باب مصر

التصنيف: بحرى

باب مصر بحرى

  • «الصبر جميل».. حبات تسبيح في عقد من الزمن

    «الصبر جميل».. حبات تسبيح في عقد من الزمن

    قبل أكثر من 40 عاما افتتح «أحمد عبد العزيز» متجره بساحة ميدان المساجد أمام مسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية. وعلى باب المتجر كُتبت عبارة «الصبر جميل»، حكمة وموعظة كان يؤمن بها. لم يحتج عبد العزيز إلى لافتة توضح بضاعته، فكميات السبح المعروضة كانت كفيلة بجذب انتباه المارة وزوار ساحة المسجد العتيق بالإسكندرية. ورويدا رويدا أصبحت الحكمة هي عنوان المحل، ولافتة تعبر عنه.

    الصبر جميل

    يقول علي أحمد عبد العزيز: “لم يقصد أبي أن يكتب لافتة للمحل، بضاعتنا تعبر عن نفسها. وكما ترى عبارة (الصبر جميل) مكتوبة على الزجاج داخل المحل، وليست كلافتة أعلى الباب”.

    يدير عبد العزيز متجر بيع السبح بعد وفاة والده قبل عام، ليكمل سيرة العائلة في المنطقة ودور أبيه في مساعدة الزوار اختيار سبحة مناسبة لهم.

    السبحة تشبه صاحبها

    وقف “علي” يتحدث مع رجل أتى ليختار سبحة جديدة يقضي بها شهر رمضان. كان المشتري يفاضل بين خشب الكوك والأبنوس، ثم أمسك بسبحة من خشب مصنع دون أن ينتبه. فشرح له “علي” الفارق بين الاثنين، وعرض عليه سبحة عتيقة من الأبنوس الأسود، غير أن سعرها أصبح محل تفاوض بينهما.

    ويقول: “يأتي إلينا زوار كثر يبحثون عن سبحة من الخشب الطبيعي أو من الأحجار الكريمة، لأنهم يبحثون عن القيمة. وأحيانا يحتفظ الشخص بسبحة واحدة لسنوات طويلة، لأنه يشعر بأنها تناسب روحه وصلواته”.

    عبارة الصبر جميل في واجهة المحل.. تصوير: محمد عوض
    عبارة الصبر جميل في واجهة المحل.. تصوير: محمد عوض
    خامات مختلفة وأسعار متفاوتة

    لا يعتبر علي عبد العزيز أن السبح تجارة رائجة طوال العام، إلا أن شهر رمضان يعد موسما دائما. سواء ببيع سبح جديدة، أو بصيانة سبحة فقدت بعض حباتها بسبب قطع العقد. ويرغب صاحبها في الاحتفاظ بها، فيأتي باحثا عن حبات من نوع أو شكل معين.

    تختلف أسعار السبح بحسب خاماتها، فيمكن شراء حبات مصنوعة من البلاستيك أو الخشب الصناعي أو حجر الكوك الرخيص. كما توجد سبح عتيقة أعلى سعرا وقيمة، مصنوعة من العقيق واليسر المرجاني  والكهرمان والأبنوس والكوك أو العاج. وهي من الخامات الأكثر انتشارا في صناعة حبات السبح.

    كيف ظهرت السبحة؟

    بحسب كتاب “حبات منثورة” للكاتبة نادية فضل، لم تكن السبحة معروفة عند العرب في صدر الإسلام. إذ كانوا يستخدمون النوى والحصى أو أصابع اليد والخيوط المعقودة للتسبيح والذكر والحساب. ولم تعرف السبحة بشكلها المتداول في الأيدي إلا في أوائل القرن الثاني الهجري. وقد ذكرها الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه “العين” في باب السين. فقال: “السبحة خرزات يُسبح بعددها”. وتتفق المراجع على أن الخليل تُوفي عام 170هـ. ما يعني أن السبحة كانت معروفة عند العرب في هذا التاريخ.

    وعرفت قبل الإسلام في بعض الحضارات القديمة مثل الحضارة الهندية والبوذية. إلا أن السبحة أخذت طابعها الروحي الخاص والمميز في الثقافة الإسلامية. حيث استُخدمت وسيلة لمساعدة المسلمين على الذكر المنتظم والتسبيح بعد الصلوات. وترتبط السبحة بثلاث كلمات يكررها المسلم بعد كل صلاة: “سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر”. وتقال 33 مرة لكل كلمة، وهو ما يفسر عدد حبات السبحة التقليدية: إما 33 حبة أو 99 حبة، مجموع التسبيح بالكلمات الثلاث.

    وقبل ظهور السبحة بالشكل المعروف، اتبع الصحابة هدي النبي محمد صل الله عليه وسلم في التسبيح على أطراف الأصابع كسنة نبوية، كنوع من الذكر والتأمل الجسدي. ثم بدأ استخدام الحصى ونوى التمر أو الحبال المعقودة للعد، قبل أن تعقد الحبات في خيط واحد.

    مقتنيات وسبح بخامات عتيقة.. تصوير: محمد عوض
    مقتنيات وسبح بخامات عتيقة.. تصوير: محمد عوض
    تراث ثقافي غير مادي

    تقول الدكتورة ياسمين الحلو، باحثة أكاديمية في التراث الثقافي ومسؤولة الرصد والحصر بمؤسسة “راقودة” للفن والتراث بالإسكندرية لـ«باب مصر»: “صناعة السبح اليدوية تعد حرفة تقليدية. ومعظم العاملين بها يتوارثون المهنة أبا عن جد. فهي جزء من التراث الثقافي غير المادي. تتضمن العديد من المهارات الخاصة بالحرفي للوصول إلى المنتج النهائي. بدءا من معرفة أنواع الخشب والأحجار والخيوط، مرورا بأساليب التقطيع والخرط، وصولا إلى التشطيب النهائي. فضلا عن الأدوات المستخدمة في الحرفة”.

    وتضيف الحلو: “هناك العديد من المعتقدات الشعبية المرتبطة بالسبح، منها دلالات كل خامة مستخدمة. فلكل نوع من الأحجار أو الأخشاب دلالة، كالبركة أو الرزق أو الطمأنينة أو درء الحسد، وغيرها من المعاني المتعارف عليها لدى الحرفيين وبائعي السبح وكذلك لدى الزبائن. إضافة إلى دلالات خاصة بألوان السبح والأحجار المستخدمة فيها”.

    وبالتالي، فإن حرفة صناعة السبح اليدوية تعد جزءا من التراث الثقافي غير المادي. لما تعكسه من دلالات دينية ومهارات ومعتقدات متوارثة.

    فضاء متسع في ثلاثة أمتار

    بمزيج بين رائحة البخور المنبعثة من أضرحة ومساجد البوصيري، المرسي أبو العباس، وياقوت العرش، ورائحة يود البحر المتوسط، يكتمل مشهد السبح المعلقة أمام ميدان المساجد. هنا تبرز عبارة “الصبر جميل” كأيقونة رغم صغر مساحة المحل التي لا تتجاوز مترين مربعين. ويمتد خارجا بأرفف تكمل المشهد أمام المساجد.

    يستكمل علي عبد العزيز حديثه ويقول: “المحل الأول كان في مقر قديم خلف مسجد البوصيري. وانتقل إلى مكانه الحالي بعد بدء تطوير وترميم المساجد، ومع الانتقال كتبت عبارة (الصبر جميل)”. وعند دخول ساحة ميدان المساجد أمام المرسي أبو العباس، على اليمين، تبرز لافتة صفراء تعلوها أخرى خضراء مكتوب عليهما: “الصبر جميل” و”اللهم صل على محمد وآل محمد”، لتكون علامة للمحل. خلف هذا الاسم البسيط تقف حكمة أحمد عبد العزيز وإرثه الباقي بعد وفاته.

    سبح مختلفة.. تصوير: محمد عوض
    سبح مختلفة.. تصوير: محمد عوض
     مقتنيات ملكية وجواهر

    يحكي علي عبد العزيز عن سبحة من اليسر المرجاني. اقتناها والده من أحفاد الشيخ مصطفى إسماعيل عند عرضها للبيع. ويعود تاريخها إلى أنها كانت هدية من الملك فاروق لإسماعيل لأنه قارئه المفضل للقرآن. وعلى الرغم من صغر مساحة المحل، إلا أنه يضم مقتنيات تاريخية تجعله مقصدا للهواة والشخصيات العامة، وأحيانا مزارا سياحيا لزوار الإسكندرية الباحثين عن مكان جديد للزيارة بخلاف شاطئ البحر القريب في منطقة بحري.

    يقول “علي”: “عُرض علينا كثيرا شراء هذه السبحة، لكنها ليست للبيع، تنفيذا لوصية أبي بأن تبقى بالمحل، ويمكن للزوار مشاهدتها فقط، احتراما لتاريخها الإنساني”. ويشير أيضا إلى سبحة نادرة من الكهرمان الطبيعي، تحتوي حباتها على حشرات حقيقية محبوسة منذ ملايين السنين. والكهرمان مادة تفرزها أشجار الصنوبر المنقرضة، وعندما كانت تتدفق كانت تلتقط الحشرات، ومع مرور العصور الجيولوجية تحولت إلى أحجار كريمة تحمل داخلها شوائب طبيعية ترفع من قيمتها.

    صناعة السبح في مصر

    تعتبر صناعة السبح في مصر من الحرف التقليدية التي ما زالت تحتفظ بأصالتها اليدوية، خاصة في المناطق المحيطة بالمساجد الكبرى في القاهرة والإسكندرية. وتتنوع الخامات بين المواد العضوية مثل: عظم الجمل، قرون العاج، ثمار الكوك، خشب الأبنوس، اليسر، الأحجار الكريمة ونصف الكريمة مثل العقيق، الفيروز، الياقوت، المرجان، والمواد الصناعية الراقية مثل: البوليستر، الفاتوران، المستكة، الكريستال.

    ورغم منافسة السبح الإلكترونية والمنتجات الصينية، إلا أن السبح التقليدية العتيقة ما زالت تحتفظ بمريديها، كما أن تراجع بعض الخامات الطبيعية، مثل العاج، دفع الصناع إلى ابتكار بدائل مستدامة أو الاعتماد على إعادة تدوير القطع القديمة.

    اقرأ أيضا:

    «حمام عزوز».. وعود غير مُنجزة لترميم آخر حمام شعبي في رشيد

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

  • «مصطفى العبادي ومكتبة الإسكندرية».. حين يتحول المثقف إلى مؤسسة

    «مصطفى العبادي ومكتبة الإسكندرية».. حين يتحول المثقف إلى مؤسسة

    لماذا نعود بعد سنوات للاحتفال بذكرى وفاة «مصطفى العبادي»؟ هل لأننا نفتقد رجلًا أعاد إحياء مكتبة الإسكندرية؟ أم لأننا نفتقد نموذجًا لمثقف لم يكتفِ بإنتاج المعرفة، بل حوّل شغفه بالتاريخ إلى فعل حيّ في الحاضر؟

    كان المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي يميز بين «المثقف التقليدي» الذي يكتفي بالكلام، و«المثقف العضوي» الذي ينخرط في واقعه ويحوّل أفكاره إلى ممارسة. وربما يكون الاحتفاء بمصطفى العبادي محاولة لاستعادة هذا النموذج: المثقف الفعّال.

    أصداء الذاكرة

    يمكن قراءة هذا المعنى بوضوح في الندوة التي نظمها قطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية ضمن «حوارات الإسكندرية»، تحت عنوان: «أصداء الذاكرة.. مصطفى العبادي ومكتبة الإسكندرية»، بمشاركة شقيقه السفير هاني عبد الحميد العبادي، وثلاثة من تلاميذه: الدكتور محمد السيد عبد الغني، أستاذ التاريخ والحضارة اليونانية والرومانية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، والدكتورة منى حجاج، أستاذ الآثار اليونانية والرومانية المتفرغ بكلية الآداب جامعة الإسكندرية ورئيس جمعية الآثار بالإسكندرية، وأمنية فتح الله، كبير أخصائيي بحوث بقطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية.

    لم تكن الندوة مجرد استعادة لسيرة رجل، بل محاولة لفهم تجربة فكرية امتدت لعقود، ونجحت في ربط المعرفة بالفعل.

    من بيت الكتب إلى وعي المسؤولية

    يروي السفير هاني عبد الحميد العبادي أن شقيقه نشأ في بيت كان الكتاب جزءًا من الحياة اليومية، بفضل مكتبة والدهما الضخمة التي ضمت كتبًا في التاريخ والأدب واللغة. في هذا المناخ، أصبحت القراءة عادة، والمعرفة ممارسة يومية، لا مجرد وسيلة للنجاح الدراسي.

