باب مصر

التصنيف: ثقافة وتراث

  • «ذات».. عندما تغني السمسمية لقضايا نسوية

    «ذات».. عندما تغني السمسمية لقضايا نسوية

    يبدأ العازف في ضبط لحن شهير على آلة السمسمية، بينما تستعد المشاركات لأداء الأغنية بعد تعديل كلماتها لتناسب قضية نسوية تطالب بحق الفتيات في التعليم والمساواة، في محاولة ذكية للاستفادة من الرمزية التاريخية للسمسمية، ومبادرة فنية لتحويل الأغنية التراثية إلى سلاح ناعم يعبر عن قضايا المرأة. استعادت مبادرة «ذات للتنمية المستدامة» التاريخ الأنثوي لآلة السمسمية، من خلال مبادرة لغناء القضايا النسوية، عبر إعادة إنتاج أغاني تراثية وتأليف أغنيتين جديدتين.

    تراث نسائي للسمسمية

    تقول رشا الشريف، منسقة المبادرة: “في مدن قناة السويس نعرف السمسمية كآلة للمقاومة، حكت قصص الحروب والاستنزاف والمقاومة الشعبية، وهنا نستخدم الفكرة نفسها لتدافع عن قضايا النساء”.

    تضيف، وهي تبتسم: “نستعيد أيضا التاريخ الأنثوي للآلة التي ظهرت على جدران المعابد المصرية القديمة تحملها النساء، لذا يمكن القول إن السمسمية، أو الطنبورة، أو الكنار (المسمى القديم لآله)، آلة نسائية في الأساس، وهذا ما يفسر عنوان المبادرة: “نسوية على السمسمية”.

    تستكمل خطوة مبادرة “نسوية على السمسمية” محاولات نسائية لتأكيد حضورهن في تاريخ الآلة، من خلال عازفات وصانعات في مدينة بورسعيد، مثل فاطمة المرسي، وأسماء حمودة، وفرقة إيمان حدو، ومبادرة “النداهة” لتعليم حرفة التصنيع والعزف. وتقول الشريف: “نسعى للوصول إلى مبادرات نسائية للعزف على الآلة، وعقد شراكات لإنتاج أغنيات المبادرة من جديد وتقديمها في حفلات”.

    اقرأ أيضا: «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

    فكرة المبادرة

    تشرح رشا الشريف، منسقة المبادرة: “فكرة المبادرة من البداية لم تستهدف تعليم المشاركات العزف على الآلة أو الغناء، وإنما الحكي الشخصي، وكانت الأغنيات واحدة من المخرجات، لذا اعتمدنا على عازف السمسمية رضا قنديل، لعدم وجود عازفات للآلة في الإسماعيلية نعرفهم للتعاون معهن”.

    وتضيف: “بدأت المبادرة بجلسات حكي وكتابة إبداعية، كنوع من العلاج بالفن، وتحويل النصوص إلى جمل غنائية تحكي عن قضايا النساء. وكان الهدف توصيل رسائل دعم وتعزيز للمرأة، لذا جاءت النتيجة بشكل أدائي، وليس غنائيا بالمعنى التقليدي “الضمة التراثية” للآلة، التي كان يجتمع حولها الرجال ليلا ليغنوا حكايات ما حدث خلال اليوم”.

    اقرأ أيضا:«مصر الغامضة» في كاروسيل اللوفر.. 22 صورة من قلب الحياة اليومية

     الأغنية النسوية تستدعي التراث

    لجأت المبادرة إلى توظيف الآلات الشعبية لتعزيز حضور النساء وقضاياهن من خلال الأغنية النسوية، مستفيدة من ارتباط  آلة السمسمية في الذاكرة الجمعية بصوت المقاومة الشعبية ضد الاحتلال.

    خرجت المبادرة بست أغنيات، منها أربع بإعادة صياغة وتعديل كلمات أغاني تراثية، أشهرها “غني يا سمسمية لرصاص البندقية”، التي عُدلت إلى “غني يا سمسمية لحقوق البنية”، و”بتغني لمين يا حمام” للاحتفاء بالأم كسند للبيت، إلى جانب أغنيتين جديدتين في الكلمات واللحن، هما “بحلم يا بحر” و”البيوت“.

    وكُتبت أغنية “بحلم يا بحر” كنتاج لجلسات حكي تفاعلية، لنساء وفتيات، ضمن حملة “كسر الداير” التي نظمتها مؤسسة ذات لمناهضة العنف ضد المرأة خلال عام 2024، وتقول كلمات الأغنية:

    بحلم يا بحر في يوم أبقي مطمنة

    ما أسمعش كلام يضايق وما أخفش من الأذى

    ولا يتحكم علي من نوعي ومظهري

    وأمشي بحرية في بلدي زي الطير في السما

    نيفين عبد العزيز، مدربة الكتابة العلاجية.. الصورة بإذن من مؤسسة ذات
    نيفين عبد العزيز، مدربة الكتابة العلاجية.. الصورة بإذن من مؤسسة ذات
     الحكي كعلاج بالفن

    تقول نيفين عبد العزيز، مدربة الكتابة الإبداعية بالمؤسسة: “في مشروع “نسوية على السمسمية”، كان دوري قائما على تحويل المساحة الآمنة للحكي إلى مساحة خلق وإنتاج فني حي. عملت مع المشاركات على استخراج أصواتهن الحقيقية، ليس فقط كحكايات شخصية، بل كخطاب نسوي واع يعبّر عن تجاربهن مع الجسد والهوية والقيود”.

    وتضيف: “كانت جلسات الحكي في البداية لحظات صدق تكشف المسكوت عنه، وتظهر فيها  تفاصيل يومية مؤلمة، وكان دوري أن أساعد المشاركات على رؤية القيمة الفنية والمجتمعية والسياسية في حكاياتهن، حتى وإن بدت بسيطة فهي عميقة”.

    وتتابع: “ثم نعيد تفكيك هذه الحكايات وإعادة صياغتها باستخدام أدوات الكتابة الإبداعية، مثل الصورة والإيقاع والتكرار واللغة القريبة من الروح. وكانت الخطوة الأهم تحويل النصوص إلى جمل غنائية تناسب روح السمسمية، مع تبسيط التعبير دون فقدان عمق القضية، وخلق لازمة (كورّس) سهلة الترديد تعكس الفكرة الأساسية، بحيث تكون الأغنية قابلة للانتشار والترديد الجماعي”.

    وتقول نيفين: “السمسمية هنا مش مجرد آلة موسيقية، لكنها وسيط ثقافي يحمل تاريخا من الحكي والمقاومة. وكان التحدي هو إدماج قضايا المرأة  مثل الجسد، والختان، والحرية، والاختيار داخل قالب غنائي شعبي، يصل إلى الناس ببساطة وصدق”.

    وتختتم حديثها: “النتيجة كانت أغاني خرجت من تجربة حقيقية وليست مفروضة، تتحدث بصوت النساء وحكاياتهن بشكل مباشر، وقادرة على الوصول والتأثير، وبالنسبة لي، كنت مستمتعة بالتجربة، وسعيدة بفرحة المشاركات وفخرهن بمحصلة إبداعهن، والتعبير عن ذواتهن في مساحة آمنة”.

    اقرأ أيضا: الفنان نتاج بيئته.. كيف أرّخ «العزبي» و«الخولي» ذاكرة «المدن الباسلة»؟

  • «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

    «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام

    واصلت «طبلية مصر» بالتعاون مع مجموعة «صادكو» فعاليات اليوم الثاني من مبادرة «إحياء الماضي وتوثيق الحاضر من أجل المستقبل»، المنعقدة في الفترة خلال الفترة من 15 يناير حتى 5 فبراير، حيث شهد اليوم تنظيم مؤتمرًا بعنوان «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».

    الجلسة الأولى.. أكلات وذكريات

    قُسم المؤتمر إلى جلستين، حملت الأولى عنوان “أكلات وذكريات”، وتحدثت خلالها الدكتورة شهيرة محرز، أستاذة العمارة الإسلامية بجامعة حلوان. والدكتورة نهلة إمام، مستشارة وزير الثقافة والمسؤولة عن ملف “اليونسكو” للتراث غير المادي في مصر، والدكتورة أميرة صديق، مدير المشروعات التراثية بمركز التوثيق للتراث الحضاري والطبيعي بقطاع التواصل الثقافي في مكتبة الإسكندرية.

    شهيرة محرز.. المتحدثة الأولى

    استهلت الدكتورة شهيرة محرز حديثها قائلة: “يسعدني اليوم أن أشارك في فعاليات طبلية مصر. وأود في البداية أن أتقدم بالشكر للدكتور الطيب عباس والدكتورة نشوى على الاستمرار في هذه المبادرة الهامة، والعروض الجميلة التي قدمت لنا منذ الخميس الماضي”.

    وأضافت أن موضوع الجلسة يدور حول رحلة المصريين مع فنون الطهي والعرض والتقديم. مشيرة إلى أن الطهي فن كبقية الفنون، وله شقان، أحدهما خاص بالصفوة. والآخر بالفئات الأقل ثراءً، إلا أن كليهما في مصر يتمتع بسمات جمالية مميزة.

    وأوضحت أن الاهتمام بتقديم الطعام كان واضحا حتى في الطبقات الأقل شهرة. حيث كان طهي الخضراوات يتم في أوان مائلة تسمى “الدقية”، تقطع فيها الخضراوات بطرق خاصة. ثم ترتب داخل الأواني، وبعد اكتمال الطهي تقلب القوالب لتظهر الخضراوات مرصوصة في شكل هرمي.

    وصفات اندثرت وأخرى أوشكت

    عرضت الدكتورة شهيرة محرز عددا من الوصفات التي اندثرت تمامًا أو لا يعرفها سوى الأقلية، وأشكال تقديمها. وكان من بينها وصفة “السبانخ الروس”، وفيها تطبخ رأس السبانخ فقط، وترص بطريقة معينة في الأواني وبعد طهيها تزين بزخارف معينة حسب كل بيت. لكن أكثر ما كان معروفًا السبانخ المزينة بحبات الحمص.

    وأشارت إلى أن طبقة الصفوة، نظرًا لكبر البيوت وتوافر إمكانيات، كانت تضم طباخا رئيسيا ومعاونيه الذين يطلق عليهم “المرمطون”. وكانوا يتفننون في عرض جمالي لكل ما يقدم على السفرة، خاصة في المناسبات المهمة. مؤكدة أن هذا الفن موجود اليوم في آسيا، لكنه اختفى تقريبا من مصر.

    وتناولت وصفة “القلقاس المحمر باللحم المفروم والصلصة”، التي أصبحت من الوصفات القليلة الطبخ. بعد أن اتجه معظم الناس إلى إعداد القلقاس بالصلصة فقط. كما تحدثت عن طبق “دقية الفول الأخضر”، وهو من الوصفات قليلة الاستخدام، إذ أصبح يتم أكله مدمسا أو نيئا. لكن قديمًا اعتمد طهوه على الشبت والجزر، الذين يعطون ألوان الريف المصري.

    الكوسة البيضاء

    كما عرضت وصفة “الكوسة البيضاء”، التي كانت تقطع بطريقة معينة وتطبخ بالبهاريز دون الطماطم. وكانت تزخرف بما يسمى بـ”الطراطوس”، وهو مسحوق مثل الطحينة، لكن مصنوع من الصنوبر. ونظرًا لسعره الغالي لم يكن يستخدم سوى في العزائم الكبيرة. وكان المسحوق يغطى بالخضار أو السمك أو اللحم. ثم يزين بقشور الطماطم والبقدونس، حتى أن زخارفه تشابهت مع أواني فخار القرن السادس عشر الموجودة في المتاحف. وهو ما يؤكد لنا مدى الارتباط بتاريخنا.

