في الإسكندرية، قد يمر هذا المشهد ليضعنا في لحظة ارتباك عابرة، لحظة سريعة تُلتقط فيها الأشياء من الأرض، ويكتمل اليوم كعادته. لكن في لعبة «كمشة»، لا يمر الموقف بسهولة، حيث يتحوّل إلى قاعدة تُفرض على اللاعب وتغيّر مسار اللعب.هنا، لا تُحكى حكايات أبناء جنوب السودان… بل تُعاش.
اللعبة كمساحة غير مرئية
في مدينة تُوصف دائمًا بأنها متعددة الثقافات مثل الإسكندرية، قد يبدو التعايش أمرًا بديهيًا. لكن بعض الحكايات تظل غير مرئية ولا تجد مساحة كافية لتُروى. هنا تحديدًا تحاول “كمشة” فتح هذه المساحة بعيدا عن الشرح المباشر، لتتجلى الحكاية عبر التجربة.
يصف فريق العمل الذي طوّر اللعبة هذه اللحظات بأنها نقطة تحوّل داخل اللعب. حيث يبدأ المشاركون -خاصة من أبناء جنوب السودان – في الحديث عن الأكلات وذكرياتهم المرتبطة بها. وكأن اللعبة تفتح بابًا للكلام لم يكن مفتوحًا من قبل.
في هذا السياق، تظهر تفاصيل قد لا ننتبه لها في يومنا العادي، لكنها ليست بالبساطة نفسها للجميع. ومن خلال “كمشة”، تتحول هذه التفاصيل إلى مواقف صغيرة لكنها كاشفة. بحسب فريق عمل شركة ACT (Ariu for Consultancy and Training)، التي طوّرت اللعبة، كان الهدف هو خلق مساحة للتعريف بثقافة جنوب السودان.
عندما تدخل “الأحكام”
تحاول اللعبة، من خلال كارت “الحكم”، نقل بعض التحديات اليومية التي يواجهها أبناء جنوب السودان في مصر. حيث تتمركز جالية كبيرة في القاهرة والإسكندرية. وخلال اللعب، يظهر هذا الكارت في لحظات محددة ليغيّر مسار ما يحدث بين اللاعبين، فيتغير إيقاع اللعبة. هذه الأحكام ليست عشوائية ولا خيالية. بل مستوحاة من مواقف يومية في السوق والمواصلات والخدمات.
تضع هذه الكروت اللاعب في وضع غير متكافئ: قد يخسر دوره، أو يعتمد على لاعب آخر، أو يجبر على اتخاذ قرار ليس في صالحه. وبدلًا من شرح هذه التجارب، تضعك اللعبة داخلها -ولو لدقائق. وهي في الوقت نفسه، لا تقول شيئًا فقط عن حياة أبناء جنوب السودان، بل تطرح سؤالًا أوسع عن الطريقة التي نتعامل بها مع الاختلاف داخل مدننا.
لعبة كمشة.. الصور بإذن من شركة ACT في الإسكندرية
لعبة كمشة.. الصور بإذن من شركة ACT في الإسكندرية
لعبة عن الأكل…وأكثر
“كمشة”- وتعني “مغرفة” بالعربية الجوبا، وهي لغة هجينة تعتمد على اللغة العربية- هي لعبة كروت مستوحاة من مطبخ جنوب السودان. في ظاهرها، تبدو بسيطة: من ثلاثة إلى خمسة لاعبين. وخمسة عشر كارتًا من الأطباق توضع على الطاولة في كل جولة.
يبدأ كل لاعب في سحب الكروت، محاولًا تكوين مجموعات من نفس الطبق للحصول على نقاط أعلى. ويفوز من يجمع أكبر عدد من النقاط. تنقسم الأطباق داخل اللعبة إلى أقسام مختلفة، مثل “منيو” مصغّر يعكس تنوع مطبخ جنوب السودان.
يوضح فريق العمل أن بعض هذه الأكلات قد تبدو مألوفة للمصريين، مثل المُلاحات التي تشبه الطواجن، و”الكِسرة” القريبة من العيش المرحرح، لكنها تختلف في طريقة التحضير والمكونات. كما يشيرون إلى أطباق أخرى مثل ملاح الملوخية، الذي يضاف إليه “الدكوة” (زبدة الفول السوداني)، في تركيبة قد تبدو غير مألوفة، لكنها جزء أساسي من هذا المطبخ.
من الفكرة إلى التجربة
تبدو اللعبة وكأنها مجرد جمع نقاط، لكنها في الحقيقة تفتح بابًا على ثقافة نسير بجوارها كل يوم دون أن نراها. خرجت فكرة “كمشة” من تجربة عملت عليها شركة ACT في الإسكندرية، وهي شركة تعمل في مجالات التدريب وتطوير الأدوات التعليمية والتنمية المجتمعية.
لكن اللعبة لم تبدأ كلعبة. في أحد المعسكرات التي جمعت أطفالًا من مصر وجنوب السودان، لم يكن التواصل سهلًا: اللغة مختلفة، والخلفيات متباعدة، والتفاعل محدود.. إلى أن دخل الفن. من خلال أنشطة مثل الرقص، بدأ أطفال جنوب السودان التعبير عن أنفسهم بحرية. ومع الوقت بدأ الأطفال المصريون في المشاركة، فتحول التردد إلى تفاعل. ثم إلى حوار غير مباشر. لم يكن هناك شرح، لكن كان هناك تفاهم.
من الورشة إلى الطاولة
بعد ذلك، بدأت مرحلة البحث، من خلال جلسات نقاش مع أبناء من جنوب السودان لفهم تجاربهم اليومية والتحديات التي يواجهونها. ثم جاءت ورشة تصميم الألعاب، بمشاركة مصممين وعاملين في التنمية المجتمعية، إلى جانب مصريين وأبناء من جنوب السودان. وخلالها الورشة، طرحت عدة أفكار، قبل أن تستقر على “كمشة”.
لم يكن اختيار الطعام عشوائيًا، ففريق العمل يرى أن الطعام – إلى جانب الرقص – من أبرز وسائل التعبير لدى أبناء جنوب السودان. هنا لا يصبح الطعام مجرد قوت، بل لغة حوار لا تنقطع.
أكثر من لعبة
لطالما قدمت الإسكندرية كمدينة للتنوع والتلاقي الثقافي. لكن مبادرات مثل “كمشة” تطرح سؤالًا مختلفًا: هل ما يزال هذا التنوع حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، أم أنه يحتاج إلى من يعيد اكتشافه؟
في الوقت نفسه، لا تتوقف هذه المبادرات عند حدود المدينة. فمثل هذه الأفكار التي تنطلق من الإسكندرية، تمتد لتخاطب واقعًا أوسع في مصر. حيث تتكرر الأسئلة نفسها حول التعايش، والفهم، والمساحات المشتركة بين المختلفين.
في النهاية، “كمشة” ليست مجرد لعبة كروت، لكنها تجربة صغيرة تبدأ بجمع الأطباق، وتنتهي بأسئلة أكبر. قد لا تغيّر ما يحدث خارج طاولة اللعب. لكنها تفتح بابا لفهم الغامض في حياة من يعيشون معنا، وتقربنا من جزء من حكاياتهم وأحلامهم.
لم يكن الوصول إلى حقيقة «البيت الإيطالي» ببورسعيد سهلا. فقد ظل المبنى لسنوات طويلة لغزا صامتا، يطل على ناصية العالم دون أن يبوح بكل أسراره. ومن هنا بدأ الحوار، حوار بيننا وبين الباحث الدكتور أحمد رجب يوسف، الذي قضى ما يقرب من أربعة أعوام، بين عامي 2022 و2025، غارقا في تفاصيل المبنى، مدفوعا بعشق خفي للمكان وولع بتاريخ بورسعيد. لم يكن الحديث معه مجرد نقل معلومات، بل كان اقترابا من روح البيت نفسه، حيث تحولت الدراسة إلى قراءة حية لوثيقة معمارية وسياسية في آن واحد.
في البداية يشير الباحث إلى أن الموقع لم يكن اختيارا عشوائيا. فالبيت الإيطالي يقع في حي الشرق، بالقرب من المدخل الشمالي لقناة السويس. ويطل بواجهته الرئيسية على شارع عادل طه، بينما تطل واجهته الشمالية الغربية على شارع محمود صدقي. هذا الموقع الاستراتيجي يعكس أهمية بورسعيد في الحسابات الدولية. حيث كانت المدينة تمثل مفتاح السيطرة على واحد من أهم الممرات المائية في العالم.
الفاشية ورمزها الاستعماري
يؤكد الباحث خلال الحوار أن إنشاء المبنى عام 1938، في عهد موسوليني، لم يكن عملا ثقافيا خالصا. بل ارتبط بثلاثة أهداف رئيسية: اقتصادية، واستعمارية، وسياسية. ويرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1938، حيث ورد على اللوحة التذكارية تاريخ الانتهاء في 28 أكتوبر من ذلك العام. بينما تم افتتاحه رسميا في 21 إبريل 1939.
وقد صممه المهندس الإيطالي كليمنتي بوسيري فيتشي، في زمن كانت فيه إيطاليا الفاشية تسعى إلى مد نفوذها السياسي والثقافي خارج حدودها. فبعد الحرب العالمية الأولى، عانت إيطاليا من أزمات اقتصادية حادة، ووجدت في التوسع الخارجي وسيلة للخروج من هذه الأزمات. كما سعت إلى تأمين طرقها نحو مستعمراتها في إفريقيا، وكانت قناة السويس تمثل شريانا حيويا لا يمكن تجاهله.
واجهة المنزل.. الصورة بإذن من الباحث أحمد رجب
الخبرات الإيطالية المعمارية في مصر
لكن الحديث عن البيت الإيطالي يقودنا بالضرورة إلى العلاقة التاريخية بين إيطاليا ومصر. وهي علاقة سبقت الفاشية بوقت طويل. يشير الباحث إلى أن الإيطاليين كانوا من أوائل الجاليات الأوروبية حضورا في مصر منذ القرن التاسع عشر. بل إن العلاقات التجارية بين مصر والمدن الإيطالية تعود إلى العصور الوسطى.
ومع بدايات عصر محمد علي، استعان بالخبرات الإيطالية في النهضة العمرانية. حيث لم تكن لإيطاليا في ذلك الوقت أطماع سياسية مباشرة، مما جعل وجودها مقبولا ومؤثرا.
ويضيف الباحث أن مصر ظلت، حتى بدايات القرن العشرين، من أهم بلدان المهجر للإيطاليين. وكانت اللغة الإيطالية من اللغات الأجنبية الشائعة. كما انتشرت الجاليات الإيطالية في الموانئ المصرية، خاصة الإسكندرية وبورسعيد. وقد جاءت الجالية الإيطالية في مصر في المرتبة الثانية بعد الجالية اليونانية من حيث العدد. وكان نفوذها يعتمد على كثرة عددها واتصالاتها الاقتصادية والاجتماعية بالمصريين.