    بعد انتقال الأسرة إلى الإسكندرية، التحق مصطفى العبادي بكلية الآداب، وتخصص في التاريخ اليوناني والروماني، ثم سافر في بعثة علمية إلى جامعة كامبريدج، حيث حصل على الدكتوراه، وترسّخ لديه منهج البحث الدقيق والانضباط العلمي.

    لكن ما يلفت في هذه السيرة، كما تكشفها الندوة، ليس فقط مسارها الأكاديمي المنتظم، بل ما أنتجته من وعي مبكر بدور المثقف. في هذا المناخ، ترسخت لديه قناعة بأن المعرفة مسؤولية، وأن التاريخ ليس مادة للحفظ، بل أداة للفهم والتغيير.

    مكتبة الإسكندرية.. تصوير: ميرنا جوهر
    مكتبة الإسكندرية.. تصوير: ميرنا جوهر
    الأستاذ الذي صنع مدرسة

    يشهد تلاميذه الثلاثة على أن مصطفى العبادي لم يكن أستاذًا تقليديًا داخل قاعة الدرس، إذ أكدوا أن علاقتهم به لم تكن علاقة تعليم فحسب، بل علاقة مشاركة في البحث، وتحفيز دائم على التفكير المستقل.

    لم يكن يقدم المعرفة في صورة جاهزة، بل كان يدفع طلابه إلى طرح الأسئلة، والمشاركة في المشروعات البحثية، والانخراط في العمل الأكاديمي الحقيقي. وكان يعتبر أن دور الأستاذ لا يقتصر على الشرح، بل يمتد إلى تكوين شخصية الباحث.

    ومن هنا يمكن فهم ما تركه العبادي من أثر يتجاوز عدد كتبه. فرغم قلة مؤلفاته، كان أثره الحقيقي في أجيال من الطلاب الذين حملوا منهجه، وأصبحوا امتدادًا حيًا لأفكاره. كان يؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن كتابة الكتب، وأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى ممارسة يومية.

    من الجامعة إلى المدينة: المعرفة تتسع

    لم يتوقف مشروع مصطفى العبادي عند حدود الجامعة. فالطريقة التي صنع بها طلابه هي نفسها التي صنع بها لاحقًا مشروع مكتبة الإسكندرية. في الندوة، أوضحت الدكتورة منى حجاج أن فكرة إحياء المكتبة كانت «مشروع حياته» للعبادي منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث بدأ التفكير فيها أثناء دراسته في كامبريدج، ثم طرحها عبر محاضراته في بيروت عام 1968، وفي الإسكندرية عام 1972.

    سعى العبادي إلى الربط بين المكتبة القديمة والحديثة، باعتبارهما امتدادًا لتراث علمي واحد، لا مجرد استعادة رمزية للماضي. هنا، انتقل مشروعه من بناء الأفراد إلى بناء مؤسسة، ومن التأثير في الطلاب إلى التأثير في المدينة كلها والعالم.

    طريق طويل نحو الحلم

    مرّ مشروع إحياء المكتبة بمراحل من التعثر والتراجع، خاصة في مطلع الثمانينيات، لكن العبادي لم يتخلَّ عن فكرته. وكما أوضح المتحدثون في الندوة، استعاد المشروع زخمه عبر جولات علمية في جامعات أمريكية، ثم بدعم وزارة التعليم، وتخصيص أرض من جامعة الإسكندرية، ودخول اليونسكو كشريك دولي.

    ومن الموافقات الرسمية إلى وضع حجر الأساس عام 1988، ثم صدور كتابه عن المكتبة عام 1990، وصولًا إلى افتتاحها عام 2002، ظل العبادي يعمل بصبر طويل، خارج منطق النتائج السريعة. هكذا تحولت فكرة أكاديمية إلى مؤسسة ثقافية عالمية.

    استقلال المثقف وحدود الموقف

    توقفت الندوة عند موقف كاشف لشخصية العبادي. فبحسب ما روته الدكتورة منى حجاج، دار حديث بينه وبين مدير مكتبة الكونجرس آنذاك دانيال بورستن، قال فيه بورستن: “لو تعهدتم بأن تكون لإسرائيل مكانة في هذه المكتبة، أعدكم بأن نضع كافة إمكاناتنا لتنفيذها”. فجاء رد العبادي: “هذه موضوعات يتم تناولها بين رؤساء الدول، وليست بين عالم فقير الحال مثلي”.

    لم يكن هذا موقفًا سياسيًا مباشرًا بقدر ما كان تعبيرًا عن استقلالية المثقف، ورفضه توظيف المعرفة خارج سياقها الثقافي والتاريخي. هنا تتجسد فكرة «المثقف الفعّال» في بعدها الأخلاقي: مثقف يعرف حدود دوره، ولا يساوم على معنى مشروعه.

    لماذا نحتفل بالعبادي؟

    نحن لا نحتفل فقط برجل أعاد بناء مكتبة، بل بنموذج كامل في التفكير والعمل. من قاعة الدرس إلى المؤسسة الثقافية، ظل مصطفى العبادي يعمل بالمنطق نفسه: تحويل الفكر إلى واقع، والمعرفة إلى مسؤولية، والتاريخ إلى أداة لبناء المستقبل. لم يفصل يومًا بين البحث والمجتمع، ولا بين الثقافة والحياة اليومية.

    وجاءت هذه الندوة انعكاسًا لمنهج العبادي في قراءة التاريخ: لا بوصفه مادة للحنين، بل أداة للفهم والبناء. وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم عن مصير هذا النموذج من المثقفين: هل ما زال يوجد مثقفون قادرون على بناء إنسان، ثم مؤسسة، ثم وعي عام؟ أم أننا نكتفي بتكديس المعرفة دون أن تتحول إلى فعل؟ ربما يكون الاحتفاء بمصطفى العبادي محاولة للإجابة عن هذا السؤال.

     اقرأ أيضا:

    تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

  • «حمام عزوز».. وعود غير مُنجزة لترميم آخر حمام شعبي في رشيد

    «حمام عزوز».. وعود غير مُنجزة لترميم آخر حمام شعبي في رشيد

    في عام 1982، انطفأت نار موقد «حمام عزوز» بمدينة رشيد للمرة الأخيرة. حينها انتقلت ملكيته إلى هيئة الآثار، وسُجل كمبنى أثري ضمن خطة للترميم، إلا أنه ما يزال مغلقا حتى الآن، رغم إدراجه ضمن مشروع تحويل مدينة رشيد إلى متحف معماري مفتوح أمام السياحة العالمية.

    لا يُمكن فهم قيمة «حمام عزوز» دون إدراك السياق التاريخي لمدينة رشيد نفسها. ففي القرن السابع عشر الميلادي، أنشئ الحمام كوقف خيري لصالح مسجد زغلول، في وقت كانت فيه رشيد الميناء التجاري الأول في مصر، ومحطة التقاء القوافل من البحر المتوسط والدلتا.

    ومع ازدهار الحركة التجارية، برزت الحاجة إلى منشأة خدمية تليق بالمدينة، فظهرت الحمامات العامة ليس فقط كمقاصد للنظافة، بل كمراكز للرفاهية وملتقيات اجتماعية.

    وعود الترميم

    في ديسمبر 2024، نشرت الوحدة المحلية لمركز ومدينة رشيد بيانا بشأن متابعة إجراءات ترميم آثار المدينة التاريخية، بالتنسيق مع إدارة آثار رشيد. وركزت فيه على حمام عزوز المجاور لمسجد زغلول الأثري.

    وأكد البيان الحرص على الحفاظ على آثار المدينة والمناطق الأثرية بها، في ضوء توجيهات رئيس الجمهورية. لما تتمتع به رشيد من مكانة تاريخية علي خريطة الآثار العالمية، ووضعها بين المدن ذات التاريخ العريق.

    وأشار البيان إلى تأكيد أحمد حبالة، مدير تفتيش آثار رشيد، أن حمام عزوز مُدرج ضمن خطة وزارة الآثار لتحويل مدينة رشيد إلى متحف مفتوح. ووضعها على خريطة السياحة العالمية خلال 3 سنوات، بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2017.

    الشارع الذي يوجد فيه حمام عزوز برشيد.. تصوير: محمد عوض
    الشارع الذي يوجد فيه حمام عزوز برشيد.. تصوير: محمد عوض
    الأثر الباقي للحمامات الشعبية

    يقول محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بإدارة آثار رشيد: “كان يوجد بالمدينة سبعة حمامات شعبية، ولم يتبق منها سوى حمام عزوز. ومثل كثير من المنازل الأثرية في رشيد، نٌسب اسمه إلى مالكه الأخير في الخمسينيات. ثم تحول إلى أملاك أميرية بقرار من الملك فاروق. قبل أن تنتقل تبعيته إلى مجلس الآثار عقب تسجيله أثرا عام 1982”.

    تاريخ البناء بوظيفة خيرية

    يعود تاريخ إنشاء “حمام عزوز” إلى العام الحادي عشر الهجري، الموافق للقرن السابع عشر الميلادي. على يد مالكه الأول عبد الرحمن بن حجازي، وشهرته “ابن جامع”. ولم يكن الحمام مجرد مشروع استثماري، بل خصص كوقف خيري يُصرف ريعه على صيانة وترميم “جامع زغلول” الأثري.

    ويعد الحمام تحفة معمارية تتبع الطراز المملوكي في تخطيطها الداخلي، رغم نشأتها في العصر العثماني. حيث يعكس التصميم براعة في التعامل مع المساحات الضيقة. مع توفير الخصوصية الكاملة وضمان تدفق الحرارة والضوء.

    وبحسب وصف محمود الحشاش، يتكون الحمام من دورين؛ الدور الأرضي المخصص لعمليات الاستحمام والتطهر. والدور العلوي الذي كان مخصصاً لسكن صاحب الحمام. في نمط معماري يربط بين مكان العمل والسكن لضمان المراقبة المستمرة للموقد والنظام المائي.

    مدخل حمام عزوز.. تصوير: محمد عوض
    مدخل حمام عزوز.. تصوير: محمد عوض
    الناضورجي والمكيساتي

    يوضح الحشاش أن نظام عمل الحمام أفرز عددا من الوظائف داخله، تبدأ بـ”الناضورجي” وهو المسؤول عن مراقبة مدخل الحمام ومنع الغرباء، خاصة في الأيام المخصصة للنساء. و”الوقاد” المسؤول عن إشعال نار تسخين المياه، و”المكبساتي” المتخصص في تدليك الزوار. و”المدولباتي” المسؤول عن حفظ ملابس المستحمين في دواليب مخصصة.

    ويشرح طريقة الاستحمام التي تعتمد على التدرج الحراري، حيث ينتقل الجسد من البرودة إلى الحرارة تدريجيا. يبدأ المستحمون بالدخول إلى غرفة “المسلخ”، وهي الغرفة التي تستقبل الزائر. حيث يخلع ملابسه ويجلس على مصاطب رخامية للراحة.

    ثم ينتقل إلى “البيت الدافئ” لتهيئة الجسم، يليه “البيت الساخن” أو بيت الحرارة، وهو قلب الحمام وأكثر أجزائه سخونة. ويضم أحواضا ومغاطس ممتلئة بالمياه الساخنة، تعلوه قبة زجاجية تسمح بدخول الضوء دون تسرب الحرارة.

    نظام المياه والتسخين

    تعتمد تغذية الحمام بالمياه على ساقية أقيمت على فرع رشيد لنهر النيل المجاور. حيث ترفع المياه إلى حوض كبير أعلى سطح الحمام، ومنه تتدفق عبر مجارٍ مائية إلى حجرة التسخين. ولا تعتمد عملية التسخين على أخشاب الأشجار فقط. بل على قمامة المنازل التي كانت تجمع من شوارع رشيد وتحرق داخل غرفة الوقود. ما يساهم آنذاك في نظافة المدينة.

    كما استخدم الرماد الناتج كمواقد لتسوية “قدر  الفول”، بينما دخل المتبقي منه في مواد البناء. ومنح الطوب المنجور الشهير في بيوت رشيد لونه الداكن المميز.

    ومع تغير الزمن، تحولت الوظيفة البيئية للحمام إلى عبء. إذ أصبحت الشوارع المحيطة به مناطق لتجميع القمامة. ما أدى إلى طمس معالم الزخارف واختفاء الواجهة الشمالية خلف أكوام القمامة. خاصة مع تأخر تنفيذ خطة ترميم الحمام المعلن عنها منذ عام 2017 وحتى 2025.

