باب مصر

التصنيف: متابعات وتغطيات

  • رسالة من النفايات تكشف لغز«الملك قشقاش» وتعيد كتابة تاريخ دنقلا في السودان

    رسالة من النفايات تكشف لغز«الملك قشقاش» وتعيد كتابة تاريخ دنقلا في السودان

    ورقة قديمة عُثِر عليها في كومة من النفايات بمدينة دنقلا القديمة بالسودان، مكنت الباحثين من تتبع خيط يثبت وجود واحد من أكثر الشخصيات غموضا في تاريخ السودان، وهو «الملك قشقاش»، الذي شاع أنه شخصية شبه أسطورية اقتصر وجودها على الروايات الشفهية المتوارثة. لكن هذه الوثيقة كشفت حضوره في الحكم والحياة اليومية، وفتحت نافذة على العلاقة بين الحاكم النوبي ودخول اللغة العربية إلى البلاط الملكي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، رغم استمرار انتشار اللغات النوبية بين السكان.

    يستعرض «باب مصر» هذه الورقة البحثية، ولتقديم فهم أعمق للوثيقة وكيفية عثور علماء الآثار عليها، أجرى حوارا مع د. توماش بارانسكي، الباحث بالمركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط التابع لجامعة وارسو، والباحث الرئيسي في الدراسة، وذلك لفهم تاريخ المدينة وتحولاتها من خلال هذه الوثيقة، ودلالاتها على دخول اللغة العربية إلى دوائر الحكم.

    وثيقة باسم الملك قشقاش

    تدور الورقة البحثية المنشورة حديثا حول وثيقة عربية تم اكتشافها مؤخرا في كومة من النفايات بأحد مساكن النخبة. وقد صدرت باسم الملك قشقاش. وتكمن أهميتها في أن هذا الملك كان يُعتقد أنه شخصية شبه أسطورية، ولم ترد عنه أي معلومات إلا في الروايات الشفهية المتوارثة.

    وتتضمن الوثيقة أمرا بتبادل المنسوجات والماشية. ولتحليلها بدقة، لجأ الباحثون إلى الجمع بين الأدلة النقدية، والتأريخ بالكربون المشع، والمصادر المكتوبة.

    ملخص الدراسة

    تحمل الدراسة عنوان: «ملك النوبة أثناء عمله: السياق الأثري والنسخة النصية لوثيقة عربية من القرنين السادس عشر والسابع عشر من دنقلا القديمة». وكشفت الوثيقة، وهي “أمر ملكي” باسم الملك قشقاش، عن وجوده الفعلي. وتفاعلاته الاجتماعية، وطبيعة حكمه، وتأثيره في تعريب دنقلا في عهد الفونج. بعد أن كان ينظر إليه كشخصية شبه أسطورية.

    ويعد البحث المنشور في مجلة “أزانيا: البحوث الأثرية في إفريقيا”، من أوائل نتائج الأبحاث التي أُجريت على الوثائق العربية المكتشفة في دنقلا القديمة. والتي يدرسها توماش بارانسكي، المتخصص في الدراسات العربية بمركز الدراسات التاريخية بجامعة واشنطن.

    وبحسب الموقع الرسمي لـ“المركز البولندي لعلم آثار البحر الأبيض المتوسط”، خلصت الدراسة إلى إثبات وجود الملك. وكشفت عن طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في مملكة دنقلا، والعلاقة بين الملك ورعيته. أما الاكتشاف الأبرز، فهو أن اللغة العربية – بلهجة عامية – كانت مستخدمة بالفعل من قبل الكتبة الذين خدموا خلفاء مملكة مكوريا في مطلع القرنين السادس عشر والسابع عشر.

    حاكم مدينة دنقلا

    يستكشف البحث أدلة تاريخية جديدة تُشير إلى وجود الملك قشقاش حاكما فعليا لمدينة دنقلا. التي كانت العاصمة السابقة لمملكة مكوريا المسيحية خلال فترة دخول الإسلام السودان. وتقع مدينة دنقلا التاريخية على ضفاف نهر النيل، ونالت شهرة واسعة بزراعة القمح والقطن. فضلا عن كونها عاصمة لمملكة المقرة النوبية القديمة.

    ومن خلال هذه الوثيقة، استنتج الباحثون ملامح عديدة للحياة في السودان خلال واحدة من أقل الفترات توثيقا في تاريخه. وهي الحقبة الواقعة بين انهيار النوبة في العصور الوسطى (القرنان الرابع عشر والخامس عشر) والغزو التركي المصري للسودان (1820-1821). وهي فترة تميزت بتسارع انتشار اللغة العربية واتساع رقعة الإسلام.

    وبحسب الدراسة، تجنب الباحثون استخدام تصنيفات حادة مثل “مسيحية” أو “إسلامية”. مشيرين إلى أن الانتقال من دين سائد إلى آخر استغرق عدة قرون، وشهد تعايشا بين أتباع الديانتين.

    د. توماش بارانسكي المصدر بيان صحفي بالمركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط، التابع بجامعة وارسو
    د. توماش بارانسكي المصدر بيان صحفي بالمركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط، التابع بجامعة وارسو
    بيت الملك

    صمدت المخطوطة، المدونة على الورق، بحالة جيدة حتى الآن. ويشير الباحث إلى أن “لغتها ومهارات الخط لدى الناسخ تدل على مستوى نسخ غير متقن إلى حد ما. وهو أمر غير مستغرب في بيئة لم تكن العربية فيها اللغة الأم”.

    ويفسر شكلها غير المنتظم بأنها ربما كانت مسودة للوثيقة الأصلية. وقد عثر عليها في مبنى سكني كبير، إلى جانب أكثر من عشرين وثيقة عربية. وقطع أثرية أخرى تدل على فخامة المكان، مثل الأقمشة القطنية والكتانية والحريرية. إضافة إلى مصنوعات من العاج وقرن وحيد القرن.

    واللافت أن السكان لا يزالون يطلقون على هذا المبنى اسم “بيت الملك”.

    العثور على خطاب الملك قشقاش

    يتحدث د. توماش بارانسكي، عن كواليس الاكتشاف. وقصة العثور على هذه الوثيقة العربية في دنقلا القديمة. ويقول في أول تصريحات له بالعربية لـ«باب مصر»: “عُثر على الوثيقة خلال أعمال التنقيب الأثري التي أجراها المركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط، جامعة وارسو، في إطار مشروع UMMA ERC بقيادة البروفيسور أرتور أوبلوسكي”.

    ويهدف المشروع إلى دراسة تحول مركز حضري كبير في العصور الوسطى – عاصمة مكوريا المسيحية – إلى مدينة إسلامية في الفترات اللاحقة، قبل أن تندثر تدريجيا. وأضاف أن الوثيقة وجدت تحديدا في أطلال مسكن للنخبة، لا يزال يعرف بين القبائل المحلية باسم “بيت الملك”.

    تعريب دنقلا وتمائم الحجاب

    لكن ماذا تغير في فهم تاريخ دنقلا بعد تأكيد وجود الملك قشقاش؟ وما دلالة أن كاتب الوثيقة لم يكن متمكنا من العربية الفصحى؟ يجيب بارانسكي: “يعد أمر الملك واحدا من نحو 50 وثيقة عربية مكتوبة على الورق عثر عليها خلال الحفريات في دنقلا القديمة”.

    ويعمل حاليا على إعداد النسخة العلمية لهذه المجموعة، التي تشمل رسائل خاصة، ووثائق قانونية وإدارية. بالإضافة إلى تمائم مكتوبة تُعرف باسم “الحجاب”، كانت تستخدم للحماية من الشر.

    ويؤكد أن رسالة قشقاش لا تغير ما ورد في المرجع التاريخية بقدر ما تقدم دليلا ماديا ملموسا على وجود حاكم لم يكن معروفا من قبل إلا عبر الروايات الشفهية. وهو ما يعيد قراءة هذه المرحلة الغامضة من تاريخ السودان.

    هوية الشعب السوداني

    هل يمكن اعتبار هذه الوثيقة دليلا على أن اللغة العربية أصبحت لغة الإدارة في البلاط الملكي؟ يوضح د. توماش: “تعد دراسة تعريب وأسلمة النوبة موضوعا واسعا يستحق اهتماما كبيرا. إذ إنها بالغة الأهمية لفهم الهوية المعقدة للشعب السوداني، ليس فقط في الماضي بل في الحاضر أيضا”.

    وتؤكد هذه الوثيقة استخدام اللغة العربية في الإدارة الملكية خلال القرن السابع عشر، “لكن لا شك أن اللغات النوبية ظلت الأكثر انتشارا في وادي النيل لفترة طويلة. حتى بعد الفتح التركي المصري للسودان”، كما قال لـ«باب مصر».

    العصور المظلمة في تاريخ دنقلا

    تشير الدراسة إلى ما يعرف بـ”العصور المظلمة” في تاريخ دنقلا. وهي فترة لا نعرف عنها سوى القليل. ويوضح توماش أن مرحلة ما بعد العصور الوسطى، أي الفترة بين تفكك مملكة المكرّة في القرن الرابع عشر وتأسيس سلطنة الفونج في القرن السادس عشر. موثقة بشكل ضعيف في السجلات التاريخية.

    وتتسم هذه الفترة، التي أعقبت تراجع الممالك النوبية المسيحية، بانخفاض واضح في حجم السجلات المكتوبة. لذا وصفت بـ”المظلمة” لافتقارها إلى المصادر التاريخية. واعتمادها بشكل أساسي على الروايات الشفهية. بخلاف العصور السابقة التي خلفت وثائق أكثر وفرة.

    ويُشار إلى هذه الحقبة أحيانا باسم “العصور المظلمة” في التاريخ السوداني. على غرار ما حدث في أوروبا في أوائل العصور الوسطى، التي عانت هي الأخرى من نقص نسبي في الأدلة التاريخية. خاصة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية.

    ويضيف لـ«باب مصر»: “بفضل أعمال التنقيب الأثري والبحوث اللاحقة، أصبحنا قادرين على استعادة المزيد من تفاصيل تاريخ دنقلا خلال تلك الفترة. ليس فقط عن حكامها ونخبتها، بل أيضا عن سكانها، ونظامهم الغذائي، وعاداتهم، وإلى حد ما، هويتهم وعقليتهم”.

    العصور المظلمة

    بحسب البحث، دخلت مدينة دنقلا، بحلول منتصف القرن الرابع عشر، ما يعرف بـ”العصور المظلمة” في التاريخ السوداني. ولم تعد عاصمة لمملكة مكوريا. ولم يعرف إلا القليل عن القرون الثلاثة التالية. وظلت النوبة، عبر آلاف السنين، مركزا حيويا لحركة الناس والسلع والأفكار. حيث مرت عبرها سلع مثل الذهب والعاج والعبيد. وأسهمت بفعالية في تشكيل هذه التدفقات.

    ويوضح بارانسكي أن هذا التحول لم يكن مفاجئا. إذ أن النوبة لم تكن منطقة هامشية أو معزولة في وادي النيل، بل كانت ممرا هاما يربط بين عالم البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

    وتشير الدراسة إلى “كتاب الطبقات”، وهو معجم ببليوغرافي من القرن التاسع عشر جمع من روايات شفهية عن رجال الدين السودانيين حيث: “تقلص حجم المدينة تدريجيا. ولم يتبق منها سوى القلعة المركزية ومحيطها. وقد وردت إشارات إلى المدينة وحكامها، من بينهم رجل يُدعى قشقاش، يقال إنه الجد الأكبر للشيخ الهلالي، ابن محمد بن عيسى سوار الذهب. أحد أهم الشخصيات الدينية في السودان حتى اليوم”.

    أمر الملك قشقاش المصدر بيان صحفي بالمركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط، التابع بجامعة وارسو
    أمر الملك قشقاش المصدر بيان صحفي بالمركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط، التابع بجامعة وارسو
    من الملك قشقاش إلى الخضر

    في عام 2018، بدأ مشروع «التحول الحضري لمجتمع عاصمة إفريقية من العصور الوسطى» (UMMA) مرحلة جديدة من دراسة تاريخ مدينة دنقلا. مركزا على استكشاف ماضيها السياسي والعمراني، خاصة منطقة القلعة والمناطق المحيطة بها.

    وخلال أعمال التنقيب، درس الباحثون المبنى المعروف باسم A.1، والذي تشير الروايات الشفهية إلى أنه كان مقر إقامة ملوك دنقلا. وكشفت الحفريات عن مجموعة من اللقى الأثرية المرتبطة بحياة النخبة الحاكمة. من بينها منسوجات فاخرة من القطن والكتان والحرير، وأحذية جلدية، وقطع من العاج، ومقبض خنجر مصنوع من قرن وحيد القرن، فضلًا عن خاتم ذهبي.

    كما عثر الباحثون على أكثر من 23 نصا عربيا جديدا. من بينها وثيقة تم العثور عليها في كومة من النفايات، تتضمن أمرا صادرا عن الملك قشقاش.

    نص الرسالة:

    “من الملك قشقاش إلى الخضر بن شهد: حالما يصل إليك محمد العرب، فخذ منه ثلاثة أردية، وأعطه نعجة وذريتها. وأجمع من عبد الجابر النعجة وذريتها، وأعدها إلى صاحبها دون تأخير. لا تتردد في تنفيذ ذلك. هذه رسالتي إليك، كتبها كاتبه حمد. سلام..».

    وتتابع الرسالة بتعليمات إضافية:

    «وأنت يا خضر، أعط عبد الجابر ثلاث قطع من القماش القطني وغطاء رأس، أو ثلاثة أغطية رأس قطنية. وأجمع النعجة وذريتها لتُعاد إلى صاحبها».

    العامية في البلاط الملكي

    تؤكد الوثيقة وجود قشقاش، الذي كان ينظر إليه سابقا كشخصية شبه أسطورية. وتقدم دليلا على كونه أحد أقدم الحكام المعروفين لمدينة دنقلا في الفترات اللاحقة للعصور الوسطى. ويكشف تحليل النص عن دلالات لغوية مهمة. إذ لم يكن الكاتب متمكنا من العربية الفصحى. حيث استخدم ضمائر الملكية دون تمييز بين العدد والجنس، كما جاءت الكتابة مختصرة وتميل إلى الأسلوب العامي.

    وتُظهر هذه السمات كيف بدأت اللغة العربية تتحول إلى لغة الكتابة الأساسية في البلاط الملكي. رغم أنها لم تكن قد أصبحت بعد اللغة الرسمية الكاملة للمدينة.

    واستند الباحثون في تحليلهم إلى عدة مصادر للمقارنة، من بينها وثائق قصر إبريم، وكتاب «الطبقات لود ضيف الله» لمحمد نور بن ضيف الله عن الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان. بالإضافة إلى روايات أجنبية مثل كتابات كرامب وبونسيه حوالي عام 1700.

    وفي المقابل، تتناقض ملاحظة ليو أفريكانوس، التي تشير إلى أن “ملك النوبة كان دائما في حالة حرب”، مع مضمون هذه الوثيقة. التي تكشف اهتمام الحكم بالشؤون الداخلية وتسيير الأعمال اليومية. وهو ما يقدم رؤية جديدة للتاريخ الاجتماعي والسياسي لمدينة دنقلا، ويؤكد أهميتها عند ملتقى مصر العثمانية.

    اقرأ أيضا:

    «قصر جولستان».. أيقونة الفن المعماري الإيراني في مرمى الغارات

    هل اعتنق المصريون البوذية؟ هذا ما يخبرنا به تمثال «برنيكي» المكسور| خاص

    صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات

  • «مسجد التوبة» بدمنهور: بين قدسية المكان وجدل التأسيس

    «مسجد التوبة» بدمنهور: بين قدسية المكان وجدل التأسيس

    في قلب مدينة دمنهور التاريخية، يقع «مسجد التوبة» بالقرب من محطة السكة الحديدية، وتفتح أبوابه على شوارع المدينة الرئيسية. يجمع المسجد بين مراكز المدينة التجارية، شاهدا على حياة السكان اليومية، محتضنا ضيوفهم ومودعا أمواتهم. ليس المسجد مجرد مكان لأداء الصلاة، بل هو رمز لعاصمة محافظة البحيرة الممتدة جغرافيا، والمتنوعة ثقافيا وحضاريا.

    جدل حول تاريخ التأسيس

    يتباين الحديث حول تاريخ تأسيس الجامع بين الروايات الشعبية والحقائق الأثرية. فبعض المصادر المحلية تنسب تأسيسه إلى القائد عمرو بن العاص خلال الفتح الإسلامي لمصر، أي حوالي 21 هجريا/642م. بينما يشير خبراء الآثار إلى أنه لا يوجد دليل قاطع على ذلك. ولم يتم ضم الجامع إلى قائمة وزارة الآثار، شأنه شأن مسجد الحبشي بدمنهور وعدد من مساجد محافظة البحيرة القديمة.