الملك فؤاد في البلاط الإيطالي
من الشواهد المهمة التي يذكرها الباحث أن إيطاليا استضافت الخديوي إسماعيل بعد خلعه، كما نشأ الملك فؤاد في البلاط الإيطالي وتشبع بالثقافة الإيطالية. وهو ما انعكس لاحقا على علاقات القصر الملكي بإيطاليا. كذلك تعاطفت الصحافة الإيطالية في مصر مع مطالب الاستقلال. الأمر الذي خلق حالة من التقارب النفسي بين الجانبين.
غير أن هذه العلاقة التاريخية تحولت في الثلاثينيات إلى مسار سياسي مختلف مع صعود الفاشية. فقد سعت إيطاليا إلى نشر مبادئها من خلال المدارس والجمعيات والأندية، وكان البيت الإيطالي أحد أهم هذه الأدوات. فقد استخدم المبنى ناديا للاجتماع، ومسرحا، وسينما، ومركزا لنشر الثقافة الإيطالية. لكنه كان يحمل في داخله رسالة سياسية واضحة.
اللوحة التذكارية للبيت
في سياق الحوار، تتسع القراءة لتفاصيل المكان ذاته، حيث لا تبدو اللوحة التذكارية مجرد عنصر زخرفي، بل نصا سياسيا كاملا محفورا في الحجر. فاللوحة المثبتة أعلى المدخل الرئيسي تأتى بتكوين رأسي مهيب، تعلوه تاج المملكة الإيطالية، في إشارة واضحة إلى شرعية السلطة الملكية التي كانت الفاشية تحرص على الظهور تحت مظلتها.
وتحت التاج يأتي النص الإيطالي المنفذ بالحفر الغائر، وبخط هندسي صارم، زواياه حادة ومستقيمة. وهو ما يعكس روح الانضباط والقوة التي سعت الفاشية إلى ترسيخها، حتى في شكل الحروف نفسها. لم يكن اختيار الخط عفويا، بل جزءا من خطاب دعائي يعتمد الصرامة والبساطة والوضوح. ليجسد فكرة الدولة القوية التي لا تعرف التردد.
البيت الإيطالي من الداخل.. الصورة بإذن من الباحث أحمد رجب
البيت الإيطالي من الداخل.. الصورة بإذن من الباحث أحمد رجب
اللوحة التذكارية.. بيان سياسي لهوية إيطاليا
تحمل عبارات اللوحة دلالات إيديولوجية مباشرة، فذكر درع سافوي يحيل إلى الأسرة المالكة. بينما تشير عبارة “روما العائدة إمبراطورة” إلى حلم إحياء الإمبراطورية الرومانية. أما الإشارة إلى “عبادة لغة دانتي” فتؤكد مركزية اللغة الإيطالية كأداة للهوية القومية.
وفي حين يأتي تاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر مقرونا بالرقم السادس عشر. ليشير إلى ذكرى الزحف على روما عام 1922، الحدث الذي أوصل موسوليني إلى السلطة، تتحول اللوحة إلى بيان سياسي مكتمل. لا يقل وضوحا عن أي خطاب رسمي.
ويمتد هذا الخطاب إلى التكوين المعماري للمبنى نفسه. فالواجهة الرئيسية المنحنية لا تعبر فقط عن معالجة جمالية، بل تعكس توجها شائعا في العمارة الفاشية، التي مزجت بين الكلاسيكية الجديدة والحداثة المبسطة.
فالانحناء يمنح الكتلة حضورا بصريا قويا، ويجعل المبنى يبدو كأنه يتقدم نحو الفراغ. وهو تأثير مقصود يعزز فكرة القوة والسيطرة. كما أن خلو الواجهات من الزخارف التقليدية يتفق مع النزعة الفاشية التي تميل إلى التقشف الشكلي، والتركيز على الكتلة والفراغ بدلا من الزخرفة.
رمزية الخلود في خطاب الإمبراطورية
في المدخل الرئيسي تظهر رمزية الفاشية بوضوح أكبر. حيث تكتنف الفتحة الرئيسة أنصاف أعمدة تأخذ هيئة “حزمة اللكتور”، وهي الرمز الذي اقتبسه موسوليني من القضاء الروماني القديم. ويتكون من مجموعة عصي تتوسطها فأس، في دلالة على الوحدة والقوة والسلطة. وجود هذا الرمز في المدخل لا يترك مجالا للشك في هوية المبنى الأيديولوجية. كما يتكرر الشكل نفسه في عناصر أخرى أعلى الواجهة، بما يعزز وحدة الخطاب البصري.
كما استخدم المعماري العقود نصف الدائرية، وهو عنصر مستمد من العمارة الرومانية القديمة. في محاولة واضحة لاستحضار الماضي الإمبراطوري. هذه العودة إلى النماذج الكلاسيكية كانت سمة أساسية في العمارة الفاشية، التي سعت إلى تأكيد الاستمرارية التاريخية بين روما القديمة وإيطاليا الحديثة. وتظهر أيضا زخرفة “اللانهاية” في المشغولات الحديدية للدرابزينات. وهي رمز يشير إلى الاستمرارية والخلود، بما ينسجم مع خطاب الإمبراطورية التي لا تنتهي.
البيت الإيطالي من الداخل.. الصورة بإذن من الباحث أحمد رجب
البيت الإيطالي من الداخل.. الصورة بإذن من الباحث أحمد رجب
نموذج للعمارة الأيديولوجية
من خلال هذه العناصر مجتمعة، يبدو “البيت الإيطالي” ببورسعيد نموذجا واضحا لعمارة أيديولوجية. حيث تتحول الخطوط والأشكال والرموز إلى لغة سياسية. فالمكان لا يقدم نفسه كمبنى ثقافي فقط، بل كمنصة دعائية تجسد طموحات الفاشية في التوسع والهيمنة. ومن هنا تأتي أهميته التاريخية، ليس فقط كمعلم معماري في بورسعيد. بل كشاهد على مرحلة حاولت فيها السياسة أن تكتب رسالتها في الحجر، وتزرعها على ضفاف قناة السويس.
ولإبراز الطابع المعماري الفاشي الذي يحمله المبنى. يشير الباحث خلال الحوار إلى مقارنات مهمة مع نماذج قائمة في إيطاليا نفسها. فالعناصر المعمارية التي تظهر في البيت الإيطالي ببورسعيد. خاصة “حزمة اللكتور” على جانبي المدخل، ليست معزولة عن سياقها الأيديولوجي، بل تتكرر في عمائر فاشية معروفة.
نماذج في بلدان مختلفة
من بين هذه النماذج “نصب النصر التذكاري” بمدينة بولزانو شمال إيطاليا، الذي شيد بأمر موسوليني عام 1928. حيث تزين واجهته أنصاف أعمدة تأخذ هيئة “حزمة اللكتور”، على نحو يشبه ما يظهر على يمين ويسار المدخل الرئيسي للبيت الإيطالي ببورسعيد. كما يظهر التشابه أيضا في “بيت الفاشية” بمدينة بوميتسيا على الساحل الغربي للبحر المتوسط، الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1939. حيث يتكرر التكوين المعماري ذاته في المدخل الرئيسي، مع أنصاف الأعمدة التي تأخذ هيئة “حزمة اللكتور”.
ويضاف إلى ذلك “بيت الفاشية” بمدينة إيمولا، الذي أنشئ عام 1933. وهو نموذج آخر يعكس وحدة الخطاب المعماري للفاشية، ويؤكد أن البيت الإيطالي ببورسعيد لم يكن مجرد مبنى محلي. بل جزءا من منظومة معمارية وسياسية امتدت من إيطاليا إلى ضفاف قناة السويس.
البيت الإيطالي ببورسعيد.. الصورة بإذن من الباحث أحمد رجب
البيت الإيطالي ببورسعيد.. الصورة بإذن من الباحث أحمد رجب
احتضان فنون المسرح والسينما والأنشطة الفنية
يؤكد الباحث أن البيت منذ افتتاحه الرسمي عام 1939، لم يكن مجرد مبنى ثابت، بل كأنه يبدل أدواره بتبدل الأزمنة. ففي سنواته الأولى، أدى وظيفة ثقافية واجتماعية للجالية الإيطالية، فاحتضن المسرح والعروض السينمائية والأنشطة الفنية. وكان نافذة تنفتح منها إيطاليا على مدينة القناة.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتغير ملامحه، فمع دخول إيطاليا الحرب عام 1940، استولت القوات البريطانية على المبنى. وحولته إلى ناد تابع للجيش البريطاني، يضم سينما ومطعما ومحلات صغيرة ومبيتا للجنود. وكأن المكان انتقل من خطاب أيديولوجي إلى وظيفة عسكرية عملية.
وبعد اتفاق الجلاء عام 1954، عاد المبنى إلى الحياة المدنية. وارتبط في ذاكرة أهالي بورسعيد بأسماء متعددة، منها “سينما ديانا”، ثم “المكتبة الأمريكية”. حيث استعاد دوره الثقافي واحتضن أنشطة فنية وتعليمية، وظل كذلك حتى جاءت حرب 1967، فتوقف النشاط. وتعرض المبنى لفترة من الجمود، انعكست على حالته المعمارية.
إعادة الروح للمبنى
غير أن المكان لم يستسلم للصمت طويلا، ففي عام 1987، وخلال فترة محافظة اللواء سامي خضير لبورسعيد، جرت محاولة لإعادة الروح إلى المبنى. حيث أعيد افتتاحه واستخدم مركزا ثقافيا وفضاءً للأنشطة الفنية. وعاد ليستقبل المعارض والندوات وبعض الفعاليات الجماهيرية، وكأن المدينة تحاول استعادة جزء من ذاكرتها.
لكن هذه العودة لم تدم طويلا، فمع مرور الوقت تراجع الاهتمام تدريجيا، وتناقصت الأنشطة. حتى دخل المبنى مرة أخرى في دائرة الإهمال، لتعود نوافذه مغلقة، ويستعيد صمته القديم، واقفا بين زمنين: زمن كان فيه منارة ثقافية، وزمن ينتظر فيه من يعيد إليه الضوء.
معماريا، يوضح الباحث أن المبنى يتميز بواجهة رئيسية منحنية تمنحه طابعا انسيابيا. ويتكون من بدروم وثلاثة طوابق، بمساحة تقارب 1305 أمتار مربعة. كما تظهر رموز الفاشية في المدخل الرئيسي من خلال أنصاف الأعمدة التي تأخذ شكل “حزمة اللكتور”، وهو الشعار الذي استخدمه موسوليني. إلى جانب زخرفة “اللانهاية” في المشغولات الحديدية كرمز للاستمرارية والخلود.
إعادة توظيف البيت الإيطالي
يؤكد الباحث أن البيت الإيطالي يمثل نموذجا واضحا لتأثير الأيديولوجيا السياسية على العمارة، حيث تحولت العناصر المعمارية إلى خطاب دعائي. كما يعكس المبنى أهمية بورسعيد في الصراع الدولي خلال النصف الأول من القرن العشرين، ودورها كمفتاح للبحر المتوسط والبحر الأحمر.
وفي ختام الحديث، يشدد الباحث على ضرورة الحفاظ على المبنى، وإعادة توظيفه ثقافيا، ودمجه في الحياة اليومية للمدينة، مع إمكانية استخدام تقنيات الصوت والضوء لعرض تاريخه، والعمل على تسجيله ضمن المباني ذات القيمة التراثية.