    آثار تآكل الجدران على واجهة الحمام.. تصوير: محمد عوض
    آثار تآكل الجدران على واجهة الحمام.. تصوير: محمد عوض
    توثيق معماري

    في كتابه  “موسوعة رشيد” (الجزء الثاني: التراث العمراني)، يقدم الدكتور محمود أحمد درويش دراسة معقدة وعميقة لحمام عزوز، باحثا في “فلسفة العمارة الرشيدية” التي توازن بين الوظيفة والجمال. ويوضح أن حمام عزوز أثر فريد، ليس فقط في رشيد، بل لكونه الحمام العثماني الوحيد الباقي في الوجه البحري. والذي احتفظ بملامحه المعمارية الكاملة حتى وقت قريب.

    ويشير إلى أن استخدام “الطوب المنجور” المكسو بالملاط يعكس قدرة العمارة المحلية على التكيف مع الرطوبة العالية. إذ تعمل هذه المواد كجدران “متنفسة” تمنع تآكل البناء من الداخل بفعل الأبخرة.

    كما أن القباب الضحلة المزودة بفتحات من الزجاج الملون كانت تهدف إلى خلق نوع من “العلاج بالضوء”. حيث تنكسر أشعة الشمس بألوان مختلفة فوق البخار الكثيف. مما يمنح شعورا بالراحة النفسية والهدوء، ليصبح الحمام أكثر من مجرد “مرفق صحي” بل “عملا فنيا”.

    ذاكرة شعبية

    في الشارع المقابل لمدخل حمام عزوز، يقف فتحي داخل ورشة لتشكيل الحديد، يجلس لدقائق مستعيدا ذكرياته عن آخر مرة شهد فيها الحمام يعمل. ويقول: ” أتذكر كنت صغيرا عندما رأيت الحمام يعمل في أواخر السبعينيات. وحكى لي والدي عن فترات مجده في الخمسينيات والستينيات”.

    يقترب عمر فتحي من الستين عاما، ويدير ورشة الحدادة المقابلة للحمام كإرث عائلي، ويضيف: “نري وفودا سياحية تأتي لمشاهدة الحمام من الخارج أو عبر الشبابيك المفتوحة. وبرضو زيارات رسمية ومناقشات للترميم لكن التطوير ما بدأش فيه. زي البيوت التانية، يمكن يرجعوا يشغلوا الحمام تاني زي ما كان زمان”.

    اقرأ أيضا:

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

    «القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

  • من جزر النيل إلى أشتوم.. المناطق الرطبة رئة الأرض وصون التراث التقليدي 

    من جزر النيل إلى أشتوم.. المناطق الرطبة رئة الأرض وصون التراث التقليدي 

    في الثاني من فبراير من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للأراضي الرطبة، تأكيدا لدورها في مواجهة التغير المناخي والتلوث الكربوني. ويعد شعار عام 2026: «الأراضي الرطبة والمعارف التقليدية: الاحتفاء بالتراث الثقافي» نموذجا للتعايش المصري. وحرف تقليدية تعتمد على نباتات ظهرت على ضفاف النيل والبحيرات الشمالية.

    وبحسب تعريف الأمم المتحدة، فإن الأراضي الرطبة هي «أنظمة بيئية يكون الماء فيها هو العامل الأساسي الذي يتحكم في البيئة والحياة النباتية والحيوانية المرتبطة بها. ويشمل هذا التعريف الواسع كلا من المياه العذبة والنظم الإيكولوجية البحرية والساحلية. مثل البحيرات والأنهار ومستودعات المياه الجوفية والمستنقعات، والأراضي العشبية الرطبة والأراضي الخثية والواحات. ومصبات الأنهار والدلتا ومسطحات المد والجزر وأشجار المانجروف والمناطق الساحلية الأخرى والشعاب المرجانية. إضافة إلى مواقع الأنشطة البشرية مثل أحواض السمك وحقول الأرز والخزانات وأحواض الملح».

    محمية أشتوم الجميل

    يشرح الدكتور حسين رشاد، الخبير بقطاع المحميات الشمالية بوزارة البيئة، أن “الأراضي الرطبة هي المناطق التي تتقاطع فيها التربة الأرضية مع المياه المالحة أو العذبة. ويتراوح عمقها من أقل من متر واحد إلى ستة أمتار”.

    ويقول: “محمية أشتوم الجميل وبحيرة المنزلة من أهم المناطق الرطبة في مصر. حيث تضم منطقة تنيس الأثرية إلى جانب القطاعين البحري والمائي”. ويضيف أن المحمية، باعتبارها أرضا رطبة، تتمتع بقدرة على معالجة نفسها من الملوثات. كما تعد الأراضي الرطبة رئة الأرض بعد الغابات الاستوائية، ولديها قدرة عالية على التعامل مع الغازات. وبخاصة غازات الاحتباس الحراري.

    كما يؤكد: “الأراضي الرطبة تمتص كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون. وبما أن مصر لا تمتلك غابات، تقوم أشجار المانجروف في البحر الأحمر، إلى جانب الأراضي الرطبة الموجودة في  15 بحيرة، بالدور نفسه. إذ تعد الرئة الحقيقة لمصر”.

    قارب صيد يبحر في بحيرة المنزلة بين أشجار مائية تصنف من الأراضي الرطبة.. تصوير: محمد عوض
    قارب صيد يبحر في بحيرة المنزلة بين أشجار مائية تصنف من الأراضي الرطبة.. تصوير: محمد عوض
    ماذا تعني “رامسار” 

    يُقصد بتسجيل الأراضي الرطبة باتفاقية  “رامسار” إدارجها ضمن المعاهدة التي وُقعت في مدينة رامسار الإيرانية عام 1971. لتوفير إطار للعمل الوطني والتعاون الدولي من أجل صون الأراضي الرطبة واستخدام مواردها بشكل حكيم. وتضم مصر حالياً أربعة مواقع رئيسية مسجلة ضمن قائمة الأراضي الرطبة، هي: “بحيرات البردويل، والبرلس، وقارون، ووادي الريان”. بينما تُصنف مناطق أخرى لم تسجل بالاتفاقية، مثل محمية أشتوم الجميل، والبحيرات الشمالية، والبحيرات المرة، وجزر النيل، ومناطق بساحل البحر الأحمر.

    رئة الأرض 

    يبتسم رشاد وهو يقول: “البحيرات هي رئة مصر، تخيل 15 رئة موجودة في مصر. وتعد بحيرة المنزلة أكبر بحيرة طبيعية، إذ تبلغ مساحتها تقريبا 1000 كيلومتر مربع. وتمتص غاز ثاني أكسيد الكربون من خلال حجم النباتات القادرة على امتصاص الكربون وتخزينه في الرواسب”.

    ويضيف: “الحق يقال إن بحيرة المنزلة كانت ملوثة حتى فترة قريبة، إلى أن بدأ الرئيس المشروع القومي لتطوير البحيرات الشمالية في مايو 2017. ما زاد من أعماق البحيرة وإزالة جزر الأعشاب الصغيرة، الأمر الذي زاد من قدرتها على استيعاب الارتفاع المتوقع في منسوب البحر المتوسط”.

    ويؤكد أن تطهير البحيرات الشمالية وإتاحة الفرصة للنباتات البحرية للتعافي يعتبر من أهم الحلول القائمة على الطبيعة”.

    النيل في المنيا.. تصوير: محمد عوض
    النيل في المنيا.. تصوير: محمد عوض
    ماذا يهدد الأراضي الرطبة؟

    في تقرير لوزارة البيئة عن الأراضي الرطبة والتهديدات التي تواجه النظم البيئية للأراضي الرطبة والمياه الداخلية. تم تحديد أبرز التهديدات في عمليات التجفيف لصالح مشروعات استصلاح الأراضي ومشروعات التوسع العمراني.

    فقد تقلصت مساحة بحيرة البرلس من 136 ألف فدان عام 1953 إلى 101 ألف فدان عام 2000. أي فقدت أكثر من ثلث مساحتها، نتيجة التوسع الزراعي الذي أدى إلى زيادة كميات مياه الصرف الزراعي التي تصب في البحيرة. مع تراجع حيز مياه البحر المالحة.

    ويعني ذلك فقدان بيئة المياه المالحة وتنوعها البيولوجي. إذ اختلطت مياه الصرف الزراعي بمياه الصرف الصحي من المدن والقرى المجاورة، إضافة إلى مياه الصرف الصناعي. وهو ما يحمل ملوثات تؤثر سلبا على البيئة والكائنات الحية.

    البردي يعود للحياة من “القراموص”  

    إلى جانب الأهمية البيئية للأراضي الرطبة، يبرز الترابط الثقافي من خلال تطويع النباتات. وتعد تجربة قرية “القراموص” نموذجا لتطبيق المعارف التقليدية المرتبطة بنباتات الأراضي الرطبة. فالقرية لا تزال تحتفظ بزراعة نبات البردي وتحويله إلى أعمال فنية تحاكي التاريخ المصري القديم، مستخدمة شتلات من حديقة الأورمان منذ سبعينيات القرن الماضي. لتتحول إلى ما يشبه مصنعا مفتوحا لإنتاج أوراق البردي وتصديرها للسياحة العالمية.

    النيل في أسوان.. تصوير: محمد عوض
    النيل في أسوان.. تصوير: محمد عوض
    حصير السمار

    في قرى محافظات المنوفية والفيوم والشرقية، ينشط نبات السمار الذي ينمو على حواف الترع والمصارف. ويتحول إلى حرفة شعبية متوارثة لصناعة الحصير، ليكون الفرش الأساسي في البيوت والمساجد والمضايف الريفية، ولا يزال يحتفظ بقيمته كمنتج طبيعي صديق للبيئة.

    وفي الفيوم وبحيرة قارون، أحد أكثر المواقع جاذبية لتعشيش الطيور، تم رصد أكثر من 226  ألف طائر مائي في عام 2010. كما تدعم المحمية أنواعا من الثدييات المهددة بالانقراض. مثل غزال الريم والغزال العفري، بالإضافة إلى حيوانات أخرى كالضبع المصري والثعلب الأحمر. ما يجعلها مقصدا للسياحة البيئية من خلال رحلات السفاري وركوب القوارب وزيارة مناطق الحفريات والآثار القديمة.

    ثروة المانجروف الرطبة

    يقول الدكتور عادل سليمان، رئيس جمعية “بيئة بلا حدود”: “تعد أشجار المانجروف في نطاق البحر الأحمر، خاصة في مرسى علم وشلاتين، من أكثر المناطق الرطبة كفاءة. فالمانجروف لا تعد مجرد شجرة، بل نظاما بيئيا قادرا على التعامل مع عناصر متعددة. فضلا عن قدرته العالية على عزل الكربون، حيث تشير دراسات إلى تفوقه على الغابات بخمسة أضعاف”.

    ويضيف بحماس: “نحن نتحدث عن نظام بيئي فريد، يتمثل في أشجار لديها القدرة على تحلية المياه. وتعد موائل لحياة الطيور وحواضن للأسماك”.

    مشروع إكثار المانجروف سفاجا.. الصورة من صفحة جمعية بيئة بلا حدود على فيسبوك
    مشروع إكثار المانجروف سفاجا.. الصورة من صفحة جمعية بيئة بلا حدود على فيسبوك

    يدير سليمان مشروعا لإكثار المانجروف في محمية مرسي علم و محمية وادي الجمال جنوب الغردقة. ويقول: “تجربة الإكثار داخل محمية وادي الجمال تسهم في إعادة غابات كانت كثيفة بالمنطقة من أشجار المانجروف. بعدما تعرضت لتأثيرات سلبية كبيرة، أبرزها الرعي الجائر من السكان المحليين والتغيرات المناخية”.

    ويحكي أن أحد كبار السن من السكان المحليين أخبرهم بأن المنطقة، قبل نحو 6 أعوام، كانت تضم غابات كثيفة من المانجروف. لكنها اختفت نتيجة تغير المناخ واختلاف درجات الحرارة وتأثيرات المد والجزر. إذ تبتعد المياه أحيانا وتتعرض الأشجار للجفاف.

    وبفضل مشروع “بيئة بلا حدود”، ساهم برنامج إكثار شجرة المانجروف في زراعة  15 ألف  شتلة. إلى جانب دعم المحمية بصوبتين للإكثار، لصالح المجتمع المحلي ومحمية وادي الجمال.