    النشأة وسبب التسمية

    يقول الدكتور إبراهيم مرجونة، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب جامعة دمنهور، إن جامع التوبة من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المدينة. وتكشف كتب الجغرافيا الإسلامية عن أهمية دمنهور خلال العصور الإسلامية، ما يرجح وجود مسجد جامع فيها منذ وقت مبكر.

    ويضيف: تعددت الروايات حول سبب تسمية المسجد بـ”جامع التوبة”. فهناك رواية تربطه بحادث توبة جماعية لأهالي المدينة، حيث اجتمعوا في المسجد للدعاء والاستغفار بعد محنة أو أزمة أصابت المدينة. بينما ترى روايات أخرى أن الاسم يعكس الدور الدعوي والروحاني للمسجد على مر العصور، دون ارتباط بحادثة محددة.

    لوحة مسجد التوبة.. تصوير: محمود دوير
    لوحة مسجد التوبة.. تصوير: محمود دوير
    الطابع الإنشائي والمعماري

    يشير الدكتور مرجونة إلى أن جامع التوبة خضع لعدة مراحل من التجديد والترميم عبر العصور الإسلامية المختلفة، خصوصا في العصور المملوكية والعثمانية. وهو ما يفسر وجود عناصر معمارية متنوعة في البناء الحالي. وعن دور المسجد وتأثيره يوضح: “ظل الجامع عبر القرون مركزًا دينيًا واجتماعيًا مهمًا في مدينة دمنهور. حيث احتضن حلقات تعليم القرآن والعلوم الدينية. كما كان مكانًا لاجتماع السكان في المناسبات الدينية والاجتماعية”.

    وتابع: “تذهب الرواية الأكثر شيوعًا في المصادر المحلية إلى أن تأسيس المسجد يعود إلى القائد المسلم عمرو بن العاص أثناء الفتح الإسلامي لمصر في القرن الأول الهجري. ووفقًا لهذه الرواية، بعد دخول المسلمين إلى مناطق دلتا النيل، أمر عمرو بن العاص ببناء مسجد في دمنهور ليكون مركزًا للصلاة وتعليم الإسلام للسكان المحليين. وهو ما يتوافق مع السياسة العمرانية التي اتبعها المسلمون في المدن المفتوحة”.

    رواية عمرو بن العاص

    يضيف أستاذ التاريخ: “على الرغم من شيوع هذه الرواية، فإن المصادر الإسلامية المبكرة لا تذكر اسم جامع التوبة صراحة.  وعند مقارنة الروايات المختلفة حول تأسيس المسجد وتسميته، يتضح أن الرواية التي تنسب تأسيسه إلى عمرو بن العاص تبقى ممكنة من الناحية التاريخية. لكنها لا تستند إلى نص صريح في المصادر المبكرة”.

    ويقول: “أما التفسيرات المتعلقة بالتسمية، فتبدو أقرب إلى التفسيرات الاجتماعية والدينية التي نشأت في الذاكرة الشعبية. وتشير الدراسة النقدية إلى أن المسجد قد يكون تأسس بالفعل في مرحلة مبكرة من العصر الإسلامي. بينما ظهرت تسميته الحالية في فترة لاحقة نتيجة الدور الروحي والدعوي الذي أداه في حياة سكان المدينة. هذا التداخل بين التاريخ المكتوب والذاكرة الشعبية يعكس طبيعة تطور المعالم الدينية في المدن الإسلامية عبر العصور.

    وتكشف الدراسة النقدية للروايات المتعلقة بجامع التوبة عن وجود فجوة بين الروايات الشعبية والمصادر التاريخية المكتوبة. فبينما تنسب الروايات المحلية تأسيس المسجد إلى عمرو بن العاص في سياق الفتح الإسلامي لمصر، فإن المصادر المبكرة لا تقدم دليلًا قاطعًا على ذلك”.

    مسجد التوبة في دمنهور عام 1936.. الصورة من الأرشيف الخاص بالباحث خالد معروف
    مسجد التوبة في دمنهور عام 1936.. الصورة من الأرشيف الخاص بالباحث خالد معروف
    التخطيط العمراني والمعماري

    حول التخطيط العُمراني، يؤكد الدكتور مرجونة أن المسجد ينتمي إلى الطراز التقليدي للمساجد المصرية. حيث يتكون من صحن يتوسطه فضاء مكشوف تحيط به أروقة للصلاة. ويضم المسجد قاعة صلاة رئيسة تتجه نحو القبلة، قائمة على صفوف من الأعمدة التي تحمل السقف الخشبي، وهو أسلوب شائع في عمارة المساجد التقليدية.

    كما يضم المسجد محرابًا يتجه نحو القبلة، إضافة إلى منبر خشبي يُستخدم لإلقاء خطبة الجمعة. وتتميز هذه العناصر بالزخارف الهندسية المميزة للفن الإسلامي. وترتفع مئذنة الجامع بشكل واضح فوق مباني المدينة المحيطة. مما يجعلها معلمًا بصريًا مهمًا في المشهد العمراني لدمنهور.

    ويوضح: تشير كل هذه السمات المعمارية إلى أن المسجد ربما خضع لعمليات تجديد أو إعادة بناء خلال العصر المملوكي. وهو أمر شائع في المساجد القديمة التي استمر استخدامها عبر القرون. وفي العصر الحديث، استمرت أعمال الترميم للحفاظ على الطابع المعماري للمسجد وتهيئته لاستقبال المصلين، وهو ما يعكس أهميته الدينية والثقافية في المدينة.

    الدور الشعبي والرسمي

    أما عن أهمية المسجد الدينية، يقول الشيخ عطية جبريل، إمام وخطيب مسجد التوبة، إنه يعد المسجد الجامع الرئيسي لمحافظة البحيرة، وتقام فيه الاحتفالات الرسمية والدينية. كما تنقل شعائر صلاة الجمعة عبر الإذاعات والقنوات الرسمية.

    ويشهد المسجد صلاة العيدين التي يحضرها المسؤولون. ويقع في موقع متميز وسط المدينة، مجاور للسكة الحديدية والأسواق، ما يجعله مقصدا لأهالي دمنهور. حيث يخرج منه أيضا عدد كبير من الجنائز القريبة من المقابر. كما يقام فيه جميع الأنشطة الدعوية والثقافية مثل: خطبة الجمعة ومقرأة الجمهور عقب الصلاة، ودروس علمية ومنهجية للأطفال والكبار، وندوات ثقافية وأنشطة وزارة الأوقاف.

    ويضيف الشيخ جبريل أن المسجد لا يخلو من صلاة الجماعة على مدار اليوم، نظرا لكثرة الأسواق والأنشطة حوله، وموقعه الحيوي بالنسبة لسكان المدينة.

    مسجد التوبة في ليالي رمضان.. تصوير: أحمد سيف
    مسجد التوبة في ليالي رمضان.. تصوير: أحمد سيف
    حقيقة الهدم والبناء

    يؤكد الباحث خالد معروف، المتخصص في تراث مدنية دمنهور أن مسجد التوبة يعد ثاني مسجد في مصر وإفريقيا بعد مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط، طبقا للروايات المتواترة بين أبناء المدينة. رغم عدم وجود دليل موثق من المؤرخين على تلك الروايات.

    ويقول: “كان المسجد قبل هدمه سنة 1956 يتميز بالبساطة، بثلاثة أبواب وصحن مكشوف تحيط به أماكن الصلاة. ومنذ إنشائه، تغيرت مساحته وشكله على مر القرون، خصوصا بعد الزلزال الذي ضرب مصر سنة 1303هـ في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، مما أدى دمار كبير في دمنهور.

    وتعرض المسجد أيضا للهدم الكامل بعد زلزال سبتمبر 1955، وأعيد بناء المسجد الحالي بنفس المساحة وافتتح عام 1959، وشهد عدة ترميمات كان آخرها سنة 2020”.

    بين الروايات الشعبية والمعلومات الأثرية

    حول عدم ضم المسجد للمنشآت الأثرية، يقول الدكتور علاء النحاس، مدير إدارة الوعي الأثري في منطقة آثار البحيرة،  إن عدم ضمه يرجع لعدم أثريته أو انتفاء صفته الأثرية. وأيضا عدم احتوائه على أي عناصر أو شواهد أثرية.

    ومع ذلك، أكد النحاس أن للمسجد قيمته التاريخية في وعي أهالي دمنهور والبحيرة. فهو أحد أهم وأشهر المعالم في المدينة، حتى لو لم يتوفر دليل أثري قاطع على ذلك. ويقول: “سواء كانت الرواية شعبية أم حقيقية، أو سواء كان المسجد أثريا أم لا. فإن وعي السكان بأهميته يضفي عليه قيمة كبيرة”.

    هذا ما أكده أيضا الدكتور أحمد الأدهم، مدير آثار البحيرة الأسبق، إذ شدد على أن الرواية التي تفيد أن المسجد تم إنشاؤه في عام 21 هجريا لا يمكن تأكيدها. فلا توجد آثار أو مستندات تاريخية، وكل ما يتردد هو مجرد أقوال متناقلة من جيل لآخر. وأضاف أن موسوعة “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة وبلادها الشهيرة”، التي صدرت عام (1886م – 1305هـ) تحدثت عن جميع مساجد دمنهور الشهيرة. ولم تذكر مسجد التوبة، مشيرا إلى أن هذا المسجد حديث الإنشاء نسبيا رغم ما يتم تداوله من روايات شعبية.

    اقرأ أيضا:

    «الحِبَاش الدمنهوري».. طعم الحكاية ورائحة المكان

  • من القبو إلى الذاكرة.. رحلة «مجدي البساطي» مع المباني المنسية في بورسعيد

    من القبو إلى الذاكرة.. رحلة «مجدي البساطي» مع المباني المنسية في بورسعيد

    ثمة لحظة نادرة في حياة البشر تفتح لهم بابا خفيا في الزمن؛ يدخلون منه، فلا يصبح المكان بعد ذلك مجرد شوارع ومبانٍ، بل ذاكرة حيّة. بالنسبة للمهندس مجدي البساطي، كانت تلك اللحظة في قبو مبنى القبة الشهير في بورسعيد.

    في عام 1987 عهد إليه إدارة الأشغال بهيئة قناة السويس بترميم القبو، الذي كانت المياه تغمره مع كل نوبة شتاء. وما إن بدأ العمل حتى لاحظ أن القواطع التي أضيفت لاحقا داخل المكان قد أخلّت بطبيعته الأولى، فأزالها جميعا مستندا إلى قناعة ظل يرددها دائما: «لا تغيير فيما أسسه المؤسسون». كان يؤمن أن الذين بنوا المكان أول مرة فهموا طبيعة الأرض والبيئة وحاجات البشر الذين سيعيشون فوقها، وأن البناء الحقيقي لا يقوم إلا على فهم تلك العلاقة الخفية بين المكان والإنسان. وما إن أعاد القبو إلى حالته الأولى حتى اختفت المياه تماما.

    أرشيف الرسومات الهندسية

    لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في اختفاء المياه، بل في ذلك الأرشيف المهمل من الرسومات الهندسية الذي كان مكدسا في القبو. طلبوا منه حمله والتصرف فيه لأنه مجرد نسخ بديلة لأصول محفوظة في الإسماعيلية. وأخرى لدى الشركة الفرنسية التي أدارت القناة حتى عام 1956. غير أن البساطي لم ير في تلك الأوراق مجرد رسومات قديمة، بل رأى فيها أصلًا من أصول الذاكرة المصرية، فاحتفظ بها كما يحتفظ العاشق بخبيئته للزمن.

    ومن تلك الرسومات بدأ يقرأ تاريخ المدينة قراءة مختلفة. فقد اكتشف أن لكل مبنى كودا خاصا، كأنه شهادة ميلاد وبطاقة تعريف للمكان. فمبنى القبة يحمل الكود 198، والمبنى الخشبي الأقدم منه يحمل الكود 189، أما استراحة الرئاسة – التي عرفت يومًا باستراحة جمال عبد الناصر – فتحمل الكود 205. وتحمل عمارة قباطنة القاطرات الكودين 254 و267، وهما من العمائر البديعة التي يقيم فيها اليوم كبار موظفي هيئة قناة السويس.

    كما يحمل بيت القنصل الفرنسي في بورسعيد الكود 140، وهو المبنى الذي أطلق عليه أبناء المدينة اسم «بيت أوجيني»، مفترضين أن الإمبراطورة أوجيني أقامت فيه أثناء احتفالات افتتاح القناة عام 1869. ثم عرف بعد ذلك باسم بيت الراهبات حين أقامت فيه راهبات المحبة قبل انتقالهن في ثمانينيات القرن الماضي إلى فيلا أخرى من فيلات الهيئة. أما النادي البحري في بورفؤاد فيحمل الكود 141، وتعود رسوماته الهندسية إلى عام 1863. وهو ما يعني أن الحياة دبت في تلك الضاحية قبل ثلاثة وستين عاما من إعلان ميلادها الرسمي عام 1926. كأن هذه الأرقام ليست مجرد رموز هندسية، بل تواريخ خفية لولادة الأماكن.

    خبيئة مجدي البساطي.. تصوير: أسامة كمال
    خبيئة مجدي البساطي.. تصوير: أسامة كمال
    كنيسة سانت أوجين وبيت ديلسبس

    منذ تلك اللحظة لم تعد الرسومات في نظره أوراقا محفوظة، بل خرائط روح لمدينتي بورسعيد وبورفؤاد. ومن خلالها صار يرى تفاصيل النشأة الأولى للمدينة. فبورسعيد نفسها – كما يروي – بدأت من المنطقة الواقعة بين شارعي أوجيني والنهضة. وهي البقعة الوحيدة التي كانت تصلح تربتها للبناء. وهناك شيدت كنيسة سانت أوجين وبيت ديلسبس – في الموقع الذي أصبح لاحقا المستشفى الأميري – وبيت القنصل الفرنسي ومدرسة الليسيه، ومدرسة الراعي الصالح، وسكن الراهبات، ومبنى القبة.

    ويرى البساطي أن نشأة المدينة، في بورسعيد كما في بورفؤاد، حملت طابعا أوروبيا واضحا؛ فمواد البناء كانت أقرب إلى أوروبا منها إلى البيئة المحلية. إذ كانت تأتي عن طريق البحر، بينما كانت البحيرة المجاورة ضحلة موحلة لا تصلح للملاحة إلا في حدود نقل الأغذية. ولذلك جاءت تقنيات البناء وأساليبه امتدادًا مباشرًا لخبرة البنّائين الأوروبيين الذين عملوا في مشروع القناة.

    مواد وتقنيات البناء

    رغم ندرة الأحجار في تلك البيئة الرملية، فقد بُني بيت القنصل الفرنسي بالحجارة التي جلبت من بيوت مهدمة في أماكن أخرى. أما الفرنسيون فقد لجأوا في كثير من مبانيهم إلى مادة إنشائية مميزة عرفت باسم «خرسانة كونيه» نسبة إلى المهندس الفرنسي الذي ابتكرها. وهي خليط من رمال بورسعيد مع مادة تشبه الجير عرفت باسم الجير الفرنسي.

    ومن هذا الخليط كانت تتكون كتلة خرسانية صلبة بنيت منها عدة منشآت مهمة في المدينة. مثل حواجز الأمواج والفنار ومدرسة الراعي الصالح والكنيسة الملحقة بها ومدرسة سان جوزيف وكنيسة سانت فاميلي وكنيسة سانت أوجينو، ومدرسة الليسيه الفرنسية.

    الخطط التوفيقية

    وقد عدت هذه التقنية حدثا مهما في تاريخ البناء، حتى إن علي مبارك أشار إليها في كتابه «الخطط التوفيقية» باسم الأحجار الاصطناعية. إذ لجأ إليها المهندسون لندرة الأحجار في تلك المنطقة بعد أن جربت أولا في فرنسا قبل نقلها إلى مصر.

    ويذكر البساطي أنه أثناء ترميمه مدرسة الراعي الصالح اكتشف أنها من أوائل المباني التي شُيدت في بورسعيد بهذه الطريقة. وأن الفرنسيين كانوا يلجأون إليها في إنشاء أهم مبانيهم. وقد استعاد تلك الخبرة نفسها حين طُلب منه ترميم جزء من أحد الأسوار القديمة. فاستخدم المواد ذاتها التي استُخدمت في البناء الأصلي حتى لا يتغير شكل السور أو يتأثر بناؤه. إيمانًا منه بأن ترميم المباني القديمة يجب أن يتم بلغتها المعمارية نفسها.

    خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
    خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال   
    كنيسة سانت فاميلي.. العائلة المقدسة

    من خلال الرسومات التي احتفظ بها، صار يرى كيف بنت الشركة الفرنسية معظم معالم المدينة الأولى. فقد شيدت كنيسة سانت فاميلي (العائلة المقدسة) ومدرسة سان جوزيف. ثم بني عام 1902 نادي شكاربيه – الذي يعرف اليوم باسم نادي بورفؤاد – ليكون أول نادٍ رياضي في مصر، قبل نادي السكة الحديد عام 1906 والنادي الأهلي عام 1907. كما بنت المخازن العمومية للشركة – التي تعرف اليوم بالمخزن العام – مع بدايات افتتاح قناة السويس. وشيدت أيضًا المبنى الشهير المعروف باسم «المختلط»، الذي كان في بدايته مبنى بلدية المدينة قبل أن يتحول لاحقا إلى المحكمة المختلطة ثم إلى محكمة الاستئناف حاليًا.

    وقد أقيم السرادق الذي أعلن منه الملك فؤاد ميلاد مدينة بورفؤاد عام 1926 إلى جوار هذا المبنى، وهو مبنى شيد على الطراز الأندلسي. ويحتفظ البساطي لما يقرب من 168 تصميمًا تفصيليًا له تكشف أدق عناصره المعمارية.

    في قراءته لتاريخ المدينة، يروي كذلك قصة الورش العمومية التابعة للشركة، التي كانت تقع في البداية بجوار باب 20 في بورسعيد. قبل أن تقرر الشركة نقلها إلى موقعها الحالي في بورفؤاد. وقد بدأت فصول إنشاء هذه الورش منذ عام 1900، لكن العمل فيها ظل يتأخر ويتعثر سنوات طويلة حتى اكتمل قبل افتتاح المدينة رسميا عام 1926.

    الحياة الروحية للمدينة الناشئة

    أما المساجد فقد جاءت في مراحل لاحقة من تاريخ المدينة. إذ عرفت بورسعيد مبكرا المسجد التوفيقي الذي شيد عام 1882، ثم المسجد العباسي عام 1904. وكانت هناك خلوات وزوايا صغيرة سبقت بناء المساجد الكبيرة، مثل خلوة القصيفي – أو زاويته – في حي الشرق، وخلوة غندر في حي العرب. وهي أماكن بسيطة لكنها مثلت البدايات الأولى للحياة الروحية في المدينة الناشئة.

    وفي مرحلة تالية، بنى المقاول الإيطالي باولو روستي – الذي أشهر إسلامه وكان يعمل لدى الأصول الملكية – المسجد الكبير في بورفؤاد عام 1948. كما بنى في العام نفسه مسجد الرحمة في بورسعيد، وكان اسمه آنذاك مسجد فاروق.

    ارتباطه بالمكان

    ولعل في تاريخ ميلاد مجدي البساطي نفسه ما يفسر شيئا من ذلك الارتباط العميق بالمكان. فهو من مواليد عام 1956، العام الذي شهد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر. حين تحولت بورسعيد إلى عنوان للمقاومة الوطنية. وكأن الرجل جاء إلى الدنيا في اللحظة نفسها التي كانت فيها المدينة تعيد تعريف علاقتها بالوطن. لذلك ظل ارتباطه ببورسعيد ارتباطًا يتجاوز الجغرافيا إلى معنى أعمق من الانتماء.

    وقد وُلد في بيت داخل عمارة عبده نجيم الشهيرة في بورفؤاد، درة ضواحي بورسعيد. وكان عبده نجيم من كبار مصدري الحاصلات الزراعية في المدينة، وترك بصمات إنسانية واضحة فيها. فقد بنى نادي المسرح في شارع ممفيس بجوار الفنار للمنفعة العامة على أرض يملكها، وساهم في الأربعينيات بمبلغ كبير في إنشاء مستشفى مبرة فوزية. وظل اسمه منقوشًا على رخامة بمدخل المستشفى قبل أن تزال أثناء أعمال التطوير في التسعينيات. كما شارك مع النائب حامد الألفي في تأسيس صيدلية الإسعاف، وله إسهامات كثيرة في أعمال البر والخير.

    خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
    خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
    البساطى وحكايات العمارة البورسعيدية

    هناك، في بورفؤاد، بدأت علاقة البساطي الأولى بالمباني. غير أن جذور تلك العلاقة تعود أيضًا إلى والده المقاول. الذي كان من أوائل من وطئت أقدامهم المدينة عام 1937 بعد أن فتحت أبوابها للمصريين عقب معاهدة 1936. أما قبل ذلك فقد كان الفرنسيون وأبناء الشام أول سكان الضاحية الآسيوية. وهو الاسم الذي أطلقه الفرنسيون عليها بعد أربع سنوات فقط من بدء الحفر عام 1863. قبل أن تحمل اسم الملك فؤاد بعد افتتاحها الرسمي عام 1926.

    نشأ الفتى إذن في عالم المقاولين والبنّائين، وكان ظلًا لأبيه منذ طفولته، يرافقه إلى مواقع العمل ويعرف أصدقاءه وشركاءه الذين كانوا يكبرونه سنًا بكثير. ومن خلالهم سمع حكايات كثيرة عن تاريخ المدينة الناشئة، حتى بدا وكأنه عاش مع مؤسسيها الأوائل من مغامري البحر المتوسط الذين جاءوا مدفوعين بحلم قناة السويس.

    لكن الطريق إلى الهندسة لم يكن مستقيمًا منذ البداية. فحين التحق بكلية هندسة القاهرة اختار قسم الكهرباء أولًا، وبقي فيه عامين، قبل أن يلتقي بالمهندس هاشم المنشاوي أثناء تكليف هيئة قناة السويس لوالده بترميم أحد مباني ترسانة بورسعيد. يومها قال له المنشاوي جملة بسيطة غيرت مسار حياته: «وهل أبوك سيبني لك محطة كهرباء؟ لا تترك مهنة والدك… خليك في شغل أبوك ليغلبوك». كانت نصيحة تشبه الحكمة الشعبية، لكنها دفعته إلى تحويل مساره إلى القسم المدني والإنشائي.

    المنشآت المعدنية

    لم تكن الخطوة سهلة؛ فلو أخفق في عامه الجديد لانفصل من الكلية. لكنه جازف ونجح. وكان من بين من ساعدوه الدكتور المهندس شفيق عجور، أحد أبرز رواد الهندسة الإنشائية في مصر، وخاصة في مجال المنشآت المعدنية. وقد ظل البساطي يستشيره حتى بعد تخرجه؛ فعندما واجه مسألة لحام الحديد أثناء ترميم أحد مباني هيئة قناة السويس القديمة. نصحه عجور بعدم لحامه لأن الحديد المصنوع قبل الحرب العالمية الثانية يختلف عن الحديد بعدها. وقد وافقت إدارة الأشغال بالهيئة على رأيه بعد أن تواصل عجور مع قياداتها، وكان كثير منهم من تلاميذه.

    تخرج البساطي مهندسًا إنشائيًا عام 1980، لكن خبرته الحقيقية في مباني المدينة بدأت قبل ذلك بسنوات. فبعد عودة أهالي بورسعيد من الهجرة عام 1974 شارك والده في هدم البيوت المتهالكة وبناء غيرها. وهناك بدأت تتشكل لديه معرفة دقيقة بتاريخ مباني المدينة.

    ومن أشهر ما يرويه عن تلك الفترة قصة عمارة الدمياطي المجاورة للبيت الحديد – درة مباني بورسعيد – الذي بنته القوات البريطانية عام 1888 ليكون مركزها الرئيسي. قبل أن تؤول ملكيته إلى الإيطالي سيمونيني رائد مجال الفندقة في المدينة. ثم إلى عبد الرحمن باشا لطفي شبارة، الذي بدأ موظفًا في مصلحة البريد ثم صار باشا المدينة وأيقونتها.

    البيت الحديد

    اشترى عبد الرحمن باشا لطفي شبارة «البيت الحديد» من مالكه الإيطالي، ثم باع المبنى لاحقًا كخردة حديد على فترات خلال الخمسينيات والستينيات. قبل أن تباع الأرض في السبعينيات إلى أحمد الترجمان بمبلغ ضخم بلغ سبعة ملايين جنيه. أما عمارة الدمياطي المجاورة للبيت الحديد فقد رست أنقاضها بعد الهدم على مجموعة من المقاولين في دمياط مقابل عشرين ألف جنيه. وهو مبلغ لم يكن أي من مقاولي بورسعيد قادرًا على دفعه آنذاك.

    وبعد إزالة الأدوار الأربعة بقي الدوران الأرضي والأول اللذان كانت تشغلهما شركة بيع المصنوعات، ثم تقرر هدمهما. فتقدم والد البساطي مع أربعة مقاولين آخرين لأخذ عطاء الهدم، ورسا عليهم مقابل خمسة آلاف جنيه – وهو مبلغ كبير وقتها – ظنًا منهم أن المبنى مثل بقية الأدوار مبني من الخشب الغالي. لكن المفاجأة أنهم وجدوه مبنيًا بالحديد، فحققوا من بيع الحديد وحده ربحًا يقارب ضعف ما دفعوه.

    ولم يكن البساطي بعيدًا عن الشأن العام؛ فقد انضم إلى منظمة الشباب حين كان طالبًا متفوقًا في الثانوية العامة. وكان ضمن لجنة شباب المحافظة التي ضمت أسماء معروفة في تاريخ بورسعيد. مثل محمد عبد الفتاح العربي ومحمد إسماعيل وعلي عثمان والسيد قاسم. وكان يشرف عليهم الأستاذ محمود عبد الوهاب القريب من الرئيس جمال عبد الناصر. وكانت تلك اللجنة آخر لجنة قبل تجميد منظمة الشباب عام 1974 ثم حلها عام 1975.

    خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
    خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
    نادي الفكر الناصري

    في الجامعة شارك البساطي مع عدد من الطلاب الناصريين في تأسيس نادي الفكر الناصري وكان بينهم حمدين صباحي وعبد الحليم قنديل وأحمد الصاوي وعبد الله السناوي.

    ومن خلال عمله مهندسًا ومقاولًا لدى هيئة قناة السويس شارك البساطي في ترميم عدد كبير من مباني بورسعيد وبورفؤاد. منها مبنى القبة ومدرسة الراعي الصالح والكنيسة الملحقة بها ومبنى الفارمشية (مستشفى العاملين بهيئة قناة السويس) وعنبر الموتوريست بترسانة بورسعيد وعمارات قباطنة القاطرات وجراج الهيئة. كما كُلّف بنقل الراهبات من بيت القنصل الفرنسي إلى فيلا أخرى وإقامة كنيسة بداخلها.

    الفرنسيون ومهارات البنائين

    يرى البساطي أن الفرنسيين هم الذين بنوا المدينة فعلًا لأنهم بطبعهم بناؤون، ولأنهم كانوا يديرون شركة قناة السويس. أما الإنجليز الذين سيطروا لاحقًا على بورفؤاد زمن الاحتلال – حتى عُرفت باسم «بر الإنجليز» – فلم يتركوا سوى ثلاثة مبانٍ حجرية مرتبطة بمعسكراتهم الثلاثة: كامب هوليداي وكامب ترانزيت وكامب فاميلي. إذ كان اعتمادهم الأساسي على الخيام لا المباني.

    وقد قسم الفرنسيون بورفؤاد إلى مناطق مختلفة: الفيلات والعمائر والسكن الاقتصادي والسكن الشعبي، بمساحات تتراوح بين 80 و120 مترًا للسكن الشعبي، و300 إلى 400 متر للعمائر، و800 إلى 1200 متر للفيلات. كما جاء تخطيطها شبكيًا مركزيًا يشبه شوارع جاردن سيتي حيث تتلاقى الطرق في مركز واحد تتجمع فيه الخدمات.

    بينما قامت بورسعيد على تخطيط شبكي منتظم بشوارع طولية وعرضية متقاطعة. وقد أعد الفرنسيون امتدادها العمراني على النحو نفسه، لكن هذا التخطيط أُهمل بعد مغادرتهم عام 1956. رغم أنهم لم يغفلوا حتى تحديد مواقع الجزر في الشوارع ونوعية الأشجار المزروعة فيها.

    وهكذا، منذ تلك اللحظة الأولى في قبو مبنى القبة، صار مجدي البساطي يحمل خرائط المدينة في أوراقه، وأسرارها في ذاكرته. كأن المباني نفسها اختارته ليكون أمينًا على حكايتها. وحارسًا لذاكرتها التي لا تُرى إلا لمن يعرف كيف يصغي إلى همس الجدران القديمة.

    اقرأ أيضا:

    هنا عاش أيقونة البوب الفرنسي كلود فرانسوا.. الغريب الذي صار «ابن الإسماعيلية»

  • «الحِبَاش الدمنهوري».. طعم الحكاية ورائحة المكان

    «الحِبَاش الدمنهوري».. طعم الحكاية ورائحة المكان

    على بعد أمتار من ميدان الساعة، قلب مدينة دمنهور، تقودك قدماك إلى ممر ضيق وطويل يسمى شارع «الفسيخ»، هكذا يطلق عليه سكان دمنهور عاصمة محافظة البحيرة. هو شارع لا تعرفه السيارات، وكأنه مخصص للمارة والمتسوقين فقط. في أرجائه تشم عبق رمضان، وترى زينته المتلألئة، وتسمع من كل الزوايا صوت النقشبندي وأغنيات الشهر الكريم بلا توقف.

    تنتشر على جانبيه محلات الفسيخ و«أم الخلول» الشهيرة والعريقة، وتواصل السير حتى تتوقف أمام طوابير وزحام لافت لتكتشف أنك أمام محلات الأكلة الشعبية الأولى في المدينة القديمة، والتي يطلق عليها «الحباش» الدمنهوري، تلك الأكلة الدمنهورية بامتياز.. أنت إذن أمام محل «حباش أم حسن»، ذلك الاسم الذي صار «ماركة مسجلة».

    الحباش.. جزء من الهوية والثقافة

    الأكلات الشعبية ليست مجرد وسيلة لسد الرمق وتلبية الحاجة الجسدية فقط. بل تمثل واحدة من مكونات الهُوية والشعور الجمعي بالترابط والتماسك حين يلتف سكان وطن واحد حول نسق غذائي متشابه. فهذا يمنحهم قدرا من الأمان والألفة فيما بينهم والتميز عن شعوب ومجتمعات أخرى.

    يمثل “الحِباش” أحد ملامح شهر رمضان لدى سكان المدينة والمدن المجاورة، وأحد الأطباق الثابتة في وجبتي الإفطار والسحور على مائدة الغالبية العظمى. ولا يتوقف دوره عند البعض كونه أحد المُقبلات مثل سلطة الخضروات أو سلطة الطحينة. بل إنه يمثل مكونا رئيسا على سفر البسطاء من سكان محافظة البحيرة.

    هي “أكلة” شعبية سعرها في متناول الجميع. وربما هذا ما ساهم في انتشارها بهذا الشكل الكبير، وتحولها من مجرد مُقبلات إلى “طبق” ثابت في المنازل والمطاعم الشهيرة، خاصة تلك التي تقدم الفول والطعمية.

    شيف حباش أم حسن، محمد الجمل.. تصوير: محمود دوير
    شيف حباش أم حسن، محمد الجمل.. تصوير: محمود دوير
    إرث عائلي يزيد عن 100 عام

    عن تاريخ “الحباش” يقول الحاج أحمد الجمل إن جده الراحل صنع تلك الأكلة منذ أكثر من مائة عام وكان أول من قدمها. وفي البداية كانت عبارة عن طحينة على خل على ماء، ثم أضيفت إليها الطماطم. وبعد فترة أضيف الثوم والخضرة، ثم ورثها والده، ثم هو، ثم أولاده.

    وعن صناعته يذكر نجله محمد الجمل، شيف “حباش أم حسن” الشهير وهو يردد جملته الشهيرة: “أهم حاجة تصلي على النبي أنا، أمثل الجيل الرابع لصناع حباش أم حسن”.

    ويقول عن مكونات الحباش وطريقة صناعتها: “البداية كانت مع جدي منذ حوالي 100 سنة، الذي كان يقوم بتفريغ قلب ثمرة طماطم وحشوها بخلطة سرية من التوابل والطحينة. وما زالت الوصفة الأساسية التي تتمثل في خلطة البودرة “الحباش البودرة” سرا عائليا لا يعرفه غيرهم. وكل جيل يضع لمسته الخاصة مثل إضافة الطحينة البيضاء وجوزة الطيب”.