    أما الطبق الأخير فكان عكس ما سبق، ليس صعبًا، بل يسهل الطبخ، وهو “المحشي الكرنب”. إذ كان يتم سلق الكرنب سلق خفيف. ثم تحشى من خلال وضع الأرز والبهارات والتوابل بين كل طبقة وبعدها تلف كاملة وتوضع في دقية لطهوها، دون تقطيع أو لف. وبعد الطهو تخرج على شكل قبة، وتقطع خرائط كالتورتة. فكان ذلك يسهل طبخ المحشي.

    أطباق وأواني التقديم

    في الجزء الثاني من مداخلتها، استعرضت الدكتورة شهيرة محرز أنواع الأطباق التي كان يقدم عليها الطعام. موضحة أن الاهتمام بأواني التقديم لم يكن حكرًا على طبقات بعينها، بل كان أمرًا مهمًا في جميع الطبقات. حيث نفس الأطباق التي كانت تصنع من الفضة للصفوة، مثلها تمامًا يصنع من النحاس أو المعدن الأبيض أو الخزف للعامة. نفس الاهتمام بالسفرة والأواني كان موجودًا في كل الفئات، وكذلك صواني تقديم المشروبات.

    كما وجدت في كل مكان حتى المقاهي، ونفس الاهتمام لكؤوس الماء، للصفوة من الفضة، العامة من الزجاج البسيط، الطبقة المتوسطة من الزجاج الملون. أما المشروبات الساخنة فكان لها تلبيسة وتصنع من النحاس والمعدن الأبيض والفضة وفقًا لكل طبقة.

    شعب ذواق

    أضافت محرز: “كذلك الأدوات كانت مزخرفة ولها قيمة جمالية، وأبرز دليل على ذلك مناقيش الكعك. وهو ما يدل على أن الشعب المصري كان ذواقًا. من المهم أيضًا أن الجمال لم يكن حكرًا على فئة مما ميز المجتمع المصري، بل كان في كل مكان حتى الشوارع. وأكبر دليل ما تبقى من محلات تقليدية في شوارعنا وبالذات واجهات الأفران والفكهانية وعربات الخضار التي تدل على رقي الشعب المصري. موصية بالشراء من هؤلاء الباعة بدلًا من السوبر ماركت حتى لا يندثر فن الشوارع”.

    واختتمت حديثها بتوجيه الشكر إلى المتحف القومي للحضارة المصرية على مبادرته الفريدة من نوعها، التي لم تحدث من قبل، وهي تكريم مأكولات الشارع المصري. والعروض المقدمة من قبلهم وتنظيم هذه الفعالية.

    الاستدامة والإبداع

    في المدخلة الثانية، تولت الدكتورة نهلة إمام الحديث. حيث وجهت الشكر إلى طبلية مصر على امتدادها وتوسعها ونزولها الشارع ووصولها أماكن كثيرة، بداية من اهتمامها بالطعام. وصولًا إلى النقطة الأهم وهي الاستدامة، والقدرة على الإبداع بأفكار جديدة.

    وأوضحت أنه في كل مرة يجتمع  المشاركون حول محور جديد متعلق بالطعام، وهذا يجعلنا نتساءل: لماذا الأكل؟ مؤكدة أن الطعام يعد الثقافة الأهم لأي بلد. مشيرة إلى أن الرحالة الأوائل أكدوا أن التعرف على أي بلد لا يكتمل دون تذوق طعامه. لأنه يعبر عن ثقافات وليس مجرد مذاق، فهناك ثقافات حارة مثل الهند، المميزة باستخدام التوابل.

    وأشارت إمام إلى أن أكثر ما يخيفها من التراث هو أن يلقي بنا إلى التعصب، لأن الاهتمام الشديد قد يجعلنا نتجه نحو التطرف، لذا، على سبيل المثال التوابل تخبرنا عن الثقافات ممكن واحدة تستخدمها بكثرة وأخرى لا. أو ثقافة تستخدم توابل معينة في وصفات معينة فقط. ما يجعلها مختلفة عن الثقافات الأخرى، لكن ما حدث أن هناك سيولة ثقافية في العالم، التي جعلت من العالم كله شبيهًا لبعضه في المأكل والمشرب والملبس. لذلك أصبح الحفاظ على طابع معين من الطعام هو في حد ذاته كفاح. الطعام ملمح من ملامح الثقافة وجزء من هويتي.

    ثقافة الطعام

    لفتت الدكتورة نهلة إلى أن الطعام كان محطة مهمة في التعرف على الثقافات، إذ كتب عنه المؤرخون باستفاضة. وتحدثت عن “الصونات”، وهي فكرة مصرية قديمة تشبه بموائد الرحمن. لكنها كانت مسؤولية الدولة، ويجلس على رأسها الخليفة، والقضاة والشيوخ وعامة الشعب. وهو ما أشار إلى ذلك المقريزي في كتاباته. كما كان يتم المرور على المنازل لتوزيع “النقل” من المكسرات والياميش.

    وأوضحت أنه مع مرور الوقت اختفت هذه الفكرة وتحولت إلى موائد الرحمن، التي بدأت بدورها تقل عن السابق ويحل محلها “كرتونة رمضان”. مؤكدة أن هذه الظاهرة تعد ملمحا ثقافيا مميزا يستحق تسليط الضوء عليه وإحياءه من جديد. مشيرة إلى أن الشعب المصري هو من أكثر الشعوب التي تتقرب إلى الله بالطعام والنذر به.

    تسجيل العيش الشمسي

    في ختام مداخلتها، تحدثت الدكتورة نهلة إمام عن تسجيل “الكشري” في اليونسكو. وقالت: “فكرة الكشري انطلقت من “طبلية مصر”، التي طالبت بذلك خلال دورتها الأولى”. وأضافت إلى أن رحلة العمل على ملف الكشري، التي استمرت عامين ونصف العام. كشفت لها الكثير عن المجتمع المصري مما لم تكن تعرفه من قبل.

    وأكدت عزمها السعي لتسجيل “العيش الشمسي” نظرا لتميزه، خاصة مع تنوع أنواع الخبز، ووجود دول عدة قامت بتسجيل وصفاتها مثل ألمانيا وفرنسا. وأشارت إلى أن العمل جار حاليا على ملفات أخرى مثل “السبوع” ومدرسة التلاوة المصرية. كما نصحت “طبلية مصر” بالالتفات إلى المشروبات  التقليدية، والطقوس المرتبطة بالخروب والكركديه.

    كل ما هو طيب

    من جانبها، تحدثت الدكتورة أميرة صديق عن أصل الطعام المصري، وواصلت حديثها عن أصل الحكاية للطعام المصري، الذي كان فيه علامة مميزة ويطلق عليه كل ما هو طيب. والتي تعني أن كل ما هو حلو يؤكل على طبلية مصر. وكانت العلامة التجارية لهم، حتى مع زيارة الشعوب الأخرى كانوا ينتظروا منهم الأسلحة واللبس وقبلهم الأكل من العيش واللحم المقدد والأسماك وغيرهم.

    وتابعت: “الدليل من قصة سنوحي حين هرب نتيجة مؤامرة معينة في الدولة الوسطى. الحاجة الوحيدة التي قالها أنا أفتقد الطعام ذو الجودة وأفتقد الأكل الجيد والمعاملة الطيبة. وهو ما يدل على امتلاك مصر جودة للحياة. طبعا الأرض المصرية نظرًا لكونها مميزة بغلال معينة هي ما كانت تعطينا أنواع خبز مختلفة بلغت 180 نوع. كل واحد منهم كان يقدم وفقًا للمناسبات أو الحالة النفسية، أو نوع الولائم. بالتالي المطبخ المصري كان قائمًا على الاقتصاد وجزء أساسي منه”.

    واختتمت صديق مداخلتها بعرض فيلم تسجيلي قصير عن الطعام المصري يحمل اسم “كل ما هو طيب”، عرض ما انفرد به المطبخ المصري مثل “العيش” الذي ظهر بعد أن اكتشف المصريون القدماء الخميرة. وكيف ربطنا اسم العيش بالحياة والمعيشة، وغيره من أكلات مصرية أصيلة.

    حكايات وراء الشيفات

    أما الجلسة الثانية، التي حملت عنوان “حكايات وراء الشيفات”. فشارك فيها الشيف مروة الشافعي، والفود بلوجر ميدو برسوم، وعمر فتحي، والإعلامية رجاء إبراهيم، التي افتتحت الجلسة بالحديث عن تجربتها مع “الطبلية” كمبادرة وعادة مجتمعية. معربة عن سعادتها بالمشاركة في نقاشات الموسم الرابع.

    وتناولت إبراهيم أهمية موضوع العام الحالي، الذي أصبح من الأهمية بمكان أن يطرح في المتحف القومي للحضارة المصرية. قبل أن يتناول المتحدثون حكاياتهم مع المطبخ، وأسرار المهنة، وعاداتهم مع الأكل.

    اقرأ أيضا:

    «أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»

    من فم إلى أذن.. كيف حفظت الكنيسة الألحان واللغة القبطية؟

    الباحث «يوسف طيبة»: الترجمة المباشرة أهم عامل في فهم اللغة المصرية القديمة

  • «أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»

    «أصل الطبخة حكاية إرث».. ورشة اليوم الأول من مبادرة «طبلية مصر»

    انطلقت فعاليات اليوم الأول من الموسم الرابع لمبادرة طبلية مصر تحت شعار «إحياء الماضي وتوثيق الحاضر»، والمقرر انعقاده في الفترة من 15 يناير حتى 5 فبراير 2026، بالتعاون مع مجموعة صادكو. وضمت الفعالية ورشة عمل عن الملكية الفكرية بعنوان «أصل الطبخة حكاية إرث وحماية سر»، أقيمت في فندق المضيفة بالتحرير.

    الجلسة الأولى

    دارت الورشة حول الملكية الفكرية وتوثيق المطبخ، واشتملت على جلستين. في الأولى تحدثت الدكتورة أميرة صديق، مدير المشروعات التراثية بمكتبة الإسكندرية، عن بداية توثيق المطبخ المصري وطرق التوثيق وكيفية تسجيل العلامة التجارية. موضحة أن التوثيق يخص أي عنصر قديم شرط أن يتم تطويره وتغيير شكله أو مضمونه ليصبح مؤهلا للتوثيق تحت العلامة التجارية.

    كل ما هو طيب

    ناقشت الجلسة كيف امتلكت مصر القديمة أول “براند” باسم “كل ما هو طيب”. وهو خاص بكل ما ينتج ويخرج من مصر، ويضم الختم والشعار وتاريخ الإنتاج وكل ما يخص المنتج. ويمكن التأكد من ذلك من خلال متحف أمحتب في سقارة، الذي يضم أقدم جبنة متحجرة تشبه الجبنة القريش مكتوب عليها كل ما يخصها.

    كما تناولت د. أميرة الخصائص التي ميزت المطبخ المصري القديم. موضحة أن الحضارة المصرية اعتمدت على 3 خصال رئيسية، من بينها الغذاء وتبادل الطعام بعناصر أخرى. مستشهدة بمثال المصري القديم حين وصل إلى بلاد بون وكان ينتظر السلاح والطعام للتفاوض.