    اقرأ أيضا:

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

    «القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

  • «باسم خندقجي» في الإسكندرية: أمواج البحر أشعرتني بالحرية

    «باسم خندقجي» في الإسكندرية: أمواج البحر أشعرتني بالحرية

    حلّ الكاتب الفلسطيني «باسم خندقجي» ضيفا بمركز الجزويت الثقافي بالإسكندرية، في لقاء مفتوح مع الجمهور. ولم يقتصر النقاش، الذي أدارته الكاتبة المصرية هند جعفر، على رواية «قناع بلون السماء» الحاصلة على جائزة البوكر، بل امتد إلى مناقشة العديد من القضايا الأدبية والفنية والسياسية أيضا.

    وقدمت هند جعفر الكاتب الفلسطيني باسم خندقجي للجمهور بوصفه كاتبا فلسطينيا ولد عام 1983 في مدينة نابلس. مشيرة إلى أنه في نوفمبر عام 2004 تم اعتقاله من قبل قوات الاحتلال، وقضى في الأسر 21 عاما. دون أن يمنعه ذلك من ممارسة نشاطه الأدبي. وأضافت أن له عددا من الدراسات المنشورة في دوريات عربية معروفة. مؤكدة أن رواية “قناع بلون السَّماء” تُعد رواية فارقة. لأنها أعادت تقديم السردية الفلسطينية بشكل كان العالم في حاجة إليه. خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر.

     أمواج البحر أشعرتني بالحرية

    في بداية حديثه، عبر الكاتب الفلسطيني «باسم خندقجي» عن سعادته بوجوده في الإسكندرية، قائلاً: “على الرغم من أن هذه زيارتي الأولى للمدينة، فإنني كنت أتخيل الإسكندرية دائما. وهذه هي المرة الأولى منذ 25 عاما التي أرى فيها البحر وأنصت لأمواجه، وهو ما أشعرني بالحرية الحقيقية”.

    وتابع أنه لم يجد الإسكندرية في الواقع كما تخيلها. إذ كان يتصورها كما ظهرت في كتابات أسامة أنور عكاشة، لكنها لا تزال مدينة جميلة، ويرغب في قضاء مزيد من الوقت لاكتشافها. مشيرا إلى أنه شعر بذاته بشكل خاص أثناء زيارته لمكتبة الإسكندرية.

    وأشار «خندقجي» بألم، إلى أن معاناة الأسرى في سجون الاحتلال اختلفت بعد أحداث السابع من أكتوبر، وتحولت إلى مكان إبادة حقيقية. فقبل ذلك كان السجون تضم كراسات وأوراقا وأقلاما وكتبا ومكتبات تضاهي مكتبات الجامعات. وهو ما جاء نتيجة نضال الأسرى داخل السجون، والإضرابات عن الطعام أحيانا. كما كانت هناك فرص للحصول على درجات علمية. بل وتمكن بعض السجناء من تهريب وسائل اتصال في أوقات معينة. إلا أن واقع السجون تغير تماما بعد السابع من أكتوبر، حيث جرى حرق الكتب وإبادة المكتبات بالكامل.

    الكاتب الفلسطيني باسم خندقجي يوقع على روايته للجمهور.. تصوير: دعاء عبدالحميد
    الكاتب الفلسطيني باسم خندقجي يوقع على روايته للجمهور.. تصوير: دعاء عبدالحميد
     السجن سبب إبداعي الأدبي

    أوضح «خندقجي» أن الحكم عليه بالمؤبد كان يعني السجن مدى الحياة لدى قوات الاحتلال. أي ما يعادل حكما بالسجن لمدة 300 عام، قضى منهم 21 عاما متنقلا بين مختلف السجون الصهيونية من الشمال للجنوب. ومثّل ذلك تحدياً كبيراً أمام ممارسته للكتابة، فكان يختزل الوقت أحيانا ويكتب بسرعة في أحيان أخرى. لكنه اعترف بأن السجن، كما سلبه حريته، كان سبباً في إبداعه الأدبي.

    وعن رواية “قناع بلون السَّماء” الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكَر”، قال «خندقجي» إن هدفه الأساسي من كتابتها لم يكن نيل الجائزة. رغم سعادته بها، وإنما الكتابة من أجل الحرية. وأضاف أنه حوّل السجن إلى شرفة يطل منها على العالم ويصرخ في وجهه، دون أن يسجل معاناة سطحية.

    وتحدث عن طقوسه في الكتابة داخل السجن، موضحا أن الكتابة كانت سرية، إذ لم يكن يجب أن يراه السجّان. كما كان حريصا على ألا يراه زملاؤه الأسرى أيضا. وكان يستيقظ مبكراً في الخامسة صباحاً ليبدأ الكتابة. ثم يخفي أوراقه داخل زنزانته أو في زنزانات أخرى. وأكد أن “الخيال” كان صديقه المخلص، قائلا: “كنت أحلم وأتخيل المشاهد، حتى إنني وصفت منطقتي الأزهر والحسين في مصر دون أن أزورهما قط. وعندما قرأها مروان البرغوثي، زميلي في السجن، وكان قد زار مصر من قبل، أكد لي أن الوصف دقيق للغاية”.

     اضطُهدت بسبب الجائزة 

    استرجع «خندقجي» لحظة معرفته بحصوله على جائزة “البوكر”، قائلاً: “بمجرد دخولي القائمة القصيرة للجائزة، قاموا بتضييق الخناق علي، والتحقيق معي من قبل جهاز الشباك. وليس ضباط السجن، وهو أمر غير معتاد”. وأضاف أن التحقيق تناول كل التفاصيل، ما جعله يستنتج فوزه بالجائزة.

    وتابع أنه نتيجة التعذيب والاضطهاد الشديدين، صرح بكل ما بداخله من مشاعر، قائلا لمحققيه: “لو كنت أعلم أن كتابتي ستغضبكم، لكنت كتبت العشرات من الكتب”. وعلى الرغم من كل هذا العذاب، فإنه شعر بالانتصار، لأن خوفهم الشديد كان واضحا، موضحا أن هدف السجّان الأساسي هو محو الهوية والملامح الفلسطينية. وهو ما أدركوا وجوده بقوة في كتاباته، ومن هنا جاء خوفهم.

    ارتداء القناع الصهيوني

    على جانب آخر، دافع «خندقجي» عن نموذج الفلسطيني الذي يضطر أحيانا إلى ارتداء “القناع الصهيوني” في سبيل لقمة العيش. فأحيانا يقوموا بتزوير الهوية للحصول على عمل، مؤكدا أن ذلك لا يؤثر على الجوهر الفلسطيني. كما سليط الضوء في إحدى رواياته على هذه الفكرة، ودافع عنها، متناولا كذلك أوضاع فلسطينيي (عرب 48) الموجودين داخل الأراضي المحتلة. وكيف ينظر لهم باقي الفلسطينيين والعرب.

    ووصف فلسطينيي الداخل بأن هويتهم الفلسطينية أكثر نضجا. لأنهم يشتبكون يوميا مع الاحتلال في مختلف مناحي الحياة. ويعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية، دون امتيازات، ومحرومين من بعض المهن والوظائف. وأشار إلى أن عددهم اليوم يقارب مليوني مواطن، ويمثلون أكبر خطر ديموغرافي على الصهاينة. مؤكدا أنهم ما زالوا صامدين على أرضهم رغم الاضطهاد، ونجحوا في تقديم إبداعاتهم بأشكال مختلفة داخل فلسطين وخارجها.

    كُتاب أثروا في إبداعه

    قال «باسم خندقجي» إنه كان يعشق قراءة روايات الجيب المصرية؛ وأعمال نبيل فاروق، وروايات الجاسوسية مثل “أدهم صبري”، “ورأفت الهجان”. وخلال زيارته لمعرض القاهرة للكتاب، قام بشراء عدد كبير منها، فهو يراها نموذجا للبطل الخارق المصري العربي. وأضاف أنه قرأ الأدب الصهيوني خلال فترة سجنه باللغة العبرية التي تعلمها وأتقنها في السجن أيضا.

    وأشار إلى أن الكاتب إلياس خوري، الذي كان لكتاباته تأثير كبير عليه رغم كونه لبنانيا. موضحا أنه علم بخبر وفاته بعد 10شهور وتأثر كثيراً بذلك. كما تأثر برحيل الكاتب العظيم صنع الله إبراهيم، وزياد رحباني، وغسان كنفاني. معتبرا هؤلاء آخر العظماء من الكُتاب.

    وكشف «خندقجي» أن هناك عرضين لتحويل رواية “قناع بلون السَّماء” إلى عمل سينمائي. لكنه لن يتحدث عن التفاصيل حتى يكتمل المشروع.

    اقرأ أيضا:

    الشباب والفن والتراث.. كيف أعاد «إسكندرونا» قراءة تاريخ المنشية الصغرى؟

    قراءات جديدة في العمارة والأدب السكندري خلال فعاليات «أيام التراث»

    المعماري محمد عوض في افتتاح «أيام التراث السكندري»: «هل يمكن أن يكون للمدينة DNA؟»

  • تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

    خلال أيام قليلة، تودع الإسكندرية، ترامها الشهير بعرباته الصفراء والزرقاء التي طالما جابت شوارعها منذ عام 1863. الترام، الذي يعد الأقدم في إفريقيا والشرق الأوسط، لم يكن مجرد وسيلة لنقل الركاب، بل أيقونة بصرية وجزءاً لا يتجزأ من الهوية السكندرية الكلاسيكية.

    إذا اطّلعنا على بعض الصور القديمة للإسكندرية، التي تُظهر ميدان سعد زغلول وجزءًا من شارع صفية زغلول. سنلاحظ بوضوح وجود قضبان لترام الإسكندرية. وإذا عدنا إلى الخرائط القديمة، قبل خمسينيات وستينيات القرن الماضي. سنجد أن خطوط الترام كانت تمتد في شوارع يصعب علينا اليوم تخيّل أنها احتضنت يومًا هذا الصوت الحديدي المتحرّك.

    هذا الاختفاء لا يدفعنا إلى البحث في تاريخ الترام من أجل معارضة تطويره. بل من أجل فهم الماضي: كيف تشكّلت المدينة؟ وكيف تمدّدت؟ وكيف صنعتها عربة لم تُخترع في الأصل لنقل الركاب، بل للمناجم؟

    الترام مثل الحكواتي

    نصعد سلم الترام، ونشتري التذكرة من الكمسري ذو البدلة الزرقاء، وإذا حالفنا الحظ نجد مقعدًا فنطلّ من نافذته. ومع صرير عجلاته الحديدية وهي تستعد للسير على القضبان، تبدأ رحلتنا.

    مثل الحكواتي، يسير الترام بنا ويطلعنا على مشاهد متعددة: بحر الإسكندرية، العمارات، المقاهي، العربات، سكان المدينة، أكشاك بيع الجرائد، ورجال المرور وهم ينظمون الحركة في الشارع. ومن هذه النافذة، نشعر وكأننا لا نتحرك في المكان فقط، بل نسير بالزمن داخل مسرح المدينة الممتد عبر السنين.

    وهنا يبرز سؤال بسيط: كيف كانت الإسكندرية قبل أن يدخل الترام إلى شوارعها؟

    صورة من داخل الترام.. تصوير: ميرنا جوهر
    صورة من داخل الترام.. تصوير: ميرنا جوهر
    الإسكندرية قبل الترام

    وفقًا لما ورد في كتاب «تطور النقل والمواصلات الداخلية في مصر في عهد الاحتلال البريطاني 1882-1914». يمكن القول إن قصة ترام الإسكندرية بدأت مع حصول السير إدوارد سان جون عام 1860 على امتياز لإنشاء خط سكة حديد يصل بين مدينة الإسكندرية ومنطقة الرمل.

    وكان المقصود بمدينة الإسكندرية في ذلك الوقت هو قلبها التاريخي حول المنشية ومحطة الرمل. حيث تركزت الإدارة والتجارة والسكن، بينما كانت المناطق الشرقية ضواحي ومصايف خارج العمران.

    وكان الهدف من المشروع فتح الامتداد الشرقي للمدينة. فبدأ التنفيذ خلال عامين. وفي عام 1863 تم تشغيل الخط بالقوة البخارية بدلًا من الخيول، وكان يبدأ من محطة الرمل باتجاه منطقة الشيخ إسماعيل (بولكلي حاليًا). كما تم تأسيس شركة سكة حديد الإسكندرية والرمل.

    وفي عام 1869 افتتح أول ترام يجرّه حصان بين الإسكندرية ومنطقة شوتس شرق المدينة. ثم امتدت الخطوط لاحقًا إلى سان ستيفانو وزيزينيا، مستخدمة الخيول والبخار.