اقترب إيقاف ترام الإسكندرية تمهيدا لتطويره في الأول من إبريل، فهل ستتوقف معه الذكريات من أغنيات وصور وحكايات ما زالت قادرة على إدهاشنا؟ هكذا يستعيد المعرض الجماعي للصور الفوتوغرافية والفيديو سيرة الترام، متناولا بعض لحظات جماله. وقد اختتم المعرض، الذي جاء بعنوان «بين محطة وأخرى»، في مقر بساريا للفنون بشارع فؤاد، على بعد دقائق من محطة ترام الرمل بالإسكندرية.
تم افتتاح المعرض في بداية فبراير؛ تزامنًا مع بدء مرحلة الإيقاف الجزئي للتطوير، تنفيذا للقرار الذي أتي ضمن سياق أوسع من قرارات تطوير عمراني تشهدها الإسكندرية خلال العقد الأخير، وجميعها أثارت جدلًا حول علاقتها بالهوية التاريخية والجمالية للمدينة الكوزموبوليتانية. وقد أثارت هذه القرارات غضبًا وحزنًا في أوساط المجتمع السكندري، الذي ارتبط أفراده بذكريات وحكايات شكلت جزءا مهما من روح المدينة وذاكرتها الاجتماعية.
استدعاء تفاصيل حية
اهتم المعرض بتقديم رحلة بصرية حافلة بالتأمل فيما كان، استدعت معها حياة ثرية بتفاصيلها الحية التي ما تزال عالقة بحركته وشكله ومحطاته. ونقل المعرض حياة الناس وتفاعلاتهم الاجتماعية وتجاربهم اليومية عبر لحظات لم تكن أبدا عابرة. بل ترسم مشاعر متماوجة بين الانتظار والحركة، ومع هدير الحكايات والصمت، وحوارات الغرباء، ولحظات الشرود، وحتى الملل والحلم بالوصول إلى المحطة المنتظرة.
شارك في المعرض 14 فنانا وفنانة، هم: أمينة محي الدين حسن، أحمد النجدي، أسامة عشوش، زياد أحمد الضوي، زياد حسن، ساره زكي الشيخ، شيماء فضل الله خليل، صلاح الدين شعبان، طارق عبد اللطيف محمود تمّام، عمر نصار، محمد مجدي، مروان خير الدين، مريم شعبان، ميلاني سالعن.
تجاورت في قاعة المعرض لوحات الصور وشاشات عرض الفيديوهات. كأنها محطات متتابعة في خط واحد، تصور أجزاءً من حكايات بصرية منفصلة ومتصلة. مثل قطع الفسيفساء التي تعكس الحكاية الكاملة، لتخبرنا جميعها أن “الكنز في الرحلة”.
من معرض بين محطة وأخرى.. الصورة من مشاركة المصور طارق عبد اللطيف
وسيلة للاستمتاع بالرحلة
الترام ليس وسيلة من يريد الوصول بسرعة، بل وسيلة من يريد الاستمتاع بالرحلة. هو بطيء وسط الزحام، وممل لمن يقيس الزمن بالدقائق، لكنه يعرف وجهته. يسير في مساره الخاص، يصل متأخرًا أحيانًا، لكنه يصل مع أولئك الذين يقدرون التأمل، ويعون معنى الحكايات التي تنضج على مهل. أما من يعرفونه في منتصف الليل، حين تهدأ المدينة، وحين يتخلى عن بطئه. فإنهم يدمنون التأمل واستدعاء بهجة المشاهدة، كأنهم يتعرفون على أسرار المدينة في لحظة طيران.
من نوافذ الترام المفتوحة، تتحول الحياة إلى شريط سينمائي طويل. يتيح للراكب مشاهدة الفيلم الحي الذي تتعاقب فيه المحطات كمشاهد مدهشة. يمر الترام بجغرافيا مدينته: مدارس وجامعات ومستشفيات، كنائس ومساجد، مقابر وميادين، كأنه يحمل تاريخ الإسكندرية كله من محطة إلى أخرى.
من زاوية خارجية يرفع المصورون كاميراتهم، يمسحون دمعة الوداع من أعينهم/عدساتهم. يلتقطون الصور ويسجلون المشاهد، محاولين تثبيت بعض هذه اللحظات كذاكرة لعجوز يكاد يودع تاريخه، قبل أن تغرق ذكرياته في أمواج النسيان. وفي مدينة يتغير إيقاعها وتتسارع تحولاتها العمرانية، يودع الترام ركابه إلى مسار جديد من التطوير.
طارق عبد اللطيف: إحساس الوداع ينعكس في كادراتي الحزينة
يشير المصور طارق عبد اللطيف، أحد الفنانين المشاركين في المعرض، إلى أن انشغاله بتوثيق الترام هو امتداد لاهتمام بدأ قبل سنوات. حين انصرف إلى توثيق عرباته ومحطاته وملامح العاملين فيه وركابه. ومن هذا المنطلق، تبدو مشاركته أقرب إلى توثيق لتاريخه قبل أن يذوب. ولم يعنيه إلا تسجيل الحقيقة التي ربما صارت جزءا من ذاكرة مثقوبة.
في صوره، يظهر الترام كمساحة اجتماعية صغيرة تتقاطع داخلها حكايات المدينة. لذلك يقترب طارق من التفاصيل الدقيقة التي قد تبدو عابرة للعين السريعة: وجوه الركاب وهم صامتون في الرحلة، أو ملامحهم وهم يحدقون خارج النوافذ. وأحيانًا اختلافاتهم الاجتماعية التي يمكن ملاحظتها من أشياء بسيطة مثل الأحذية. أو طريقة إمساك كل راكب بعمود الترام أو بحافة النافذة أثناء النظر إلى الخارج.
يتأمل طارق كراسي الترام، ويقول: “فيه حميمية بتقرب الركاب من بعض، وبيبقى فيه حتمية للتفاعل حتى لو بإيماءة أو حركة للجسم عشان يعدي اللي نازل. فبتخلق مساحة من الونس للركاب إنهم يتكلموا، وخصوصًا كبار السن اللي هم أكبر نسبة في عدد الركاب”. ومن خلال هذه اللحظات الصغيرة، تتشكل أحيانًا علاقات عابرة بين غرباء. تكشف أيضًا عن اختلافات طبقية وثقافية تتجاور داخل هذا الفضاء المشترك. ويرى طارق أن هذه التجربة اليومية تمنح الركاب فرصة نادرة للتعرف على بعضهم البعض وتأمل هذا التنوع.
من صور المعرض.. بإذن خاص من “مساحة بساريا للفنون” على الفيسبوك
غياب الترام.. غياب للوعي الجمعي والائتناس بالآخر
ينظر طارق بأسى عندما يتذكر اقتراب إيقاف الترام، وتأثير إحساس الوداع على اختياراته البصرية، ويقول: “بحس إني بقيت بلا وعي باخد كادرات حزينة، فيها شيء من الرحيل. كأن كل حاجة في الترام بتودّعنا: العربيات والعاملين والركاب والمحطات واللون الأخضر على الناحيتين”. ويرى أن ما قد يختفي مع غيابه ليس مجرد وسيلة نقل، بل نمط من العلاقات اليومية. بدءًا من الحميمية بين الركاب، وعلى المحطات ومع المحصلين، وصولًا إلى المشهد العمراني نفسه. بما فيه الشجر العتيق على جانبي أغلب مسارات الترام.
ويضيف أن وعيا جمعيا جديدا سيتشكل في المدينة بإيقاع أسرع يميل نحو الفردانية: “يعني الترام الأوكراني الأصفر الكراسي صف، وكل كرسي لوحده مالوش دعوة بحد جنبه.. ودا المستقبل”. ويختتم طارق: “شخصيًا، يرتبط الترام عندي بسيرته الخاصة ووعيه بالمدينة: من وأنا طفل ما كانش فيه مواصلة أمان زي الترام. وعلى المستوى الثقافي، أنا شايف إنه جزء مهم من صورة الإسكندرية ذاتها: “شكل وعيي وعرفني على أنواع كتير من البشر. عمرك شوفت فيديو تعريفي أو فيلم عن إسكندرية من غير الترام والبحر؟ حتى إعلانات المحافظة الّلي شغالة على شاشات العرض على البحر لحد النهاردة لا يمكن تكون من غير الترام!”.
تحول المدينة لمسخ
لذلك، يعتبر طارق غياب الترام خسارة لشرائح واسعة من كبار السن والطلاب. لأنه كان المواصلة الأكثر أمانا وتوفيرا بالنسبة لهم. ويقول: “إنت مع الوقت بتحول المدينة لمسخ، مفيش حاجة تعبر عن هويتها وذاكرتها”.
ويستكمل: إذا اعتبرنا الترام شاهدا على المدينة، فلو تكلم، فإن ما سيحكيه اليوم هو قصة طويلة عن تاريخ من الإهمال المتعمد. “هيحكي قصة حزينة عن إننا سيبناه يروح مننا وموقفناش. وحاولنا نخليه يفضل ماشي كشريان مهم في حياة المدينة. وهيحكي عن أمجاده، وعن كل رحلة قام بيها، من أيام الجر بالحصان، وبعدين البخار، وصولًا للترام الكهربائي”.
و”هيحكي عن كل راكب كان ملجأه ومنقذه، وعن محصلين وعمال أفنوا عمرهم فيه. وياما شال طلاب وهم معاهم أبونيه المدارس. لحد ما بقوا كبار سن بيركبوا ببلاش بالبطاقة لأنهم فوق السبعين”.
من صور المعرض.. بإذن خاص من “مساحة بساريا للفنون” على الفيسبوك
سارة زكي: حين تتحول أصوات الترام لموسيقى مدهشة
تشرح الفنانة البصرية سارة زكي مشاركتها بفيديو فني في المعرض. حيث ركزت في اختياراتها على إخراج عمل يجمع بين التوثيق والتجريب، وتقول: “في مشهد صوت الترام ماشي مع صوت البنت اللي بتحك رجلها في أرضية العربية رايح جاي. فحبيت أركز على التفاعل ده. وفي مشهد تاني، أطفال من الباعة المتجولين بيلعبوا “عقلة” على العامود. أفتكر مفيش مواصلة غير الترام هتبقى الناس فيها براحتها كده”.
وتضيف أنها استخدمت أصوات الترام نفسها في تصميم مقطع موسيقي (Track) باستخدام الـ Ai (الذكاء الاصطناعي). فمثلًا تحولت صفارة الترام إلى صوت آلة الـHarp، وهكذا.
درست سارة في كلية التربية الفنية، وهي من الفنانات اللاتي يركزن في تصويرهن على فن الفيديو (Art Video) الذي يخاطب المشاعر أكثر من اهتمامه بالتكنيك. وفي الفيديو المشارك بالمعرض، تحكي عن علاقتها بالترام: “أنا مش من إسكندرية في الأساس. كنت بعتبر الترام معلما سياحيا مميزا، وما كانش فيه ولا مدينة من اللي عيشت فيها كان فيها ترام. عشان كده كان بالنسبة لي قيمة عظيمة جدًا”.