    وتابعت الحديث عن أصل المطبخ في مصر القديمة، موضحة أن الحضارة المصرية اعتمدت على الأكلات المسلوقة أو المشوية، وليست المقلية. وبينت مكونات الطبخ المصري الأصيل. وأن المصري القديم جعل طعامه مناسبا للحالة الصحية والنفسية اليومية.

    فعاليات اليوم الأول من مبادرة طبلية مصر.. تصوير: هبة معوض
    فعاليات اليوم الأول من مبادرة طبلية مصر.. تصوير: هبة معوض
    أصل المكونات في المطبخ المصري

    تمثلت المكونات في البقوليات كالقمح، والشعير، والفول، والحمص، والتي أشار إليها كأطعمة مصرية أصيلة. وكان يطلق على الحمص اسم حور بيك، أي “رأس الصقر”، لشبه الحبة بمنقار الصقر. كما شملت الزراعات الأساسية البصل الأخضر، والخس، والملانة، وهي من أصل مصري.

    وفيما يخص الفواكه، فلم تكن مصر تعرفها إلا مع محمد علي، حيث لم تكن الفواكه في مصر القديمة تتمثل إلا في القليل مثل التين والجميز والبلح والرمان. وكانت القرود هي المسؤولة عن جمع الجميز. أما الرمان فيتم طحن قشره وإضافته للعيش المنكه.

    اللحوم والطيور والأسماك

    ذكرت د. أميرة أن المصري القديم اخترع اللحوم المقددة، وكان الأساس لدينا في البقر، والجاموس، والماعز، مع اختلاف طرق الذبح والتقطيع وأسماء اللحوم بعد التقطيع. مثل الموزة، والريش، وش الفخدة، وتريبيانكو، وكل تقطيعة تخص طبخة معينة.

    أما الطيور، فلم يكن لدينا دجاج أو حمام، بل كان الأساس السمان، والبط، والإوز بأنواعه الستة. وكان كبد الوز أحد الأطباق الرئيسية. وعن الأسماك، فقد تميز المصري القديم بتنوعها، نيلية وبحرية. ومع ابتكار طرق جديدة للطهي، لكن الشواء بالردة، أو السنجاري، أو البطارخ أو التمليح مثل الفسيخ، كان الأساس.

    مبادرة طبلية مصر.. تصوير: هبة معوض
    مبادرة طبلية مصر.. تصوير: هبة معوض
    الورق والمكونات النباتية

    واصلت د. أميرة صديق حديثها عن المطبخ المصري، مشيرة إلى تناول المصري القديم جذور البردي، واللوتس، والورد. وأن هذه الثقافة اندثرت جزئيا نتيجة دخول ثقافات أخرى. وأشارت إلى الجميز، الذي كانت محافظة رشيد مشهورة به. ولكنه انقرض تقريبا ولم يتبق منه سوى شجرة واحدة على جبل أبو مندور وسط المقابر، بسبب تغير العادات.

    شروط تسجيل العلامة التجارية

    تطرقت د. أميرة إلى شروط تسجيل الطبخ أو المطعم كعلامة تجارية، موضحة أنه يمكن تسجيل أكلات ووصفات معينة كبراند. رغم وقوعها تحت الملكية العامة، من خلال تطوير الوصفة الأصلية بإضافة عناصر جديدة، ومراعاة الحيادية الجغرافية. مع إمكانية أن يحمل اسم الطبق اسم المكان، مع ملاحظة أن التسجيل يشمل الأطباق تحت العلامة التجارية.

    السياحة الغذائية

    كما تحدثت د. أميرة عن نماذج لدول ومتاحف أخذت تراث طهي من أصل مصري وطورت فيه حتى أصبح يقع تحت ملكيتها. مثل المتحف البريطاني الذي صمم براند يحمل اسم با آند حنتوت. حيث “با” تعني المصري القديم و”حنتوت” تعني الخميرة، ويقوم على الخميرة المستخدمة في خبز العيش المصري القديم، مع إضافة ابتكارات جديدة. وذكرت جبل أرارات في أرمينيا وكيف يصدر البراندي للعالم. حيث كل نوع يحمل توقيعا مميزا ويسوق عبر السياحة الغذائية.

    جانب من الفعاليات.. تصوير: هبة معوض
    جانب من الفعاليات.. تصوير: هبة معوض
    الجلسة الثانية: توثيق الطعام الغذائي

    استكملت د. فاطمة القصاص، باحثة بالملكية الفكرية والتراث، الحديث حول توثيق الطعام الغذائي. موضحة كيف تحمي الملكية الفكرية الأكلات التقليدية وسر الطبخة، ودورها في تعزيز السياحة. وأكدت أن المطبخ المصري غني وليس كما يشاع أنه فقير، مشيرة إلى أن المصري القديم وظف الحبوب المختلفة كالقمح والشعير وحب العزيز. ليكون أول مطبخ صحي ومستدام. لذا أغلب المطابخ أخذت منه، سواء بنفس الشكل أو بالتطوير.

    الملكية الفكرية وبراءة الاختراع

    واصلت د. فاطمة القصاص حديثها موضحة كيف توثق الملكية الفكرية الأكل وتختلف عن براءة الاختراع. وأشارت إلى أن الأخيرة تختص بالأدوية والتكنولوجيا، بينما الملكية الفكرية تتفرع إلى عدة مجالات، مثل النماذج الصناعية التي تحدد شكل المنتج أو الطبق، أي يميز المنتج كتصميم.

    وأوضحت أن العلامات التجارية هي إشارة أو علامة أو اسم تجاري، أما براءة الاختراع فتخص الأمور التي تحتوي على تقنية معينة داخل المنتج أو الأكلة، أو تكنولوجيا تعالج أمراضا معينة.

    المؤشر الجغرافي

    تابعت د. فاطمة الحديث عن دور المؤشر الجغرافي في توثيق وحماية الأكلات أو الأطباق التقليدية التراثية، المرتبطة بطريقة عمل معينة أو بسمات يميزها المكان أو المنتج. وأعطت أمثلة عالمية مثل الجبنة الريكفورد، المأخوذة من ألبان أغنام في فرنسا ومصنوعة بطريقة معينة، وأمثلة مصرية مثل الجبنة الملوي والقريش، والأصناف النباتية مثل المانجو الإسماعيلاوي، أو المرعى التي ترجع لري النيل.

    وذكرت أن قانون الملكية الفكرية لعام 2002 من القوانين المتقدمة التي تعمل بشكل احترافي، لكن هناك جزء يحتاج تطويرا، وهو قانون المؤشر الجغرافي الذي لا توجد له لائحة تنفيذية حتى الآن. وأشارت إلى صدور قرار وزاري قبل حوالي 4 سنوات يقضي بتسجيل 3 منتجات في مطروح، تمثل شكل العلامة الجماعية المرتبطة بالعلامة التجارية، بينما جاري العمل على باقي المنتجات. كما تحدثت عن طرق حماية التراث وأنواعه.

    فيلم تسجيلي

    اختتمت الورشة بعرض فيلم تسجيلي قصير عن الطعام المصري بعنوان “كل ما هو طيب”، استعرض ما يميز المطبخ المصري مثل العيش، الذي ظهر بعد أن اكتشف المصريون القدماء الخميرة، وكيف ارتبط اسم العيش بالحياة والمعيشة، وغيره من أكلات مصرية أصيلة.

    اقرأ أيضا:

    من فم إلى أذن.. كيف حفظت الكنيسة الألحان واللغة القبطية؟

    الباحث «يوسف طيبة»: الترجمة المباشرة أهم عامل في فهم اللغة المصرية القديمة

    احتفالا بأعياد الميلاد.. المتحف القومي للحضارة يفتح أبوابه لمعرض «روح ومحبة»

  • «السمسمية».. موسيقى الناس وسر البهجة التي عبرت من القناة إلى اليونسكو

    «السمسمية».. موسيقى الناس وسر البهجة التي عبرت من القناة إلى اليونسكو

    بدأت مبادرات ثقافية لتعليم العزف على آلة السمسمية في مدن بورسعيد والإسماعيلية والسويس للأطفال، دعما لتسجيل الآلة في قوائم التراث غير المادي بمنظمة اليونسكو. وقد استعادت بعض المبادرات نشاطها عقب ملتقى السمسمية الذي أقيم مؤخرا بمدينة الإسماعيلية. وقدمت فيه فرق تابعة لوزارة الثقافة وأخرى مستقلة عروضها. فيما تحمس صانع السمسمية “محمد ميدا” لصنع عدد إضافي من الآلات تمهيدا لتسويقها.

    وتقول الدكتورة نهلة إمام، مستشار وزارة الثقافة للتراث غير المادي، لـ«باب مصر- بحري»: «القيمة الجوهرية للتسجيل على قائمة اليونسكو هي رفع الوعي. وأن يشعر المواطن المصري بهويته، حتى تظل السمسمية المصرية لها بصمة خاصة».

    تسجيل تراث مشترك

    أعلنت منظمة اليونسكو تسجيل آلة السمسمية ضمن القائمة التمثيلية للتراث غير المادي لكل من مصر والسعودية. وبحسب وصف الموقع الرسمي للمنظمة، فإن السمسمية آلة موسيقية شعبية تشبه القيثارة. تصنعها وتعزف عليها المجتمعات المحلية في المناطق الممتدة على طول قناة السويس والبحر الأحمر.

    ويعلق الجزء الرئيسي من الآلة على ثلاث قوائم خشبية تشكِّل مثلثا. وعادة يصنع العازفون آلاتهم بأنفسهم مستخدمين مواد طبيعية أو مواد معاد استخدامها مثل الخشب أو المعدن.

    ويعزف على آلة السمسمية موسيقيون وبحارة في المملكة العربية السعودية، وصيادون وسماسرة سفن “بمبوطية” في مصر. ويسهم العزف على السمسمية في تحقيق التماسك الاجتماعي. وتعزف في الحفلات والأعياد والأعراس والمنافسات الرياضية والمهرجانات الثقافية.

    فرقة صحبة تؤدي عرضا بمدينة أسوان.. تصوير: محمد عوض
    فرقة صحبة تؤدي عرضا بمدينة أسوان.. تصوير: محمد عوض
    إجراءات الصون التي قدمتها مصر

    تضيف الدكتورة نهلة إمام أن إجراءات الصون التي قدمتها مصر للسمسمية تشمل تنظيم مهرجانات، وإنشاء فرق للأطفال مثل “براعم السمسمية” في بورسعيد. وتنظيم مسابقات في العزف على الآلة، والحفاظ على حرفة صناعة السمسمية، وربطها بأهداف التنمية المستدامة. إذ تعد الآلة صديقة للبيئة تُصنع من مواد طبيعية، وتوفر دخلاً، وتساهم في تعزيز الصحة النفسية من خلال العلاج بالموسيقى.

    وابتسمت قائلة: “السمسمية لها بهجة مع الناس، خصوصا في مدن القناة. مين لا يُطرب للسمسمية، وأول ما يسمع العزف ما يقومش يرقص؟”.

    وتعد الدكتورة نهلة إمام خبيرة التراث الثقافي غير المادي باللجنة القومية لليونسكو، ونائب رئيس الوفد المصري في هيئة التراث الثقافي غير المادي التابعة لليونسكو، وأستاذ العادات والمعتقدات والمعارف الشعبية بالمعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون. وأيضا عضو لجنة التقييم الدولية بمنظمة اليونسكو عن مجموعة الدول العربية.

