليه وحدوتة مصرية».
وحول اتهام أن شاهين يجعل الممثلين يتحدثون بطريقته، يقول الجريتلي: «ربما يحدث ذلك، لا لأنه يفرض عليهم طريقة أداء بعينها، بل لأنه عندما ينفرد بكتابة الحوار يكتب حوارًا يشبه ما يسمعه هو. كما أنه يفرض سرعة معينة في الأداء تقضي على لزمات الممثلين الشخصية أو الكلاسيكية، وهو أمر صحي جدًا تمثيليًا. بينما الممثلون الموهوبون جدًا، مثل محسن محيي الدين، ومحمود المليجي، وهدى سلطان، لم يكن شاهين يملي عليهم أداءً معينًا».
ويختتم قائلًا: «في علاقته بمحسن، ربما كان يراه كنوع من التعويض؛ فمحسن ممثل متحقق، وهو الابن الذي لم يلده، والممثل الذي لم يكنه. ويمثل آمال شاهين، فتماهى معه كأنه يعيد حياته على الشاشة من خلاله».
الصراع بين الرؤية والتمثيل
في رباعية سيرته الذاتية، خصوصًا إسكندرية كمان وكمان، يضع شاهين هذا النموذج في قفص الاتهام. لا يكتفي بسرد حكايته، بل يحاكم ذاته علنًا: كمخرج ديكتاتور، وكممثل مقموع. تتقاطع أزمة الإبداع مع أزمة السياسة عبر اعتصام نقابة السينمائيين ضد قانون يفرض شخصًا بعينه على رأسها بلا تداول. في موازاة أزمة “يحيى” المخرج الذي لا يستطيع أن يمنح الآخرين استقلالهم الكامل. كأن الفيلم يقول إن الديكتاتورية ليست نظامًا سياسيًا فقط. بل بنية نفسية تتسلل إلى العلاقات الإبداعية.
تبلغ هذه الأزمة ذروتها عبر علاقة يحيى بالممثل الذي يرى فيه صورته على الشاشة. يقول شاهين: «لما مثل دوري اتلخبطت.. ما بقيتش عارف مين أنا ومين هو.. يمكن هو كمان اتلخبط». هنا لا تعود العلاقة مهنية، بل تتحول إلى علاقة أبوية شبه إلهية، يحيى لا يرى نفسه أبًا فقط، بل خالقًا. يمنح الآخر حق الوجود بقدر ما يعكسه، كأنه ينصّب نفسه إلهًا يتحكم في مصير ابنه. كما يتحكم في مصير شخصيات أفلامه.
شاهين لا يعبد محسن
تتخذ العلاقة بعدًا شبه لاهوتي، شاهين لا يعبد محسن، بل يعبد صورته المتخيلة عن نفسه من خلاله. أقرب إلى تصور صوفي أو مسيحي عن التجلي: الأب، والابن، والمسافة بين الرؤية والتمثيل بوصفها «روحًا قدسًا».
يمثل محسن شخصية «يحيى» مرة أخرى في «حدوته مصرية». ثم يؤدي أدوارًا أخرى تحت إدارة شاهين، قبل أن تتفجر الأزمة. فبحسب محسن، حاول شاهين في «اليوم السادس» أن يجعله يؤدي الدور بأداء شاهين نفسه في شخصية قناوي في «باب الحديد».
بعد الفيلم، لم يحصل محسن على جائزة التمثيل التي كان يحلم بها. وفي «إسكندرية كمان وكمان» يعبّر شاهين عن هذا الفقد برقصة عمرو المنفردة على «فات الميعاد»؛ رقصة ضياع وانفصال.
أكثر من مجرد دور
في هذا السياق، يصبح حلم “هاملت أكثر من مجرد دور لم يُمثَّل. هاملت هو صورة الذات المثالية: الممثل العظيم، المأزوم، القادر على حمل التراجيديا كاملة. لكن شاهين لم يجرؤ على خوض هذا الاختبار بنفسه، فبدلًا من أن “يطرشه”، ظل يضع الآخرين في بؤرة المدفع. ويفوّضهم في تمثيل شغفه المؤجل. الأمر نفسه ينطبق على شخصيات مثل ابن رشد، الذي كان يتمنى تمثيله. إذ حملت الشخصية معنى رمزيًا مضاعفًا: العقل، والحرية، والصدام مع السلطة.