تنقلت سارة بين 14 مدينة في عدة دول على مدار سنوات عمرها، وأقامت بالإسكندرية منذ سبع سنوات. وخلال آخر سنتين حاولت توثيق إقامتها استعدادًا لمغادرتها للمدينة بعد عام. فهي توثق ذكرياتها، كما توثق للترام الذي سيغادر مثلها.
تفاصيل إنسانية
ترى سارة أن الترام مساحة جامعة لطبقات وجنسيات مختلفة، كأنه شاهد على كثير من حكاياتهم. وتحكي ذكرى لها: “مرة وأنا في الترام، كان فيه عيلة سودانية بيحكوا قصص لطيفة قوي عن أول ما جُمّ مصر. وإنهم عاشوا في الهرم، وطلبات البيت اللي هيجيبوها وهما مروحين”. وتضيف: “أنا بتشغلني التفاصيل الإنسانية البسيطة”.
وعن ارتباطها بالترام ذي الطابقين، تقول: “كل ما يمر قدامي بركبه حتى لو مفيش سبب، بحب أقعد فيه كذا محطة”. كما تشير إلى احتفاء بعض المدن بوسائل النقل التراثية، حتى وإن كانت أقل عمرا أو قيمة. مثل التليفريك الجبلي في لبنان، والأتوبيس ذي الطابقين في جورجيا. متعجبة من عدم حدوث ذلك في مصر، وعدم البحث عن طرق للحفاظ على الترام بدلا من إيقافه.
من صور المعرض.. بإذن خاص من “مساحة بساريا للفنون” على الفيسبوك
مريم شعبان: كيف سنرى الإسكندرية من غير الترام؟
“ملامح إسكندرية ممكن تبقى عاملة إزاي من غير الترام؟” بهذا السؤال تفتتح المصورة مريم شعبان الفيديو الوثائقي الذي شاركت به في المعرض. وتقول: “في ظل التشويه الدائم للإسكندرية، مدينتي المفضلة، ليس لأنها المكان الذي ولدت فيه. بل لأنها مميزة فعلا عن كل مدينة أو محافظة زرتها أو سأزورها. كان الترام هو القشة التي قصمت ظهر البعير”.
اختارت مريم الفيديو لأنها ترى أنه، بما يحمله من مشاهد وأصوات، يمنح تأثيرا أعمق لنقل المشاعر. وتضيف: “لاحظت تأثر الناس بالمشاهد. حتى أن بعض من شاهدوه نزلت دموعهم بعد تجربة المشاهدة”.
بدأت مريم توثيق مشاهد الترام منذ أكثر من عام، وصورت محطات مختلفة في أوقات ومواقف متغيرة. ثم تعاونت مع زميلها المونتير أحمد إسماعيل لإخراج قصة مترابطة. حاولت من خلالها توثيق مشاعر الناس، من عمال وركاب، دون تدخل، سوى تشجيعهم على سرد حكاياتهم والتعبير عن مشاعرهم تجاه الترام، بين مميزاته وعيوبه.
وفي اختياراتها البصرية، ركزت على التفاصيل الدقيقة: الكلمات المكتوبة على الأبواب، تفاصيل الطريق والمحطات، وألوان التذاكر المختلفة. اسمعت مريم إلى آراء متباينة. أعجبها وصف أحدهم: “إسكندرية من غير الترام زي عروسة من غير زفة”. بينما صدمها راكب آخر بواقعيته حين قال: “التراث د للناس الفاضية. أنا عايز أركب وأروح شغلي، أحسن ما أستنى الترام ربع أو نص ساعة عشان التراث”.
انبهرت مريم بمدى اختلاف الآراء بين المؤيد والمعارض. لكنها في كل الأحوال كانت تتمنى تأجيل قرار الإيقاف والتطوير لعدة سنوات.
مع حلول عيد الفطر تتحول، شوارع مدينة دمنهور إلى حالة تمزج بين الضجيج والبهجة. وتختلط رائحة الفسيخ والسردين المملح مع أصوات الباعة وصيحات البحث عن ملابس العيد ولعب الأطفال. وبين هذه الأجواء، يحتفظ سوق الفسيخ في قلب المدينة بمكانته كأحد أبرز المعالم الشعبية للاستعداد للعيد. حيث يقصد الأهالي السوق لشراء ما يعتبره كثيرون فاكهة العيد وكسر الصيام بعد شهر رمضان الكريم. كما أنه طقس اجتماعي قديم يحرصون على الاحتفاظ به.
الفسيخ واحد من أقدم الأطعمة المصرية، وتعود جذوره إلى عصور المصريين القدماء الذين عرفوا طرق حفظ الأسماك بالملح والتجفيف. خاصة سمك البوري القادم من مياه البحر المتوسط. وقد ارتبطت هذه العادة قديما بالاحتفالات الموسمية ومواسم الربيع، واستمرت عبر القرون حتى أصبحت جزءا من الثقافة الغذائية للمصريين. حيث يحرص كثيرون على تناولها في الأعياد والمناسبات الشعبية.
وتحظى مدينة دمنهور، عاصمة محافظة البحيرة، بتاريخ طويل كمركز تجاري وثقافي مهم في دلتا النيل. إذ عرفت منذ قرون بأسواقها القديمة التي كانت تستقبل التجار من القرى والمراكز المجاورة. وتتميز المدينة بموقعها القريب من مناطق الصيد في البحر المتوسط والبحيرات الشمالية. وهو ما ساعد على ازدهار تجارة الأسماك المملحة بها وظهور محال عريقة لصناعة الفسيخ والسردين، توارثت المهنة جيلا بعد جيل.
سوق الفسيخ وكسر الصيام
هنا سوق الفسيخ في وسط مدينة دمنهور، حيث يتزايد الزحام حتى يصعب المرور سيرا على الأقدام. ويبحث الجميع عن فاكهة العيد ويفضلون كسر الصيام بتناول الفسيخ. في ممرات ضيقة يقع سوق الفسيخ، وتخطفك أضواء النيون حتى تصل إلى محلات “فسخاني النصر”، أقدم صناع الفسيخ والسردين في المدينة. والذي أسسه الحاج إبراهيم الصعيدي منذ 120 عاما في المكان نفسه، وهو صاحب أول توكيل للرنجة اليونانية.
يقول أشرف الصعيدي، صاحب محلات “فسخاني النصر”، إنه يمثل الجيل الرابع لأصحاب المحل الأعرق في المدينة، مشيرًا إلى أن أول رخصة للمحل كانت عام 1912. وحملت اسم “فسخاني الملك”. وبعد ثورة يوليو أصبح الاسم “فسخاني النصر”. وأضاف أن العديد من التجار أطلقوا هذا الاسم تيمنًا وتبركًا. بعد أن حقق المحل شهرة واسعة ونجح في كسب ثقة الجمهور.
السمكة الحجم الكبير في سوق الفسيخ.. تصوير: محمود دوير
مواسم أكل الفسيخ
حول المواسم الأهم لبيع الفسيخ، يشير “الصعيدي” إلى أن الفسيخ أكلة موسمية، ويُقبل عليها الناس في عيد الفطر بشكل كبير، وبنفس الدرجة في شم النسيم. وفيما يتعلق بصناعة الفسيخ، يبدأ “عصام” شعاره الذي يردده دائمًا: “الملح يظل هو الأساس”.
ويضيف أن البداية هي اختيار السمك الجيد الصالح للتمليح. فليس كل سمك يصلح لذلك، ولا بد أن تتوافر فيه شروط، منها أن تكون سمكة البوري أو الطوبار ممتلئة اللحم. وأن تكون قد تمت تربيتها في مزرعة بشكل جيد. ثم الأهم أن لكل فسخاني خبرة تراكمية تمكنه من تحديد جودة السمك وصلاحيته للتمليح.
ولفت إلى أن جمهور الفسيخ من مختلف الطبقات. ولأنه أكلة موسمية تُتناول مرات قليلة في العام، فإن الناس من مختلف مستوياتهم الاقتصادية لا يترددون في شرائه. والفرق الوحيد يكون في الكمية والحجم، أما الجودة فلا تختلف.
ويستكمل عصام أن مرحلة التمليح تستمر حوالي خمسة عشر يومًا. موضحًا أن الفسيخ نوعان: “المالح” و“العاذب”، وهو الأكثر انتشارًا نتيجة حرص البعض على عدم ارتفاع ضغط الدم لدى كبار السن. لذلك يزيد الإقبال دائمًا على الفسيخ العاذب الأقل ملوحة.
وأضاف أنهم لا يضيفون إلى السمك سوى الملح فقط. ولا تُستخدم مكسرات أو كركم لتحسين اللون، لأن الصنعة كفيلة بتقديم منتج مميز. وحول الفوارق بين محل وآخر، يؤكد أن الفرق يكمن في مصدر السمك وطريقة التمليح، وهي صنعة تختلف من مكان إلى آخر. وعن الأنواع الأخرى. ويشير إلى وجود أنواع من السردين المملح، منها السردين الدمياطي البلدي واليمني والموزة الإنجليزية والخليجي، وتتراوح أسعارها ما بين 180 و200 جنيه.
صناعة وتعبئة الفسيخ.. تصوير: محمود دوير
أنواع السردين وأسعاره
يقول مصطفى برغش، أحد صناع الفسيخ، إن عيد الفطر بدون الفسيخ أو كعك العيد لا يعتبر عيدًا. وإن الفرحة لا تكتمل لدى الأسرة بدون أكلة فسيخ أو رنجة أو سردين.
ويضيف أن السردين اليمني الشهير بـ“التفاحة” هو نوع حديث في سوق الفسيخ. وفي البداية لم يكن عليه إقبال كبير مقارنة بالفسيخ البلدي، نظرًا لأن حجمه كبير، والناس عادة تفضل الأحجام الأصغر. لكن بعد تذوقه اكتشف البعض جودته، فهو مميز بعدة صفات منها لونه الأحمر من الداخل، لذلك يُسمى “تفاحة”.
وعن أسعار الفسيخ هذا العام، يوضح أنها تتراوح بين 380 و400 جنيه للفسيخ الملكي كبير الحجم، مشيرًا إلى أن الزيادة بسيطة مقارنة بالعام الماضي. وحول الفسيخ “المخلي”، قال عمرو رضا إن بعض الزبائن يطلبونه للحفاظ على النظافة وسهولة التناول، ويتم توفيره لهم. لكن الغالبية العظمى من عشاق الفسيخ في دمنهور يفضلونه كاملًا غير مخلي، لأن طريقة أكله تمثل طقسًا ومتعة في حد ذاتها.
ويوضح المهندس مسعد عقدة، من أهالي دمنهور أن الفسيخ عادة مصرية قديمة، والعلاقة وثيقة بينه وبين المناسبات السعيدة، ومنها عيد الفطر وشم النسيم، ولا يوجد عيد بدون فسيخ. كما يتم تناول الفسيخ في شهر شعبان قبل رمضان فيما يسمى “شعبان”. ويضيف أنه يفضل الفسيخ العاذب لأنه صحي أكثر.
وهذا ما أكده ضياء الدين علي، إذ قال إن أكل الفسيخ في العيد يمثل عادة ثابتة يحرصون عليها، والأطفال يحبونه، وأحيانا يتم شراؤه أيضا في شهر شعبان.