    تعليم الأطفال والسيدات العزف على السمسمية

    في مدينة بورسعيد، قال محمد مسعد، مؤسس مشارك في مبادرة “النداهة” لتعليم الأطفال والسيدات العزف علي السمسمية: “جاء المشروع بعد بحث وفترة تسجيل لتراث الأغاني القديمة للسمسمية. وكانت فكرة وجود صانع وحيد للآلة في المدينة مقلقة. لذا أطلقت المشروع لتعليم الأطفال والشباب صنع الآلة ثم العزف عليها”.

    وأضاف مسعد: “حظي المشروع بدعم من برنامج خارج حدود العاصمة بمعهد جوتة. ومن الاكتشافات اللافتة أن أكثر من نصف الحضور من الفتيات، وتخرجت أربع صانعات للسمسمية أنجزن آلاتهن الخاصة”. وفي الإسماعيلية، أطلق الشقيقان محمد وأحمد يحيى مولر فرقة خاصة بهما لاستكمال مسيرة والدهما الراحل يحيي مولر، مؤسس فرقة الإسماعيلية للآلات الشعبية.

    تحدي الاختيار الاستراتيجي

    تقول د. نهلة إمام: “كانت عملية اختيار العنصر التراثي المراد تسجيله على قوائم اليونسكو عملية صعبة نظراً للزحام بالعناصر التي نحتاج  إلى تسجيلها”. مشيرة إلى التنافس بين عناصر شعبية شهيرة مثل طقوس السبوع، والفول، والكشري، والربابة، والسمسمية.

    وأضافت: “يخضع الاختيار لتقييم لجان متخصصة؛ مثل لجنة التراث بالمجلس الأعلى للثقافة، التي تدرس مدى جاهزية الدولة لدعم العنصر المختار. بالإضافة إلى شرط اليونسكو الأساسي بضرورة أن يكون العنصر مسجلاً على المستوى الوطني أولاً”.

    رضا قنديل عازف سمسمية بمدينة الإسماعيلية.. تصوير: محمد عوض
    رضا قنديل عازف سمسمية بمدينة الإسماعيلية.. تصوير: محمد عوض
    السمسمية: اختيار ذكي بامتياز

    عند مناقشة ملف الآلات الموسيقية الشعبية، أشارت “إمام” إلى حماس الدكتور محمد شبانة، أستاذ الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون، تجاه آلة السمسمية، قائلا: “السمسمية آلة تمتلك كل المقومات التي تؤهلها للتسجيل. فهي عريقة ذات جذور تمتد إلى مصر القديمة، ومنتشرة في منطقة قناة السويس والنوبة وحوض البحر الأحمر. ولها حضور ثقافي قوي بين الناس. وما زال العزف عليها مستمرا في أفراح مدن القناة”.

    كانت السمسمية سلاحا

    أبرزت الدكتورة نهلة إمام نقطة قوة استثنائية في الملف المصري، وهي مرافقة الآلة للمقاومة الشعبية في مدن القناة أثناء فترة الحروب من عام 1956 حتى 1973. واستشهدت بقصة الكابتن غزالي في السويس قائلة: “الكابتن غزالي كان يأخذ السمسمية ويطلع قدام الجنود ويغني. فكان الكل ينضم إليه وكان يدب الحماس فيهم”.

    إعداد ملف التسجيل والنجاح الدولي

    يشترط تقديم ملف التسجيل إلى اليونسكو وثائق وموافقات وصورا فوتوغرافية. بالإضافة إلى فيلم فيديو. وقد تولى إنتاج الفيلم المركز القومي للسينما واستغرق إعداده عامين، بحسب ما أوضحته نهلة إمام.

    وأشارت إلى التحديات التي واجهت الفريق، مثل إصرار مخرج الفيلم هيثم شريف على التصوير في قناة السويس في توقيت معين، ما تطلب استخراج تصاريح عديدة. كما أكدت أنهم ركزوا في الفيلم على إظهار الجانب المُبهج والأفراح بدلاً من التركيز الشديد على الحرب. تجنباً لأي تصورات بأن المنطقة تحت النزاع.

    وقالت: “نال الفيلم إعجاب وتصفيق جميع الدول المشاركة في الاجتماع، وأهدى الفريق هذا الجهد إلى حملة التراث وعازفي السمسمية، والناس اللي هي مُصرة أنها تحافظ على تراثها”.

    محمد ميدا، صانع سمسمية بمنزله بالإسماعيلية.. تصوير: محمد عوض
    محمد ميدا، صانع سمسمية بمنزله بالإسماعيلية.. تصوير: محمد عوض
    استراتيجية التسجيل المشترك

    أوضحت ممثلة مصر في لجنة اليونسكو أن اللوائح تمنح كل دولة الحق في تسجيل عنصر واحد كل عامين لتجنب تكدس الملفات، لذلك اعتمدت مصر على التسجيل المشترك مع السعودية، حيث تتواجد الآلة في حوض البحر الأحمر، وهو ما أظهر تنوعا وثراءً للآلة”.

    وقالت إنه بعد التسجيل تلقت مصر طلبات رسمية من الأردن للانضمام لملف التسجيل، وكذلك طلبات غير رسمية – حتى الآن – من اليمن والسودان لتسجيل تراث الآلة لديهما، مما يؤكد أن تراث السمسمية مشترك بين الدول، لكن كل دولة تبرز تنوعها وخصوصيتها الثقافية”.

    ملفات مصر المستقبلية

    أشارت الدكتور نهلة إمام إلى أن قوائم اليونسكو تقسم إلى ثلاث فئات بحسب درجة الضغط على العنصر المسجل، وهي:

    •  قائمة الصون العاجل: وتتضمن العناصر المهددة بالاندثار، وتمتلك مصر منها عنصرين “الأراجوز” و”النسيج اليدوي”، اللذان يحتاجان إلى دعم فوري.
    •  القائمة التمثيلية: وهي التي سجلت عليها السمسمية، بالإضافة إلى ثمانية عناصر أخرى منها التحطيب، الخط العربي، والحناء، والسيرة الهلالية.
    •  قائمة الممارسات الجيدة: وتضم التجارب الناجحة في صون التراث الثقافي غير المادي.

    وكشفت إمام عن أن الملف القادم الذي سيطرح للتقييم هو ملف “الكشري”، الذي يخضع للمراجعة حالياً، وتُنتظر نتيجته في ديسمبر المقبل. وأضافت أن من العناصر المقترحة للتسجيل مستقبلاً: الفخار اليدوي، آلة العود، والسعفيات كجزء من ملف صناعات النخيل.

    اقرأ أيضا:

    «ملتقى السمسمية».. احتفاء بتوثيق عالمي ومطالب محلية لدعم العازفين

    في مديح المانجو.. بين تراث السمسمية وربابة متقال

    «سياحة المانجو» في الإسماعيلية.. فرجة الصيف وفرحته بنكهة تراثية

  • «تراثنا والأجيال».. مبادرة لإحياء التراث بروح عصرية وتعريف الأطفال بتاريخهم عبر الفن

    «تراثنا والأجيال».. مبادرة لإحياء التراث بروح عصرية وتعريف الأطفال بتاريخهم عبر الفن

    في محاولة لربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية، انطلقت من الإسكندرية مبادرة فنية باسم «تراثنا والأجيال» تُعيد إحياء التراث بروح عصرية. تستهدف المبادرة الأطفال والناشئين، لتجعلهم شركاء في صناعة أعمال فنية تعكس هوية وتاريخ بلادهم.

    مبادرة “تراثنا والأجيال”

    تحدث المخرج السكندري حازم العطار لـ«باب مصر» عن المبادرة التي أسسها بالتعاون مع مصممة الأزياء التراثية والتاريخية سماح خير الدين، قائلا: “نشأت المبادرة منذ عامين، مستهدفة الأطفال والناشئين حتى عمر 18 عاما. بهدف تعريف الشباب والأطفال بتاريخ وتراث بلادهم. وأن يكونوا جزءًا من الأعمال الفنية سواء أبطالا أو عارضين، لأنهم أساس الفكرة”.

    ويوضح أن اختيار اسم المبادرة “تراثنا والأجيال” جاء للربط بين محتوى المبادرة، التي تهدف إلى التعريف بالتراث، والأجيال الجديدة التي تستهدفها. ويقول: “قبل التفكير في تأسيس المبادرة عام 2023، كنت أعمل في تصوير وصناعة الأفلام. خاصة الوثائقية والتاريخية، منذ عام 2017، وشاركت في عدة معارض مصرية ودولية. في عام 2022، شاهدت صورا لأطفال بملابس رمضانية على البحر في مجموعة على “فيس بوك”، وعلمت أن سماح خير الدين هي مصممة هذه الأزياء. تواصلت معها وأنتجنا معا فيديو موسيقيا مصورا في شوارع الإسكندرية القديمة بمنطقة الورديان باسم (رمضان عيد)”.

    من فاعليات "تراثنا والأجيال
    من فاعليات “تراثنا والأجيال
     ما قبل تأسيس المبادرة

    ويتابع: “كانت ردود الأفعال جيدة وطالبنا الجمهور بتكرار التجربة، وبالفعل أنتجنا فيديو آخر بمناسبة عيد الأضحى المبارك. ثم قررنا التوسع وصنعنا فيلما باسم “الهروب إلى الماضي” يتناول مدينة الإسكندرية في فترات زمنية مختلفة وأهم الأحداث في كل فترة على شكل قصة شيقة. وتم عرضه في متحف الإسكندرية القومي ومتحف المجوهرات الملكية. ثم في مركز الثقافة السينمائية بالقاهرة ومركز الحرية للإبداع في الإسكندرية”.

    ويضيف العطار: “توالت الأعمال الفنية بصناعة فيلم (حكاية قصر) عن متحف الإسكندرية القومي. وعرض أزياء ملكي وفيلم قصير عن الأزياء الملكية بمناسبة مرور 100 عام على إنشاء قصر الأميرة فاطمة حيدر. بالإضافة إلى الفعاليات المختلفة التي شاركنا فيها والمرتبطة بالتراث؛ مثل اليوم العالمي للمتاحف، ويوم التراث العالمي. وأيضا استقبال الشخصيات المهمة والدبلوماسية خلال زيارتهم للمتاحف، مثل استقبال رئيس اليونان خلال زيارته للمتحف اليوناني الروماني”.

    ويشير إلى أنهما شاركا في فعاليات البيت الروسي بعرض عن الأزياء التراثية المصرية والروسية على هامش استقبال وفد من الحكومة الروسية. ومن هنا قررا الإعلان عن المبادرة. مضيفا أن عمل المبادرة حتى الآن اقتصر على تاريخ وتراث مدينة الإسكندرية. ولكنهما يهدفان إلى توثيق التاريخ والتراث المصري، وإقامة فعاليات الفترة المقبلة خارج الإسكندرية.

    من إحدى فاعليات مبادرة تراثنا والأجيال
    من إحدى فاعليات مبادرة تراثنا والأجيال
     تجربة متكاملة يعيشها الأطفال

    تقول مصممة الأزياء التراثية والتاريخية سماح خير الدين: “قبل تنفيذ أي فاعلية لا بد وأن نحدد الهدف منها والفترة الزمنية الخاصة بالفاعلية. وأضع تصوري للأزياء المناسبة وأبحث كثيرا، فكل فترة زمنية لها أزياؤها المميزة. وأستعين بالمصادر الموثوقة، لأننا نتناول تاريخا فيجب أن يكون سليماً تماماً. ثم أبدأ في العمل على التصاميم مضيفة لمستي الخاصة كمصممة. بعد ذلك نحدد الأدوار والشخصيات التي سيقدمها كل طفل. فالأطفال في المبادرة هم جزء أساسي من العمل الفني ومشاركون فيه، ليسوا متلقين فقط، وهذا بالنسبة للأعمال التاريخية”.