    مكونات الحباش الدمنهوري

    يشير محمد إلى أن المكونات الأساسية لأكلة الحباش هي الثوم، الخل، الليمون، الكمون، البهارات، والشطة. وكل هذا بالإضافة إلى البقدونس فقط أو مزيج من البقدونس والشبت. ولا يصح استخدام الكزبرة أو الكرفس أو الجرجير داخل الخلطة، ويضاف الزيت الحار البلدي.

    ويؤكد أنه قام باستيراد نوع خاص من التوابل الهندية ثمنه يصل إلى 200 دولار كي يطور من المنتج ويحافظ على تميزه. لافتا إلى أن جمهوره ينتمي إلى كل الطبقات الاجتماعية في مدينة دمنهور. ويتجاوز الحباش إلى كل مدن مصر حيث يأتيه من كل مكان طلبا لتلك الأكلة الشعبية، التي تمثل أحد ملامح المدينة ومصدرا من مصادر شهرتها.

    وشدد على أن الحباش هو الهرم الرابع في الأكلات الشعبية مثل الفول والكشري والملوخية، ويجب أن يلقى ما يستحقه من اهتمام.

    حباش أم حسن.. تصوير: محمود دوير
    حباش أم حسن.. تصوير: محمود دوير
    الحباش على السفرة.. من المقبلات إلى الطبق الرئيسي

    حول طبيعة الحباش وموضعه على السفرة يقول محمد إن الحِباش هو أحد المقبلات ويمثل طبقا رئيسا على السفرة طوال العام، لكن الإقبال يزداد في شهر رمضان. وهو ليس مجرد مقبلات لكنه يمثل لبعض الأسر وجبة في حد ذاته لما يحتوي عليه من قيمة غذائية عالية.

    فيما تقول “أم حسن” -والدة محمد والتي يحمل المحل الشهير اسمها – إن الحباش واحدة من أقرب الأكلات إلى أهالي دمنهور. ولفتت إلى أن الحاج الكبير هو الذي ابتكرها وعلمها لأحفاده ثم أبناءه، وبعد ذلك انتشرت حتى أصبحت أشهر طبق على المائدة.

    وفي مدينة دمنهور يشتهر بجوار الأكلة “الحِرشة”، كما يقولون، مثل الفول والطعمية والباذنجان وأم الخلول. وهكذا تكتمل السفرة “الحِرشة”، ويمكن وضع طبق الحباش مع كل الوجبات الغذائية دون استثناء. مثل اللحوم والسمك وغيرها وهذا ما يجعله طبقا رئيسيا.

    جمهور الحباش.. من كل الطبقات والمدن

    حول طبيعة زبون الحباش يضيف محمد أن رواد “حباش أم حسن” من كل الطبقات ومن مدن مختلفة. لأن سعرها في متناول الجميع ولا يتجاوز 120 جنيها للكيلو، ولديه عبوات بأسعار مختلفة تبدأ من 10 جنيهات. مشيرا إلى أنه ليس لديه فروع أخرى خارج دمنهور لأن زبونه يفضل الشراء من الفرع الأصلي في شارع الفسيخ.

    أما عن التعاون مع المطاعم الشهيرة في دمنهور التي تقدم “الحباش” إلى جانب أكلاتهم الأخرى، أشار إلى أن جميعها يحصلون على الحباش من “أم حسن”. لكن بعض المطاعم تفضل أن يحصل على الخلطة “خام” لتتم آخر مرحلة تصنيع في المطاعم.

    اقرأ أيضا:

    «أم الخلول».. أكلة شعبية تحولت إلى تراث يُغنّى

  • حراس طقوس رمضان.. اللعب كوسيط ثقافي في شهر الصيام

    حراس طقوس رمضان.. اللعب كوسيط ثقافي في شهر الصيام

    خلال شهر رمضان، تتغير طبيعة الشارع المصري في كثير من الأحياء، ما إن ينتهي الإفطار، حتى تبدأ حركة مختلفة في الشوارع، حين يخرج الأطفال في مجموعات صغيرة، تتسع شيئًا فشيئًا، لتتحول لمساحة واسعة للعب بأشكاله المتنوعة: الجري، المطاردة، والاختباء.

    وتتميز هذه الألعاب بأنها لا تحتاج إلى أدوات معقدة أو تجهيزات خاصة؛ بل يكفي وجود عدد من الأطفال واتفاقات بسيطة على قواعد اللعب، التي تبدو مألوفة للجميع، وكأنها معروفة مسبقًا دون أن يتذكر أحد متى تعلمها للمرة الأولى.

    الألعاب الشعبية كموروث ثقافي

    تتكرر هذه المشاهد كل عام تقريبًا، حتى تحولت إلى جزء من إيقاع الحياة في الأحياء الشعبية. وظلت حاضرة داخل الذاكرة اليومية للمكان رغم تغير الأجيال.

    ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الممارسات مجرد وسيلة للتسلية، بل أصبحت تدريجيًا موروثا ثقافيا. الألعاب الشعبية التي يمارسها الأطفال في الشارع تحمل تاريخًا طويلًا صنعه الأطفال أنفسهم عبر سنوات طويلة من اللعب الجماعي. ومن دون تخطيط أو وعي، بدأت هذه الألعاب منذ مصر القديمة. حيث تم تسجيل أكثر من 200 لعبة على مقبرة بني حسن بالمنيا. ومن ثم أصبح الأطفال جزءًا من عملية الحفاظ على هذا التراث. حيث يعيدون إنتاجه كل عام، فيبقى حيًا داخل المجتمع ,ينتقل ببساطة من جيل لآخر.

    التنشئة الاجتماعية للطفل

    في هذا السياق، تحدث الدكتور محمد غنيم، مدير المركز الحضاري لعلوم الإنسان والتراث الشعبي وأستاذ علم الأنثروبولوجيا بكلية الآداب جامعة المنصورة لـ«باب مصر» قائلا: “تلعب الأسرة الدور الأكبر في عملية الغرس الثقافي داخل الطفل منذ لحظة الميلاد وفصل الطفل عن الأم. يلقن الطفل بعادات وممارسات تدريجيًا، لتصبح جزءًا من وعيه وسلوكه. إذ ينشأ داخل منظومة من القيم والعادات والتقاليد التي يكتسبها من بيئته الأسرية”.

    ويضيف: “على سبيل المثال، عندما يجد الطفل فانوسا في شهر رمضان، تترسخ لديه ارتباطاته بالصوم ويدرك أن هناك عبادة ومعاملات لُقن بها. لذا نقول: يولد الإنسان حاملًا ثقافة مجتمعه، ويموت الإنسان ولا تموت الثقافة من بعده. بل تستمر في الأجيال والعادات والتقاليد والقيم والأفكار”.

    لعبة الاستغماية.. مشاع إبداعي
    لعبة الاستغماية.. مشاع إبداعي
    الممارسات اليومية سبب استمرار الألعاب

    يوضح د.غنيم: “مع تقدم الطفل في العمر، تبدأ جماعات اللعب في الظهور كمساحة اجتماعية جديدة يتفاعل فيها الطفل. سواء في الشارع أو المدرسة أو النادي. تختلف هذه الجماعات وفق البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيش فيها، ومن خلالها تنتقل له كثير من الممارسات اليومية، ومنها الألعاب الشعبية”.

    ويشير إلى أن استمرار الألعاب يرتبط في الأساس بممارستها. إذ كثير من الألعاب تندثر إذا لم تعد تُمارس بين الأطفال، مثل الألعاب المصرية الشعبية المرتبط بالشارع: السبع طوبات، الاستغماية، وغيرها. التي ارتبطت تقليديًا بالأحياء الشعبية وأصبحت جزءًا من الثقافة اليومية للأطفال داخل هذه البيئات.

    ويستطرد حديثه: “طبيعة البيئة الاجتماعية والإيكولوجية، سواء قرية أو مدينة، حي شعبي أو راق، تلعب دورًا مهمًا في استمرار الألعاب أو اختفائها. الشارع في الأحياء الشعبية يمثل مساحة أساسية للحفاظ على هذه الألعاب، خاصة خلال شهر رمضان الذي يشهد تجمعات وأنشطة جماعية ومسابقات أو دورات رياضية يشارك فيها جميع الفئات العمرية. إذ يمثل الشارع عاملًا إيجابيًا في الحفاظ على عناصر التراث الشعبي المرتبطة باللعب. وإن كان تأثيره أحيانًا قد يكون محدودًا أو متغيرًا وفقًا لطبيعة التحولات الاجتماعية”.

    العادات والتقاليد في دلتا مصر

    تتنوع طبيعة الألعاب الشعبية في الأحياء المصرية، فمنها ألعاب تعتمد على مجموعة من الأطفال دون عدد محدد، وألعاب تعتمد على عدد معين، وألعاب ثنائية أو فرق متعددة. بعض هذه الألعاب اندثرت وما زالت ممارستها قائمة، وبعضها تم تحديثه في الاسم أو طبيعة اللعب حسب المكان.

    وقد تناول الدكتور محمد غنيم في كتابه: “العادات والتقاليد في دلتا مصر.. دراسة اثنوغرافية لدورة الحياة في قرى محافظة الدقهلية” هذه الألعاب الشعبية.

    أمثلة على الألعاب المصرية الشعبية

    منها: التعلب فات، الساقية المدورة، الطباخ الهندي، أول جن، استغماية الملك، اتنين ادلو، اللي يحب يستغمى، شلوت وأعد، يا مهلبية، لعبة العفريته، مرجيحة التختة، المال، الكف، الملك، الغراب، لعبة عادل إمام، فتحي يا وردة، الفخ، الطيارة، المملكة والوزير، العجل الخشب، الحكة واللص والمخبر، كوكو يا كوكو، صيد السمك، عمو يا جمال، الكلبوش، شيالة الغلة، خالة أم جابر جابر فين.

    وأيضا ألعاب عربية وحمار، المكعبات، احقاق، المراجيح، الناموسة، القرد وصاحبه، فركش وكيمو، البرطوس، كيلو بامية، زي الصنم، الطقة، نط الحبل، الشبر، الحجلة، البلي “الطساس”، القدة العصفورة، العصفرة، العروسة القماش، لعبة العروسة والعريس، عسكر وحرامي، الاستغماية أو البرطوس، البرطوش أو القطة العامية أو كهرباء، الطاقية في العب، السبع بلطات، بلتك، السيجة، صياد الحمام، البطة، صلطح، شد الحبل.

    وكذلك ألعاب: شنكل، عنكب، الكرة الشراب،  الشوكة والسكينة، الطقة، المنقلة، الميس، خيال المآتة، دماديم، الهيلاهوب، البس، السبت والأحد، تكسير القصب، الحصان، الحشكة، الزعروب، ملك وكتابة، 7 عيال والثامن حرامي، الصدف، أزج 7 تشار أو النطة، سي سي، الكلب الحيران، في العش ولا طارت، القلل، المسدسات، الشخشيخة، الصلصال، البظل، القرصة، السندوتش، المنديل، صنجل بنجل، الأراجوز، الحطب، شبت، المخدرات، عسكر واقف، السرنجانة السودا.

    الألعاب الشعبية.. مشاع إبداعي
    الألعاب الشعبية.. مشاع إبداعي
    دراسات حول تصنيف الألعاب

    في دراسة بعنوان “الألعاب الشعبية المصرية” للدكتور حسام محسب، تم تصنيف الألعاب وفقًا لصعوبتها البدنية والذهنية كما يلي:

    • ألعاب هادئة: لا تحتاج لمجهود بدني كبير إلى ممارستها، مثل السيجة، وحنك الديك، والبلي.
    • الألعاب السهلة: تتميز ببساطة قواعدها ولا تحتاج إلى شرح طبيعة اللعب، مثل حبة ملح، كيكي على العالي، صيد الحمام، يا عم جمال.
    • التنافسية: تتيح للاعب إظهار قدرته في اللعب وتميزه عن أقرانه، مثل عسكر حرامية، الحجلة، أنا الغراب الخطاف.
    • الجماعية: تعود اللاعب على التعاون وتتميز بكثرة قوانينها، مثل العصفرة، الحكشة، الناصوب.

    ويمكن أيضا تقسيم الألعاب حسب نوع الممارسة:

    • ألعاب فتيان: مثل التحطيب، وقتال الكلاب، العصفورة، المضرب، القيام الصيني.
    • ألعاب فتيات: مثل الرستة، الغراب الخطاف، الكرة الموسيقية.

    كما يمكن تصنيفها وفق مرحلة النمو التي تقابل المراحل التعليمية: (الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والجامعية).

    تصنيفات أخرى

    كما تناول الدكتور حسام محسب في دراسته عددًا من التصنيفات الأخرى التي اعتمدها باحثون وأساتذة في التراث الشعبي، مثل تصنيف محمد عمران، الذي صنف ألعاب الاطفال إلى أربعة أقسام رئيسية: “ألعاب عامة، ألعاب الكرة، ألعاب القرعة، ألعاب المناسبات، مثل اللمبي في شم النسيم، عيدي عيدي في عاشوراء، يا فاطر رمضان وعلي عليوة وحلو يا حلو ورمضان يا أبو قلقيلة والتي يخصصهم الأطفال لشهر رمضان”.

    ويرى محسب أن هذا التصنيف هو الأكثر دقة لأنه قائم على الأنواع وليس تحليل اللعبة.

    الألعاب الشعبية وأثرها على الطفل والمجتمع

    من ناحية أخرى، أوضحت الدكتورة شيرين جمال الدين في دراسة بعنوان “الألعاب الشعبية وأثرها على الطفل والمجتمع”: “اللعب التخيلي الذي يمارسه الأطفال من خلال تمثيل الادوار يساهم في المحافظة على العادات والتقاليد الإيجابية الموجودة في المجتمع، بالإضافة إلى تقويم سلوك الطفل وتشخيص مشكلاته.

    كما أن أهمية الألعاب الشعبية تتمثل في كونها وعاء حافظًا لتقاليد الأمة وعاداتها، وعاكسة لمعتقداتها ورؤاها التي تشكلت عبر العصور المختلفة. حيث تتجاوز هذه الألعاب كونها وسيلة للتسلية وتبديد الوقت، لتكون انعكاسا لطبيعة المجتمع وقيمه، فضلًا عن دورها في اكتشاف الذات، بما يعزز مفهوم الانتماء للمكان”.

    اقرأ أيضا:

    الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

    «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

  • حين تتحول الشوارع إلى ذاكرة.. حكاية «أرشيف الإسكندرية»

    حين تتحول الشوارع إلى ذاكرة.. حكاية «أرشيف الإسكندرية»

    المدينة ليست فقط مباني شاهقة، بل ذاكرة يمكن تتبعها في التفاصيل الصغيرة، مثل شرفات حجرية قديمة، وواجهات مبانٍ تختفي خلف اللافتات، وحكايات تنتقل من المقاهي إلى الأزقة. في الإسكندرية، تتغير ملامح المدينة بسرعة، ومعها تختفي كثير من هذه التفاصيل التي تحمل جزءًا من تاريخها.

    من هنا جاءت فكرة مشروع «أرشيف الإسكندرية»، الذي يسعى إلى توثيق ما تبقى من ملامح المدينة قبل أن تختفي. يقود المشروع إسلام علي عبد القادر، شاب سكندري من حي بحري، بدأ بمحاولة بسيطة: أن يوثق المباني والواجهات التي يمر بها يوميًا في شوارع المدينة.

    جولة في الإسكندرية القديمة

    “لو بصينا فوق هيبقى صعب نشوف حاجة”. بهذه العبارة بدأ إسلام حديثه وهو يصطحبني في جولة مع بعض أعضاء فريق “أرشيف الإسكندرية”.

    نشأ إسلام في حي بحري، وكان منذ صغره يستمع إلى والده وهو يحكي عن مبانٍ قديمة وأحياء تغيّر شكلها أو اختفت بالكامل. بعضها رآه بنفسه، وبعضها لم يعد له أثر. يقول مبتسما: “كنت بضايق لما ألاقي الحاجة اتهدت، فقلت خلاص… نصورها ونحافظ عليها بقدر المستطاع”. وكما وثّقت عدسات القرن التاسع عشر تحولات المدن حول العالم، يستخدم إسلام التصوير اليوم للغرض ذاته، لكن هذه المرة في محاولة لحفظ ما تبقى من ذاكرة الإسكندرية.

    نسير معًا في شوارع المنشية والجمرك، مرورًا بزنقة الستات وسوق الترك، حيث تتلاصق المحال وتتشابك اللافتات فوق المارة، فتجعل النظر إلى أعلى صعبًا أحيانًا. السماء هنا محجوبة بكثرة الإشغالات واللافتات، حتى صارت الشرفات القديمة والزخارف الحجرية تفاصيل لا يلتفت إليها كثيرون.