تمرد الممثل (عمرو/ محسن) على هذا المصير، ورفض أن يكون مرآة لا ذاتًا، يتحول في «إسكندرية كمان وكمان» إلى لحظة كسر للأسطورة. يموت “الإسكندر”، وتُدفن أوهام الألوهية. وتُقال جملة مفصلية: «كل واحد حر بذاته… ملناش ناخد قرارات باسم أي حد». هنا، لا يعلن شاهين تحرره الكامل. لكنه يعترف بثمن السلطة: العزلة، وانكسار العلاقات، واستنزاف الذات، كأن شاهين يعترف أخيرًا بخطيئته: تحويل الموهبة إلى تمثال.
صورة الرجل المرتبك
حتى صورة الرجل في سينما شاهين يمكن قراءتها في هذا الإطار؛ من محسن محيي الدين إلى هاني سلامة. يعيد شاهين إنتاج النموذج نفسه بملامح مختلفة: شاب حالم، حساس، مرح، قلق، جماله ناعم، يحمل مزيجًا من الحيوية والهشاشة. وكأنه يبحث عن جسد بديل يحقق من خلاله ما لم يستطع تحقيقه بنفسه. الرجل هنا ليس نجمًا تقليديًا، بل مرآة قلق، وصورة ذات تتشكل ولا تكتمل. كأنما يبحث عن ذاته الضائعة في وجوه الآخرين.
في النهاية، يبدو يوسف شاهين مخرجا صنع مجده من السيطرة. لكنه ظل يحمل داخله ممثلًا مجروحًا، لم يقمعه تمامًا، بل أخفاه. ثم حاول تحريره عبر الآخرين، أو عبر حضوره الإشكالي أمام الكاميرا. ومن هذا الصراع، وُلدت سينما عظيمة، مأزومة، وصادقة. سينما لم تدّعِ البراءة، بل جعلت تناقض صاحبها مادتها الأساسية.
يوسف شاهين.. المخرج الديكتاتور والممثل المقموع، ليس توصيفًا أخلاقيًا، بل مفتاحًا لقراءة مشروع فني كامل، تشكّل من حلم لم يتحقق، وسلطة حاولت تعويضه، وصراع لم يُحسم، ولا يزال حيًا على الشاشة.
واصلت «طبلية مصر» بالتعاون مع مجموعة «صادكو» فعاليات اليوم الثاني من مبادرة «إحياء الماضي وتوثيق الحاضر من أجل المستقبل»، المنعقدة في الفترة خلال الفترة من 15 يناير حتى 5 فبراير، حيث شهد اليوم تنظيم مؤتمرًا بعنوان «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».
الجلسة الأولى.. أكلات وذكريات
قُسم المؤتمر إلى جلستين، حملت الأولى عنوان “أكلات وذكريات”، وتحدثت خلالها الدكتورة شهيرة محرز، أستاذة العمارة الإسلامية بجامعة حلوان. والدكتورة نهلة إمام، مستشارة وزير الثقافة والمسؤولة عن ملف “اليونسكو” للتراث غير المادي في مصر، والدكتورة أميرة صديق، مدير المشروعات التراثية بمركز التوثيق للتراث الحضاري والطبيعي بقطاع التواصل الثقافي في مكتبة الإسكندرية.
شهيرة محرز.. المتحدثة الأولى
استهلت الدكتورة شهيرة محرز حديثها قائلة: “يسعدني اليوم أن أشارك في فعاليات طبلية مصر. وأود في البداية أن أتقدم بالشكر للدكتور الطيب عباس والدكتورة نشوى على الاستمرار في هذه المبادرة الهامة، والعروض الجميلة التي قدمت لنا منذ الخميس الماضي”.