    وتختتم حديثها: “بالنسبة للأعمال المرتبطة بمناسبة معينة، مثل الأعياد المختلفة أو شهر رمضان المبارك. يختلف العمل من ناحية إضافة الطقوس الخاصة بكل مناسبة بخلاف الملابس. مشيرة إلى أن هناك جلسات مع الأطفال قبل تنفيذ العمل الفني لشرح تاريخ وأصل المناسبة أو الفترة التاريخية لتكتمل تجربتهم بالمعرفة والمعايشة. وهنا يأتي دور المخرج حازم العطار في تقديم المعلومات التاريخية ورواية القصة بطريقة شيقة”.

    اقرأ أيضا:

    د. «محمد عوض»: القبح المعماري بالإسكندرية خطأ في التعليم منذ البداية

  • هدم متحف نبيل درويش خلال أيام… والبديل متحف 500 متر!

    هدم متحف نبيل درويش خلال أيام… والبديل متحف 500 متر!

    خلال الأعوام الثلاثة الماضية حاول المثقفون والمهتمين بالتراث الحفاظ على متحف ومنزل الفنان التشكيلي الراحل نبيل درويش، الواقع بمنطقة الحرانية بطريق سقارة، إذ واجه المتحف لسنوات شبح الهدم نظرًا لتعارضه مع عملية توسعة للطريق الدائري.

    في المقابل تلقت أسرة الفنان التشكيلي الراحل خلال هذه المدة عشرات الإخطارات الرسمية بهدف إخلاء المتحف تمهيدًا لهدمه، وهي خطوة تم رفضها على نطاق واسع.

    ورغم التقدم بالعديد من طلبات الإحاطة التي تبعتها مئات الاستغاثات والمطالبات إلا أن محاولات وقف الهدم لم تنجح إذ تقرر في النهاية هدم المتحف الذي تم إنشاؤه سنة 1983، وتخصيص آخر لا تتعدى مساحته الـ500 متر مربع لعرض – بعض – من مقتنيات الفنان التشكيلي الراحل.

    تجاهلت الحكومة خلال هذه المدة الإرث التراثي والثقافي الذي يمثله المتحف، فقد ارتبط درويش بمتحفه وضحى من أجل استكماله بكل ما يملكه تقريبًا. ومن ذلك أمواله التي جناها من الكويت خلال فترة عمله هناك لمدة 10 سنوات، إضافة إلى بيع ممتلكاته الخاصة لاستكمال حلمه.

    لكن يبدو أن الحكومة قد ربحت معركتها أخيرًا من خلال النجاح في تنفيذ خطتها لهدم المتحف، حيث أعلن أمس كل من صندوق التنمية الحضرية، وصندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة عن حل مشكلة المتحف عبر هدمه، وتوفير آخر بديل بمنطقة تلال الفسطاط في خطوة وصفها البيان أنها تأتي ضمن التعاون المؤسسي للحفاظ على التراث الفني!

    وأوضح البيان أن قطع درويش الفنية سيتم وضعها داخل مبنى الزجاج. وهو أحد المكونات المعمارية المميزة التابعة لصندوق التنمية الحضرية بمنطقة «تلال الفسطاط»، والذي يعد – وفقا لوصفهم – تتويجًا لتوقيع بروتوكول تعاون رسمي بين وزارة الثقافة، والتنمية الحضرية، ووزارة النقل.

    مفاوضات طويلة

    سارة نبيل درويش أستاذ مساعد بالكونسرفتوار وابنة الفنان الراحل قالت في حديث لـ«باب مصر» أنه تم التوصل لصيغة الاتفاق بعد مفاوضات استمرت أشهر. جرى الاتفاق خلالها على نقل جزء من مقتنيات والدها داخل مبنى الزجاج بمنطقة تلال الفسطاط، وبسبب حجم وعدد أعمال والدها الراحل، فقد تقرر عرض جزء منها فقط داخل المبنى الجديد، إلا أنه لم يتم الاتفاق بعد على عدد القطع التي سيتم التبرع بها لوزارة الثقافة تمهيدًا لعرضها بالمتحف، وهي أمور ستحدد بناء على سيناريو العرض المتحفي، وكذلك الوضع الهندسي. «سيتم تحديد هذه الأمور في العقد العقد المبرم بيننا وبين وزارة الثقافة، والإسكان، والنقل والمواصلات».

    متحف نبيل درويش
    متحف نبيل درويش
    بنود التعاقد

    وتكمل: لم نصل بعد للصيغة النهائية، لكن في نهاية الأمر فقد تم حل أغلب المشكلات خلال الأشهر الماضية، لكن حتى الآن لم يحدد بعد الموعد النهائي لنقل المقتنيات. لا نريد شيئًا سوى الاحتفاظ بذكرى والدي في مكان يليق بمكانته؛ لذلك فالعقد بيننا وبين وزارة الثقافة يشترط الاهتمام والحفاظ على القطع، وإذا تمت مخالفة البنود فيحق لنّا كأسرة استرداد القطع مرة أخرى.

    وعن باقي أعمال الفنان نبيل درويش والتي لن تتمكن الأسرة من نقلها للفسطاط أشارت ابنته إلى أنه سيتم التبرع بها لأي جهة تستطيع المحافظة عليها. تقول: تم التبرع ببعض مقتنيات والدي مجانًا لمتحف فيكتوريا وألبرت ببريطانيا. لا نريد مالًا نريد فقط الحفاظ على مقتنيات والدي، كما تم تسليم متحف جدة بعض من مقتنياته، وعرضت مع الأعمال النادرة لكبار الفنانين. وحتى الآن لم نقرر بعد بيع جزء من مقتنيات والدي، أو التبرع بها بالكامل. ما يهمنا فقط هو أن تتسلمها جهات ومؤسسات قادرة على إبراز الأعمال الفنية التي تركها، وهذا حقه علينا. لذلك ما أتمناه هو أن تحافظ وزارة الثقافة على مقتنيات والدي وأن يتم وضعها بصورة تليق بتاريخه.

    شارع الفنون

    الجدير بالذكر أن متحف الفنان التشكيلي الراحل نبيل درويش يقع على مساحة ألف متر مربع، كما يضم الموقع منزل الفنان الراحل الذي تعيش فيه أسرته – حتى الآن – وتضم المنطقة المحيطة العديد من المتاحف التي تعود لفنانين آخرين ومنهم متحف آدم حنين، ومتحف زكريا الخناني للزجاج، ومركز رمسيس ويصا واصف للسجاد اليدوي.

    كما تعد منطقة الحرانية مركزًا للحرف والفنون التراثية منذ زمن، حيث عرف عن المكان اسم «شارع الفنون». وقد وضع الجهاز القومي للتنسيق الحضاري سابقًا لافتة على الموقع ضمن مشروع «عاش هنا». والذي يسجل أماكن إقامة العديد من رموز مصر الفنية والثقافية.

    اقرا أيضا:

    قبل يومين من انتهاء المدة المحددة.. مثقفون: أوقفوا هدم متحف نبيل درويش

     

     

  • عادات عيد الأضحى في مصر.. طقوس وثقافات لا تتغير

    عادات عيد الأضحى في مصر.. طقوس وثقافات لا تتغير

    في كل عام، ومع طلوع شمس يوم عرفة، يبدأ المصريون رحلة روحانية واجتماعية مميزة، عنوانها المحبة والتقوى والتقارب العائلي. عيد الأضحى المبارك، أو كما يحب أن يسميه المصريون “العيد الكبير”، ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو احتفال متجذر في العادات والطقوس التي تراكمت عبر أجيال، واحتفظ بها المصريون رغم تغيرات العصر.

    وتبدأ طقوس العيد منذ يوم الوقفة (يوم عرفة)، حيث يحرص كثير من المصريين على صيام هذا اليوم العظيم، طلبًا للأجر والثواب. وتُعد ليلة الوقفة من الليالي المميزة، إذ تنشغل الأسر بالتحضير والاستعداد ليوم العيد، سواء بتنظيف المنازل، أو شراء المستلزمات، أو تجهيز أدوات الذبح.

    زفة الأضاحي: مشهد لا يغيب عن الذاكرة

    من أجمل الطقوس التي تسبق صباح العيد، هي تلك الزفة الشعبية التي يقودها الأطفال في الأحياء الشعبية والريفية> حيث يسيّرون العجول والخراف وسط بهجة موسيقية وتصفيق، حاملين الزينة والبالونات، فرحين بمقدم الأضحية. وكان الأطفال قديما يرددون بعض العبارات المأثورة مثل: “من ده بكرة بقرشين”.

    ومع انطلاق تكبيرات العيد فجرا، يتزين الرجال والأطفال بالجلباب الأبيض. بينما ترتدي النساء والفتيات العبايات الملونة مع الحجاب، ويخرج الجميع لأداء صلاة العيد في الساحات والميادين. وسط أجواء من الإيمان والخشوع، لا تخلو من البهجة وتبادل التهاني والابتسامات.

    ذبح الأضحية: لحظة تتجدد كل عام

    بعد الصلاة مباشرة، يتوجه المضحون إلى أماكن الذبح. حيث تذبح الأضاحي وسط تجمع أفراد العائلة والجيران. وتوثق اللحظة بالتقاط الصور التذكارية، قبل أن تبدأ عملية توزيع اللحوم على الفقراء والأقارب والأصدقاء. في مشهد يعكس قيم التكافل الاجتماعي.

    ويقول باهر حمزة، تاجر من بورسعيد: “اعتدت كل عام ذبح أضحية قبل الوقفة. وأخرج لحومها كصدقات حتى أوفر اللحوم لبعض الأسر الأولى بالرعاية، والأهل والأصدقاء والمعارف، وعقب الصلاة أضحي بخروف آخر تعظيما لشعائر الله. ثم أحرص على اصطحاب أسرتي وأولادي الذكور لنقوم بتوزيعها وتبادل المعايدات مع الجميع”.

    وكانت من العادات القديمة غمس كفوف اليدين وطبعهما على الجدران والحوائط، ليعرف الجميع أنه هنا تم ذبح الأضحية، وتباركا في اعتقادهم بدمها. ولكن مع مرور السنين، اندثرت هذه العادة. وأصبحت الصورة السيلفي ومقاطع الفيديو القصيرة “ريلز”، جزءا من ثقافة شعب وتوثيق يومي لكل لحظة نعيشها خاصة في الأعياد والمناسبات.

    وجبة الإفطار المميزة: الكبدة والكلاوي على الطريقة المصرية

    تبدأ أولى وجبات العيد عقب الذبح مباشرة. حيث تحرص العائلات على إعداد الكبدة والكلاوي في وجبة إفطار شهية. تطهى إما بالسمن البلدي مع الفلفل الأسود والملح. أو على الطريقة الإسكندرانية بإضافة الثوم، الشطة، الفلفل الأخضر، الخل، والليمون، وتقدم مع الخبز الطازج.