    إسلام خريج كلية العلوم، يعمل في مجال التسويق، لم يكتفِ بالتصوير كهواية، بل حوّله إلى مشروع متكامل: أرشيف رقمي للإسكندرية لا يوثق العمائر فقط، بل يحاول أن يحفظ روح المدينة وتفاصيلها الصغيرة.

    ويقول أثناء الجولة: “أنا بصور الحاضر والماضي وبوريهم الحاضر ده كان عامل إزاي زمان. وبوريهم وضعه الحالي لأنه مش مضمون يفضل قاعد معانا شوية ولا يقع أو يتشال، وفي نفس الوقت بوثق من كل الاتجاهات”.

    موقع أرشيف الإسكندرية.. الصورة سكرين شوت من الموقع
    موقع أرشيف الإسكندرية.. الصورة سكرين شوت من الموقع
    بداية الفكرة

    بدأت الفكرة في السادس من سبتمبر عام 2023، عندما مرّ إسلام بموقع عمارة قديمة جميلة هدمت، بجوار أحد المحال الشهيرة في شارع طوسون، (صلاح سالم سابقًا). لم تكن مجرد مبنى عادي؛ كان فيها شيء من بهاء الماضي. شعر بالضيق وهو يتأمل حالها، ومن هنا جاءت الفكرة: لماذا لا يُوثَّق هذا كله قبل أن يختفي؟

    فأنشأ صفحة على فيسبوك باسم “أرشيف الإسكندرية”، وبدأ ينشر الصور التي يلتقطها، ويشارك الجمهور ما يعثر عليه من وثائق ومعلومات. وبمرور الوقت تحولت الصفحة إلى مشروع أكبر، حتى أطلق الأرشيف الرقمي رسميًا في عام 2026 بعد أكثر من ثلاث سنوات من العمل المتواصل.

    أرشيف تشاركي

    يقول إسلام: “أرشيف الإسكندرية تشاركي. أي سكندري أو أي حد معاه صورة، مصري أو أجنبي، يقدر يدخل يرفعها، والمعلومات بتتراجع ويتكتب مصدر الصورة”.

    المنصة لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تتيح للمؤسسات أيضًا، مثل الكنائس وغيرها من الجهات التي تمتلك أرشيفات خاصة، أن ترفع صورها وموادها التاريخية. وهكذا تتحول الذاكرة من مجهود فردي إلى مسؤولية جماعية يشارك فيها سكان المدينة أنفسهم.

    ولا يقتصر الأرشيف على الصور وحدها؛ فالموقع يضم أيضًا مقالات تاريخية، وبودكاست، وموسيقى وأغانٍ تعكس روح الإسكندرية. الموقع متاح باللغتين العربية والإنجليزية، ويمكن للمستخدمين إدخال البيانات بأي منهما، مع توثيق المصادر وحقوق الملكية، حتى تبقى المادة محفوظة للأجيال القادمة. وخلال جولتنا في شوارع الإسكندرية القديمة، تظهر أمامنا نماذج كثيرة من المباني والمعالم التي يحاول الأرشيف توثيقها قبل أن تختفي.

    صورة أثناء جولة إسلام مع بعض أعضاء الأرشيف.. تصوير: ميرنا جوهر
    صورة أثناء جولة إسلام مع بعض أعضاء الأرشيف.. تصوير: ميرنا جوهر
    مساجد وبيوت تحكي التاريخ

    نواصل السير حتى نصل إلى مسجد الشوربجي، أحد أقدم مساجد الإسكندرية، والذي أُنشئ عام 1758 ميلادية.  وهو مسجد معلق، وطراز نادر نسبيًا في المدينة. يشير إسلام إلى المدخل المغلق، ويخبرني أن نحو 48 مليون جنيه أُنفقت عام 2009 على مشروع لترميمه، لكن الأعمال لم تُستكمل.

    نصعد درجات السلم في محاولة لاستراق نظرة إلى الداخل، إلا أن الباب مغلق بإحكام، وأمام المدخل يتراكم الركام. يخبرني إسلام أن هناك من يسكن في الملحق الخاص بالمسجد؛ غرف أو شقق صغيرة تطل على ساحة داخلية، كأن التاريخ والواقع يعيشان في مساحة واحدة.

    من هناك نتجه إلى مسجد تربانة، الأقدم من الشوربجي بنحو مئة عام، الكائن في شارع فرنسا. أعمدته الرومانية القديمة تحكي عن عصور متداخلة، لكن المسجد مغلق أيضًا.

    ذاكرة بين شرفتين

    نواصل السير حتى نقف أمام أحد البيوت المتهدمة في حارة اليهود. بينما نلتقط الصور، تمرّ امرأة مسنّة وتتوقف لتحدث إسلام. تشير إلى المبنى المهدّم وتخبره أنه كان بيتها القديم. بعد سقوطه، نُقلت لتسكن في منزل مقابل له مباشرة.

    اللافت أن ما يفصلها عن حياتها السابقة شارع ضيق لا يتجاوز خطوات قليلة. من نافذة بيتها الجديد، تطل يوميًا على أطلال بيتها القديم. المشهد لا يحتاج إلى تعليق؛ ذاكرة معلقة بين شرفتين.

    في حارة اليهود، لا يبدو الأرشيف مجرد موقع إلكتروني أو منصة لرفع الصور، بل محاولة لتثبيت لحظة قبل أن تختفي. وبينما تمضي السيدة في طريقها، يرفع إسلام هاتفه ليلتقط صورة أخرى. فقد لا يستطيع منع الهدم أو تغيير مسار المدينة، لكنه يحاول على الأقل أن يحفظ ملامحها من السقوط في النسيان.

    اقرأ أيضا:

    تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

  • دينا الضيف مؤلفة كتاب «مذاق مصر»: المطبخ المصري متنوع إقليميا وعميق في بساطته

    دينا الضيف مؤلفة كتاب «مذاق مصر»: المطبخ المصري متنوع إقليميا وعميق في بساطته

    منذ اللحظة الأولى لابتعادها عن أسرتها، تشكلت علاقة دينا الضيف بالطهي المصري كهوية وذاكرة. لم يعد الطعام بالنسبة لها مجرد وجبة تعد أو تؤكل، بل رابطا يصلها بالبيت والدفء، ومن ثم تجاوز حدود الضرورة اليومية ليصبح شغفًا حقيقيا.

    هذا الشغف دفعها إلى فتح نافذة واسعة على المطبخ المصري من خلال كتابها «مذاق مصر» The taste of Egypt، كما عرفته وعاشته. ورغم انفتاحها على مطابخ وثقافات متعددة حول العالم، اختارت أن تكرس مشروعها للطعام المصري، إيمانًا منها بأنه يستحق حضورًا أوسع وتمثيلًا أكثر صدقا على المستوى العالمي.

    في هذا الحوار، تتحدث دينا الضيف لـ«باب مصر» عن أسباب اختيارها لوصفات وأكلات دون غيرها، ودور الذاكرة والهوية في تشكيل أطباقها، كما تكشف كيف تسعى، من خلال كتابها وورشها التعليمية، إلى نقل روح المطبخ المصري للأجيال الجديدة، خاصة من غير المصريين، دون أن تفقده بساطته ودفئه الأصيل.

    • متى أصبحت علاقتك بالمطبخ شغفا وهواية ذات معنى شخصي، وليس مجرد طبخ يومي؟

    في اللحظة التي غادرت فيها المنزل للالتحاق بالجامعة. قبل ذلك، كانت والدتي دائمًا هي من تعد الطعام للأسرة. وحتى بعد إقامتي في السكن الجامعي، كانت تواصل الطهي لي، إذ كانت تجمد الوجبات وتضعها في علب صغيرة كي لا أحرم من طعامها خلال الأسبوع. مشاركة تلك الوجبات مع أصدقائي، ثم مع زوجي لاحقًا، جعلتني أدرك مدى عمق العلاقة التي يصنعها الطعام بين الناس.

    كما أن رغبتي في استعادة نكهات البيت، خاصة وأنا على بعد ثلاث ساعات منه، دفعتني إلى تعلم الطهي بإتقان. وما بدأ بدافع الحاجة تحول سريعا إلى شغف، ثم إلى وسيلة للحفاظ على أجزاء من هويتي التي لم أكن أُدرك قيمتها تمامًا في سنوات طفولتي.

    • رغم سفرك واطلاعك على مطابخ وثقافات مختلفة، لماذا اخترتِ المطبخ المصري تحديدًا ليكون محور كتابك؟

    الطعام المصري هو لغة طفولتي. ورغم استمتاعي باستكشاف مطابخ أخرى، لا شيء يمنحني الإحساس بالانتماء مثل الأطباق المصرية. فهي تحمل قصصًا عن أمي، ووجبات والدي المفضلة، ومصايف كنا نجفف فيها الباذنجان تحت الشمس، والتجمعات العائلية وعشاء المنزل الهادئ.

    وحين كان الناس يسألون: “ماذا يأكل المصريون؟” أدركتُ كم أن مطبخنا يفتقر إلى التمثيل عالميا. لذلك شعرت أن كتابة هذا الكتاب وسيلتي لتكريم عائلتي، ومشاركة تقاليدنا، ومنح الطعام المصري المكانة التي يستحقها عالميًا.

    • لمن يوجه الكتاب بصورة أساسية: القارئ الأجنبي، أم القارئ المصري؟

    كلاهما، ولكن بطرق مختلفة. فبالنسبة للمصريين، خاصة المقيمين في الخارج، يعد الكتاب وسيلة للعودة إلى نكهات الوطن. فأنا أؤمن أن وصفات التراث المصري لم تعد تورث بين الأجيال كما كانت في السابق.

    أما القارئ العالمي، فيفتح له الكتاب بابًا على مطبخ غالبًا ما يتم تجاهله، رغم غناه التاريخي وتنوع نكهاته. لذلك كتبته على أمل أن يتمكن أي شخص، مهما كانت خلفيته، من اقتنائه والشعور بالثقة في طهي الطعام المصري في مطبخه.

    غلاف الكتاب.. الصورة من دينا الضيف
    غلاف الكتاب.. الصورة من دينا الضيف
    • كيف اخترت الوصفات التي يضمها الكتاب؟ وما المعايير التي استندت إليها؟

    بدأتُ بالأطباق التي لا أستطيع تخيّل حياتي بدونها، تلك التي كانت تصنعها أمي وشكلت جزءا من طفولتي. ثم أضفت وصفات تحمل ذكريات قوية أو تمثل عناصر أساسية في الطهي المنزلي المصري.

    كما راعيت سهولة الوصول إلى المكونات: هل يستطيع القارئ العثور عليها؟ وهل يمكنه إعادة إنتاج النكهة دون الحاجة إلى أدوات متخصصة؟ وبذلك عكست المجموعة النهائية توازنًا بين الحنين، والعملية، والرغبة في حفظ وصفات قد تندثر مع الوقت.

    • من وجهة نظرك، ما أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا عن المطبخ المصري لدى غير المصريين؟

    يعتقد كثيرون أن الطعام المصري هو نفسه طعام الشرق الأوسط عمومًا، أو أنه كله ثقيل أو حار أو معقد. في الواقع، المطبخ المصري متنوع إقليميًا، وغني بالنكهات، وعميق في بساطته المريحة.

    فهو يعتمد على مكونات بسيطة مثل الأرز، والعدس، والأعشاب، والطماطم، واللحوم. التي تتحول عبر تقنيات متوارثة إلى أطباق مميزة. ومن المفاهيم الخاطئة أيضًا أنه صعب التحضير، بينما يُفاجأ كثيرون بمدى سهولة إعداده وطابعه المنزلي الدافئ وقيمته الغذائية عند تجربته.

    • يخلو الكتاب من وصفات الخبز، رغم أنه عنصر أساسي في المطبخ المصري. هل كان ذلك معتمدًا؟

    نعم، إلى حد ما. فالخبز مجال متخصص في الطهي المصري ويستحق مساحة مستقلة. فعلى سبيل المثال، يتطلب الخبز التقليدي تقنيات خاصة قد يصعب تكرارها في المنزل.

    كما أن والدتي لم تكن تُعِد الخبز الطازج كثيرًا خلال طفولتي. لذلك شعرت أن تضمين نسخ مبسطة لن ينصفه، ففضلت التركيز على الأطباق التي أستطيع تعليمها بأصالة وثقة. وربما يكون للخبز مشروع خاص مستقبلًا.

    • هناك تركيز واضح على أطباق اللحوم في الكتاب؛ هل يرتبط ذلك بذكرياتك الشخصية أم بتصور أوسع عن تقاليد الضيافة المصرية؟

    كلا الأمرين معًا. في طفولتي، كانت أطباق اللحوم عنصرًا أساسيًا على المائدة، وكان والداي حريصين على أن تتضمن وجبة العشاء التي نجتمع حولها مصدرًا للبروتين الحيواني في أغلب الأحيان.

    وهكذا ارتبطت اللحوم في ذاكرتي بالوجبات الرئيسية، والاحتفالات، والتجمعات العائلية. كما أن الضيافة المصرية كريمة بطبيعتها؛ فالتعبير عن المحبة يكون غالبًا عبر الوفرة، وتعلب اللحوم دورًا محوريًا في ذلك. وفي الوقت نفسه، ترتبط أقوى ذكرياتي بأطباق مثل الكفتة، والدجاج المشوي، والكبيبة، لذلك كان من الطبيعي أن تحظى بمكانة بارزة في الكتاب.

    • يضمّ الكتاب وصفات تقليدية للغاية وأخرى أبسط وأكثر عصرية؛ كيف وازنتِ بين مخاطبة الطهاة المبتدئين وتقديم أطباق تحتاج خبرة أكبر؟

    أردتُ أن يكون الكتاب مرحبًا لا مُرهبًا. بعض الوصفات، مثل الملوخية أو المحشي، تحتاج إلى صبر وممارسة، بينما توجد وصفات أخرى مناسبة لوجبة سريعة في منتصف الأسبوع.

    والمزج بينهما يمنح القارئ فرصة البدء من المستوى الذي يناسبه، ثم تطوير مهاراته تدريجيًا. كما حرصت أيضًا على أن تكون التعليمات واضحة وسهلة، وفي الوقت ذاته دقيقة ومفصلة بما يكفي لضمان النجاح، حتى تبدو الأطباق الأكثر تعقيدًا قابلة للطبخ.

    • هل تفكرين في إصدار كتاب آخر يركز مثلًا على الخبز أو الأطباق النباتية؟

    كنتُ أرغب في أن يكون «The Taste of Egypt» مجموعة شاملة، لكن عندما طُلب مني كتابة «Egyptian Flavors» احتفظت بالوصفات التقليدية مع إضافة بعض البدائل النباتية. وقد يكون هناك كتاب نباتي خالص بطابع شرق أوسطي في المستقبل، لا يقتصر على بلد واحد، بل يستلهم النكهات والتقنيات التي نشأت عليها.

    أما كتاب مخصص للخبز فهو فكرة واردة، لكنه يتطلب بحثًا وتجارب مختلفة. وهو احتمال قائم بالتأكيد.

    • هل هناك وصفات وضعتها في الكتاب بهدف الحفاظ عليها من النسيان؟

    نعم، مثل كعكة جوز الهند الخاصة بوالدتي، التي كانت تعتمد على كوب زجاجي محدد للقياس، وشعرتُ بأهمية توثيقها قبل أن تضيع.

    كما بدت لي بعض أطباق اليخني والخضراوات التقليدية وصفات قد لا تصادفها الأجيال الجديدة ما لم يتم تدوينها. لذلك كان إدراجها في الكتاب طريقتي لتكريم أمي وضمان استمرار هذه الوصفات.

    • ما العنصر أو المكون أو الشيء الذي ترين أنه يعبر بعمق عن الثقافة المصرية؟

    بالنسبة لي، هو اجتماع البساطة والكرم. فمكونات مثل الطماطم والبصل والثوم والأرز والأعشاب تتكرر في أطباق كثيرة، لكنها تتحول إلى وجبات غنية ودافئة. فالملوخية مثلًا ورقة خضراء بسيطة، لكنها تتحول إلى طبق مليء بالذكريات والمعنى. هذه القدرة على صناعة طعام نابض بالروح من مكونات بسيطة تعكس روح المطبخ المصري.

    • فيما يخص ورش الطهي التي تديرينها، كيف ترين دور التعلم العملي في نقل التقاليد إلى الأجيال الجديدة وإلى غير المصريين؟

    التعلم العملي أساسي. فالمطبخ المصري مليء بالتفاصيل الصغيرة، مثل طريقة لف ورق الكرنب أو تعديل الطعم حسب الذوق، وهي أمور تكتسب بالمشاهدة والتجربة.