وأضافت أن موضوع الجلسة يدور حول رحلة المصريين مع فنون الطهي والعرض والتقديم. مشيرة إلى أن الطهي فن كبقية الفنون، وله شقان، أحدهما خاص بالصفوة. والآخر بالفئات الأقل ثراءً، إلا أن كليهما في مصر يتمتع بسمات جمالية مميزة.
وأوضحت أن الاهتمام بتقديم الطعام كان واضحا حتى في الطبقات الأقل شهرة. حيث كان طهي الخضراوات يتم في أوان مائلة تسمى “الدقية”، تقطع فيها الخضراوات بطرق خاصة. ثم ترتب داخل الأواني، وبعد اكتمال الطهي تقلب القوالب لتظهر الخضراوات مرصوصة في شكل هرمي.
1000057543
1000057589
وصفات اندثرت وأخرى أوشكت
عرضت الدكتورة شهيرة محرز عددا من الوصفات التي اندثرت تمامًا أو لا يعرفها سوى الأقلية، وأشكال تقديمها. وكان من بينها وصفة “السبانخ الروس”، وفيها تطبخ رأس السبانخ فقط، وترص بطريقة معينة في الأواني وبعد طهيها تزين بزخارف معينة حسب كل بيت. لكن أكثر ما كان معروفًا السبانخ المزينة بحبات الحمص.
وأشارت إلى أن طبقة الصفوة، نظرًا لكبر البيوت وتوافر إمكانيات، كانت تضم طباخا رئيسيا ومعاونيه الذين يطلق عليهم “المرمطون”. وكانوا يتفننون في عرض جمالي لكل ما يقدم على السفرة، خاصة في المناسبات المهمة. مؤكدة أن هذا الفن موجود اليوم في آسيا، لكنه اختفى تقريبا من مصر.
وتناولت وصفة “القلقاس المحمر باللحم المفروم والصلصة”، التي أصبحت من الوصفات القليلة الطبخ. بعد أن اتجه معظم الناس إلى إعداد القلقاس بالصلصة فقط. كما تحدثت عن طبق “دقية الفول الأخضر”، وهو من الوصفات قليلة الاستخدام، إذ أصبح يتم أكله مدمسا أو نيئا. لكن قديمًا اعتمد طهوه على الشبت والجزر، الذين يعطون ألوان الريف المصري.
الكوسة البيضاء
كما عرضت وصفة “الكوسة البيضاء”، التي كانت تقطع بطريقة معينة وتطبخ بالبهاريز دون الطماطم. وكانت تزخرف بما يسمى بـ”الطراطوس”، وهو مسحوق مثل الطحينة، لكن مصنوع من الصنوبر. ونظرًا لسعره الغالي لم يكن يستخدم سوى في العزائم الكبيرة. وكان المسحوق يغطى بالخضار أو السمك أو اللحم. ثم يزين بقشور الطماطم والبقدونس، حتى أن زخارفه تشابهت مع أواني فخار القرن السادس عشر الموجودة في المتاحف. وهو ما يؤكد لنا مدى الارتباط بتاريخنا.
أما الطبق الأخير فكان عكس ما سبق، ليس صعبًا، بل يسهل الطبخ، وهو “المحشي الكرنب”. إذ كان يتم سلق الكرنب سلق خفيف. ثم تحشى من خلال وضع الأرز والبهارات والتوابل بين كل طبقة وبعدها تلف كاملة وتوضع في دقية لطهوها، دون تقطيع أو لف. وبعد الطهو تخرج على شكل قبة، وتقطع خرائط كالتورتة. فكان ذلك يسهل طبخ المحشي.
أطباق وأواني التقديم
في الجزء الثاني من مداخلتها، استعرضت الدكتورة شهيرة محرز أنواع الأطباق التي كان يقدم عليها الطعام. موضحة أن الاهتمام بأواني التقديم لم يكن حكرًا على طبقات بعينها، بل كان أمرًا مهمًا في جميع الطبقات. حيث نفس الأطباق التي كانت تصنع من الفضة للصفوة، مثلها تمامًا يصنع من النحاس أو المعدن الأبيض أو الخزف للعامة. نفس الاهتمام بالسفرة والأواني كان موجودًا في كل الفئات، وكذلك صواني تقديم المشروبات.