    الترام رسميا على خط الإسكندرية- فيكتوريا

    مع نهاية القرن التاسع عشر، استحوذت شركة بريطانية على تشغيل الشبكة عام 1890، وبدأت خطة تحويلها إلى الكهرباء. وفي عام 1903 انطلق الترام الكهربائي رسميًا على خط الإسكندرية- فيكتوريا بطول نحو 14.5 كيلومتر. لتتوسع الشبكة بعدها في اتجاهات متعددة، وتنشأ مسارات موازية في مناطق مثل سيدي جابر، وتُدخل عربات جديدة. وذلك وفقًا لكتاب «Tram and Trolly in Africa».

    وبالبحث في خرائط الإسكندرية القديمة وبعض الصور الأرشيفية. نرى بوضوح أن خطوط الترام كانت تمتد في شوارع مثل السلطان حسين وصفية زغلول، بينما لا يوجد اليوم أي أثر لها. وخلال العقود التالية، أخذت الخطوط تترابط وتنفصل. ويُعاد ربطها مرة أخرى. كما شهدت إنشاء أنفاق قصيرة وتحديثات متكررة، وإلغاء بعض الخطوط في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

    ولم تكن هذه الخطوط مجرد وسائل نقل، بل كانت طرقًا دخلت منها المدينة إلى نفسها. وربطت أماكن لم تكن يومًا جزءًا واحدًا قبل أن يمر بها الترام.

    خريطة للإسكندرية عام 1938 تُظهر امتداد خط الترام في شارع السلطان حسين، أحد المسارات التي اختفت لاحقًا من المدينة.. الصورة من من خرائط مكتبة الإسكندرية
    خريطة للإسكندرية عام 1938 تُظهر امتداد خط الترام في شارع السلطان حسين، أحد المسارات التي اختفت لاحقًا من المدينة.. الصورة من من خرائط مكتبة الإسكندرية
    الترام بين التطوير والماضي

    حين نركب الترام اليوم، لا نرى فقط الإسكندرية من نافذته. بل نرى أنفسنا داخل مدينة تتشكل مساراتها أحيانًا بعيدًا عن قاطنيها.

    فحين يُعلن عن التطوير، وتُعرض الخرائط والخطط. تظل التفاصيل في كثير من الأحيان غير واضحة لمن يعتمدون على الترام يوميًا. مثل العامل والطالب والموظف وغيرهم. وبين ما يخطط على الورق وما يُعاش في الواقع، يبقى المستخدم العادي في موضع المراقب أكثر منه شريكًا في النقاش. رغم أن الترام كان في قلب كل تحول عمراني شهدته المدينة.

    ففي الإسكندرية، لم يكن الترام مجرد وسيلة مواصلات، بل كان سببًا في اتساع المدينة وظهور أحياء جديدة. كما أن المواصلات ترسم وتحدد شكل حياتنا اليومية. وتحدد المسافة بين البيت والعمل، وبين الناس بعضهم وبعض. لذلك يعد تطوير الترام أمرا ضروريًا. لكن القلق لا يأتي من التطوير نفسه، بل من الطريقة التي قد يتم بها: فهل سيجعل التنقل أسهل فعلًا، أم سيضيف ازدحامًا جديدًا؟

    التاريخ بوصفه صلة المستقبل

    إن أهمية التاريخ لا تأتي من كونه مجرد مادة للتذكر أو الحنين للماضي، بل من كونه أداة للفهم والتعلم. فما نظنه اليوم طبيعيًا وبديهيًا، كان في الأصل نتيجة قرارات واستثمارات وخيارات سياسية.

    فعلى سبيل المثال، كانت بعض أحياء الإسكندرية، مثل زيزينيا وسان ستيفانو، منفصلة عن المدينة في وقت ما. قبل أن يربطها الترام بمركزها. وهكذا حوّل الجغرافيا من ملكيات متناثرة إلى مدينة واحدة مترابطة.

    وإذا كان الترام قد ساهم يومًا في صناعة مدينة واحدة من عزب وقرى متفرقة. فإن السؤال اليوم ليس: هل نطوّره أم لا؟ بل: هل نفهم ما الذي صنعه أصلًا؟ لأن ما نعتقد أنه نشأ طبيعيًا.ت كان في يوم ما نتيجة قرار، ويمكن أن يكون اليوم نتيجة قرار آخر.

    اقرأ أيضا:

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

  • مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

    مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

    لو كان الحنين إلى الماضي طبقًا من الطعام، كيف سيكون طعمه؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكن حين طرحه عليّ خوان كارلوس، أحد مؤسسي مشروع Footnotes لاستكشاف الإسكندرية سيرًا على الأقدام، فتح بابًا واسعا للتأمل في نوع الحنين الذي نحمله تجاه المدينة. هل هو حنين إلى ماضٍ عشناه فعلًا، أم إلى ماضٍ متخيل عن الإسكندرية الكوزموبوليتانية في مطلع القرن العشرين، دون أن نكون قد عاصرناه؟

    وهم معرفة التاريخ

    كثيرًا ما نعتقد أننا نعرف تاريخ الإسكندرية، نتغنى بأنها كانت مدينة جميلة ذات طابع مميز، ثم نبكي عليها معتقدين أنها مدينة بائدة، وينتهي الحديث عند هذا الحد. ومن خلال صور قديمة لبعض الأحياء، مثل الحي اللاتيني، نصنع وهم المعرفة، وهو ما يمنعنا عن طرح الأسئلة أو محاولة الاكتشاف الحقيقي.

    منهج لا جولة سياحية

    أثناء إحدى جولات Footnotes، التي أسسها الزوجان المصري والجواتيمالي وفاء عبد العزيز وخوان كارلوس، بدا هذا الوهم جليًا. إذ يضعان اقتباسًا على خريطة إحدى الجولات يقول: “الإسكندرية مدينة لا تكشف عن نفسها بسهولة. قبل أن تمنحك أسرارها، تحتاج إلى وقت، ودراسة، وحب”.

    هذا الاقتباس ليس مجرد كلام شاعري، بل يمثل منهجا في التعامل مع المدينة، ليس فقط كمدينة سياحية، بل نصّا مركّبا متعدد الطبقات يحتاج إلى تفكيك. فوفاء باحثة ماجستير في علم المصريات ولديها خلفية في التراث، بينما عمل خوان وسيطا ثقافيا لدى منظمة الأمم المتحدة. هذا التنوع في الخلفيات انعكس على طبيعة الجولات، التي تمزج بين المعرفة الأكاديمية والسرد الإنساني. وبين التاريخ الرسمي والتجربة الشخصية.

    خريطة لجولة Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
    خريطة لجولة Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
    المشي كأداة للمعرفة

    هنا يتحول التجوّل من فعل عابر إلى أداة للاكتشاف. فحين نمشي بغرض المعرفة، نبطئ إيقاعنا، وتبدأ حواسنا في التقاط ما كنا نتجاهله، ساحة، أو مبنى، أو تفصيلة صغيرة تثير تساؤلا لم يكن مطروحًا من قبل. وخلال الجولة، ظل سؤال يلاحقني: هل نستطيع القول إن هذه المدينة هي الإسكندرية نفسها، بينما يتغير جزء منها عامًا بعد عام؟

    الإسكندرية وسفينة ثيسيوس

    الإسكندرية مدينة أُحرقت بعض أجزائها مع دخول يوليوس قيصر، ثم دُمّرت أجزاء أخرى عام 1882 على يد البحرية الإنجليزية. ومع ذلك وُلدت مرة أخرى، ولكن بشكل مختلف. هذا التغيّر المستمر يذكّر بالمفارقة الفلسفية لسفينة ثيسيوس، التي تستبدل أجزاؤها قطعة بعد قطعة حتى تتغير بالكامل. فهل تظل السفينة نفسها أم تصبح سفينة أخرى؟

    السؤال ذاته ينطبق على الإسكندرية: هل هي مدينة واحدة تتغيّر، أم مدن متعاقبة تحمل الاسم نفسه؟

    وفاء عبد العزيز تشرح تاريخ أوبرا سيد درويش.. تصوير: ميرنا جوهر
    وفاء عبد العزيز تشرح تاريخ أوبرا سيد درويش.. تصوير: ميرنا جوهر
    أوبرا سيد درويش.. طبقات من الثقافة

    في إحدى محطات الجولة، نقف أمام واحدة من أبرز علامات الحي اللاتيني: أوبرا سيد درويش في شارع فؤاد. تأخذنا وفاء في رحلة عبر العصور لتكتشف أن هذا المكان لم يكن وليد القرن العشرين، بل كان مركزًا للثقافة والمعرفة منذ زمن بعيد. فقبل الأوبرا الحالية، كان هناك مسرح أقدم هو مسرح زيزينيا، شُيد عام 1864. وخلال أعمال الحفر آنذاك عُثر على تمثال للإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس.

    حين تعود الوظيفة لا المبنى

    لم يكن ماركوس أوريليوس مجرد إمبراطور، بل كان فيلسوفًا رواقيًا أيضًا، وتشير وفاء إلى أن وجود تمثاله في هذا الموقع يدل على أن المكان كان يحمل قيمة معرفية وثقافية كبيرة قبل قرون طويلة من بناء المسرح. والمثير هنا، كما توضح، ليس الاكتشاف الأثري في حد ذاته، بل ما يحمله من دلالة. فحتى إن لم يكن من أمروا ببناء المسرح على علم بما كان مدفونًا تحته، عاد المكان ليؤدي الدور ذاته بعد قرون.

    وكأن الثقافة في الإسكندرية تُبنى فوق نفسها، لا تمحو ما قبلها، بل تعيد إنتاجه في صورة جديدة. وهنا تتردد مقولة جاستون زانانيري: “رغم أن الإسكندرية يبلغ عمرها ألفي عام، فإنها لا تزال الإسكندرية. هناك دائمًا شيء من الماضي يعود في كل لحظة”.

    ساحة المتحف اليوناني الروماني.. تصوير: ميرنا جوهر
    ساحة المتحف اليوناني الروماني.. تصوير: ميرنا جوهر
    ذاكرة المكان الحركية

    هذا التداخل بين الأزمنة لا يقتصر على المسارح ودور الأوبرا، بل يظهر أيضًا في الاستخدام اليومي للأماكن. ففي وقتنا الحاضر، شاع استخدام ساحة المتحف اليوناني الروماني، بعد تطويرها وإعادة افتتاحها، لممارسة لعبة الباتيناج. وهي ظاهرة تبدو حديثة، لكنها في الحقيقة امتداد لاستخدام أقدم للمكان.

    فبحسب ما يذكره خوان ووفاء، كان يوجد على الجانب الآخر من هذه الساحة كازينو حديقة روزيتا، الذي احتوى على حلبة تزلج كبيرة للباتيناج، قبل أن يهدم ويقام مكانه مبنى باراسكيفاس. ومع اختفاء الكازينو، انتقلت ممارسة اللعبة إلى الجهة المقابلة أمام المتحف.

    يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه عودة للاستخدام، وإن تغيّر المكان، وكأن الذاكرة الحركية للمدينة أكثر عنادًا من عمارتها.

    طعم النوستالجيا

    مع اقتراب الجولة من نهايتها، يتحول الحديث من الأماكن إلى ما تتركه فينا، لنعود مجددا إلى سؤال النوستالجيا. يصفها خوان بأنها تشبه القهوة، مُرّة وحلوة في آن واحد، بينما تراها وفاء مثل العسل بالطحينة؛ خليط لا يمكن فصل حلاوته عن مرارته.

    إجابتان مختلفتان، لكنهما تتفقان على أن الحنين ليس شعورًا صافياً، بل تجربة مركّبة، مرتبطة بالثقافة والذاكرة.

    الزوجان في إحدى جولات Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
    الزوجان في إحدى جولات Footnotes.. تصوير: ميرنا جوهر
    الذاكرة طعم عابر

    يحكي خوان بابتسامة عن محل ألبان وادي النيل بالمنشية، الذي يعمل منذ عام 1947، وكيف أعاده طعم الحليب الطبيعي إلى طفولته في جواتيمالا. لم يكن هذا الأمر استدعاءً لذاكرة كاملة، بل ومضة حسية عابرة. موقف صغير يوضح أن الذاكرة أحيانًا لا تظهر كصورة، بل كطعم يزورنا فجأة يختفي.

    لماذا footnotes؟

    هذا التركيز على التفاصيل الصغيرة هو ما يقود إلى اسم الجولات نفسه. يشرح الزوجان أن اختيار اسم Footnotes (الحواشي السفلية) جاء ليعبر بدقة عن منهجهما. فالحكايات التي يرويانها ليست فصولا كاملة من كتب التاريخ، بل تفاصيل صغيرة جدا لا تتعدى الأسطر أو الصفحات. وهذا تماما مثل الحواشي السفلية هي معلومة صغيرة في بعض الأحيان نتجاهلها أو ننتظر عندما ننهي الصفحة لكي نقرأها وحين نقرأها نكتشف أنها مهمة وتجعلنا نفهم أكثر وبشكل أعمق. فالإسكندرية ليست نصًا مباشرًا، بل كتابًا مليئًا بالحواشي، يحتاج إلى قراءة بطيئة.