في مدن قليلة فقط يمكن أن يتحول التمثال إلى حكاية، وأن يصير الحجر ذاكرة تمشي بين الأمم. وفي بورسعيد، المدينة التي اعتادت أن تكون مفترق طرق للتاريخ، وقف تمثال آسر وفريد في حديقة مطلة على القناة، لكنه حمل في صمته قصة تمتد بين ضفتين من العالم.
كان ذلك هو تمثال ANZAC MEMORIAL، الذي عرفه أهل المدينة ببساطة باسم «تمثال الجندي المجهول». ظل سنوات طويلة واقفا في منتصف حديقة كازينو بالاس، مطلا على شارع السلطان حسين – فلسطين حاليا – وفي مواجهته مباشرة مجرى قناة السويس. كأنه يراقب السفن العابرة بين القارات، أو ينتظر رفاقا لن يعودوا.
كازينو بالاس.. ذاكرة مدينة
لم تبدأ الحكاية بالتمثال، بل بالمكان الذي احتضنه. فقد كان فندق وكازينو بالاس يوما أحد أشهر معالم بورسعيد وأكثرها بريقا. تعود ملكيته إلى رائد السياحة والفندقة الإيطالي سيلفيو سميونينى. الذي حصل عام 1923 على موافقة شركة قناة السويس – التي كانت آنذاك تهيمن على مناحي الحياة في المدينة. بما فيها مشروعات التجميل والتطوير – لبناء الفندق على الأرض المطلة على البحر والقناة، مقابل إيجار سنوي.
فشيد مصدات حجرية لحمايته من الأمواج، ثم أقام «تراسا» خشبيا فاخرا يطل على البحر. قبل أن يضاف إليه لاحقا بناء زجاجي أصبح منصة للفرق الموسيقية القادمة من أوروبا وأمريكا. وهناك عزفت فرق عديدة أشهر المقطوعات الموسيقية في ليالي بورسعيد الصاخبة. ومن بينها أوركسترا Paul Tine التي أحيت ليالي الأحد عام 1949.
تمثال الجندي المجهول (الأنزاك) من أمام فندق كازبنو بالاس أمام مجرى قناة السويس.. تصوير: المصور الإيطالي إيتوري موسكاتيللي.. مصادر مفتوحة
أنشطة متنوعة
لم يكن «بالاس» مجرد فندق، بل كان مسرحا اجتماعيا وثقافيا للمدينة؛ نزل فيه الملوك والأمراء والرؤساء، وأقيمت به حفلات المحافظين الرسمية. كما استقبلت قاعاته حفلات زفاف أبناء النخبة البورسعيدية.
وقد مرّ به عدد من الشخصيات التي تركت ظلالها في التاريخ؛ فعادت إليه الإمبراطورة أوجيني عام 1905 كمواطنة عادية. مدفوعة بالحنين إلى زيارة بورسعيد بعد خمسة وثلاثين عاما من حضورها افتتاح قناة السويس عام 1869. كما نزل به شاعر النيل حافظ إبراهيم عام 1910. حين حضر إلى المدينة للمشاركة في افتتاح مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية. وألقى هناك قصيدته الشهيرة «العلم والأخلاق».
وفي عام 1919 أقام به الزعيم سعد باشا زغلول أثناء رحلته إلى منفاه في جزيرة مالطا. وعلى مر السنين، ظل الفندق محطة لوجوه صنعت جانبا من تاريخ العصر؛ فمرّ به أيضا المهاتما غاندي، ونزل فيه الملك فاروق. كما صدحت في أروقته خطوات أم كلثوم، وعرفه نجما الشاشة العربية عمر الشريف وفاتن حمامة.
ومع الزمن ظهر الفندق في مشاهد من كلاسيكيات السينما المصرية. مثل فيلم «حب ودموع» عام 1955، وفيلم «إشاعة حب» عام 1961. فكأن «بالاس» لم يكن مجرد فندق على شاطئ البحر، بل دفتر حضور مفتوح لوجوه السياسة والفن والفكر في زمن كانت فيه بورسعيد نافذة مصر على العالم.
تمثال يحكي إنسانية الحرب
وسط كل هذا البريق، كان يقف في الحديقة تمثال صامت يحمل قصة مختلفة تماما. فقد وضع تخليدا لذكرى الجنود الأستراليين والنيوزيلنديين الذين قتلوا في المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1916 و1918.
كان التمثال مصنوعا من البرونز فوق قاعدة جرانيتية. ويصور فارسين من سلاح الفرسان، أحدهما نيوزيلندي والآخر أسترالي. وقد أصيب حصان النيوزيلندي، فيمد الفارس الأسترالي يده ليسند رفيقه، صورة إنسانية للحرب لا تحتفي بالنصر بقدر ما تحتفي بالرفقة والنجاة. ومن هنا جاء اسمه ANZAC MEMORIAL نسبة إلى قوات أستراليا ونيوزيلندا.
رحلة ميلاد صعبة
لم يكن الطريق إلى هذا التمثال سهلا؛ فقد طرحت فكرته في البداية من المحاربين الناجين من الحرب العالمية الأولى. ثم جمع الفرسان الأستراليون والمشاة النيوزيلنديون والهجانة وممرضات الحرب مبلغ 5400 جنيه إسترليني. بينما دفعت حكومة الكومنولث 11600 جنيه، وأضافت الحكومة النيوزيلندية مبلغًا آخر لتغطية التكاليف.
وأعلنت حكومة الكومنولث مسابقة عام 1923 لأفضل تصميم للنصب التذكاري، فاز بها النحات الأسترالي ويب جيلبرت. وأرسلت القوات المسلحة النيوزيلندية إلى الفنان مجموعة صور لفرسان حقيقيين، وللفرسة الشهيرة «بيس» لتكون نموذجا يستعين به في عمله.
لكن جيلبرت توفي قبل أن ينجز التمثال، وقيل إن ضخامة المهمة كانت أكبر من قدرته الصحية. ثم أسند العمل إلى النحات الإنجليزي بول مونتفورد الذي عمل بجد وانتظام. غير أن المشروع تعثر مرة أخرى، لتنتقل المهمة في النهاية إلى النحات الأسترالي سير بيرترام ماكيننال، الذي أنجز التمثال بمساعدة فريقه. لكنه هو الآخر توفي قبل أن يرى لحظة إزاحة الستار عنه. وكأن قدر هذا التمثال أن يولد من تعب من صنعوه.
تمثال الجندي المجهول (الأنزاك) من أمام فندق كازبنو بالاس أمام مجرى قناة السويس.. تصوير: المصور الإيطالي إيتوري موسكاتيللي.. مصادر مفتوحة
من الاحتفاء إلى التحطيم
في 23 نوفمبر 1932، أزيح الستار عن التمثال في بورسعيد بحضور رئيس وزراء أستراليا وقت الحرب دبليو هاجز، في حدث فريد بثت كلمته الافتتاحية عبر الهاتف إلى أستراليا لمسافة تقارب أربعة وعشرين ألف كيلومتر. في أول بث حي بين البلدين.
وظل التمثال بعدها واقفا في حديقة «بالاس» حتى جاءت ليلة السادس والعشرين من ديسمبر عام 1956، أثناء العدوان الثلاثي على مصر. حين هاجمه عدد من شباب المدينة بالمطارق والحجارة.
ورغم تجمع الشرطة لمنع تفجيره، لم يمنع تحطيمه، حتى تهشم تماما. واختفى جسد الفارس الأسترالي، وبقيت القاعدة الجرانيتية وحدها شاهدا على تمثال لم يعد موجودًا.
رحلة إلى أستراليا
بعد انتهاء الخرب، طلبت الحكومتان الأسترالية والنيوزيلندية استعادة بقايا التمثال، فوافقت مصر وشحنت الأجزاء بحرا إلى أستراليا. ولتعذر ترميمه، تقرر صنع نسخة جديدة، اكتمل العمل عليها عام 1964. ونصبت في مدينة ألباني غرب أستراليا، في الموقع الذي تجمعت فيه قوات الفرسان قبل توجهها إلى الحرب.
وفي 11 أكتوبر 1964، أزيح الستار عن التمثال بحضور رئيس الوزراء الأسترالي سير روبرت مينزيس. وأمام آلاف الحاضرين بينهم نحو مئة وستين من قدامى المحاربين وبعض المحاربين النيوزيلنديين كضيوف شرف. غير أن الحكاية لم تنته عند هذا الحد. فقد نشب خلاف سياسي حاد بين اثنين من السياسيين الأستراليين حول المكان الذي ينبغي أن يقف فيه التمثال. ولإنهاء الجدل تقرر صنع نسخة ثانية منه وضعت عام 1968 في كانبيرا.
تمثال بيت ذاكرة ومدينتين
أما الفرسة النيوزيلندية «بيس»، التي استخدمت صورتها نموذجا للتمثال، فكانت الوحيدة التي غادرت نيوزيلندا إلى الحرب وعادت منها حيّة. وبعد أن ماتت أقيم عند قبرها نصب صغير تخليدا لها. وفي عام 1985 أُعير رأس أحد الخيول المتبقية من التمثال الأصلي في بورسعيد إلى المتحف القومي في ألباني.
اليوم لم يعد فندق “بالاس” موجودا، فقد تم هدمه بعد سنوات من حرب 1973، وتحول موقعه إلى «حديقة التاريخ»، ثم إلى ساحة مصر التي يعرفها أهل المدينة الآن.
لكن التمثال الذي وقف يوما في تلك الحديقة لم يختفِ من الذاكرة. فهو تمثال بدأ رحلته في مدينة مصرية صغيرة على ضفة القناة، وانتهى بنسختين في قارة أخرى، تمثال تحطم في الحرب ثم عاد ليولد مرتين. وكأن قدره منذ البداية أن يظل حائرا بين سواحل بورسعيد وموانئ أستراليا.
في قلب مدينة دمنهور التاريخية، يقع «مسجد التوبة» بالقرب من محطة السكة الحديدية، وتفتح أبوابه على شوارع المدينة الرئيسية. يجمع المسجد بين مراكز المدينة التجارية، شاهدا على حياة السكان اليومية، محتضنا ضيوفهم ومودعا أمواتهم. ليس المسجد مجرد مكان لأداء الصلاة، بل هو رمز لعاصمة محافظة البحيرة الممتدة جغرافيا، والمتنوعة ثقافيا وحضاريا.
جدل حول تاريخ التأسيس
يتباين الحديث حول تاريخ تأسيس الجامع بين الروايات الشعبية والحقائق الأثرية. فبعض المصادر المحلية تنسب تأسيسه إلى القائد عمرو بن العاص خلال الفتح الإسلامي لمصر، أي حوالي 21 هجريا/642م. بينما يشير خبراء الآثار إلى أنه لا يوجد دليل قاطع على ذلك. ولم يتم ضم الجامع إلى قائمة وزارة الآثار، شأنه شأن مسجد الحبشي بدمنهور وعدد من مساجد محافظة البحيرة القديمة.
النشأة وسبب التسمية
يقول الدكتور إبراهيم مرجونة، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب جامعة دمنهور، إن جامع التوبة من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المدينة. وتكشف كتب الجغرافيا الإسلامية عن أهمية دمنهور خلال العصور الإسلامية، ما يرجح وجود مسجد جامع فيها منذ وقت مبكر.