    فالأمور لا تسير دائمًا بسلاسة في المطبخ، لذلك تتيح الورش للناس معايشة الواقع والتعرف إلى الروائح والقوام والتعديلات الصغيرة التي تمنح الطبق روحه. كما أنها وسيلة جميلة لمشاركة الثقافة، حيث لا يغادر المشاركون بالوصفات فقط، بل أيضا بالذكريات والقصص، وبثقة وتقدير أعمق للمطبخ المصري.

    • كيف تبسطين الأطباق التقليدية دون فقدان روحها؟

    في الورش أكون أكثر تفاعلًا، أشرح وأجيب على الأسئلة وأعدل الوصفة حسب مستوى المجموعة. أما في الكتاب، فيكون علي توقع الأسئلة وكتابة التعليمات الخاصة بها بوضوح يسمح للقارئ بالمتابعة بمفرده.

    وعند تبسيط الأطباق التقليدية أحرص على الحفاظ على النكهات والتقنيات الأساسية. قد أختصر بعض الخطوات أو أقدم بدائل لها، دون أن أفقد الطبق جوهره، لأن الهدف دائمًا هو جعل الطعام المصري متاحًا للجميع دون فقدان روحه الخاصة.

    اقرأ أيضا:

    الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

    «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

  • نقوش هندية في وادي الملوك.. «جئتُ ورأيتُ» تكشف حضورا آسيويا قبل ألفي عام

    نقوش هندية في وادي الملوك.. «جئتُ ورأيتُ» تكشف حضورا آسيويا قبل ألفي عام

    وثقت دراسة حديثة وجود كتابات بلغة هندية قديمة على جدران المقابر الملكية في وادي الملوك، يتجاوز عمرها ألفي عام، بينها اسم وعبارة «جئتُ ورأيتُ»، ما يكشف عن حضور زوار هنود إلى مصر في العصر الروماني ودور طرق التجارة في ربط وادي النيل بعالم المحيط الهندي. كما تعيد هذه النقوش فتح ملف العلاقات الهندية – المصرية القديمة، وتسليط الضوء على تقاليد الزوار في تدوين أسمائهم داخل المواقع الأثرية.

    اكتشاف رائد

    في البداية، أعلن باحثان عن اكتشاف رائد. إذ تمكنا من تحديد ما يقرب من 30 نقشا باللغات الهندية القديمة مثل التاميلية والبراهيمية والبراكريتية والسنسكريتية، داخل مقابر بوادي الملوك في مصر. وظهرت النقوش – التي تم تأريخها وترجع للفترة بين القرنين الأول والثالث الميلاديين – موزعة على ست مقابر في وادي الملوك.

    وبحسب صحيفة “ذا هندو” الهندية، تكمن أهمية الاكتشاف في أنه يقدم معلومات جديدة حول الروابط التجارية بين تاميل نادو القديمة، وأجزاء أخرى من الهند، والإمبراطورية الرومانية في مصر آنذاك.

    العلاقات الهندية المصرية

    خضعت النقوش لدراسة معمقة لإثبات وجود الهنود في مصر خلال هذه الفترة، وبيان سبب كتابة هذه النقوش. وبحسب صحيفة “ذا آرت نيوزبيبر”، توسع هذه الاكتشافات بشكل كبير فهم العلاقات الهندية- المصرية في العصر الروماني. وبخلاف ذلك، فإنها تضيف إلى الأدلة الموجودة في سقطرى – الجزيرة الواقعة قبالة سواحل اليمن – وميناء برنيس (برنيكي) القديم في مصر، الواقع بمدينة قديمة على ساحل البحر الأحمر. حيث تشهد النصوص والمواد الأثرية على وجود ديني وتجاري هندي مستمر.

    تم توثيق هذه النقوش خلال دراسة قادتها شارلوت شميد، الأستاذة في المدرسة الفرنسية للدراسات الآسيوية، وإينجو ستراوخ، الأستاذ في جامعة لوزان. وذلك خلال عامي 2024 و2025. وبحسب صحيفة “ذا هيندو”، وثقها الفريق النقوش في ست مقابر ضمن جبانة طيبة. مستكملين بذلك مسارا بحثيا يعود إلى الباحث الفرنسي جول باييه، الذي أجرى مسحا لوادي الملوك عام 1926، ونشر حينها أكثر من ألفي نقش يوناني.

    نقوش تاميل براهمي عُثر عليها عند مدخل أحد المقابر في وادي الملوك بمصر.. مصدر الصورة إنجو ستراوخ
    نقوش تاميل براهمي عُثر عليها عند مدخل أحد المقابر في وادي الملوك بمصر.. مصدر الصورة إنجو ستراوخ
    النقوش الهندية في مصر

    قُدّمت نتائج دراستهما في ورقة بحثية بعنوان «من وادي الملوك إلى الهند: النقوش الهندية في مصر» خلال المؤتمر الدولي لعلم النقوش التاميلية في مدينة تشيناي بجنوب الهند. وحدد الباحثان النقوش على أنها قادمة من عدة مناطق في شبه القارة الهندية. ومعظمها مكتوب باللغة التاميلية البراهمية، وهي لغة قديمة مرتبطة باللغة التاميلية الحديثة.

    ويقول عالم المصريات ستيف هارفي لصحيفة “ذا آرت نيوزبيبر”: “يبدو أن السبب وراء عدم اكتشاف النقوش التاميلية على مقابر وادي الملوك من قبل هو عدم المعرفة الكافية باللغة القديمة. وبالتالي عدم ملاحظتها”. ويستكمل: “عدد قليل من الباحثين المتخصصين في لغات الهند يميلون إلى دراسة النقوش في مصر. بينما حظيت النقوش اليونانية والآرامية بالدراسة منذ زمن طويل”.

    تقليد سائد

    تلفت الدراسة إلى أنه لم يقتصر نشاط سكان منطقة تاميل على التجارة البحرية مع مصر. بل تحركوا أيضا إلى وادي النيل وتركوا أسماءهم إلى جانب النقوش اليونانية واللاتينية الموجودة سابقا في المقابر.

    وأوضحت الدراسة أن الزوار الهنود – على ما يبدو – كانوا يتبعون تقليدا يتمثل في تدوين أسمائهم داخل المقابر. وتشير إلى أن هذا الأمر استمر كتقليد سائد آنذاك، تمثل في ترك بصمة الزوار الهنود في المواقع الأثرية في مصر. من خلال نقش أسمائهم في الأماكن الأثرية.

    الهند ومصر.. الثراء والترف

    بحسب صحيفة “ذا آرت نيوزبيبر” ارتبطت مصر بشكل وثيق بالإمبراطورية الأخمينية الفارسية منذ القرن السادس قبل الميلاد. وكانت تربطها أيضا علاقات تجارية واسعة مع الهند.

    وفي وقت لاحق، خلال العصر الروماني، عادت الهند ومصر إلى التواصل بشكل غير مباشر عبر طرق التجارة. ففي القرن الأول قبل الميلاد، وصف الشاعر الروماني هوراس الهند ومصر في قصائده بأنهما مرادفتان للثراء والترف.

    ميناء برنيس

    على الرغم من أن علماء الآثار كانوا على دراية بوجود هندي على ساحل البحر الأحمر في مصر خلال أواخر العصر الروماني. يقول هارفي لصحيفة “ذا آرت نيوزبيبر”: “حتى هذا الاكتشاف، لم يكن لدينا أي دليل قاطع على وجود زوار من الهند إلى وادي النيل في تلك الفترة المبكرة”.

    كان ميناء “برنيس” أو “برنيكي” المصري على البحر الأحمر واحدًا من أبرز الموانئ النشطة بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي. إذ شكل حلقة وصل استراتيجية ضمن شبكة التجارة التي ربطت أوروبا وإفريقيا وآسيا بعالم البحر المتوسط عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.

    وكان ميناء برنيس – الذي أسسه الملك بطليموس الثاني – محطة رئيسية في تجارة أفيال الحرب والسلع النفيسة. وشهد مرور شحنات الفلفل والأحجار شبه الكريمة والأقمشة الفاخرة والعاج، القادمة من الهند وسريلانكا والجزيرة العربية.

    كتابات باللغة التاملية المصدر حساب تسكريشنان بموقع تويتر
    كتابات باللغة التاملية المصدر حساب تسكريشنان بموقع تويتر
    الكتابة على الآثار

    بالعودة إلى النقوش في هذه المقبرة، تسلط الدراسة الضوء على تكرار اسم “تشيكاي كوران” نحو 8 مرات داخل 5 مقابر مصرية. ليصبح أبرز الأسماء المدونة باللغة التاملية. وقد عثر عليه في أعلى الجدران الداخلية وبالقرب من المداخل.

    وبحسب صحيفة “تاميل جارديان” الهندية، لم يكتف الهنود قديما بكتابة أسمائهم فقط، بل كتبوا أيضا عبارة “جئت ورأيت”. ومن بين الأسماء التاميلية الأخرى التي تمّ تحديدها: كوبان، وكاتان، وكيران. وجميعها موثقة في نقوش تاميلية قديمة في جنوب الهند.

    فك الشفرة

    قدم الباحث شميد تحليلا كاملا لتكرار اسم «تشيكاي كوران»، والذي يتضمن دلالات لغوية وثقافية. فشقه الأول قد يرتبط بالكلمة السنسكريتية «śikhā»، التي تعني الخصلة أو التاج. وهو تعبير غير مألوف باعتباره اسما شخصيا.

    أما «كوران»، فهو اسم تاميلي يرتبط معناه بالحرب، وأصوله مشتقة من كلمة قوية مرتبطة بالقتال، ومن الجذر «koṟṟam» الذي يدل على النصر والقتل. وترتبط أصول هذا الاسم أيضا باسم إلهة المحاربات لدى أسرة تشيرا «كورافاي». وكذلك بمصطلح «كورافان» الذي يعني الملك.

    ولا يقتصر حضور هذا الاسم على نقش واحد. إذ يتكرر «كوران» في سياقات أثرية مشابهة عُثر عليها في مصر. وظهر اسم «كورسابومان» في نقش على قطع فخارية اكتشفت في ميناء برنيس المصري، الذي شكل بوابة رئيسية تربط مصر الرومانية بعالم المحيط الهندي. وذلك بحسب مجموعة سانغام الأدبية.

    المياه وتهديد بمحو الكتابات

    لكن لماذا يعد تكرار هذا الاسم ذا أهمية خاصة في مصر؟ بحسب الورقة البحثية، توجد العديد من النقوش الصخرية المشابهة على جدران قديمة وأثرية في وادي نهر السند.

    ومنذ عام 2020، حذر علماء الآثار من أن هذه النقوش في وادي نهر السند ستغمرها المياه عند تشغيل سد ديامير باشا خلال الفترة بين عامي 2028 و2029. ما سيؤدي إلى طمس ألفي عام من النقوش التي كتبها التجار والرهبان والجنود.

    كتابات من القرآن

    لم تحظ النقوش الهندية المدونة على الجدران باهتمام الباحثين سابقا. إذ جرى تجاهل سجلات من هذا النوع، التي كان يدونها الحجاج والمسافرون بعبارات مثل: “لقد كنت هنا”. لكن، كما يُظهر اكتشاف ستراوخ وشميد، فإن هذه الكتابات تتيح فهما أعمق لعقول الهنود “العاديين” عبر التاريخ. وليس فقط نصوص الملوك والكهنة.

    وتنوعت الكتابات الهندية، فلم تقتصر على تدوين أسماء الأشخاص فقط. إذ يُعد نقش “القرآن” من أبرز ما تم العثور عليه ضمن النقوش الجدارية في منطقة البحر الأحمر. ولم يكن ذلك المثال الوحيد، فقد كشفت الحفريات في ميناء “برنيس” أو “برنيكي” المصري القديم – الذي كانت تدخل عبره البضائع الهندية إلى المجتمع الروماني- عن نقوش تاميلية – براهمية على جرار نبيذ، تذكر أسماء زعماء القبائل.

    كتابات باللغة التاملية المصدر حساب تسكريشنان بموقع تويتر
    كتابات باللغة التاملية المصدر حساب تسكريشنان بموقع تويتر
    جئت ورأيت!

    لا تقتصر أهمية نقوش «كوران» على لغتها فقط، بل تمتد إلى سياقها الثقافي أيضا. فعبر تحليل مجموعة من النقوش، مثل عبارة “جئت ورأيت” المدونة، والتي استخدمها زوار وادي الملوك في العصور القديمة- خاصة الذين كتبوا باليونانية- يتضح أنها كانت وسيلة لتخليد لحظة الحضور في الموقع.

    وتلفت الدراسة المنشورة على موقع “ذا برينت” إلى أنه يبدو أن “كوران” لم يكن مجرد تاجر أو عابر سبيل. بل كان يشارك بوعي في تقاليد «السياحة» السائدة آنذاك.

    الكتابة على ضوء خافت

    في كتاب «نقوش هندية من كهف هوق في سومطرة» الصادر عام 2016، قدم البروفيسور ستراوخ دراسة حول عوالم الرحالة الهنود في العصور القديمة. من خلال تحليل النقوش داخل كهف طبيعي، تقارب 250 نصا ورسما تركها زوار من أطراف العالم القديم. من بينهم إغريق وتدمريون وأكسوميون وعرب، بالإضافة إلى هنود شكلوا المجموعة الأكبر عددا.

    وتضمنت الأسماء المكتوبة في النقوش ألقابا وظيفية أيضا، مثل «نافيك» وتعني (بحار)، و«فاني» وتعني (تاجر)، و«أشاريا» وتعني (معلم). ويوضح في كتابه أن النصوص الموجودة بالسنسكريتية تعود إلى القرون الأولى للميلاد. ولم تكن مقتصرة على البراهمة أو النخب الأرستقراطية، بل كانت أوسع انتشارا.

    ويلفت إلى أن هذه العبارات نُقشت على ضوء مصابيح خافتة، بعد رحلات بحرية وبرية شاقة، ويفسر ذلك بوصفه فعلا إنسانيا بسيطا يتكرر عبر العصور، بوصفه ترك أثر يدل على العبور. ويقول ستراوخ: “مثلما فعل زوّار مواقع أثرية أخرى في العالم القديم، كتبوا أيضا رسالتهم إلى المستقبل: لقد وصلتُ… كنتُ هنا”.

    كتابات ذات طابع ديني

    لفهم الدوافع المشابهة، التي اتخذت طابعا دينيا واضحا، بدأ المسافرون رحلتهم من شاتيال على ضفاف نهر السند الأعلى. ويذكر المؤرخ أحمد حسن داني، في كتابه «سجلات بشرية على طريق كاراكورام السريع» الصادر عام 1995، أن الموقع يضم أكثر من ألف نقش، كثير منها كُتب بالخط البراهمي.

    وتتضمن هذه النقوش رسومات ومشاهد من حكايات جاتاكا البوذية. ويتضح أنها أدعية وابتهالات طلبا للنجاة من أخطار المياه. وقد مر من المكان هنود وتجار سغديون – رواد طرق الحرير وأبناء حضارة إيرانية شرقية قديمة، والوسطاء الرئيسيون لتجارة طريق الحرير بين القرنين الرابع والثامن الميلاديين.

    الحجاج في العصور الوسطى وعشاق الفن

    في ورقة بحثية نُشرت عام 2023، جادل البروفيسور ستراوخ بأن الكتابة على الجدران يجب أن تعد نوعا من أنواع علم النقوش الهندية. مُستندا إلى عمود أشوكا في براياغراج، الذي يحمل سطحه كتابات ونقوشا لثلاثة حكام عبر ثلاث فترات مختلفة.

    وهم: أشوكا في القرن الثالث قبل الميلاد، وشاعر سامودراغوبتا “هاريشينا” في القرن الرابع الميلادي. والإمبراطور المغولي جهانكير في أواخر القرن السادس عشر. وتشهد هذه العلامات على تطورات مهمة في شبكات الحج الهندوسي. حيث سعى الحجاج إلى نقش كتاباتهم على المعالم الملكية.

    اقرأ أيضا

    هل اعتنق المصريون البوذية؟ هذا ما يخبرنا به تمثال «برنيكي» المكسور| خاص

    صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات

    حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟

  • ماذا تعني الأغنية؟.. مقاربة في أعمال ليلى مراد وعبد الحليم حافظ

    ماذا تعني الأغنية؟.. مقاربة في أعمال ليلى مراد وعبد الحليم حافظ

    تحت عنوان «ماذا تعني الأغنية؟» قدمت شبكة آمون لدراسة العلاقة بين الأدب والسينما سيمينارا بمشاركة فريدريك لاجرانچ، أستاذ الدراسات العربية في جامعة السوربون بباريس. يطرح لاجرانچ سؤالا يبدو بسيطا لكنه عميق الدلالة: “ماذا تعني الأغنية؟”، وينطلق منه ليقدم مقاربة بالعربية لفقرتين من دراسة كتبها بالفرنسية حول عدد من الأغاني المصرية الشهيرة، مقدما هذه المقاربة أمام جمهور مصري وقراء لا يتشاركون الخلفية الثقافية ذاتها.