    الفتة: طبق العيد المصري بامتياز

    عندما يحين موعد الغذاء، لا يكتمل عيد الأضحى دون طبق الفتة المصرية الأصيلة. التي تتكون من طبقات من الخبز المحمص، والأرز الأبيض، والشوربة، وصلصة الطماطم بالخل والثوم، وتزين بقطع اللحم المسلوق والمحمر. الفتة ليست مجرد طعام، بل طقس عائلي يحمل نكهة الذكريات.

    تقول منى عبد الحليم، ربة منزل: “لا أشعر بالعيد حتى أجمع أولادي وبناتي وزوجاتهم وأزواجهن وأحفادي. في أول أيام عيد الأضحى، عقب صلاة العيد، نتناول جميعا فطور الكبدة وسلطة الطحينة واللحم المحمر. ثم أقوم بتجهيز الغذاء، والذي لا بد أن تكون الفتة بالخل والثوم جزءا من مائدتنا وبجانبها اللحم المطهو مع صينية البطاطس، والملوخية، وصينية الرقاق باللحم المعصج”.

    الفتة الحمراء أو الفتة الصعيدي: تراث الجنوب

    في بعض البيوت، خاصة لدى العائلات التي تنحدر من صعيد مصر، يُفضلون “الفتة الصعيدي” أو كما تعرف بـ”الفتة الحمراء”. تقول السيدة جملات محمد، ربة منزل من بورسعيد ومن أصول صعيدية، إنها توارثت طريقة إعدادها من والدتها الحاجة نعمات. إذ يتم تحمير البصل حتى الكرملة. ثم تطهى اللحوم بداخله، وتعد الفتة بطبقات من الرقاق المُسقى بـ”الشوربة الحمراء”، وتزين بقطع اللحم المشبع بالنكهة.

    ويطلق المصريون على عيد الأضحى عدة أسماء تعكس ثقافتهم وحبهم له. فإلى جانب كونه “العيد الكبير”، يسميه البعض “عيد الأكل” أو “عيد اللحمة”، نظرا لما يشهده من تنوع في وصفات طهي اللحوم. تشوى اللحوم أو تطهى في طواجن مع الخضروات، وتقدم مع المحاشي والممبار والكوارع.

    الكوارع والمحاشي: تطور في الطهي وتنوع في الأطباق

    كانت الكوارع قديمًا ترتبط فقط بـ”الفتة” كما شاهدناها في أفلام الأبيض والأسود، أما اليوم فقد تطورت طرق طهوها. حيث تقدّم في طواجن مميزة، سواء محشوة بالخضروات أو مضافة إلى ورق العنب المحشي، أو تُشوى بعد نزع العظام منها، لتلائم الأذواق الحديثة.

    الزيارات والتواصل العائلي: طقس اجتماعي راسخ

    لا يكتمل العيد بدون زيارات الأهل والأصدقاء، وتبادل المعايدات والهدايا. وتعد جلسات الشاي والحلويات جزءًا لا يتجزأ من الطقوس. يعتمد الكثيرون على ملابس عيد الفطر التي اشتروها مسبقًا. ما يعكس حس التوفير والتدبير المصري التقليدي.

    ولا تقتصر الزيارات العائلية على الأحياء فقط في العيد، ولكن كان للأموات في قبورهم نصيب، حيث يحرص العديد من الأهالي على زيارة القبور وقراءة الفاتحة لذويهم وأقاربهم، ومعايدتهم، وفي محافظة بورسعيد يتم وضع أغصان الجريد والخوص على مشاهد القبور، وأيضا وضع الحبوب التي تأكلها الطيور، كنوع من الصدقات وفي اعتقادهم أنها رحمة ونور على قبور أحبائهم.

    طقوس عيد الأضحى في مصر: إرث لا يندثر

    رغم تغير الزمن وتطور العادات، تبقى طقوس وعادات عيد الأضحى في مصر من أعمق المظاهر الثقافية والاجتماعية المرتبطة بالهوية المصرية.

    هي أيام تملؤها الروحانية، والعطاء، والفرح، والتقاليد التي لا تموت، وإن اختلفت بعض التفاصيل، تبقى القيم واحدة: الرحمة، الصلة، والتكافل.

    اقرأ أيضا:

    من «القرقوش» يحضر سيدات قنا «الفتة» في عيد الأضحى

  • «استدامة التراث الثقافي بالإسكندرية».. ما هو مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغير؟

    «استدامة التراث الثقافي بالإسكندرية».. ما هو مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغير؟

    استمرارًا للاحتفال باليوم العالمي للمتاحف، نظم متحف الإسكندرية القومي ملتقى ثقافيا حول استدامة التراث الثقافي في المجتمعات من خلال المتاحف، تحت شعار «مستقبل المتاحف في المجتمعات سريعة التغيير»، وذلك تأكيدا لأهمية الحفاظ على الموروثات الثقافية واستدامتها.

    تحدثت المخرجة ومقدمة البرامج نسمة مدحت عن أصل وحكاية العديد من الجمل والكلمات والأمثال الشعبية الموروثة، التي نرددها حتى اليوم دون معرفة أصول كثير منها. ومن بين ما تناولته، حكاية تعبير «القرد في عين أمه غزال». الذي يعود أصله إلى حاكم مدينة قديمة أقام مسابقة جمال للحيوانات. تقدمت قردة وسط الحيوانات الجميلة وأصرت على جمال ابنها. فضحك الحاكم وقال: «القرد في عين أمه غزال».

    أصل وفصل الأمثال الشعبية

    شرحت “نسمة” أيضا تعبير “تيتي تيتي، زي ماروحتي، زي ماجيتي”. الذي تعود قصته إلى دودة طلبت منها أمها البحث عن طعامها بنفسها. خرجت ووجدت ثمرة جوز هند، أكلت منها حتى سمنت ولم تستطع الخروج. فبقيت بداخلها أياما دون طعام حتى ضعفت مرة أخرى وخرجت لأمها جائعة، وعند عودتها، قالت لها هذا التعبير.

    أما مثل “جه يكحلها عماها”، فيعود أصله، بحسب “نسمة”، إلى كلب أراد تقليد عيون القطط فكحل عينيه. لكنه فقأ عينه بمخالبه.

    وفيما يتعلق بـ”مسمار جحا”، فهو يرمز للدهاء. ويعود إلى قصة جحا الذي أراد بيع منزله واشترط على المشتري أن يحتفظ بمسار في الجدار ويأتي ليطمئن عليه باستمرار. ومع كثرة زياراته، غضب المشتري ويأس وترك له المنزل.أما شخصية “جحا” في التراث، فترمز إلى الشخص سريع البديهة وخفيف الظل، الذي يخرج من المواقف المختلفة.

    وتطرقت نسمة إلى بعض معاني الكلمات مثل:

    • “جاك أوه”: أي “جالك وجع”.
    •  “يابن الأيه”: “الأيه” تعني البقرة وكانت مقدسة في مصر القديمة.
    •  “معلش”: تعني “ما عليه شيء”، وكان يستخدمها القاضي قديما عند الحكم بالبراءة.
    •  “ياموكوس”: أصلها “تي  كوس”، وتعني “ادفن نفسك” في اللغة المصرية القديمة.
    •  “يا ما جاب الغراب لأمه”: حيث إن الغراب علميا يهتم بتجميع أشياء تعكس أشعة الشمس لا قيمة لها. وعندما تراها أمه تقول هذا المثل.
    •  أما “مراية الحب عامية”: فتعود علميا للمخ الذي لا يعمل على السلبيات في حالة الحب.
    السياحة الريفية وتعزيز الاستثمار في صعيد مصر

    تناولت داليا ساري، أخصائية بالهيئة العامة لتنشيط السياحة، موضوع السياحة الريفية وتعزيز الاستثمار في صعيد مصر، موضحة أن السياحة الريفية تشمل جميع الأنشطة السياحية التي تمارس في المناطق الريفية، ويقصد بالريف لغوياً الأراضي الخصبة المزروعة.

    وقالت إن هناك مشروعا يجري تنفيذه لإنشاء منصة إلكترونية لتنشيط السياحة الريفية، بالتعاون مع عدة وزارات. بهدف تعريف الجمهور المصري والأجنبي بالأماكن والنشاطات المختلفة التي تتم عبر السياحة الريفية. وأشارت إلى وجود العديد من الكنوز والأماكن الرائعة غير المعروفة في المحافظات، والتي تحتاج إلى اهتمام وتطوير.

    وأضافت أن مصر تمكنت خلال السنوات القليلة الماضية من إدراج أربع قرى ضمن قائمة أفضل القرى الريفية السياحية، وهي: غرب سهيل بمحافظة أسوان، وأبو الغصون (البحر الأحمر) في عام 2024. أما قريتي دهشور (الجيزة)، وسيوة (مرسى مطروح) فتم تصعيدهما عام 2023. هذا إلى جانب قريتين على قائمة الترقي وهما: قرية فوة (كفر الشيخ) عام 2021، وسانت كاترين (جنوب سيناء) عام 2023.

    التراث الثقافي المادي واللامادي

    اختتمت جهاد شوقي، منسقة التواصل المجتمعي والأنشطة الثقافية بإدارة الوعي الأثري بالأقصر، الملتقى الثقافي بجلسة حول التراث الثقافي اللامادي. بدأت بتعريف “المتحف” الصادر عام 2022، بأنه “مؤسسة دائمة غير هادفة للربح تعمل في خدمة المجتمع. وتبحث وتجمع وتحفظ وتفسر وتعرض التراث المادي واللامادي. وهي مؤسسة متاحة للجمهور، شاملة، تعزز الاستدامة والتنوع، وتوفر تجارب متنوعة للتعليم والاستمتاع والتأمل وتبادل المعرفة.

    وأوضحت أن التراث الثقافي اللامادي يتضمن التقاليد الشفهية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والأعياد، والمعارف والممارسات التي تخص الطبيعة والكون. إضافة إلى المهارات المتعلقة بالحرف التقليدية. وأكدت أن هذا التراث يتغير ويتطور باستمرار، ويزداد غنى مع كل جيل جديد.

    وتابعت شوقي: هناك العديد من مظاهر هذا التراث مهددة بسبب العولمة، ونقص الدعم والتقدير، ما يتطلب رعاية خاصة للحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة. واستعرضت دور “الموالد” كمكون ثقافي يتجاوز الطقوس الدينية، ليشمل أبعادا اجتماعية واقتصادية وروحية. ووفقا لإحصاء عن الجمعية المصرية للموروثات الشعبية، فإن عدد الموالد في مصر يبلغ حوالي 2850 مولدا، يحتفل بها المسلمون والأقباط.

    اقرأ أيضا:

    وداعا «عصمت داوستاشي»: فنان صوفي بملامح شعبية

  • «سيرة الإسكندرية»: مبادرة تطوعية للتعرف على تراث المدينة

    «سيرة الإسكندرية»: مبادرة تطوعية للتعرف على تراث المدينة

    «سيرة الإسكندرية» هي مبادرة تطوعية انطلقت في بداية العام الجاري، تهدف إلى التعريف بتراث وتاريخ المدينة. وتأتي هذه المبادرة استكمالا لفكرة «الجولة» التي أطلقها الشاب السكندري «مينا ذكي» قبل سبع سنوات، حيث بدأها بمجهود فردي بعد تخرجه من جامعة الإسكندرية، تخصص الآثار اليونانية والرومانية.