    في النهاية، قد لا تقدم جولات Footnotes إجابة قاطعة عما إذا كانت الإسكندرية مدينة واحدة أم مدنًا متعددة، لكن المؤكد أنها تمنحنا ما هو أهم: “القدرة على الرؤية”. تذكّرنا بأن المدينة كائن حيّ لا يستسلم للملاحظة العابرة، وأن فك شفراتها لا يحتاج إلى البكاء على أطلالها، بل إلى الوقت، والمشي، والشجاعة في أن نعيد اكتشاف ما ظننا يوما أننا نعرفه.

    اقرأ أيضا:

    حين لم يكن الحنين كافيا: «الآرت ديكو» بين الماضي والحاضر

  • «رشيد» بين ظلال النخيل وسيرة البيوت

    «رشيد» بين ظلال النخيل وسيرة البيوت

    عندما زار السفير الفرنسي بالقاهرة، إريك شوفالييه، وزوجته ماتيلد شوفالييه، مدينة رشيد في سبتمبر الماضي، خرج في جولة نيلية لرؤية المدينة في مشهد بانورامي، وتجربة الاستلقاء على كرسي مصنوع من جريد النخيل، وزيارة منزل الأمصيلي، المعروف بين سكان المدينة خطأ ببيت شامبليون. وصف ديوان محافظة البحيرة الزيارة في بيان رسمي بأنها فرصة لتأكيد العلاقة بين فرنسا ورشيد، التي تعتبر مدينة التاريخ وزهرة النيل، ومتحفا مفتوحا يعكس أصالة التاريخ المصري.

    ينسب لاسم المدينة «حجر رشيد»، المكتشف عام 1799، الفضل في فتح آفاق فهم اللغة المصرية القديمة لاحتوائه على نص واحد بثلاث لغات مختلفة على الحجر نفسه (اللغتان الأخريان هما الديموطيقية واليونانية القديمة). يُعرض الحجر الآن في المتحف البريطاني بلندن، ويضم متحف رشيد نسخة طبق الأصل دون الإشارة إلى أنها نسخة. وبعض المعلومات عن الاكتشاف. وتمثال نصفي كبير لبيير فرانسوا بوشار، مكتشف الحجر.

    من رشيد إلى فرنسا

    العلاقة بين رشيد وفرنسا تتخطى اكتشاف حجر رشيد، لتشمل تسجيل المدينة دخول الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وخروجها كذلك. وبينهما علاقة مصاهرة بزواج زبيدة ابنة محمد عبد الرحمن البواب الميزوني، والجنرال جاك فرانسوا مينو (عبد الله مينو).

    أما شامبليون، العالم الفرنسي مكتشف طريقة فك رموز كتابات حجر رشيد، فنسب إليه سكان المدينة خطأ بيت من أهم بيوتها الأثرية. يقول محمود القصراوي، وهو يشير إلى “بيت الأمصيلي”: “أسكن بالمدينة طوال عمري وأعرف هذا البيت بأنه بيت شامبليون. كنت أمر عليه كل يوم أثناء رحلتي إلى المدرسة الثانوية القريبة، وبالصدفة عرفت مؤخرا اسمه وقصته الحقيقية”.

    ويفسر محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار رشيد سبب التسمية الخاطئة للبيت ويقول لـ«باب مصر»: “شامبليون لم يسكن هنا. ويعتقد سكان المدينة هذا بسبب زيارة تاريخية للحفيد الأصغر هيرفيه شامبليون وزوجته كاثرين كولينز، مديرة متحف الفنون الجميلة بفرنسا، للمدينة وهذا المنزل بعد تجديده عام 2017”.

    أرشيفية من زيارة حفيد شامبليون لمدينة رشيد.. بإذن من صفحة محمود سعد الحشاش
    أرشيفية من زيارة حفيد شامبليون لمدينة رشيد.. بإذن من صفحة محمود سعد الحشاش
    غادة رشيد 

    من قصص ارتباط المدينة بفرنسا، سيرة زواج زبيدة ابنة محمد عبد الرحمن البواب الميزوني، والجنرال جاك فرانسوا مينو (عبد الله باشا). من أكثر القصص الإنسانية تعقيدا في تاريخ الحملة الفرنسية، أعيد تجسيدها في رواية الشاعر علي الجارم “غادة رشيد“، التي كتبها بالتناص مع رواية “غادة الكاميليا”.

    تبدأ الرواية بزبيدة التي لا تريد أن تنسى نبوءة “رابحة العرافة”، التي أطلعتها على ما تقوله النجوم بأنها ستصبح حاكمة لمصر. وبرغم حبها لابن عمها محمود، تعرض عن الزواج منه متطلعة إلى نبوءة الحكم. وفي تلك الفترة، تزوج مينو من زبيدة، وعندما اغتال سليمان الحلبي كليبر، خلفه مينو لتتحقق نبوءة زبيدة وتصبح زوجة الحاكم. وعندما انتهت الحملة الفرنسية ورحل الفرنسيون عن مصر، سافرت زبيدة مع مينو، الذي تركها هناك وانصرف لحياته، وعهد بولده (سليمان) لإحدى الأسر النبيلة لتربيته.

    في المتحف حاليا تُعرض وثيقة إسلام مينو وعقد زواجه من زبيدة البواب، التي يعرف بيت والدها باسمها رغم تسجيل المنزل في السجلات الرسمية ببيت “الميزوني”.

    ما هو أهم من متحف رشيد 

    الوصول إلى رشيد أسهل من الإسكندرية ويستغرق الطريق ساعة واحدة تقريبا. ومع اقتراب المدينة، تظهر حدائق النخيل الممتدة كحاجز جنوبي. ومنه تسير نحو شوارع المدينة ومعالمها التي تضم نحو 22 منزلا وحماما وطاحونة. بالإضافة إلى أحد عشر مسجدا وزاوية وثلاثة أضرحة، كثاني أكبر المدن المصدرية تسجيلا للآثار الإسلامية بعد القاهرة.

    متحف رشيد يخضع حاليا لعملية ترميم لمبنى أثري يتكون من ثلاثة طوابق. يرجع لعصر الدولة العثمانية وكان في الأصل بيت عرب كلي محافظ رشيد في ذلك الوقت. وفي الستينات تم تحويل المبنى إلى متحف صغير لإبراز دور المدينة في مقاومة الحملة الفرنسية ثم حملة فريزر الإنجليزية. ويعرض المتحف 700 قطعة، أهمها العملات الذهبية والبرونزية التي تعود للعصرين الأموي والعثماني، ونسخة من “حجر رشيد”.

    إلا أن المنزل الذي أصبح متحفا ليس بنفس روعة المنازل التي تم ترميمها حديثًا على بُعد خطوات قليلة. وفي حالة زيارة رشيد من أجل مشاهدة الحجر، فإنه أقل ما يثير الاهتمام في المعالم السياحية  للمدينة. السير في مدينة رشيد يستلزم مرافقا محليا، فالتجول في الأزقة والشوارع الضيقة يحتاج إلي دليل للوصول إلى البيوت الأثرية. ومنها بيت الميزوني وبيت حسيبة غزال وبيت عصفور والقناديلي وبيت الأمصيلي، أشهر المنازل المتاحة للزيارة حاليا.

    أبو شاهين والأمصيلي 

    يجمع بين منزل الأمصيلي و طاحونة أبو شاهين وحدة الطراز المعماري في شكل البناء الخارجي. الطاحونة الأقدم في مصر لطحن الغلال، تم تشييدها في القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي، بناها عثمان أغا الطوبجى باشا، المالك الأول لبيت الأمصيلي. زُخرفت جدران الطاحونة وبيت الأمصيلي بالطوب المنجور (الأحمر والأسود). بالإضافة إلى الاستعانة بالعقود الثلاثية أو المدائنية في بناء الجدران الحاملة للأسقف.

    يقول محمود سعد الحشاش، مسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار رشيد لـ«باب مصر»: “تشتهر البيوت في رشيد باسم المالك الأخير لها، ولكن يسجل أيضا أسماء المالك الأول وباني البيت. هذا المنزل منسوب إلى أحمد الأمصيلي، وهو آخر من سكنه. وبناه عثمان أغا الطوبجي عام 1808، وكان ضابطا في الجيش العثماني”.

    ويضيف: “رشيد كانت مدينة تجارية مزدهرة، وأغلب المنازل المسجلة كآثار حاليا كان يملكها تجار. لذا كان الدور الأرضي مخصصا كمخازن للغلال والتجارة. إلا منزل الأمصيلي خصص الدور الأرضي ليكون إسطبلا وحظيرة خيول مخصصة للأغا لكونه ضابطا لأحصنة عرباته وحصانه الخاص”.

    مكونات المنزل

    بحسب وصف سعد الحشاش، “يتكون المنزل من ثلاثة أدوار، الأرضي به حجرة الاستقبال وبها قواطع من الخشب تتخللها أعمدة رخامية. ويوجد بالدور الأرضي المخزن والحظيرة المخصصة لركوب (الأغا). بالإضافة إلى الصهريج الذي تخزن فيه المياه ودورات المياه. فيما تتشكل واجهة المنزل بكتابات بالخط الكوفي وزخارف جصية وفخارية، كما تكثر فيها (المشربيات) أعمال الأرابيسك”.

    وملحق بالمنزل بيت آخر كان مخصصا للخدم. وهو منزل «حسيبة غزال»، والذي يشّكل مع منزل الأمصيلي وطاحونة أبو شاهين وحدة معمارية متكاملة.

    من أين يأتي الطوب المنجور؟

    واجهة منزل الأمصيلي تتشابه مع بيوت ومساجد مسجلة كآثار، وتشتهر بالطوب الأسود والأحمر. ويقول سعد الحشاش: “الطوب المنجور صناعة اشتهرت بها رشيد ويميز طرازها المعماري. مع بعض المساجد بمدينة فوه على الجانب المواجه لفرع نهر النيل. واستخدم عدد محدود في واجهات الأبواب في مدينة إسنا جنوب مصر”.

    ويشرح: “لم يعد هذا النوع من الطوب ينتج حاليا بسبب قلة طمي النيل. لذا يعتمد مرممو الآثار على نوع من الصبغات لمحاكاة اللون الأساسي للطوب”.

    تسجيل مدينة رشيد باليونسكو

    في عام 2003، سجلت مدينة رشيد ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي باليونسكو، وبحسب تقرير المنظمة: “ما زالت بعض أحياء المدينة تحتفظ بشوارعها الضيقة المتقاطعة بزوايا قائمة. وهي آخر بقايا التخطيط العمراني الذي كان سائدا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وتصطف على جانبيها منازل من طابقين أو ثلاثة، تضم مساجد وحمامات وأكواخا”. ومع تشييد السد العالي في أسوان، لم يعد طمي النيل يصل إلي المدينة مع الفيضان. مما قلل صناعة الطوب الشهير بالمدينة.

    ويضيف تقرير اليونسكو: “في بداية القرن العشرين، صنفت لجنة صيانة الآثار العربية 38 منزلا كمعالم تاريخية. لم يبقَ منها اليوم سوى 22 منزلاً. نقلت ملكيتها إلى المجلس الأعلى للآثار وبدأ بترميمها. كان تصميمها متشابها في الغالب، طابق أرضي وطابق أو طابقين. وكان جزء من الطابق الأرضي مخصصا للأعمال التجارية والمخازن.

    أما الطابق الأول فكان للرجال والثاني للنساء. زُيّنت بعض الواجهات بالطوب متعدد الألوان، الأحمر والأسود والأبيض. وهي فريدة من نوعها في مصر. يتميز الطابقان الأول والثاني، اللذان يمتدان دائمًا إلى الشارع، بنوافذ خشبية رائعة مزخرفة. كما استُخدمت بلاطات خزفية تُعرف باسم “الزليج”، كما هو الحال في بلاد المغرب العربي”.

    صانع الأقفاص من جريد النخيل.. تصوير: محمد عوض
    صانع الأقفاص من جريد النخيل.. تصوير: محمد عوض
    سردية النخيل 

    تتجلى سردية رشيد في لقبها الشهير “بلد المليون نخلة”، وهو لقب يعكس واقعا ديموغرافيا واقتصاديا. حيث استخدمت أخشاب النخيل في أسقف البيوت، وجريدها في صناعة الأقفاص والأواني. في وسط بوابة رشيد البحرية القديمة ومنزل “الميزوني” تقع ورشة صغيرة لصناعة الأقفاص من جريد النخيل. يتجاور فيها شيخان جاوزا الستين من عمرهما ويحفظان سر الصناعة القديمة ويتمسكان بها.