ويضيف: تعددت الروايات حول سبب تسمية المسجد بـ”جامع التوبة”. فهناك رواية تربطه بحادث توبة جماعية لأهالي المدينة، حيث اجتمعوا في المسجد للدعاء والاستغفار بعد محنة أو أزمة أصابت المدينة. بينما ترى روايات أخرى أن الاسم يعكس الدور الدعوي والروحاني للمسجد على مر العصور، دون ارتباط بحادثة محددة.
لوحة مسجد التوبة.. تصوير: محمود دوير
الطابع الإنشائي والمعماري
يشير الدكتور مرجونة إلى أن جامع التوبة خضع لعدة مراحل من التجديد والترميم عبر العصور الإسلامية المختلفة، خصوصا في العصور المملوكية والعثمانية. وهو ما يفسر وجود عناصر معمارية متنوعة في البناء الحالي. وعن دور المسجد وتأثيره يوضح: “ظل الجامع عبر القرون مركزًا دينيًا واجتماعيًا مهمًا في مدينة دمنهور. حيث احتضن حلقات تعليم القرآن والعلوم الدينية. كما كان مكانًا لاجتماع السكان في المناسبات الدينية والاجتماعية”.
وتابع: “تذهب الرواية الأكثر شيوعًا في المصادر المحلية إلى أن تأسيس المسجد يعود إلى القائد المسلم عمرو بن العاص أثناء الفتح الإسلامي لمصر في القرن الأول الهجري. ووفقًا لهذه الرواية، بعد دخول المسلمين إلى مناطق دلتا النيل، أمر عمرو بن العاص ببناء مسجد في دمنهور ليكون مركزًا للصلاة وتعليم الإسلام للسكان المحليين. وهو ما يتوافق مع السياسة العمرانية التي اتبعها المسلمون في المدن المفتوحة”.
رواية عمرو بن العاص
يضيف أستاذ التاريخ: “على الرغم من شيوع هذه الرواية، فإن المصادر الإسلامية المبكرة لا تذكر اسم جامع التوبة صراحة. وعند مقارنة الروايات المختلفة حول تأسيس المسجد وتسميته، يتضح أن الرواية التي تنسب تأسيسه إلى عمرو بن العاص تبقى ممكنة من الناحية التاريخية. لكنها لا تستند إلى نص صريح في المصادر المبكرة”.
ويقول: “أما التفسيرات المتعلقة بالتسمية، فتبدو أقرب إلى التفسيرات الاجتماعية والدينية التي نشأت في الذاكرة الشعبية. وتشير الدراسة النقدية إلى أن المسجد قد يكون تأسس بالفعل في مرحلة مبكرة من العصر الإسلامي. بينما ظهرت تسميته الحالية في فترة لاحقة نتيجة الدور الروحي والدعوي الذي أداه في حياة سكان المدينة. هذا التداخل بين التاريخ المكتوب والذاكرة الشعبية يعكس طبيعة تطور المعالم الدينية في المدن الإسلامية عبر العصور.
وتكشف الدراسة النقدية للروايات المتعلقة بجامع التوبة عن وجود فجوة بين الروايات الشعبية والمصادر التاريخية المكتوبة. فبينما تنسب الروايات المحلية تأسيس المسجد إلى عمرو بن العاص في سياق الفتح الإسلامي لمصر، فإن المصادر المبكرة لا تقدم دليلًا قاطعًا على ذلك”.
مسجد التوبة في دمنهور عام 1936.. الصورة من الأرشيف الخاص بالباحث خالد معروف
التخطيط العمراني والمعماري
حول التخطيط العُمراني، يؤكد الدكتور مرجونة أن المسجد ينتمي إلى الطراز التقليدي للمساجد المصرية. حيث يتكون من صحن يتوسطه فضاء مكشوف تحيط به أروقة للصلاة. ويضم المسجد قاعة صلاة رئيسة تتجه نحو القبلة، قائمة على صفوف من الأعمدة التي تحمل السقف الخشبي، وهو أسلوب شائع في عمارة المساجد التقليدية.
كما يضم المسجد محرابًا يتجه نحو القبلة، إضافة إلى منبر خشبي يُستخدم لإلقاء خطبة الجمعة. وتتميز هذه العناصر بالزخارف الهندسية المميزة للفن الإسلامي. وترتفع مئذنة الجامع بشكل واضح فوق مباني المدينة المحيطة. مما يجعلها معلمًا بصريًا مهمًا في المشهد العمراني لدمنهور.
ويوضح: تشير كل هذه السمات المعمارية إلى أن المسجد ربما خضع لعمليات تجديد أو إعادة بناء خلال العصر المملوكي. وهو أمر شائع في المساجد القديمة التي استمر استخدامها عبر القرون. وفي العصر الحديث، استمرت أعمال الترميم للحفاظ على الطابع المعماري للمسجد وتهيئته لاستقبال المصلين، وهو ما يعكس أهميته الدينية والثقافية في المدينة.
الدور الشعبي والرسمي
أما عن أهمية المسجد الدينية، يقول الشيخ عطية جبريل، إمام وخطيب مسجد التوبة، إنه يعد المسجد الجامع الرئيسي لمحافظة البحيرة، وتقام فيه الاحتفالات الرسمية والدينية. كما تنقل شعائر صلاة الجمعة عبر الإذاعات والقنوات الرسمية.
ويشهد المسجد صلاة العيدين التي يحضرها المسؤولون. ويقع في موقع متميز وسط المدينة، مجاور للسكة الحديدية والأسواق، ما يجعله مقصدا لأهالي دمنهور. حيث يخرج منه أيضا عدد كبير من الجنائز القريبة من المقابر. كما يقام فيه جميع الأنشطة الدعوية والثقافية مثل: خطبة الجمعة ومقرأة الجمهور عقب الصلاة، ودروس علمية ومنهجية للأطفال والكبار، وندوات ثقافية وأنشطة وزارة الأوقاف.
ويضيف الشيخ جبريل أن المسجد لا يخلو من صلاة الجماعة على مدار اليوم، نظرا لكثرة الأسواق والأنشطة حوله، وموقعه الحيوي بالنسبة لسكان المدينة.
مسجد التوبة في ليالي رمضان.. تصوير: أحمد سيف
حقيقة الهدم والبناء
يؤكد الباحث خالد معروف، المتخصص في تراث مدنية دمنهور أن مسجد التوبة يعد ثاني مسجد في مصر وإفريقيا بعد مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط، طبقا للروايات المتواترة بين أبناء المدينة. رغم عدم وجود دليل موثق من المؤرخين على تلك الروايات.
ويقول: “كان المسجد قبل هدمه سنة 1956 يتميز بالبساطة، بثلاثة أبواب وصحن مكشوف تحيط به أماكن الصلاة. ومنذ إنشائه، تغيرت مساحته وشكله على مر القرون، خصوصا بعد الزلزال الذي ضرب مصر سنة 1303هـ في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، مما أدى دمار كبير في دمنهور.
وتعرض المسجد أيضا للهدم الكامل بعد زلزال سبتمبر 1955، وأعيد بناء المسجد الحالي بنفس المساحة وافتتح عام 1959، وشهد عدة ترميمات كان آخرها سنة 2020”.
بين الروايات الشعبية والمعلومات الأثرية
حول عدم ضم المسجد للمنشآت الأثرية، يقول الدكتور علاء النحاس، مدير إدارة الوعي الأثري في منطقة آثار البحيرة، إن عدم ضمه يرجع لعدم أثريته أو انتفاء صفته الأثرية. وأيضا عدم احتوائه على أي عناصر أو شواهد أثرية.
ومع ذلك، أكد النحاس أن للمسجد قيمته التاريخية في وعي أهالي دمنهور والبحيرة. فهو أحد أهم وأشهر المعالم في المدينة، حتى لو لم يتوفر دليل أثري قاطع على ذلك. ويقول: “سواء كانت الرواية شعبية أم حقيقية، أو سواء كان المسجد أثريا أم لا. فإن وعي السكان بأهميته يضفي عليه قيمة كبيرة”.
هذا ما أكده أيضا الدكتور أحمد الأدهم، مدير آثار البحيرة الأسبق، إذ شدد على أن الرواية التي تفيد أن المسجد تم إنشاؤه في عام 21 هجريا لا يمكن تأكيدها. فلا توجد آثار أو مستندات تاريخية، وكل ما يتردد هو مجرد أقوال متناقلة من جيل لآخر. وأضاف أن موسوعة “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة وبلادها الشهيرة”، التي صدرت عام (1886م – 1305هـ) تحدثت عن جميع مساجد دمنهور الشهيرة. ولم تذكر مسجد التوبة، مشيرا إلى أن هذا المسجد حديث الإنشاء نسبيا رغم ما يتم تداوله من روايات شعبية.
ثمة لحظة نادرة في حياة البشر تفتح لهم بابا خفيا في الزمن؛ يدخلون منه، فلا يصبح المكان بعد ذلك مجرد شوارع ومبانٍ، بل ذاكرة حيّة. بالنسبة للمهندس مجدي البساطي، كانت تلك اللحظة في قبو مبنى القبة الشهير في بورسعيد.
في عام 1987 عهد إليه إدارة الأشغال بهيئة قناة السويس بترميم القبو، الذي كانت المياه تغمره مع كل نوبة شتاء. وما إن بدأ العمل حتى لاحظ أن القواطع التي أضيفت لاحقا داخل المكان قد أخلّت بطبيعته الأولى، فأزالها جميعا مستندا إلى قناعة ظل يرددها دائما: «لا تغيير فيما أسسه المؤسسون». كان يؤمن أن الذين بنوا المكان أول مرة فهموا طبيعة الأرض والبيئة وحاجات البشر الذين سيعيشون فوقها، وأن البناء الحقيقي لا يقوم إلا على فهم تلك العلاقة الخفية بين المكان والإنسان. وما إن أعاد القبو إلى حالته الأولى حتى اختفت المياه تماما.
أرشيف الرسومات الهندسية
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في اختفاء المياه، بل في ذلك الأرشيف المهمل من الرسومات الهندسية الذي كان مكدسا في القبو. طلبوا منه حمله والتصرف فيه لأنه مجرد نسخ بديلة لأصول محفوظة في الإسماعيلية. وأخرى لدى الشركة الفرنسية التي أدارت القناة حتى عام 1956. غير أن البساطي لم ير في تلك الأوراق مجرد رسومات قديمة، بل رأى فيها أصلًا من أصول الذاكرة المصرية، فاحتفظ بها كما يحتفظ العاشق بخبيئته للزمن.
ومن تلك الرسومات بدأ يقرأ تاريخ المدينة قراءة مختلفة. فقد اكتشف أن لكل مبنى كودا خاصا، كأنه شهادة ميلاد وبطاقة تعريف للمكان. فمبنى القبة يحمل الكود 198، والمبنى الخشبي الأقدم منه يحمل الكود 189، أما استراحة الرئاسة – التي عرفت يومًا باستراحة جمال عبد الناصر – فتحمل الكود 205. وتحمل عمارة قباطنة القاطرات الكودين 254 و267، وهما من العمائر البديعة التي يقيم فيها اليوم كبار موظفي هيئة قناة السويس.