    بداية مبادرة «الجولة»

    يقول مينا ذكي لـ«باب مصر»: “الجولة كانت مبادرة فردية تطوعية بدأت في عام 2017. عندما استضاف أحد أصدقائي ضيوفا إيطاليين من كبار السن، كانوا يتمنون زيارة مصر منذ سنوات عديدة. استعان بي صديقي لسؤالي عن الأماكن التي يمكن زيارتها بالإسكندرية. وذهبنا في جولة بعد تحديد عدد من الأماكن الأثرية المميزة في المدينة. وتعرفت على الضيوف، وفوجئت بأنهم كانوا يتمنون زيارة الإسكندرية منذ 50 عاما. حيث كان من المقرر أن تكون وجهة إجازة بالنسبة لهم، ولكنها تأجلت كثيرا”.

    وتابع: بانتهاء الزيارة كانوا سعداء جدا بالجولة. ولسعادتي أيضا كتبت منشورا على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بما حدث مع الضيوف الإيطاليين والأماكن الأثرية التي قمنا بزيارتها. ولكن ما أثار تعجبي هو التعليقات على هذا المنشور. حيث تفاجأت بعدد من التعليقات التي لا تعلم هذه الأماكن الأثرية في الإسكندرية. وكان من المعلقين مصريون وسكندريون أيضا! فاقترحت عليهم أن نحدد يوما للقيام بجولة لزيارة بعض الأماكن الأثرية في الإسكندرية والتعرف عليها. وبالفعل، قمنا بهذه الجولة، وتعجب الكثيرون من وجود آثار في الإسكندرية. ولكنهم سعدوا بالجولة في النهاية.

    تعريف الناس بالجولات

    واستطرد حديثه: “فكرت في الاستمرار في هذه الجولات لتعريف الناس بالأماكن الأثرية والمميزة في مدينة الإسكندرية. وأنشأت صفحة على “فيسبوك” باسم “الجولة” وحددت يوم الجمعة من كل أسبوع لزيارة بعض الأماكن المحددة مسبقا. في الجولة الأولى حضر حوالي 15 فردا، والثانية حوالي 12 فردا، أما الجولة الثالثة فلم يحضر أحد. ورغم حزني الشديد من ذلك، لم استسلم وقررت الاستمرار. وفوجئت في الجولة الرابعة بحضور وفد من 76 شخصا من 11 جنسية مختلفة، كانوا موجودين بالإسكندرية في برنامج تبادل طلابي وسعدوا جدا بالجولة”.

    وأضاف: “في الجولة التي تلتها، حضر 40 فردا من الصم والبكم من أحد البرامج في مكتبة الإسكندرية. وكانت هذه الجولة فارقة في تاريخ المبادرة، حيث شعرت بأهمية هذه الجولات وسعادة الكثيرين من مختلف الفئات بها. واستمرت المبادرة لمدة 7 سنوات، قمنا خلالها بـ325 زيارة استقبلنا خلالها 40 ألف ضيف من 30 دولة حول العالم ومن 15 محافظة مصرية. كما قمنا بجولات في 17 محافظة أخرى منها مرسى مطروح، البحيرة، كفر الشيخ، بورسعيد، الإسماعيلية، السويس، طنطا، الشرقية، وواحة سيوة”.

    من الجولات الخاصة بالأطفال
    من الجولات الخاصة بالأطفال
    «سيرة الإسكندرية»

    واستطرد “مينا” قائلا: “نظمنا أيضا جولات خاصة بالأطفال، وقدمنا لهم شرحا للتاريخ لهم بشكل بسيط، كما وفرنا وسائل إيضاح  مثل الملابس الفرعونية وتاج الملوك وغيرها”. ولكن مع استمرار الجولات لمدة سبع سنوات وتكرار نفس الأماكن عشرات المرات، ووجودي كمتطوع ومسؤول وحيد في المبادرة. بدأ شعور التعب والملل ينتابني. وأعلنت على صفحة المبادرة في بداية عام 2025 عن توقفها. وبالطبع، كان قرارا صادما وأحزن الكثيرين من الأفراد والمؤسسات الأثرية أيضا.

    ثم جاءت فكرة التحول إلى “سيرة الإسكندرية” في بداية هذا العام، وكان من المقرر أن تكون توثيقا مرئيا ومعلوماتيا فقط عن الأماكن الأثرية. ولكن تواصل معي عدد من الأصدقاء من رواد “الجولة” ومتخصصين في التراث والآثار، وعرضوا فكرة استمرار الجولات والمشاركة بالشرح معي. وبالفعل تم التنسيق لعودة الجولات. بالإضافة إلى التواصل مع أصدقائي القائمين على مبادرتي “سيرة القاهرة” و”القاهرة عنواني”، المهتمين بتراث العاصمة. واتفقنا على تبادل الزيارات فيما بعد.

    وتختلف “سيرة الإسكندرية” عن “الجولة” في عدة نقاط؛ أولها أن الزيارة الميدانية لا تقتصر على يوم الجمعة من كل أسبوع فقط، وأيضا وجود متخصصين آخرين يشرحون للجمهور (بعدما كنت قائما على الجولات بمفردي لمدة سبع سنوات). وأماكن الزيارات أصبحت غير مقتصرة على الأماكن الأثرية فقط، بل شملت الأماكن التراثية والقديمة والمميزة في الإسكندرية.

     من إنجازات المبادرة 

    وأوضح “مينا” أنه فخور جدا بالمبادرة وبما حققته على مدار الفترة الماضية، ذاكرًا عدة مواقف لا يمكن نسيانها ويعتبرها من إنجازات المبادرة على أرض الواقع. منها، أن دير “سيدة النياح” بمنطقة المنشية بالإسكندرية، الذي يتجاوز عمره أكثر من 150عاما، كان يضم 6 رهبان رجال تجاوزت أعمارهم الـ70 عاما. توفي بعضهم وهاجر الآخرون إلى روما، وتم غلق المكان لمدة 31 عاما. فقامت المبادرة بالتواصل مع السفارة الإيطالية التي تواصلت بدورها مع رئاسة الطائفة. وأرسلوا لنا مفاتيح الدير مع السفارة الإيطالية. وبالفعل فتحنا الكنيسة وقمنا بعدة زيارات لها.

    كما تبرعت باسم المبادرة (من مالي الشخصي) لعدد من الجهات الأثرية، حرصا مني على ظهور هذه الأماكن بشكل لائق خلال الزيارات المتكررة. منها: ترميم اللافتة الخارجية واللوحات الإرشادية للمدرج الروماني، وتقديم تبرعات للآثار الغارقة لطباعة عدة لوحات، ولعمود السواري لإقامة ممر خشبي لتمر عليه الزوار وصولا للعمود، وكذلك لكوم الشقافة لطباعة 12 لافتة للرسومات التي كانت على المقابر وطمست بفعل العوامل الجوية، وغيرها.

    من جولات شوارع الإسكندرية القديمة
    من جولات شوارع الإسكندرية القديمة
    أول وفد سياحي

    وأضاف مينا أن المبادرة تعاونت في فعاليات كثيرة مع الإدارة العامة للسياحة والمصايف، منها استقبال أول وفد سياحي يوناني في ميناء الإسكندرية بعد انقطاع لمدة 12 عاما. واصطحبناهم في برنامج زيارة بعنوان “إسكندرية اليونانية”. حدث موقف إنساني مؤثر جدا عندما طلبت سيدة يونانية البحث عن قبر والدتها التي كانت لا تعلم مكانه. وبالفعل ساعدناها بالبحث في السجلات بالمقابر اليونانية، ووجدت قبر والدتها بعد أن فقدت الأمل في ذلك.

    وموقف أخر حدث في عام 2020 عندما جاء مواطن يُدعى “كيڤين” من چامايكا، يبحث عن قبر جندي من بلدتهم (صديق جده) توفي في الحرب العالمية الأولى عام 1916. وبعد بحث دام ثلاثة أيام متواصلة، وجدنا شاهد القبر في مقابر الحرب العالمية الثانية في “المنارة”. وكانت لحظة إنسانية مؤثرة بشدة.

    وفي النهاية، تمنى “مينا ذكي” النجاح لمبادرة «سيرة الإسكندرية» واستفادة عدد أكبر من الجمهور من استكشاف الأماكن التراثية والأثرية في الإسكندرية.

    اقرأ أيضا:

    «مينيكه شيبر» في مكتبة الإسكندرية: التاريخ المنسي للنساء «الأرامل»

  • «نشأة المياه» و«تراث دار الضيافة».. آخر محاضرات أيام التراث السكندري

    «نشأة المياه» و«تراث دار الضيافة».. آخر محاضرات أيام التراث السكندري

    اختتمت فعاليات برنامج «أيام التراث السكندري» في دورته الـ15 بمحاضرتين استضافتهما مكتبة الإسكندرية حول «نشأة وتطور المياه العذبة بمدينة الإسكندرية» و«أبواب الإسكندرية المفتوحة: تطور تراث الضيافة»، بالإضافة إلى افتتاح معرض صور  يوثق تطور كاتدرائية سانت كاترين بمناسبة مرور 175 عاما على إنشائها.

    نشأة وتطور المياه

    تحدث الدكتور محمد عادل الدسوقي، الأستاذ بالأكاديمية العربية البحرية في محاضرة نشأة وتطور المياه، قائلا: “قناة المحمودية كانت تغذي مدينة الإسكندرية بمياه الشرب. ولكن البداية كانت بفكرة إنشاء الصهاريج التي أُنشئت من مواد معاد تدويرها، ولم يكن هدفها جماليا على الإطلاق، بل كان الهدف منها إنشائيا في المقام الأول. حيث كانت الصهاريج تعتبر الحل لتوفير مياه الشرب في ذلك الوقت”.

    وتابع: لكن بعد فترة من الزمن، اكتشف عيب خطير في الصهاريج، فهي كانت أماكن مغلقة والمياه فيها راكدة. مما جعلها وسيلة لنقل الأمراض في المدينة. وكان هذا دافعا كبيرا لحفر قناة المحمودية. ومع التغير الملحوظ لمدينة الإسكندرية في الفترة العثمانية، كانت المدينة عبارة عن قرية صغيرة، حيث كان عدد السكان لا يتعدى عشرة آلاف نسمة في حي الجمرك. وفي دراسات أخرى كان العدد لا يتجاوز 6000 نسمة فقط.

    وخلال فترة الحملة الفرنسية، لم تكن قناة المحمودية قد اكتملت بعد، وكانت بحيرة مريوط شبه جافة. وعلى الرغم من ذلك، كانت بحيرة مريوط طول تاريخها مالحة وغير صالحة للشرب. وفي فترة حكم محمد علي باشا، الذي اهتم بالإسكندرية بشكل كبير، فكر في حفر القناة مرة أخرى. وقد ذكر على لسانه أنه أراد إعادة إحياء أعمال الإسكندر الأكبر.

      قناة المحمودية

    يضيف الدسوقي: تم تكليف مهندس تركي “شاكر أفندي” بإنشاء قناة المحمودية. ثم استكملها المهندس باسكال كوست، حيث وفرت القناة المياه العذبة لمدينة الإسكندرية. مما ساعد في زيادة عدد سكانها الذين استخدموا المياه في الشرب والري. كما أنشئت العديد من القصور على ضفاف القناة، مثل قصر عمر طوسون أمير الإسكندرية في وقت ما.