    يجلس حسني العشري، 66 عاما، ويجهز أعواد الجريد بالتقطيع إلى قطع متساوية الأطوال. ويقول: “اتعلمت المهنة دي وأنا عندي ست سنوات ودلوقتي بقيت 66 عاما. ولا أعمل بغيرها، برغم أنها لم تعد مربحة ماديا”.

    لا تختلف قصة مبروك حميدة كثيرا عن العشري، فكلاهما يجلسان بورشة واحدة يقضيان اليوم من الثامنة صباحا إلي العاشرة مساءً، لصنع ما يقرب من 20 قفصا لحفظ الخضراوات ليحصلوا على ما يكفي من تكلفة العمل اليومي. يقول حسني العشري: “الجريد كله خير نستخدمه في الأقفاص. وهناك من طور في الصناعة وأصبح ينتج أثاثا ومقاعد وكراسي. ولكننا لم نستطع مجاراة هذا التطور ومازلنا نصنع الأقفاص”.

    كل نتاج الجريد له استخدام، بحسب مبروك حميدة. حيث يطوع لصنع الأقفاص وحتى القطع الصغيرة المتبقية من عملية التقطيع يمكن حرقها في أفران طهي الطعام في المنازل.

    جمار النخيل

    على بُعد شارعين من ورشة مبروك والعشري، يقف شاب  اسمه “صالح” أمام نهر النيل يقطع قلب النخل ويبيع قطعا صغيرة صالحة للأكل يسميها أهل المدينة “جُمار”.

    يقول محمود القصراوي: “نعرف الجٌمار من الصغر، هو قلب النخلة التي تقطع مع التقليم بعد موسم البلح. إذ أكل رطبا يكون في الصيف أكثر حلاوة بسبب عطش النخيل بفعل الحرارة”. تعتمد حرفة مبروك والعشري وأيضا صالح على النخيل والجريد الذي يتم تنظيفه بعد موسم الحصاد. تتطلب العملية صبرا وقوة تحمل. إذ يتم تقشير الجريد وتشكيله ليصبح أقفاصا وجٌمارا يأكله المارة لفائدته الصحية.

    عمل الثلاثة لا ينفصل عن تاريخ رشيد المعماري؛ إذ إن الأدوات والتقنيات التي يستخدمونها هي ذاتها التي وفرت المادة الخام لصناعة الأثاث والمشربيات التي تزين بيوت رشيد الأثرية.

    اقرأ أيضا:

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

    «القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

  • قصر الأمير «عمر طوسون».. تراث إسكندراني يواجه خطر الإهمال

    قصر الأمير «عمر طوسون».. تراث إسكندراني يواجه خطر الإهمال

    يواجه قصر الأمير «عمر طوسون» في باكوس، أحد أبرز المعالم التراثية بالإسكندرية، إهمالا جسيما رغم قيمته التاريخية والمعمارية. المبنى، الذي يضم قسم الديكور بكلية الفنون الجميلة، يحتاج لأعمال صيانة وترميم بشكل عاجل للحفاظ على تفاصيله الأصلية وحديقته، في ظل جهود طلاب وأساتذة القسم الذين يسعون للحفاظ على إرث الأمير وتحويله إلى بيئة تعليمية.

    قصر «عمر طوسون» الرئيسي في باكوس

    يُعد قصر الأمير عمر طوسون بمنطقة باكوس شرق الإسكندرية، مقر إقامته الرئيسي، وهو القصر الوحيد المتبقي من ممتلكاته في حالة شبه جيدة حتى وقتنا الحالي.

    كان القصر في الأصل مقاما على مساحة واسعة تضم حديقة كبيرة تتوسطها المباني ذات الزخارف المعمارية الكلاسيكية المميزة. ومع مرور الزمن، تم استقطاع أجزاء من أراضي القصر، أقيم على أحدها مبنى الإذاعة والتلفزيون بالإسكندرية. بينما تبرع الأمير بجزء آخر لإقامة دير سان أنطوان الكاثوليكي. وجزء ثالث لجمعية خيرية تعرف باسم “العروة الوثقى”، والتي أصبحت فيما بعد مدرسة الروضة. وهو ما يعكس مدى اتساع وضخامة القصر وحديقته في عصر الأمير عمر طوسون.

    الاستخدام الحالي للقصر

    أصبح قصر عمر طوسون في فترة لاحقة مقرا لجامعة الإسكندرية. حيث استخدم في البداية كمقر لكلية التمريض، قبل انتقال الكلية إلى مقرها الجديد بمنطقة سموحة.

    ومع زيادة أعداد طلاب قسم الديكور بكلية الفنون الجميلة، طالب القسم بمقر مستقل. فتم تخصيص القصر له، وشاركه في البداية قسم التصوير الجداري قبل انتقاله إلى مبنى آخر. ليصبح القصر مقرا لقسم الديكور فقط حتى يومنا هذا.

    وتقول الدكتورة حنان صبحي، أستاذ ورئيس قسم الديكور بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، في حديثها لـ«باب مصر»: “تسلمنا القصر وهو مهجور وفي حالة يُرثى لها. كانت الحديقة مليئة بالحشائش العالية، وتسكنها الزواحف. كما انتشرت الحشرات والقوارض داخل المبنى. وبذلنا جهدا كبيرا لتهذيب الحديقة وتهيئة القصر. ليستخدم حاليا كقاعات دراسية ومكاتب إدارية. ورغم عدم وجود أي مقتنيات خاصة بالأمير عمر طوسون وقت تسلمنا المبنى. حرصنا على الحفاظ على شكله الأصلي”.

    وتضيف أن القصر أصبح مقرا للقسم منذ عام 2005 تقريبا، بعد تسلمه مغلقا. مشيرة إلى أن قسم الديكور بفرعيه، العمارة الداخلية والفنون التعبيرية، يعد من أكبر أقسام كلية الفنون الجميلة، ما استدعى تخصيص هذا القصر له. وتوضح أن الموقع المتميز للقصر والأشجار المحيطة به يضفيان أجواء جمالية خاصة. ويمنحان الطلاب فرصة للتعرف على تراث المدينة، خاصة الطلاب المغتربين عن الإسكندرية.

    تصميم معماري فريد

    يشير المهندس المعماري مجدي صباغ، المهتم بالتراث المعماري السكندري، إلى أن قصر باكوس يتميز بتصميم معماري فريد، وضعه المعماري جين نيكولاديس (Jean Nikolaïdis)، المعروف بأعماله المميزة. ويؤكد أن القصر ينتمي إلى طراز “آرت ديكو” الذي يجمع بين الفخامة والأناقة. ويعتمد على الخطوط الهندسية الواضحة والزخارف الجميلة، ما يمنحه طابعا معماريا خاصا.

    ويضيف أن تعدد استخدامات القصر عبر السنوات، من كلية التمريض إلى كلية الفنون الجميلة، ومع زيادة أعداد الطلاب والحاجة إلى إنشاء مرافق خدمية وتعليمية، أدى إلى إجراء تعديلات غير مخططة. بدت عشوائية ولا تتناسب مع القيمة التراثية للمبنى.

    ويقترح “صباغ” وضع مخطط متكامل لتطوير القصر والحديقة المحيطة به. من خلال المكتب الهندسي بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، مع الحفاظ على التفاصيل المعمارية الأصلية. وتلبية احتياجات العملية التعليمية بشكل مدروس.

    نداء لترميم القصر والحفاظ عليه

    تؤكد الدكتورة حنان صبحي أن القصر، ومع مرور الزمن، أصبح في حاجة ماسة لأعمال صيانة وترميم ليظل صامدا للأجيال القادمة. باعتباره تراثا معماريا يستحق الحفاظ عليه. وتوضح أن هناك أجزاء عديدة من المبنى تحتاج إلى ترميم وإعادتها إلى شكلها الأصلي. فضلا عن ترميم الأسوار والحديقة الملحقة بالقصر. مشيرة إلى أن أعضاء قسم الديكور يبذلون أقصى جهد للحفاظ على المكان.

    وأضافت أن أعمال ترميم القصر يجب أن تتم من خلال اللجنة الهندسية بالجامعة، التي جرى إخطارها مسبقا من خلال القسم. وقد قامت لجنة بالفعل بمعاينة الموقع منذ نحو عام، دون تنفيذ أي أعمال ترميم حتى الآن. رغم حصر جميع الأعمال المطلوبة وإبلاغ وكيل الكلية لشؤون البيئة بها عبر الموظف المسؤول عن المبنى.

    تقسيم المبنى

    عن تقسيم المبنى، أوضحت “صبحي” أنه يتكون من طابقين بالإضافة إلى الطابق الأرضي. الذي يضم ثلاث قاعات دراسية، ومكتب رئيس القسم، وقاعة مجلس القسم، والسكرتارية. أما الطابق الأول، فكان في الأصل يضم غرفا مغلقة مخصصة لسكن القصر، ويستخدم حاليا من قبل أعضاء هيئة التدريس. في حين تم تخصيص الطابق العلوي لشعبة الفنون التعبيرية بقسم الديكور، والتي يرجح أنها كانت مخصصة في الماضي للعاملين بالقصر.

    واختتمت الدكتورة حنان صبحي حديثها بتمنيها عودة المبنى إلى شكله التاريخي الأصلي، قائلة: “لم أر حتى اليوم أي صور قديمة توضح الشكل الأصلي للمبنى لنتمكن من الحفاظ على تاريخنا الثري. فهذا التراث يضفي طابعا خاصا ومميزا على دراسة الطلاب للفنون، ويسهم في تعويد أعينهم على جماليات الطراز المعماري الراقي”.

    تاريخ الأمير عمر طوسون

    ولد الأمير عمر طوسون عام 1872 في الإسكندرية، وأمضى سنواته الأولى في المدينة قبل أن يسافر إلى سويسرا لاستكمال تعليمه. كما زار عدة دول أوروبية، وأتقن العربية والتركية والفرنسية والإنجليزية.

    بعد عودته لمصر، تولى إدارة أملاك أسرته، واهتم بالزراعة والآثار، كما شارك في العديد من الأعمال الخيرية والاجتماعية. وعرف عنه حبه للتراث وحرصه على الحفاظ على ممتلكات أسرته. ما جعل اسمه مرتبطا في الإسكندرية بمساكنه ومشروعاته، وما زال إرثه حاضرا في مناطق مثل أبوقير وشارع فؤاد وطريق المحمودية.

    وتوفي الأمير عمر طوسون عام 1944 عن عمر ناهز 72 عاما، داخل قصره بمنطقة باكوس. وخرجت جنازته في موكب مهيب، حيث نقلت من القصر بالقطار حتى محطة مصر، ثم شيعت إلى مثواه الأخير بجوار النبي دانيال في مدافن الأسرة آنذاك، قبل نقل مقابر أسرة محمد علي إلى القاهرة لاحقا.

    اقرأ أيضا:

    الشباب والفن والتراث.. كيف أعاد «إسكندرونا» قراءة تاريخ المنشية الصغرى؟

    قراءات جديدة في العمارة والأدب السكندري خلال فعاليات «أيام التراث»

    المعماري محمد عوض في افتتاح «أيام التراث السكندري»: «هل يمكن أن يكون للمدينة DNA؟»

  • «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    «ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

    في سبتمبر من عام 2022، أعلنت وزارة النقل مشروع إعادة تأهيل «ترام الرمل» بالإسكندرية. شمل توريد عربات جديدة وإنشاء كباري في مناطق التقاطعات المرورية لتخفيف التكدسات. وفي مايو الماضي، أعلنت الوزارة في بيان رسمي التعاقد مع شركتين لإعادة تأهيل خط ترام الرمل بطول 13.2 كم. مقسم إلى 24 محطة (5.7 كم سطحي – 7.3 كم علوي – 276 مترا نفقيا). دون تحديد موعد واضح لبدء مشروع التأهيل، المقرر له النصف الثاني من عام 2025.

    حتى كتابة هذا التقرير، لم تصدر وزارة النقل، أو ديوان محافظة الإسكندرية، أو الهيئة العامة للأنفاق، أو الهيئة العامة لنقل الركاب بالإسكندرية، أي بيانات رسمية توضح موعد بدء التطوير. رغم تداول وسائل إعلام محلية لموعد 27 ديسمبر الجاري.