كما يحمل بيت القنصل الفرنسي في بورسعيد الكود 140، وهو المبنى الذي أطلق عليه أبناء المدينة اسم «بيت أوجيني»، مفترضين أن الإمبراطورة أوجيني أقامت فيه أثناء احتفالات افتتاح القناة عام 1869. ثم عرف بعد ذلك باسم بيت الراهبات حين أقامت فيه راهبات المحبة قبل انتقالهن في ثمانينيات القرن الماضي إلى فيلا أخرى من فيلات الهيئة. أما النادي البحري في بورفؤاد فيحمل الكود 141، وتعود رسوماته الهندسية إلى عام 1863. وهو ما يعني أن الحياة دبت في تلك الضاحية قبل ثلاثة وستين عاما من إعلان ميلادها الرسمي عام 1926. كأن هذه الأرقام ليست مجرد رموز هندسية، بل تواريخ خفية لولادة الأماكن.
خبيئة مجدي البساطي.. تصوير: أسامة كمال
كنيسة سانت أوجين وبيت ديلسبس
منذ تلك اللحظة لم تعد الرسومات في نظره أوراقا محفوظة، بل خرائط روح لمدينتي بورسعيد وبورفؤاد. ومن خلالها صار يرى تفاصيل النشأة الأولى للمدينة. فبورسعيد نفسها – كما يروي – بدأت من المنطقة الواقعة بين شارعي أوجيني والنهضة. وهي البقعة الوحيدة التي كانت تصلح تربتها للبناء. وهناك شيدت كنيسة سانت أوجين وبيت ديلسبس – في الموقع الذي أصبح لاحقا المستشفى الأميري – وبيت القنصل الفرنسي ومدرسة الليسيه، ومدرسة الراعي الصالح، وسكن الراهبات، ومبنى القبة.
ويرى البساطي أن نشأة المدينة، في بورسعيد كما في بورفؤاد، حملت طابعا أوروبيا واضحا؛ فمواد البناء كانت أقرب إلى أوروبا منها إلى البيئة المحلية. إذ كانت تأتي عن طريق البحر، بينما كانت البحيرة المجاورة ضحلة موحلة لا تصلح للملاحة إلا في حدود نقل الأغذية. ولذلك جاءت تقنيات البناء وأساليبه امتدادًا مباشرًا لخبرة البنّائين الأوروبيين الذين عملوا في مشروع القناة.
مواد وتقنيات البناء
رغم ندرة الأحجار في تلك البيئة الرملية، فقد بُني بيت القنصل الفرنسي بالحجارة التي جلبت من بيوت مهدمة في أماكن أخرى. أما الفرنسيون فقد لجأوا في كثير من مبانيهم إلى مادة إنشائية مميزة عرفت باسم «خرسانة كونيه» نسبة إلى المهندس الفرنسي الذي ابتكرها. وهي خليط من رمال بورسعيد مع مادة تشبه الجير عرفت باسم الجير الفرنسي.
ومن هذا الخليط كانت تتكون كتلة خرسانية صلبة بنيت منها عدة منشآت مهمة في المدينة. مثل حواجز الأمواج والفنار ومدرسة الراعي الصالح والكنيسة الملحقة بها ومدرسة سان جوزيف وكنيسة سانت فاميلي وكنيسة سانت أوجينو، ومدرسة الليسيه الفرنسية.
الخطط التوفيقية
وقد عدت هذه التقنية حدثا مهما في تاريخ البناء، حتى إن علي مبارك أشار إليها في كتابه «الخطط التوفيقية» باسم الأحجار الاصطناعية. إذ لجأ إليها المهندسون لندرة الأحجار في تلك المنطقة بعد أن جربت أولا في فرنسا قبل نقلها إلى مصر.
ويذكر البساطي أنه أثناء ترميمه مدرسة الراعي الصالح اكتشف أنها من أوائل المباني التي شُيدت في بورسعيد بهذه الطريقة. وأن الفرنسيين كانوا يلجأون إليها في إنشاء أهم مبانيهم. وقد استعاد تلك الخبرة نفسها حين طُلب منه ترميم جزء من أحد الأسوار القديمة. فاستخدم المواد ذاتها التي استُخدمت في البناء الأصلي حتى لا يتغير شكل السور أو يتأثر بناؤه. إيمانًا منه بأن ترميم المباني القديمة يجب أن يتم بلغتها المعمارية نفسها.
خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
كنيسة سانت فاميلي.. العائلة المقدسة
من خلال الرسومات التي احتفظ بها، صار يرى كيف بنت الشركة الفرنسية معظم معالم المدينة الأولى. فقد شيدت كنيسة سانت فاميلي (العائلة المقدسة) ومدرسة سان جوزيف. ثم بني عام 1902 نادي شكاربيه – الذي يعرف اليوم باسم نادي بورفؤاد – ليكون أول نادٍ رياضي في مصر، قبل نادي السكة الحديد عام 1906 والنادي الأهلي عام 1907. كما بنت المخازن العمومية للشركة – التي تعرف اليوم بالمخزن العام – مع بدايات افتتاح قناة السويس. وشيدت أيضًا المبنى الشهير المعروف باسم «المختلط»، الذي كان في بدايته مبنى بلدية المدينة قبل أن يتحول لاحقا إلى المحكمة المختلطة ثم إلى محكمة الاستئناف حاليًا.
وقد أقيم السرادق الذي أعلن منه الملك فؤاد ميلاد مدينة بورفؤاد عام 1926 إلى جوار هذا المبنى، وهو مبنى شيد على الطراز الأندلسي. ويحتفظ البساطي لما يقرب من 168 تصميمًا تفصيليًا له تكشف أدق عناصره المعمارية.
في قراءته لتاريخ المدينة، يروي كذلك قصة الورش العمومية التابعة للشركة، التي كانت تقع في البداية بجوار باب 20 في بورسعيد. قبل أن تقرر الشركة نقلها إلى موقعها الحالي في بورفؤاد. وقد بدأت فصول إنشاء هذه الورش منذ عام 1900، لكن العمل فيها ظل يتأخر ويتعثر سنوات طويلة حتى اكتمل قبل افتتاح المدينة رسميا عام 1926.
الحياة الروحية للمدينة الناشئة
أما المساجد فقد جاءت في مراحل لاحقة من تاريخ المدينة. إذ عرفت بورسعيد مبكرا المسجد التوفيقي الذي شيد عام 1882، ثم المسجد العباسي عام 1904. وكانت هناك خلوات وزوايا صغيرة سبقت بناء المساجد الكبيرة، مثل خلوة القصيفي – أو زاويته – في حي الشرق، وخلوة غندر في حي العرب. وهي أماكن بسيطة لكنها مثلت البدايات الأولى للحياة الروحية في المدينة الناشئة.
وفي مرحلة تالية، بنى المقاول الإيطالي باولو روستي – الذي أشهر إسلامه وكان يعمل لدى الأصول الملكية – المسجد الكبير في بورفؤاد عام 1948. كما بنى في العام نفسه مسجد الرحمة في بورسعيد، وكان اسمه آنذاك مسجد فاروق.
ارتباطه بالمكان
ولعل في تاريخ ميلاد مجدي البساطي نفسه ما يفسر شيئا من ذلك الارتباط العميق بالمكان. فهو من مواليد عام 1956، العام الذي شهد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر. حين تحولت بورسعيد إلى عنوان للمقاومة الوطنية. وكأن الرجل جاء إلى الدنيا في اللحظة نفسها التي كانت فيها المدينة تعيد تعريف علاقتها بالوطن. لذلك ظل ارتباطه ببورسعيد ارتباطًا يتجاوز الجغرافيا إلى معنى أعمق من الانتماء.
وقد وُلد في بيت داخل عمارة عبده نجيم الشهيرة في بورفؤاد، درة ضواحي بورسعيد. وكان عبده نجيم من كبار مصدري الحاصلات الزراعية في المدينة، وترك بصمات إنسانية واضحة فيها. فقد بنى نادي المسرح في شارع ممفيس بجوار الفنار للمنفعة العامة على أرض يملكها، وساهم في الأربعينيات بمبلغ كبير في إنشاء مستشفى مبرة فوزية. وظل اسمه منقوشًا على رخامة بمدخل المستشفى قبل أن تزال أثناء أعمال التطوير في التسعينيات. كما شارك مع النائب حامد الألفي في تأسيس صيدلية الإسعاف، وله إسهامات كثيرة في أعمال البر والخير.
خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
البساطى وحكايات العمارة البورسعيدية
هناك، في بورفؤاد، بدأت علاقة البساطي الأولى بالمباني. غير أن جذور تلك العلاقة تعود أيضًا إلى والده المقاول. الذي كان من أوائل من وطئت أقدامهم المدينة عام 1937 بعد أن فتحت أبوابها للمصريين عقب معاهدة 1936. أما قبل ذلك فقد كان الفرنسيون وأبناء الشام أول سكان الضاحية الآسيوية. وهو الاسم الذي أطلقه الفرنسيون عليها بعد أربع سنوات فقط من بدء الحفر عام 1863. قبل أن تحمل اسم الملك فؤاد بعد افتتاحها الرسمي عام 1926.
نشأ الفتى إذن في عالم المقاولين والبنّائين، وكان ظلًا لأبيه منذ طفولته، يرافقه إلى مواقع العمل ويعرف أصدقاءه وشركاءه الذين كانوا يكبرونه سنًا بكثير. ومن خلالهم سمع حكايات كثيرة عن تاريخ المدينة الناشئة، حتى بدا وكأنه عاش مع مؤسسيها الأوائل من مغامري البحر المتوسط الذين جاءوا مدفوعين بحلم قناة السويس.
لكن الطريق إلى الهندسة لم يكن مستقيمًا منذ البداية. فحين التحق بكلية هندسة القاهرة اختار قسم الكهرباء أولًا، وبقي فيه عامين، قبل أن يلتقي بالمهندس هاشم المنشاوي أثناء تكليف هيئة قناة السويس لوالده بترميم أحد مباني ترسانة بورسعيد. يومها قال له المنشاوي جملة بسيطة غيرت مسار حياته: «وهل أبوك سيبني لك محطة كهرباء؟ لا تترك مهنة والدك… خليك في شغل أبوك ليغلبوك». كانت نصيحة تشبه الحكمة الشعبية، لكنها دفعته إلى تحويل مساره إلى القسم المدني والإنشائي.
المنشآت المعدنية
لم تكن الخطوة سهلة؛ فلو أخفق في عامه الجديد لانفصل من الكلية. لكنه جازف ونجح. وكان من بين من ساعدوه الدكتور المهندس شفيق عجور، أحد أبرز رواد الهندسة الإنشائية في مصر، وخاصة في مجال المنشآت المعدنية. وقد ظل البساطي يستشيره حتى بعد تخرجه؛ فعندما واجه مسألة لحام الحديد أثناء ترميم أحد مباني هيئة قناة السويس القديمة. نصحه عجور بعدم لحامه لأن الحديد المصنوع قبل الحرب العالمية الثانية يختلف عن الحديد بعدها. وقد وافقت إدارة الأشغال بالهيئة على رأيه بعد أن تواصل عجور مع قياداتها، وكان كثير منهم من تلاميذه.