    وأكد “الدسوقي” خلال اللقاء أن الإسكندرية كانت تحتوي على عدة مجاري مائية اندثرت بانتشار العمران، مثل ترعة الفرخة ومحيطها الذي كان يعرف بـ”قرية الفرخة”، وكذلك بحيرة الحضرة (بمنطقة نادي سموحة حاليا). وأيضا قناة المحمودية، التي أُقيم عليها مشروع عملاق حاليا. وللأسف، فقد راح ضحية إنشاء قناة المحمودية عدد كبير من العمال والفلاحين ممن عملوا فيها. ومن المحزن أن القناة أهملت تماما في السنوات الأخيرة قبل إنشاء مشروع محور المحمودية بشكله الحالي.

    واستطرد حديثه: نظرا لأن الصهاريج كانت من الأسباب الرئيسية في نشر الأمراض في الإسكندرية. فقد تم وقف العمل بها تماما عام 1910، على الرغم من أن بعضها لا يزال موجودا حتى اليوم ومسجلا كآثار. وفي فترة الحرب العالمية الثانية، تم استخدام بعض الصهاريج كمخابئ. وقد اكتشف صهريج في عام 2000 داخل البطريركية اليونانية خلال ترميمها. وتم إعادة استخدامه كمتحف صغير يعرض فيه القطع التي تم اكتشافها آنذاك. ويعد هذا إعادة استخدام عظيم للصهاريج.

    وأوصى الدكتور محمد الدسوقي بضرورة إعادة فتح هذه الصهاريج لعرض التاريخ الهندسي المميز لمدينة الإسكندرية. كما أشار إلى إمكانية إعادة استغلالها بأشكال أخرى مختلفة في مدينة الإسكندرية. حيث يوجد فيها مبنى البورصة التاريخي الذي لا يزال قائما، لكنه في حالة يرثى لها. لذلك، طالب المسؤولين بإعادة استخدام هذا المبنى والحفاظ عليه.

    تراث دار الضيافة

    الدكتورة دينا عزالدين، وكيل كلية السياحة والفنادق بجامعة الإسكندرية. تحدثت في محاضرة تطور تراث الضيافة العرض التاريخي لعدد من الفنادق التاريخية بالإسكندرية. وقسّمتها إلى ثلاثة أقسام: فنادق تاريخية لها أكثر من 100عام ومازالت قائمة كفنادق، وفنادق من التاريخ مازال المبنى موجودا حتى الآن ولكن تحول إلى مبنى سكني أو تجاري. وفنادق أخرى من ذاكرة التاريخ واختفت في وقتنا الحالي.

    بدأت عزالدين بالحديث عن الفنادق التي مازالت قائمة وتاريخها يرجع إلى أكثر من 100 عام، مثل قصر السلاملك وقصر المنتزه اللذين أنشأهما الخديوي عباس الثاني من المنشآت التاريخية. وأيضا فندق وندسور التاريخي، الذي كان يقام فيه عروض فنية لبديعة القصبجي وغيرها. كما أشارت إلى فندق سيسل بمنطقة محطة الرمل وسط المدينة، الذي يقترب تاريخه حاليا من الـ100 عام، وصاحبه يهودي من أصول فرنسية. حيث كان يكتب على الغرف أسماء أشهر الشخصيات التي أقامت فيه، مثل أم كلثوم وفريد الأطرش وغيرهم. كما يعد فندق سان جيوفاني من أحدث الفنادق التاريخية التي أُقيمت في الثلاثينيات، ومالكه من أصول يونانية، وقد اختار هذا الموقع الرائع.

    أما الفنادق التاريخية التي مازال المبنى قائما ولكن تحول لمبنى سكني أو تجاري، قالت عنها عزالدين: “كان هناك في ميدان عرابي بمنطقة المنشية حاليا فندق أنيق ذو موقع متميز. ولكنه تحول حاليا إلى مبنى سكني وتجاري في الطوابق السفلى، مع تغيير شكل طرازه المعماري التاريخي. وأيضًا فندق في شارع فؤاد بعد المتحف اليوناني حاليا وافتتح عام 1907 كان اسمه “ساڤوي” وكان يستخدم مقرا للبحرية في فترة ما. ولكن تحول حاليا إلى مبنى سكني يختلف تماماً عن طرازه القديم”.

    فنادق بلا معلومات

    أوضحت: وفي ميدان عرابي أمام جامعة سانجور بالمنشية، كان يوجد فندق تاريخي، وبالحديث مع عدد من الفنادق الصغيرة المتواجدة حاليا عن تاريخ هذه الفنادق، لم يقدموا أي معلومات عن تاريخ المبنى. كما تحدثت عن فندق “لاوري” في شارع فؤاد بالقرب من مبنى الجوازات الحالي، الذي تحول إلى مبنى سكني مع بقاء الطابقين العلويين فقط كفندق. بالإضافة إلى كافية “دي لابيه” الشهير حاليا على كورنيش البحر بمنطقة محطة الرمل، الذي كان في العشرينات فندقا يسمى “ليدو هاوس”. ولا يعلم أحد أصل المبنى الحالي.

    واستطردت عزالدين حديثها: هناك فنادق اختفت وأصبحت في الذاكرة فقط، منها فندق كان مكانه مبنى النساجون الشرقيون في المنشية. حيث لا يعلم أحد تاريخ هذا المكان وبداياته. وهناك فندق “سان ستيفانو” الذي أُنشئ عام 1887 على يد نوبار باشا وكان له شاطئ خاص به وأقبل عليه جمهور كبير. وكان بجانبه أوتيل “بغداد”. وبعد كثرة الإقبال تم ضمهما في فندق واحد. وفي التسعينات، تم تحويله إلى فندق الفورسيزون. ويذكر أنه في وقت الحروب، تحولت مدرسة فيكتوريا إلى مستشفى، وتحول فندق سان ستيفانو إلى مدرسة.

    كما ظهر فندق “البرويڤاج”، الذي أنشئ في الخمسينات. وظهر في العديد من الأفلام السينمائية، مثل فيلم الزوجة 13، ثم تم بيعه لرجل الأعمال طلعت مصطفى في التسعينات، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الأرض خالية.

    وأشارت إلى أنها حاولت خلال بحثها الميداني معرفة ما إذا كان لدى الناس الموجودين حاليا في هذه الفنادق معلومات تاريخية عن المكان أو المبنى. ولكنها أحزنتها الإجابة بأنها لم تجد أيا من تلك المعلومات. حتى المواقع الإلكترونية الخاصة بهذه الفنادق لا تحتوي على معلومات تاريخية عن المكان. في حين أن هذه المباني التاريخية في مدن أخرى حول العالم تعد مصدر دخل وسياحة، وهو ما لا يحدث هنا.

    وأوصت عزالدين في نهاية المحاضرة بضرورة أن يكون هناك اهتمام من المسؤولين والجمهور والعاملين في هذه الأماكن بأهمية تاريخ المبنى وإظهاره للجمهور بكافة الأشكال. وأكدت على ضرورة الحفاظ على تراثنا وزيادة فعاليات التوعية السياحية، مثل الجولات التي نظمها التراث السكندري خلال فعاليته.

    معرض سانت كاترين

    وفي سياق متصل، أقيم معرض في كاتدرائية سانت كاترين التاريخية بمنطقة المنشية غرب الإسكندرية، بمناسبة مرور 175 عاما على تأسيس الكنيسة، تحت عنوان “سانت كاترين- التاريخ والعمارة”. المعرض للمهندس محمود سعيد، ويأتي ضمن فعاليات برنامج أيام التراث السكندري.

    قال سعيد في تصريحات خاصة لـ”باب مصر”: “المعرض يحكي قصة كاتدرائية سانت كاترين منذ نشأتها. عندما أهداها محمد علي باشا للفرانسيسكان عام 1834. كما يوضح المعرض التطور المعماري للكنيسة من خلال نماذج معمارية مختلفة لتطور المبنى، مع التركيز على التطور الذي حدث في أوائل العشرينات على يد المعماري الإيطالي ماريو أڤينا. الذي قام بتصميم الواجهة الجديدة للمبنى”.

    وعن اختياره لمبنى سانت كاترين، أوضح أنه استغرق ثلاث سنوات في دراسة هذا المشروع. حيث بدأ بدراسته خلال مرحلة الماجستير. ثم قرر التوسع فيه أكثر، خاصة أنه كمهندس متخصص في الترميم المعماري جذبته خصوصية البناء المعماري للكاتدرائية وقرر دراستها وتوثيقها.

    حماية التراث

    وفي افتتاح المعرض قال الدكتور توما فوشيه، مدير مركز الدراسات السكندرية: “المركز يسعى منذ إنشائه لحماية تراث المدينة وأرشيفها وإتاحتها لأكبر عدد من الناس. وهذا المعرض يحتفي بكنيسة سانت كاترين والمعماري الإيطالي سيراڤينودي باسينو الذي صمم الكنيسة في منتصف القرن التاسع عشر. وكذلك المعماري ماريو أڤينا الذي أضاف الواجهة منذ قرن تقريبا”. وأضاف أن عنوان النسخة الخامسة عشر من “أيام التراث السكندري” هو “الإسكندرية مدينة النور”. “فنأمل أن تنير لنا القديسة كاترين هذا المعرض”.

    فيما أعرب سفير مالطا بمصر، روبرتو باتش، عن سعادته بالترحيب الحار الذي لاقاه منذ وصوله للإسكندرية فهذه المدينة تذكره بمالطا كثيرا ولا يشعر فيها بالغربة مطلقا. كما عبر عن سعادته بهذا المعرض الذي يعد الأول من نوعه (معرض عن المالطيين في الإسكندرية).

    وقال: “لدينا جاليات في أماكن عديدة؛ الولايات المتحدة وأستراليا وكندا، ومؤخرا في بلچيكا، وهذا منذ انضمام مالطا إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن القليل معروف عن المالطيين في مصر وتحديدًا عن الجالية المالطية في الإسكندرية”.

    وتابع: هذا المعرض يأتي ضمن جهود عديدة تبذلها السفارة لخلق مزيد من الوعي حول الجالية المالطية التي عاشت في هذه المدينة. مؤكدا أن الكاتدرائية كانت اختيارا ممتازا لإقامة المعرض. حيث كانت في الأساس مقرا للمهاجرين المالطيين الأوائل، الذين استقروا حول هذه الكاتدرائية. التي بنيت في الأساس كمكان للعبادة ولخدمة الجالية الإيطالية ثم المالطية، التي كانت ثاني أكبر جالية كاثوليكية بعد الايطاليين.

    الجالية المالطية

    وفي ختام حديثه، وجه سفير مالطا الشكر للرهبان الفرنسيسكان على العناية بالسجلات الثمينة بالمواليد والزيجات والوفيات الخاصة بالمالطيين، والمحفوظة في هذه الكاتدرائية. فما كان للعديد من العائلات المالطية أن تتعقب جذورها لولا هذه السجلات.

    كما شارك في المعرض المطران كلاوديو لوراني، النائب الرسولي للكنيسة اللاتينية في مصر. الذي قال إن المعرض يعكس مساهمة الجالية المالطية في الإسكندرية الكوزموبولتانية. فالإسكندرية هي معجزة البحر الأبيض المتوسط، لها تاريخ وثقافة ثرية ساهمت فيها العديد من الشعوب وتقاربت وتفاعلت فيها العديد من الحضارات. وأضاف أن كاتدرائية سانت كاترين التي تستضيف هذا الحدث يعتبر تاريخها شاهدا على هذا التبادل الثقافي والفني.

    اقرأ أيضا:

    «العمارة الإسلامية في الإسكندرية» ضمن فعاليات التراث السكندري في دورته الـ15

باب مصر