    زاوية مشروعة

    أدارت اللقاء د. سلمى مبارك، أستاذ الأدب المقارن والأدب والفنون بقسم اللغة الفرنسية وآدابها بكلية الآداب – جامعة القاهرة. وترى أن هذه الدراسة تنبع من قناعة أساسية مفادها أن زاوية النظر التي ننطلق منها لقراءة أي عمل فني زاوية مشروعة بالضرورة، بل هي ما يمنح البحث خصوصيته. فلكل باحث خلفياته وتجربته وحساسيته الجمالية التي تشكل طريقته في الفهم. وحين يتعلق الأمر بالموسيقى والفن، وبالإحساس الذي يخلقه العمل الفني، تتعدد القراءات بتعدد الأفراد، إذ لا يتلقى شخصان العمل بالطريقة نفسها.

    وترى مبارك أن العمل الفني لا يكتمل إلا بفعل التلقي. فالنص، من دون قارئ أو مستمع يفسره ويعيد تأويله، يظل منقوصا. ومع كل قراءة جديدة يولد العمل من جديد، في سياق مختلف ووفق ذائقة مغايرة. فلكل قراءة شروطها التاريخية والثقافية التي تمنحها معناها الخاص.

    سياقات تاريخية واجتماعية

    في هذا الإطار، تشير د. سلمى إلى أن وضع الأغنيتين موضوع البحث في سياقات تاريخية واجتماعية، رسمية وغير رسمية، أضفى بعدا ثريا على فهم كلماتها والأصوات المتعددة التي تتكلم داخلهما. وهو منهج يقوم على رد العمل إلى سياقه، والنظر في الخطابات التي تحيط به: كيف يتبناها؟ كيف يعارضها؟ وكيف يعبر عنها من خلال شكله ومضمونه؟ وهو منهج يمكن تطبيقه على أغنية كما على فيلم أو عمل أدبي. إذ تتقاطع هذه الرؤى النظرية في مقاربة النصوص الفنية على اختلاف أنواعها.

    أما فريدريك لاجرانچ فهو أستاذ الدراسات العربية في جامعة السوربون بباريس، ومدير مركز “سيداج” للدراسات. وتشمل اهتماماته البحثية تاريخ الموسيقى في مصر المعاصرة، وعلم اللهجات العربية، والرواية العربية الحديثة. وتتناول أحدث أعماله الدراسات الثقافية عند مفترق الطرق بين دراسات النوع الاجتماعي واللغويات والثقافة الشعبية. ومن أحدث مجلداته المحررة: “ثقافة البوب في مصر، بين التيار التجاري السائد والتنازع” (2020). و”كلمات الرغبة: لغة الإيروتيكية العربية وترجمتها” (2020). وهو أيضًا مترجم للأدب العربي، الكلاسيكي والمعاصر. ومن آخر ترجماته إلى الفرنسية رواية عُطَارد لمحمد ربيع (2021).

    ماذا تعني الأغنية؟

    في البداية، يرى لاجرانچ أن الأغنية كثيرا ما تصنف باعتبارها منتجا ثقافيا خفيفا لا ينتمي إلى ما يسمى بالثقافة الرفيعة أو النخبوية. وأن وظيفتها الأساسية تبدو محصورة في الترفيه.

    ويقول: “حين تندرج الأغنية ضمن الثقافة السائدة، تتحول إلى جزء من المشهد اليومي المألوف. فلا ينتبه المتلقي عادة إلى ما وراء لحنها وكلماتها. ولا إلى تقنيات أدائها أو صورها المصاحبة إن كانت مصورة. تصبح الأغنية، بهذا المعنى، جزءا مكملا للديكور وحياة المتلقي اليومية”.

    ويشير لاجرانچ إلى ميزة خاصة في تقديم ورقته أمام جمهور مصري. إذ أن الأغنيتين اللتين يتناولهما -“اللي يقدر على قلبي” لـ “ليلى مراد” و”دقوا الشماسي” لـ”عبد الحليم حافظ” – راسختان في الذاكرة الجمعية. لذلك فهو لا يحتاج إلى تشغيلهما أو استعادتهما صوتيا، بل يكتفي بالحديث عنهما. معتمدا على حضورهما الحي في وجدان المستمعين.

    اللي يقدر على قلبي

    تطرق لاجرانچ إلى أوبريت «اللي يقدر على قلبي» من فيلم “عنبر” (إنتاج عام 1948). ويوضح التحليل أن البطلة التي تحمل نفس اسم الفيلم “عنبر”، فتاة حسناء تجسدها ليلى مراد. وهي ابنة باشا يُحتجز مع ابنته من قبل عائلتهما التي تسعى للاستيلاء على ميراثهما. وكان الباشا قد أخفى خريطة تشير إلى مكان كنزه – مجموعة من المجوهرات الثمينة- داخل ثوب اشتراه رجل يدعى أنور وجدي، النجم الرئيسي في الفيلم.

    ويشير إلى أن النقطة المهمة في القراءة تكمن في أن الأغنية تقع تحت علامة الاستبدال والإرث المتنازع عليه، قائلا: “إن أردنا تخطي الحبكة الخيالية والصيغة الفكاهية التي صيغ بها العمل. فإن للمشهد قيمة رمزية، سواء أكانت مقصودة أم لا”.

    عائلة الباشا المحتجز

    الفرضية التي ينطلق منها تقوم على وجود توازٍ بين تنازع أفراد عائلة الباشا المحتجز (الذي أدي دوره عبد الوارث عسر) حول إرثه. وتنازع المتقدمين للفوز بلقب ليلى مراد في الأوبريت. وثانيا، أن هذا الإرث المتنازع عليه ليس إرث الباشا، ولكن إرث الطبقة التي يمثلها، بل وإرث البلاد. وبالتالي قيادة البلاد في وقت كانت تسلم فيه روحها للطبقة الارستقراطية.

    ويستكمل: “تتأهب الأمة لنقل إرثها إلى من هو أهل للأخذ بيدها. وتمثيل الأمة في صورة فتاة يتنازع عليها الراغبون في الزواج كليشيه عابر للثقافات. وقد تجلى ذلك في الأدب العربي في شخصية “سنية” التي يتنازع عليها الراوي محسن في رواية عودة الروح لتوفيق الحكيم. أو لاحقا في شخصية “زهرة” خادمة البنسيون في رواية “ميرامار” لـ نجيب محفوظ”.

    احتضار الملكية المصرية

    يشير فريدريك لاجرانچ إلى أن سنة 1948، التي عرض فيها الفيلم، كانت سنة مفصلية في التاريخ المصري. إذ بدت فيها بوادر احتضار الملكية. ففي ذلك الوقت كان الملك فاروق قد فقد كثيرا من هيبته، وبدأ يعرض عن إدارة شؤون المملكة واتخاذ الإجراءات الإصلاحية اللازمة. وهو ما شكل خلفية سياسية لا يمكن فصلها عن تلقي العمل فنيا ورمزيا.

    ويلفت لاجرانچ إلى أن بطلة الفيلم، وهي ممثلة يهودية الأصل. كانت قد اعتنقت الإسلام في ديسمبر 1947 بعد زواجها من أنور وجدي، وأعلنت إسلامها عام 1948. وهي السنة نفسها التي عرض فيها الفيلم، بالتزامن مع حرب فلسطين.

    أبعاد رمزية

    يرى لاجرانچ أن أداءها في الأوبريت يكتسب بعدا رمزيا. إذ تمثل الأمة في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، كان فيها مجرد الاشتباه في التعاطف مع الحركة الصهيونية كفيلا بتعريض صاحبه لمخاطر حقيقية. ويضيف أن الممثلة نفسها لم تسلم من الشكوك بعد بضع سنوات. وهو ما أسهم في اعتزالها لاحقا، وكأن رسالتها الفنية كانت قد اكتملت، فآثرت الانسحاب تاركة صورة رمزية لم يمسسها سوء.

    كما يتوقف لاجرانچ عند شخصية الباشا العجوز في الفيلم، معتبرا إياها تمثيلا لطبقة أرستقراطية تبحث عمن يستحق إرثها. وتسعى إلى نقل المشعل إلى جيل آخر، وربما إلى فئات تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة.

    ويضيف: “غير أن هذه الطبقة، كما يلاحظ، لا تبدو ضمن الخيارات المطروحة أمام عنبر في الأوبريت. إذ يتردد إليها عدد من الخاطبين الذين يمكن قراءتهم بوصفهم ممثلين لفئات اجتماعية متعددة. ومن ثم، فإن بحثها عن خطيبها الغائب، عن الحبيب المجهول يتجاوز الإطار العاطفي”.

    انتظار الخلاص

    يتابع فريدريك قراءته، معتبرا أن كلمات الأوبريت يمكن فهمها بوصفها تعبيرا عن شكل من أشكال الخضوع الاجتماعي والعاطفي. وعن انتظار الخلاص على يد الزعيم، وترقب الآفاق المشرقة التي سيأتي بها. وعلى حد وصفه، فإن الحب هنا لا ينفصل عن المخيال السياسي، ولا عن فكرة المنقذ الذي يحمل وعد المستقبل.

    ويشير إلى أن المتقدم الأول لعنبر هو الممثل الكوميدي ومغني المونولوجات إسماعيل ياسين. حيث يجري التأكيد بوضوح على الطابع الهزلي للمشهد، سواء من خلال الأداء أو عبر الموسيقى المختارة له. فالشخصية لا تقدم بوصفها خيارا جديا، بل كاحتمال ساخر يجري استبعاده منذ اللحظة الأولى.

    ويضيف لاجرانچ أن هذا النمط الاجتماعي الذي تمثله الشخصية هو ابن أحد أعيان الريف، وريث أمه لا وريث أبيه. كما توحي العبارة: “ماما سابت لي في البلد أطيان كتير مالهاش عدد”.

    فالنص، في رأيه، يقلل من رجولة الشخصية، ويصورها بوصفها “ابن أمه” أكثر من كونها امتدادا لسلطة الأب. كما تبدو مستعدة لإهدار العزبة والريع الثابت. وهكذا تصبح طبقة أعيان الريف، في هذا التمثيل، عاجزة عن تقديم نموذج قيادي مقنع.

    الشاعر حسين السيد

    يتوقف فريدريك لاجرانچ أيضا عند مؤلف الكلمات، حسين السيد، ابن طنطا، الذي كان في العقد الرابع من عمره حين كتب هذا الأوبريت. ويشير إلى أنه اضطر، بعد وفاة والده، إلى التخلي عن طموحاته الجامعية والعمل في تجارة العائلة. ولا سيما في مجال توريد الغذاء للجيش والريف.

    ويرى لاجرانچ أن هذه الخلفية الاجتماعية تفسر معرفته الدقيقة بطبقة أعيان الريف وحدودها، وربما إدراكه أنها. كما تظهر في الأوبريت، غير مؤهلة للفوز بقلب ليلى أو بزمام البلاد.

    وفي هذا السياق يستحضر لاجرانچ صورة الإقطاعي الساخر التي قدمها نجيب الريحاني في مسرحية كشكش بيه. حيث تبدو الشخصية الريفية الارستقراطية خالية من الصفات المطلوبة للقيادة الحديثة. وعاجزة عن تمثيل طموحات الأمة في لحظة تاريخية دقيقة. ويرى أنه من الطريف إدخال حسين السيد اللغة الإدارية ومصطلحاتها في كلمات الأغاني. فكما لا تُخاطب الفتاة بلغة الإدارة، لا تُخاطب الأمة بلغة تكنوقراطية.

    مبادئ الاشتراكية

    ننتقل، في قراءة فريدريك لاجرانچ ، إلى تمثيل الطبقة الكادحة في الأوبريت. فشخصية شكوكو، ابن البلد الذي ينافس إسماعيل ياسين، تقدم نفسها بوصفها “أمينا ومدردحا وأدرجيا”. استطاع أن يبني من الفول والطعمية أربع عمارات.

    و”الأدرجي”، كما يوضح لاجرانچ، هو الشاطر في التجارة والأعمال اليدوية. فيما يشكل الفول والطعمية طعام الطبقات الشعبية بامتياز. وتوحي الشخصية بأن أفكارها قريبة من الاشتراكية، مؤمنة بالمبادئ الاقتصادية السائدة آنذاك. وترى في العمارات رمزا مباشرا للثراء والترقي الاجتماعي.

    غير أن زواج ليلى من شكوكو، في هذا السياق، يبدو زواجا غير متكافئ الأطراف. فالارتباط ببائع متجول، مهما بلغت ثروته، لا يجعله في المخيال الاجتماعي “ابن ناس” بالمعنى التقليدي. أي منتميا إلى طبقة تملك الشرعية الرمزية للقيادة أو التمثيل.

    غياب الأفندية

    أما المتقدم الثالث فهو الموظف الصغير، الأفندي المتواضع. ويرى لاجرانچ أن المنتجات الثقافية الشعبية تصلح مؤشرا لقياس صورة هذه الفئة في لحظة تاريخية معينة. ففي عام 1948 لم تعد مصر تعيش لحظة صعود الأفندية.

    ويتابع: “الممثل هو عزيز عثمان، هو في حد ذاته ظاهرة لافتة. إذ إنه نجل الملحن محمد عثمان، الذي ارتبط اسمه بعبده أفندي الحامولي. ويقدم الفيلم دليلا على التراجع التدريجي في قيمة الموظف الحكومي، الذي صار أسير الرواتب والمكافآت. فيما توحي نظرات الشخصية بعدم اكتراثه بعالم الراقصات أو بالإغراءات المحيطة به”.

    قراءة مغايرة

    المرشح الرابع هو الشامي، غير أن رمزيته، في تحليل لاجرانچ. تبدو أقل كثافة من سابقيه، ولا تحمل الثقل الاجتماعي أو السياسي ذاته. وفي النهاية، فإن خيار ليلى مراد، بوصفها مصر الرمزية، يقع على عازف البوق الذي يؤدي دوره أنور وجدي. ويختم المشهد على إيقاع موسيقى السوينج الأمريكية الصاخبة.

    ويرى لاجرانچ في هذا الاختيار إشارة دالة: فأمريكا، عام 1948، تقدم بوصفها الحل. والخيار الصحيح موسيقيا وثقافيا وسياسيا، من خلال تبني حداثة أجنبية تبدو قادرة على إعادة تشكيل الأفق المصري.

    أبي فوق الشجرة

    انتقل لاجرانچ إلى عرض قراءته لفيلم أبي فوق الشجرة، مشيرا إلى أن العمل كان من إنتاج شركة خاصة يملكها بطله عبد الحليم حافظ، وهو ما يعكس تحولا لافتا في موقع الفنان داخل صناعة الترفيه.

    ويقول: “لم يعد مجرد مؤدٍ، بل صار منتجا وصاحب قرار اقتصادي”. ويرى لاجرانچ أن ذلك إشارة إلى الأهمية المتزايدة لصناعة الأغنية، وإلى تمكين الفنان داخل المنظومة الثقافية”.

    كما يذكر بالعلاقة الوطيدة التي جمعت عبد الحليم حافظ بالموسيقار محمد عبد الوهاب في سياق المرحلة الناصرية.

    القطاع العام والسينما

    يلفت فريدريك لاجرانچ إلى أن الدولة، في تلك المرحلة، كانت قد أحكمت قبضتها على قطاع واسع من البنية التحتية الثقافية. فقد اشترى القطاع العام عددا من دور العرض في القاهرة والمحافظات، بما سمح له بالتحكم في توزيع الأفلام. وفي عام 1969 بدأ ثروت عكاشة عهده الثاني في وزارة الثقافة، موجها السياسات نحو قدر أكبر من الإنتاجية والجودة. وكانت الدولة تشرف كذلك على تصدير المنتجات الثقافية وتمويل الأعمال.

    ويشير إلى أن تصوير الفيلم جرى في استوديوهات القاهرة التي أنشأتها الهيئة العامة المصرية عام 1964، وأدارها جمال الليثي، وكذلك في “استوديو النحاس”، وهما مؤسستان تابعتان للدولة. ومن ثم يرى لاجرانچ أن هذا العمل، رغم طابعه الترفيهي، يرتبط بعلاقة وثيقة بالدولة.

    دلالة أيديولوجية

    صدر الفيلم في فبراير 1969، وهو في ظاهره عمل ترفيهي بحت. غير أن لاجرانچ يؤكد أن الأعمال الترفيهية لا تقل، من حيث الدلالة السياسية أو الأيديولوجية، عن الأفلام الجادة التي أنتجت في الفترة نفسها، مثل شيء من الخوف، والمومياء، وميرامار، وهي السنة نفسها التي شهدت تصوير فيلم “الأرض”.