كما وجدت في كل مكان حتى المقاهي، ونفس الاهتمام لكؤوس الماء، للصفوة من الفضة، العامة من الزجاج البسيط، الطبقة المتوسطة من الزجاج الملون. أما المشروبات الساخنة فكان لها تلبيسة وتصنع من النحاس والمعدن الأبيض والفضة وفقًا لكل طبقة.
شعب ذواق
أضافت محرز: “كذلك الأدوات كانت مزخرفة ولها قيمة جمالية، وأبرز دليل على ذلك مناقيش الكعك. وهو ما يدل على أن الشعب المصري كان ذواقًا. من المهم أيضًا أن الجمال لم يكن حكرًا على فئة مما ميز المجتمع المصري، بل كان في كل مكان حتى الشوارع. وأكبر دليل ما تبقى من محلات تقليدية في شوارعنا وبالذات واجهات الأفران والفكهانية وعربات الخضار التي تدل على رقي الشعب المصري. موصية بالشراء من هؤلاء الباعة بدلًا من السوبر ماركت حتى لا يندثر فن الشوارع”.
واختتمت حديثها بتوجيه الشكر إلى المتحف القومي للحضارة المصرية على مبادرته الفريدة من نوعها، التي لم تحدث من قبل، وهي تكريم مأكولات الشارع المصري. والعروض المقدمة من قبلهم وتنظيم هذه الفعالية.
1000057557
1000057517
الاستدامة والإبداع
في المدخلة الثانية، تولت الدكتورة نهلة إمام الحديث. حيث وجهت الشكر إلى طبلية مصر على امتدادها وتوسعها ونزولها الشارع ووصولها أماكن كثيرة، بداية من اهتمامها بالطعام. وصولًا إلى النقطة الأهم وهي الاستدامة، والقدرة على الإبداع بأفكار جديدة.
وأوضحت أنه في كل مرة يجتمع المشاركون حول محور جديد متعلق بالطعام، وهذا يجعلنا نتساءل: لماذا الأكل؟ مؤكدة أن الطعام يعد الثقافة الأهم لأي بلد. مشيرة إلى أن الرحالة الأوائل أكدوا أن التعرف على أي بلد لا يكتمل دون تذوق طعامه. لأنه يعبر عن ثقافات وليس مجرد مذاق، فهناك ثقافات حارة مثل الهند، المميزة باستخدام التوابل.
وأشارت إمام إلى أن أكثر ما يخيفها من التراث هو أن يلقي بنا إلى التعصب، لأن الاهتمام الشديد قد يجعلنا نتجه نحو التطرف، لذا، على سبيل المثال التوابل تخبرنا عن الثقافات ممكن واحدة تستخدمها بكثرة وأخرى لا. أو ثقافة تستخدم توابل معينة في وصفات معينة فقط. ما يجعلها مختلفة عن الثقافات الأخرى، لكن ما حدث أن هناك سيولة ثقافية في العالم، التي جعلت من العالم كله شبيهًا لبعضه في المأكل والمشرب والملبس. لذلك أصبح الحفاظ على طابع معين من الطعام هو في حد ذاته كفاح. الطعام ملمح من ملامح الثقافة وجزء من هويتي.
ثقافة الطعام
لفتت الدكتورة نهلة إلى أن الطعام كان محطة مهمة في التعرف على الثقافات، إذ كتب عنه المؤرخون باستفاضة. وتحدثت عن “الصونات”، وهي فكرة مصرية قديمة تشبه بموائد الرحمن. لكنها كانت مسؤولية الدولة، ويجلس على رأسها الخليفة، والقضاة والشيوخ وعامة الشعب. وهو ما أشار إلى ذلك المقريزي في كتاباته. كما كان يتم المرور على المنازل لتوزيع “النقل” من المكسرات والياميش.