    الترام بين التاريخ والتطوير

    خرجت «ياسمين سعيد»، مصورة فوتوغرافية، في جولة تصوير بمحطة ترام الرمل، لتوثيق ما قد تكون الرحلة الأخيرة لـ«التروماي»، بعد قرار تنفيذ المرحلة الأولى من تطويره.

    تقول ياسمين: “لما عرفت إن الترام هيتم تطويره أو هيتشال أو يتغير شكله، أيا كان المسمى، وبدعوة من أصدقاء مصورين، قررنا ننزل نوثق الترام قبل ما يتشال. كان تركيزي في التصوير إني أوثق ذكريات عشتها ومحفورة جوايا، وممكن ما أشوفهاش تاني، وحقيقي مش ببالغ. ده أكتر خبر حزين أثر فيّ”. وتضيف: «الترام كان بيعلمنا إزاي نستمتع بالنهارده، خطوة بخطوة، ومحطة بمحطة. مش مهم نوصل بدري، المهم نوصل وإحنا لسه فاكرين الحكاية».

    بحسب الصفحة الرسمية لهيئة نقل الركاب بالإسكندرية، يعد “الترام” أو “الترامواي”، أول وسيلة نقل جماعية في مصر وإفريقيا، وأكثرها شعبية. بدأ تشغيله عام 1860، ويعتبر أقدم ترام في إفريقيا. ومن بين الأقدم في العالم. وعلى مدار تاريخه الطويل، ظل الترام يمثل نزهة يومية لسكان المدينة والسياح. عبر عرباته الصفراء المكونة من عربتين، في قلب المناطق الشعبية بالإسكندرية.

    وبحسب خطة وزارة النقل، يستهدف المشروع تقليل زمن الرحلة من 60 دقيقة إلى 35 دقيقة. نتيجة زيادة سرعة التشغيل من 11 كيلومترا في الساعة إلى 21 كيلومترا في الساعة. إلا أن هذا البطء النسبي، المستهدف تغييره، يعد في نظر كثيرين الميزة الأساسية للترام ومستخدميه من سكان الإسكندرية وزوارها.

    ترام الإسكندرية.. تصوير: حمدي يوسف بإذن لـ"باب مصر"
    ترام الإسكندرية.. تصوير: حمدي يوسف بإذن لـ”باب مصر”
    قيمة اقتصادية تفسر تقبل البطء  

    يفسر مينا ذكي، مؤسسة مجموعة «سيرة الإسكندرية»، تقبل بطء حركة الترام بجدواه الاقتصادية، لقرب مواقع محطاته من المنشآت الحيوية. وقيمة التذكرة بالنسبة لمستخدميه الأساسيين من تلاميذ المدارس وكبار السن وأصحاب المعاشات.

    ويقول: “الترام شريان رئيسي يجمع ذكريات مدينة الإسكندرية. ورغم شكاوى بعض مستخدميه من بطء الحركة. فإنه يظل خيارا براجماتيا بسعر تذكرته (5 جنيهات). مقابل ما يقرب من ضعف السعر لوسائل النقل العاملة على كورنيش البحر”.

    ويضيف: “عمر الترام يقارب 160 عاما، وحوله تنامت المدينة والمنشآت الأساسية. من مدارس ومستشفيات وكنائس ومساجد ومناطق تجارية، ما يجعله الوسيلة الأقرب للأماكن الحيوية. بخلاف المواصلات التي تعمل على الكورنيش، والتي قد تضطر للسير مسافات تصل إلى 1500 متر للوصول إلى شريط الترام”.

    ويشير إلى أن “نسبة مستخدمي الترام باعتباره وسيلة نقل ترفيهية قليل جدا مقارنة بالمستخدمين الأساسيين، فهو ليس مثل (طفطف المنتزه). رغم مروره بجوار مبان تراثية وآثار تعكس التاريخ الإنساني للمدينة”.

    الترام والبطء الجمالي في الذاكرة الثقافية

    تضع خطة تطوير الترام مفهوم السرعة وزيادة عدد الرحلات في الصدارة. فيما يستمر “البطء الجمالي” لحركة الترام كأحد ملامح تميز الإسكندرية في كتابات أدبائها وحكايات سكانها. فالمسافة القصيرة بين محطتي الرمل والمنشية، أو الرمل والأزاريطة، تمثل رحلة عبر الزمن، تتيح تأمل المنازل القديمة وحكاياتها.

    يصف الشاعر والروائي علاء خالد نفسه، في مقال سابق، بأنه “راكب ترام” منذ أن كان يتنقل من منزله بمحطة بولكلي إلى مدرسته الابتدائية ومحاولته إقناع والده باستخراج “أبونيه”. وفي المرحلة الثانوية، اختار مدرسة تبعد 12 محطة، بحثا عن إيقاع جديد للحياة.

    وفي أرشيفه ومجلته “أمكنة” وكتابه “وجوه سكندرية”. يظهر الترام كرابط بين البشر والأماكن في ذاكرة الإسكندرية. وخصص فصلا في كتابه “وجوه سكندرية” بعنوان “خط النصر و خط باكوس” لرصد الفوارق الطبقية والشخصية بين ركاب الترام والأحياء التي يمر بها. في رحلة بطيئة تسمح بالتأمل في المدينة وتحولاتها.

    ويقول علاء خالد: “كان هذا الوصف في السبعينيات، أما الآن فقد أصبح الترام  وسيلة مواصلات للبسطاء، وتغيرت مستويات الأحياء، ولم يعد هناك فارق كبير بين  خط باكوس وخط النصر. ولا تشعر بأي ميزة أو رائحة خاصة وأنت تستقل خط النصر. فهناك أحياء جديدة تناثرت في كل مكان يخرج منها الآلاف يوميا بحثا عن لقمة العيش. ولكن رغم كل هذا ما زلت أشعر بانجذاب لهذا الكبرياء القديم والرفيع لخط النصر”.

    ترام الإسكندرية الأزرق بمحطة الرمل.. تصوير: محمد عوض
    ترام الإسكندرية الأزرق بمحطة الرمل.. تصوير: محمد عوض
    الذاكرة على قضبان متحركة

    في نهاية عام 2023، خصص علاء خالد حلقة “أمكنة -7” بعنوان “ترام الإسكندرية.. ذاكرة حية”، اجتمع خلالها المشاركون أسبوعيا لمناقشة الدور الاجتماعي للترام وأثره في حياة المدينة وحياة الناس الشخصية. بوصفه أحد أماكن تشكيل الذاكرة الجمعية، وتخيل شكل الحياة بدونه مستقبلا. وخرجت الحلقة بكتاب جماعي لقصص شخصية من المشاركين، ومعرض صور فوتوغرافية حول علاقة الإسكندرية بالترام. 

    وتتذكر ياسمين علاقتها الأولى بالترام قائلة: “خلال الدراسة الابتدائية كانت مدرستي بالقرب من محطة ثروت. وكان ممكن الوصول بمواصلات من طريق البحر، لكن الترام كان أكثر وسيلة أمان بالنسبة لي. أنا وأصحاب الدراسة كنا نتسابق من يجلس بجوار الشباك، نشاهد المدينة ونعد المحطات. وكل مرة كانت الحكايات تسرقنا بين ضحك وهزار. من ابتدائي لحد ثانوي، ولحد ما دخلنا الكلية وكل واحد دخل كلية مختلفة، مكنش بيجمعنا غير الترام وإننا نتقابل فيه”.

    وسيلة آمنة وهينة

    تضيف ياسمين: “الترام كان جزء كبير من الطفولة، وآمن وسيلة وسعره كويس جدا. أنا ركبته لما كان نص جنيه، وبعدين جنيه، وبعدين جنيه ونص، وبعدين اتنين جنيه، لحد ما وصل خمس جنيه. ويمكن سعره سبب من أسباب التطوير، لأنه مواصلة تذكرتها بسيطة لكن صيانتها والعمالة تكلفة كبيرة. وعشان كده عايزين يطوروه ويرفعوا سعره”.

    وتحكي عن يوم جولة التصوير الأخيرة قائلة: “الركاب استغربوا عدد المصورين وسألونا بنصور إيه وليه. حكينا لهم عن خطة التطوير، قابلنا ناس مؤيدة إن السرعة تزيد ويبقى أحسن من حاله دلوقتي. وناس تانية زعلت جدا وقالت لنا: صوروا واكتبوا وقولوا إحنا مش عايزين تطوير، إحنا عايزينه زي ما هو. لو اتطور هيغلى علينا، وإحنا غلابة، دي المواصلة الوحيدة اللي سعرها على قدنا بنروح بيها شغلنا ومشاويرنا، غير إن عدد المدارس على محطات الترام كبير”.

    الترام والتعليم وربط المدينة

    في كتابه “ترام القاهرة“، يشير المؤرخ محمد سيد كيلاني، إلى أن دخول الترام القاهرة عام 1896 قرَّب المسافات، وسمح بانفتاح الحياة. و”نقل مجتمع القاهرة من عصر البداوة والبغال والحمير إلى عصر الحضارة والمدنية، وربط الأحياء وكسر عزلتها. بحيث يستطيع التلميذ الذي لا يجد مدرسة في حيه الالتحاق بمدرسة في حي آخر”.

    وفي الإسكندرية، بدأ الترام قبل القاهرة عام 1860، وأنشأت على جانبيه المدارس والمستشفيات. وأصبح واحدا من أفضل وسائل المواصلات وأكثرها أمانا لتلاميذ المدارس وطلاب جامعة الإسكندرية. خاصة بمحطتي سوتير والجامعة.

    رحلة التذكرة الأخيرة

    يسكن حمدي يوسف، فنان تشكيلي، بمنطقة المندرة خارج نطاق خدمات محطات الترام، ويرتبط أكثر بقطار أبو قير المتوقف حاليا لتطوير محطاته. ويتذكر فترة توقف القطار قائلا: “كانت فترة عصيبة، تخيل آلاف الركاب المعتادين على القطار اضطروا للانتظار لساعات طويلة حتى تتوفر عربات على خط البحر. وهذا سبب زحام شديد للسيارات”.

    ويضيف: “الأمر نفسه متوقع مع وقف الترام، لأن عدد المدارس القريبة من شريط الترام كبير، وإغلاقه سيتسبب في زحام سيارات ضخم في مساحة لا تحتمل الحركة”.

    درس يوسف بكلية الفنون الجميلة القريبة من محطات ترام النصر- فيكتوريا، ويهوي تصوير حركة الترام، خاصة في الشتاء حين تخضر أرضيات المحطات بالزرع الخفيف مع موسم الأمطار، ويقول: “كنت بستنى الجمال ده، ودائما الترام جزء من تراث وتاريخ المدينة”.

    مجموعة سيرة الإسكندرية

    خرجت مجموعة “سيرة الإسكندرية” يوم الخميس الماضي، في جولة “التذكرة الأخيرة” للترام، في رحلة إلى محطة النصر – فيكتوريا. وبحسب منشور على الصفحة الرسمية للمجموعة: “خرجت جولة التذكرة الأخيرة في وداع ترام المدينة، كرحلة مختلفة على خط الترام من محطة الرمل إلى محطة فيكتوريا. الرحلة ما كانتش مجرد انتقال من مكان لمكان، لكنها كانت جولة في قلب الإسكندرية وذاكرتها. شوفنا المباني العتيقة، والمدارس اللي شهدت أجيال متعاقبة، وكل محطة كان ليها حكاية، وكل شارع شاهد على زمن مختلف. التذكرة الأخيرة ما كانتش نهاية مشوار، قد ما كانت وداع لجزء أصيل من تراث الإسكندرية”.

    ويقول مينا ذكي مؤسس “سيرة الإسكندرية”: “كان الاتفاق على مشاركة 10 أفراد  في الجولة، لكن طلبات الحضور وصلت إلى 30، ومع بدء الجولة تجاوز العدد 70 مشاركا، وانضم إلينا آخرون في الطريق. كنا بنحكي عن تاريخ الترام وعلاقته بالمدينة والمباني حوله وأثره الإنساني والثقافي”.

    ويختتم حديثه بقوله: “الترام جزء أساسي من الهوية السكندرية، وبسبب شهرته ظهر في أفلام عدة صُورت بالإسكندرية، مثل “صايع بحر” و “بلطية العايمة”، وكذلك في إعلانات غنائية، وكان الترام حاضرا باعتباره ذاكرة المدينة نفسها قبل سكانها”.

    اقرأ أيضا:

    «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

    «القلوب البيضاء» و«قناة السويس».. فرق من ذوي الهمم تضيء مهرجان الإسماعيلية للفنون

    لحن صعيدي ودبكة فلسطينية.. مهرجان الإسماعيلية للفنون يحتفي باليوبيل الفضي

باب مصر