    ويلاحظ لاجرانچ أن الفرق الموسيقية شهدت تراجعا بالتزامن مع هيمنة الأفلام الغنائية، غير أن “أبي فوق الشجرة” شكل استثناء بارزا. ومن أهم أغنياته “قاضي البلاج” التي تمتد لنحو ثلاث عشرة دقيقة، في دلالة على مركزية الأغنية داخل البناء الفيلمي، وعلى قدرتها على حمل العرض والاستعراض معا.

    الثورات الطلابية

    يرى فريدريك لاجرانچ أن صورة الطلاب في الفيلم تختلف عن صورة الطلاب الحقيقيين الذين خرجوا إلى الشوارع عام 1968، رغم خطاب النقد الذاتي الذي قدمه جمال عبد الناصر وممثلو الاتحاد الاشتراكي. وشجعتهم الثورات الطلابية في أوروبا، وهي مفارقة تختلف عن طلاب الفيلم.

    وهنا تكمن المفارقة: طلاب الواقع كانوا يعبرون عن احتجاج فعلي، بينما طلاب الفيلم يقدمون صورة مغايرة، أقرب إلى نموذج احتفالي بالحياة.

    رسالة موجهة

    يشير لاجرانچ إلى أن هؤلاء الشباب على الشاشة بدا وكأنهم موجهون أيضا إلى دول الجوار وإلى العدو، في رسالة مفادها أن البلاد لم تهزم، وأنها ما زالت تنبض بالحياة وهي المركز الرئيسي للحداثة العربية. ويظهر ذلك من خلال الألوان الزاهية.

    ويلفت إلى أن الفيلم تناول موضوعا سياسيا حساسا في حينه، هو “المحاكمات”. فالجزء الأول الطويل يقوم على محاكاة ساخرة، حيث يؤدي عبد الحليم حافظ تارة دور المتهم وتارة أخرى دور القاضي، في معالجة كوميدية لموضوع بالغ الجدية.

    ويذكر لاجرانچ أن كلمات هذا المشهد كتبها مرسي عزيز، ولحنه منير مراد، الذي يعيدنا اسمه إلى عالم شقيقته ليلى مراد، وقد عرف أيضا ممثلا وملحنا ومخرجا مساعدا. ويحدد لاجرانچ ثلاثة عناصر أساسية في هذا التابلوه: أولا، الشباب بوصفه فكرة وأيديولوجيا قائمة بذاتها، ثانيا، تصوير العلاقات بين الفتيان والفتيات في مناخ من التحرر النسبي، وثالثا، رمزية الصيف ومتعة الشاطئ باعتبارهما فضاء للانطلاق والحلم.

    كما تتضمن الأغنية أصواتا متعددة، رغم هيمنة صوت عبد الحليم حافظ، وتتنوع أنماطها الموسيقية، وتؤديها أكثر من فرقة كبيرة، بخلاف الفرقة التي كانت تصاحب أم كلثوم، وهي “الفرقة الماسية”.

    طبقات دلالية

    يقدم لاجرانچ تحليلا لمشهد “قاضي البلاج” مبينا أنه يتكون من ثلاثة أجزاء مترابطة، تكشف في مجموعها عن طبقات دلالية تتجاوز الطابع الكوميدي الظاهر.

    في الجزء الأول، يتقدم عبد الحليم حافظ إلى “قاضي البلاج” طالبا منحه صفة “المصيف”. وبعد مرافعات يغلب عليها الطابع الفكاهي، توجه إليه النيابة اتهامات ساخرة، منها ارتداء ملابس السباحة دون إذن قبل تثبيت وضعه كمصيف، وعدم إحضار الكعك، بل والمبالغة في حب المزاح. هنا تتحول المحاكمة إلى لعبة لغوية تستعير شكل القضاء لتفريغه في قالب استعراضي مرح.

    في الجزء الثاني، تظهر فتاة جامعية تشكو من أن والدها ما زال يعتبرها قاصرا، في تعبير واضح عن مطلب تحرري. ويصدر الحكم بتحديد عمرها بخمس سنوات فقط، بما يعني تكريس الوصاية عليها ورفض نزعتها الاستقلالية. ويلاحظ لاجرانچ أن هذه الصورة تتقاطع، على نحو ساخر، مع مطالب الطلاب الحقيقيين في تلك الفترة، الذين كانوا يطالبون بمساحة اكبر من الحرية والمشاركة.

    وصاية مزدوجة

    أما في ما يتعلق بالمؤسسة الزوجية، فيرى لاجرانچ أنها تقدم بوصفها شكلا من أشكال الوصاية المزدوجة. ويستدعي نص الأغنية تصورا شعبيا شائعا مفاده أن النساء يصبحن قوامات على الرجال بمجرد الزواج، في قلب هزلي للأدوار التقليدية.

    ويعمل عبد الحليم، في المشهد، على تأجيل مطالب “المدعين الجدد” إلى “الصيف الماضي”، في عبارة ساخرة تلغي الطلب عبر ترحيله إلى زمن منقض. كما يرد ذكر “المعقدين والمعقدات”. في إشارة تدل، بحسب لاجرانچ، على انتشار مفردات التحليل النفسي في الترجمات العربية حينها.

    ويخلص لاجرانچ إلى أن الشباب في هذا التابلوه ليسوا مجرد أجساد راقصة، بل أصحاب خطاب أيضا. فحتى حين ترفض حججهم ويحكم عليهم القاضي، فإنهم يعبرون عن أنفسهم لا كأفراد متفرقين، بل ككتلة ذات مطالب اجتماعية واضحة.

    مقاربة تلقي العمل

    يرى فريدريك لاجرانچ أنه لا يوجد تلقي “مشروط” أو “غير مشروط” بالمعنى الصارم، لكن ما يهمه هو إمكانية مقاربة تلقي العمل في زمنه، ثم إعادة قراءته خارج ذلك الزمن. كيف استقبل الجمهور الفيلم عند صدوره؟ وكيف كان يمكن أن يفهم بعد سنوات قليلة؟ وكيف نراه نحن اليوم؟

    ويطرح سؤالا منهجيا أساسيا: هل تؤثر معرفتنا بما جرى لاحقا في طريقة قراءتنا للعمل؟ وهل نحاكمه على ضوء ما نعرفه من نتائج تاريخية لم تكن متاحة وقت إنتاجه؟

    ويعتبر لاجرانچ أن الفيلم يمكن النظر إليه بوصفه نصا ثبوتيا يعكس قيما بعينها: قيم الأسرة المصرية سنة 1969، أو صورة الشباب المسؤول كما أرادت الثقافة السائدة أن تقدمها. فموضة الاستحمام في البحر لم تكن جديدة حينها، بل شاعت منذ عقود في أوساط الطبقة الوسطى، وكان الاصطياف على شواطئ البحر الأبيض المتوسط حاضرا بقوة في الواقع كما في المنتجات الثقافية. ومنذ عشرينيات القرن الماضي ظهرت صور عديدة لملابس السباحة على الشواطئ.

    الشخصيات النسائية والشاطئ

    يذكر فريدريك لاجرانچ أن أغنية منيرة المهدية “يا محلى الفسحة في راس البر” كانت تحتفي بثقافة الاصطياف، كما صورت أم كلثوم على الشاطئ، وظهرت أمينة رزق بملابس السباحة، وروجت السينما بدورها لهذا النمط البرجوازي الذي ازداد انتشارا.

    ويردف أن من أوائل الشخصيات النسائية التي ظهرت على الشاطئ في الأدب يمكن العثور عليها في قصة قصيرة لـ إبراهيم المازني، بما يؤكد أن الفضاء الساحلي صار علامة ثقافية قائمة بذاتها.

    غير أن ما يثير اهتمام لاجرانچ في أوبريت “دقوا الشماسي” هو شبكة المفارقات التي يحملها. فالمشهد يقدم الاختلاط والتعري النسبي بوصفهما علامة على حداثة عربية تتصدرها مصر، لكنه في الوقت نفسه يجرد هذا الاختلاط من عنصر التوتر الجنسي الصريح.

    ويختتم حديثه: “صحيح أن هناك رمزية جسدية واضحة، غير أن المشهد لا يبنى على الإثارة، بل على الاحتفال الجماعي بالحياة. بل إن ظهور السيقان النسائية فيه أقل بكثير مما يمكن أن نجده في مشهد حب على الشاطئ في فيلم رومانسي تقليدي”.

    اقرأ أيضا:

    صراع «روتشيلد» على كنوز مصر.. الزجاج المملوكي ومصابيح المساجد في مهبّ المزادات

    حين يواجه التمثيل الحقيقة.. لماذا تُثير أفلام السيرة الذاتية كل هذا الجدل؟

    عشرات الآثار المصرية تغادر المتحف البريطاني للهند.. وحجر رشيد في الواجهة| ما القصة؟

  • مرجان البحر وقرن الغزال وسن الفيل.. سِبح من وحي الطبيعة

    مرجان البحر وقرن الغزال وسن الفيل.. سِبح من وحي الطبيعة

    حبات مُتراصّة جنبا إلى جنب تتكون إما من 33 أو 99 وحدة، وقد تزيد أحيانا لأكثر من ذلك. اعتاد الكثير من الأشخاص استخدامها بدلًا من أصابع اليد في ذكر الله منذ سنوات طويلة. مع مرور الوقت، تنوعت أشكال المسابح، فلم تعد تُصنّع فقط من الخشب أو البلاستيك بأسعار بسيطة، بل تطورت الخامات، وأصبح من الممكن تشكيلها من مرجان البحر، قرون الغزال، وحتى سن الفيل، وهي السبحة الأغلى سعرًا في عالم السبح.

    جلود الثعالب والذئاب.. ديكور وسبح

    تتعدد أنواع الجلود في المدابغ ما بين البقري والثعالب والذئاب. ورغم أن الطلب الأكبر يكون على جلود البقر لصناعة الأحذية والحقائب والجواكت، إلا أن الفرو من جلود الثعالب يتميز بشكل مميز ونعومة أعلى. وفي بعض الحالات يصنع منه السجاجيد أو يدخل في صناعة الملابس، كما يوضح إسلام علاء، صاحب مدبغة جلود.

    ويتابع: “بعض الأشخاص لديهم ذوق خاص في الديكور المنزلي. فيطلبون جلود الثعالب ليتم وضعها كديكور على حائط المنزل أو الكراسي، ما يضيف لمسة جمالية. يصل سعر القطعة من جلود الثعالب إلى 600 جنيه”.

    لكل جلد زبونه

    أما محمد أبو شنب، الذي توارث مهنة الدباغة عن أجداده، فيقول: “لكل جلد زبونه، سواء كانت جلود رخيصة الثمن مثل الثعلب والذئب. يبدأ سعرها من 500 جنيه للقطعة. وقد يصل سعر قطعة جلد الذئب إلى 1000جنيه”. بعض الورش تستخدم هذه الجلود في صناعة السبح بعد عمليات تصنيع متتالية. ويتم الحصول عليها من الصيادين أو مزارع الحيوانات في محافظات الدلتا.

    ويستكمل: “أما الجلود الباهظة الثمن مثل جلد النمور والأسود نادرة للغاية وغير متوفرة في مصر، وتتوفر في حالة حدوث تسمم لنمور المزارع مثلًا، لذا سعرها باهظ يبدأ من 30 ألف جنيه وحتى 60 ألف. وعادة تباع للعرب أو دول الخليج. أما جلد وحيد القرن فهو شبه مستحيل الحصول عليه ويتطلب عناية خاصة، وسعره مرتفع جدا”.

    سبحة 10 مللي من الكوك.. الصورة من صاحب ورشة تصنيع سبح
    سبحة 10 مللي من الكوك.. الصورة من صاحب ورشة تصنيع سبح
    أصحاب الورش والابتكار

    عم عباس، تاجر خامات وسيط بين تجار الجلود وأصحاب الورش، يوضح: “الزبائن دائما تبحث عن الجديد في عالم السبح. سواء من البكلايت، البلاستيك، البوليستر، خشب الكوك، البندول، الكهرمان، أو حتى المواد الطبيعية مثل جلود الثعلب وعظام الجمل”. ويضيف: “أصحاب الورش لديهم معدات وعمالة، ويفتحون بيوتهم للابتكار. لتلبية طلبات الزبائن. عليهم إيجاد الحلول دائما، وإلا سيغلق المحل في نهاية المطاف”.

    ويشرح آلية صناعة السبح من الجلود: “يقص الجلد ثم يوضع في قالب من السيليكون. وتضاف له مادة البوليستر من الأسفل ومن الأعلى حتى يجف. هذه الجلود متوفرة في المدابغ بسوق الجمعة، ومصرح ببيعها دون أي مشكلة”.

    سن الفيل.. السبحة الأغلى

    يضيف الحاج محمد عباس: “يمكن صناعة السبح من أسنان الأفيال، لكن هذا الأمر ممنوع في مصر، والعمل فيه مكلف للغاية. يباع الكيلو من أسنان الفيل بمبالغ طائلة. وقد يصل حجم السن الواحد إلى 15 أو 20 كجم، ويتم تقطيعه لأجزاء متعددة بشكل احترافي”.

    ويشير أيضا إلى أن بعض السبح تصنع من عظام الجمل، حيث يتم تجزئتها واستخراج أجزاء معينة. ثم تضاف مكونات أخرى قبل أن تصبح خامة رئيسية للسبح”.

    سبحة بلية من المرجان الأسود.. الصورة من صاحب ورشة صناعة السبح
    سبحة بلية من المرجان الأسود.. الصورة من صاحب ورشة صناعة السبح
    مرجان البحر.. كائن بحري يُصنع منه السبح

    تتميز السبح المصنوعة من المرجان أو اليُسر بشعبية كبيرة بين الزبائن. يأتي المرجان من الشعاب المرجانية في قاع البحر الأحمر مثل المرجان الأسود. أما المرجان البني والأحمر فيتم شراؤه من مناطق معينة بمحافظة السويس.

    ويضيف عباس: “المرجان ليس الكائن البحري الوحيد المستخدم في صناعة السبح، فبعض الصناع يستخدمون غطاء ظهر السلحفاة البحرية. ويصل سعر الكيلو منه إلى 5 آلاف جنيه. ويتم تجميع هذه القطع وضغطها وتشكل في قوالب مختلفة، قبل أن تقطع إلى مربعات صغيرة على شكل عقلة الإصبع لإكمال عملية التصنيع”.

    كما يستخرج من البحر بعض الأحجار الطبيعية مثل عرج البحر أو عرق السواحل. ويعتقد أنها تجلب الحظ، ويصل سعر الكيلو منها إلى 400-500 جنيه. لكن الخامات الأكثر مبيعًا تظل اليُسر، المرجان الأسود والأحمر، ويبدأ سعر السبحة من 500 جنيه ويزيد حسب كثافة الحبات.

    زبائن متنوعة وخامات نادرة

    حسب عبد الهادي السيد، صاحب ورشة تصنيع السبح، فإن السبح الأعلى سعرا تصنع من قرن الغزال وسن الفيل، لكنها نادرة ومحرمة دوليا، ولا تصنع إلا في حالات محدودة، مثل وفاة الفيل، حينها يمكن استخدام أسنانه. هذا النوع من السبح باهظ الثمن بسبب ندرة الخامات، وإن توفرت يتم جلبها من دول إفريقية مثل تشاد وزمبابوي.

    أما عن قرن الغزال، فيتم جلبه من المزارع المعروفة في الأقاليم، حيث تسقط قرون الغزلان الذكور عقب انتهاء فترة التزاوج. وعلى الرغم من توفره في بعض المزارع، إلا أن سعر الكيلو مرتفع ويزداد مع زيادة الوزن، مما يجعل سبحة قرن الغزال أغلى من غيرها.

    ويضيف عبد الهادي: “السبح لا تُصنع فقط من خامات البكلايت والمستكة والفاتوران، بل يمكن تصنيعها أيضا من حبات الينسون، النعناع، الزنجبيل، القرنفل. أي خامة صالحة نصنع منها سبحة حسب ذوق الزبون”. ويشير أيضا إلى أن بعض الخامات يضاف لها الفضة أو الأحجار الكريمة، ما يزيد من سعر السبحة حسب وزنها. ويؤكد: “تنوع الزبائن هو سبب تنوع خامات السبح واختلاف أسعارها على مدار السنوات الطويلة”.

    اقرأ أيضا:

    «فوانيس جريد النخيل».. تراث رمضاني لا يختفي في الأقصر

    تعتمد على الطبيعة.. «البيوت النوبية» عمارة تعزل الحرارة وتحافظ على البيئة

    الطيور المهاجرة تضع «أسوان» على خريطة السياحة البيئية

باب مصر