وأوضحت أنه مع مرور الوقت اختفت هذه الفكرة وتحولت إلى موائد الرحمن، التي بدأت بدورها تقل عن السابق ويحل محلها “كرتونة رمضان”. مؤكدة أن هذه الظاهرة تعد ملمحا ثقافيا مميزا يستحق تسليط الضوء عليه وإحياءه من جديد. مشيرة إلى أن الشعب المصري هو من أكثر الشعوب التي تتقرب إلى الله بالطعام والنذر به.
تسجيل العيش الشمسي
في ختام مداخلتها، تحدثت الدكتورة نهلة إمام عن تسجيل “الكشري” في اليونسكو. وقالت: “فكرة الكشري انطلقت من “طبلية مصر”، التي طالبت بذلك خلال دورتها الأولى”. وأضافت إلى أن رحلة العمل على ملف الكشري، التي استمرت عامين ونصف العام. كشفت لها الكثير عن المجتمع المصري مما لم تكن تعرفه من قبل.
وأكدت عزمها السعي لتسجيل “العيش الشمسي” نظرا لتميزه، خاصة مع تنوع أنواع الخبز، ووجود دول عدة قامت بتسجيل وصفاتها مثل ألمانيا وفرنسا. وأشارت إلى أن العمل جار حاليا على ملفات أخرى مثل “السبوع” ومدرسة التلاوة المصرية. كما نصحت “طبلية مصر” بالالتفات إلى المشروبات التقليدية، والطقوس المرتبطة بالخروب والكركديه.
كل ما هو طيب
من جانبها، تحدثت الدكتورة أميرة صديق عن أصل الطعام المصري، وواصلت حديثها عن أصل الحكاية للطعام المصري، الذي كان فيه علامة مميزة ويطلق عليه كل ما هو طيب. والتي تعني أن كل ما هو حلو يؤكل على طبلية مصر. وكانت العلامة التجارية لهم، حتى مع زيارة الشعوب الأخرى كانوا ينتظروا منهم الأسلحة واللبس وقبلهم الأكل من العيش واللحم المقدد والأسماك وغيرهم.
وتابعت: “الدليل من قصة سنوحي حين هرب نتيجة مؤامرة معينة في الدولة الوسطى. الحاجة الوحيدة التي قالها أنا أفتقد الطعام ذو الجودة وأفتقد الأكل الجيد والمعاملة الطيبة. وهو ما يدل على امتلاك مصر جودة للحياة. طبعا الأرض المصرية نظرًا لكونها مميزة بغلال معينة هي ما كانت تعطينا أنواع خبز مختلفة بلغت 180 نوع. كل واحد منهم كان يقدم وفقًا للمناسبات أو الحالة النفسية، أو نوع الولائم. بالتالي المطبخ المصري كان قائمًا على الاقتصاد وجزء أساسي منه”.
واختتمت صديق مداخلتها بعرض فيلم تسجيلي قصير عن الطعام المصري يحمل اسم “كل ما هو طيب”، عرض ما انفرد به المطبخ المصري مثل “العيش” الذي ظهر بعد أن اكتشف المصريون القدماء الخميرة. وكيف ربطنا اسم العيش بالحياة والمعيشة، وغيره من أكلات مصرية أصيلة.
حكايات وراء الشيفات
أما الجلسة الثانية، التي حملت عنوان “حكايات وراء الشيفات”. فشارك فيها الشيف مروة الشافعي، والفود بلوجر ميدو برسوم، وعمر فتحي، والإعلامية رجاء إبراهيم، التي افتتحت الجلسة بالحديث عن تجربتها مع “الطبلية” كمبادرة وعادة مجتمعية. معربة عن سعادتها بالمشاركة في نقاشات الموسم الرابع.
وتناولت إبراهيم أهمية موضوع العام الحالي، الذي أصبح من الأهمية بمكان أن يطرح في المتحف القومي للحضارة المصرية. قبل أن يتناول المتحدثون حكاياتهم مع المطبخ، وأسرار المهنة، وعاداتهم مع الأكل.