تخرج البساطي مهندسًا إنشائيًا عام 1980، لكن خبرته الحقيقية في مباني المدينة بدأت قبل ذلك بسنوات. فبعد عودة أهالي بورسعيد من الهجرة عام 1974 شارك والده في هدم البيوت المتهالكة وبناء غيرها. وهناك بدأت تتشكل لديه معرفة دقيقة بتاريخ مباني المدينة.
ومن أشهر ما يرويه عن تلك الفترة قصة عمارة الدمياطي المجاورة للبيت الحديد – درة مباني بورسعيد – الذي بنته القوات البريطانية عام 1888 ليكون مركزها الرئيسي. قبل أن تؤول ملكيته إلى الإيطالي سيمونيني رائد مجال الفندقة في المدينة. ثم إلى عبد الرحمن باشا لطفي شبارة، الذي بدأ موظفًا في مصلحة البريد ثم صار باشا المدينة وأيقونتها.
البيت الحديد
اشترى عبد الرحمن باشا لطفي شبارة «البيت الحديد» من مالكه الإيطالي، ثم باع المبنى لاحقًا كخردة حديد على فترات خلال الخمسينيات والستينيات. قبل أن تباع الأرض في السبعينيات إلى أحمد الترجمان بمبلغ ضخم بلغ سبعة ملايين جنيه. أما عمارة الدمياطي المجاورة للبيت الحديد فقد رست أنقاضها بعد الهدم على مجموعة من المقاولين في دمياط مقابل عشرين ألف جنيه. وهو مبلغ لم يكن أي من مقاولي بورسعيد قادرًا على دفعه آنذاك.
وبعد إزالة الأدوار الأربعة بقي الدوران الأرضي والأول اللذان كانت تشغلهما شركة بيع المصنوعات، ثم تقرر هدمهما. فتقدم والد البساطي مع أربعة مقاولين آخرين لأخذ عطاء الهدم، ورسا عليهم مقابل خمسة آلاف جنيه – وهو مبلغ كبير وقتها – ظنًا منهم أن المبنى مثل بقية الأدوار مبني من الخشب الغالي. لكن المفاجأة أنهم وجدوه مبنيًا بالحديد، فحققوا من بيع الحديد وحده ربحًا يقارب ضعف ما دفعوه.
ولم يكن البساطي بعيدًا عن الشأن العام؛ فقد انضم إلى منظمة الشباب حين كان طالبًا متفوقًا في الثانوية العامة. وكان ضمن لجنة شباب المحافظة التي ضمت أسماء معروفة في تاريخ بورسعيد. مثل محمد عبد الفتاح العربي ومحمد إسماعيل وعلي عثمان والسيد قاسم. وكان يشرف عليهم الأستاذ محمود عبد الوهاب القريب من الرئيس جمال عبد الناصر. وكانت تلك اللجنة آخر لجنة قبل تجميد منظمة الشباب عام 1974 ثم حلها عام 1975.
خرائط مجدي البساطي للمباني المنسية.. تصوير: أسامة كمال
نادي الفكر الناصري
في الجامعة شارك البساطي مع عدد من الطلاب الناصريين في تأسيس نادي الفكر الناصري وكان بينهم حمدين صباحي وعبد الحليم قنديل وأحمد الصاوي وعبد الله السناوي.
ومن خلال عمله مهندسًا ومقاولًا لدى هيئة قناة السويس شارك البساطي في ترميم عدد كبير من مباني بورسعيد وبورفؤاد. منها مبنى القبة ومدرسة الراعي الصالح والكنيسة الملحقة بها ومبنى الفارمشية (مستشفى العاملين بهيئة قناة السويس) وعنبر الموتوريست بترسانة بورسعيد وعمارات قباطنة القاطرات وجراج الهيئة. كما كُلّف بنقل الراهبات من بيت القنصل الفرنسي إلى فيلا أخرى وإقامة كنيسة بداخلها.
الفرنسيون ومهارات البنائين
يرى البساطي أن الفرنسيين هم الذين بنوا المدينة فعلًا لأنهم بطبعهم بناؤون، ولأنهم كانوا يديرون شركة قناة السويس. أما الإنجليز الذين سيطروا لاحقًا على بورفؤاد زمن الاحتلال – حتى عُرفت باسم «بر الإنجليز» – فلم يتركوا سوى ثلاثة مبانٍ حجرية مرتبطة بمعسكراتهم الثلاثة: كامب هوليداي وكامب ترانزيت وكامب فاميلي. إذ كان اعتمادهم الأساسي على الخيام لا المباني.
وقد قسم الفرنسيون بورفؤاد إلى مناطق مختلفة: الفيلات والعمائر والسكن الاقتصادي والسكن الشعبي، بمساحات تتراوح بين 80 و120 مترًا للسكن الشعبي، و300 إلى 400 متر للعمائر، و800 إلى 1200 متر للفيلات. كما جاء تخطيطها شبكيًا مركزيًا يشبه شوارع جاردن سيتي حيث تتلاقى الطرق في مركز واحد تتجمع فيه الخدمات.
بينما قامت بورسعيد على تخطيط شبكي منتظم بشوارع طولية وعرضية متقاطعة. وقد أعد الفرنسيون امتدادها العمراني على النحو نفسه، لكن هذا التخطيط أُهمل بعد مغادرتهم عام 1956. رغم أنهم لم يغفلوا حتى تحديد مواقع الجزر في الشوارع ونوعية الأشجار المزروعة فيها.
وهكذا، منذ تلك اللحظة الأولى في قبو مبنى القبة، صار مجدي البساطي يحمل خرائط المدينة في أوراقه، وأسرارها في ذاكرته. كأن المباني نفسها اختارته ليكون أمينًا على حكايتها. وحارسًا لذاكرتها التي لا تُرى إلا لمن يعرف كيف يصغي إلى همس الجدران القديمة.
على بعد أمتار من ميدان الساعة، قلب مدينة دمنهور، تقودك قدماك إلى ممر ضيق وطويل يسمى شارع «الفسيخ»، هكذا يطلق عليه سكان دمنهور عاصمة محافظة البحيرة. هو شارع لا تعرفه السيارات، وكأنه مخصص للمارة والمتسوقين فقط. في أرجائه تشم عبق رمضان، وترى زينته المتلألئة، وتسمع من كل الزوايا صوت النقشبندي وأغنيات الشهر الكريم بلا توقف.
تنتشر على جانبيه محلات الفسيخ و«أم الخلول» الشهيرة والعريقة، وتواصل السير حتى تتوقف أمام طوابير وزحام لافت لتكتشف أنك أمام محلات الأكلة الشعبية الأولى في المدينة القديمة، والتي يطلق عليها «الحباش» الدمنهوري، تلك الأكلة الدمنهورية بامتياز.. أنت إذن أمام محل «حباش أم حسن»، ذلك الاسم الذي صار «ماركة مسجلة».
الحباش.. جزء من الهوية والثقافة
الأكلات الشعبية ليست مجرد وسيلة لسد الرمق وتلبية الحاجة الجسدية فقط. بل تمثل واحدة من مكونات الهُوية والشعور الجمعي بالترابط والتماسك حين يلتف سكان وطن واحد حول نسق غذائي متشابه. فهذا يمنحهم قدرا من الأمان والألفة فيما بينهم والتميز عن شعوب ومجتمعات أخرى.
يمثل “الحِباش” أحد ملامح شهر رمضان لدى سكان المدينة والمدن المجاورة، وأحد الأطباق الثابتة في وجبتي الإفطار والسحور على مائدة الغالبية العظمى. ولا يتوقف دوره عند البعض كونه أحد المُقبلات مثل سلطة الخضروات أو سلطة الطحينة. بل إنه يمثل مكونا رئيسا على سفر البسطاء من سكان محافظة البحيرة.
هي “أكلة” شعبية سعرها في متناول الجميع. وربما هذا ما ساهم في انتشارها بهذا الشكل الكبير، وتحولها من مجرد مُقبلات إلى “طبق” ثابت في المنازل والمطاعم الشهيرة، خاصة تلك التي تقدم الفول والطعمية.
شيف حباش أم حسن، محمد الجمل.. تصوير: محمود دوير
إرث عائلي يزيد عن 100 عام
عن تاريخ “الحباش” يقول الحاج أحمد الجمل إن جده الراحل صنع تلك الأكلة منذ أكثر من مائة عام وكان أول من قدمها. وفي البداية كانت عبارة عن طحينة على خل على ماء، ثم أضيفت إليها الطماطم. وبعد فترة أضيف الثوم والخضرة، ثم ورثها والده، ثم هو، ثم أولاده.
وعن صناعته يذكر نجله محمد الجمل، شيف “حباش أم حسن” الشهير وهو يردد جملته الشهيرة: “أهم حاجة تصلي على النبي أنا، أمثل الجيل الرابع لصناع حباش أم حسن”.
ويقول عن مكونات الحباش وطريقة صناعتها: “البداية كانت مع جدي منذ حوالي 100 سنة، الذي كان يقوم بتفريغ قلب ثمرة طماطم وحشوها بخلطة سرية من التوابل والطحينة. وما زالت الوصفة الأساسية التي تتمثل في خلطة البودرة “الحباش البودرة” سرا عائليا لا يعرفه غيرهم. وكل جيل يضع لمسته الخاصة مثل إضافة الطحينة البيضاء وجوزة الطيب”.
مكونات الحباش الدمنهوري
يشير محمد إلى أن المكونات الأساسية لأكلة الحباش هي الثوم، الخل، الليمون، الكمون، البهارات، والشطة. وكل هذا بالإضافة إلى البقدونس فقط أو مزيج من البقدونس والشبت. ولا يصح استخدام الكزبرة أو الكرفس أو الجرجير داخل الخلطة، ويضاف الزيت الحار البلدي.
ويؤكد أنه قام باستيراد نوع خاص من التوابل الهندية ثمنه يصل إلى 200 دولار كي يطور من المنتج ويحافظ على تميزه. لافتا إلى أن جمهوره ينتمي إلى كل الطبقات الاجتماعية في مدينة دمنهور. ويتجاوز الحباش إلى كل مدن مصر حيث يأتيه من كل مكان طلبا لتلك الأكلة الشعبية، التي تمثل أحد ملامح المدينة ومصدرا من مصادر شهرتها.
وشدد على أن الحباش هو الهرم الرابع في الأكلات الشعبية مثل الفول والكشري والملوخية، ويجب أن يلقى ما يستحقه من اهتمام.
حباش أم حسن.. تصوير: محمود دوير
الحباش على السفرة.. من المقبلات إلى الطبق الرئيسي
حول طبيعة الحباش وموضعه على السفرة يقول محمد إن الحِباش هو أحد المقبلات ويمثل طبقا رئيسا على السفرة طوال العام، لكن الإقبال يزداد في شهر رمضان. وهو ليس مجرد مقبلات لكنه يمثل لبعض الأسر وجبة في حد ذاته لما يحتوي عليه من قيمة غذائية عالية.
فيما تقول “أم حسن” -والدة محمد والتي يحمل المحل الشهير اسمها – إن الحباش واحدة من أقرب الأكلات إلى أهالي دمنهور. ولفتت إلى أن الحاج الكبير هو الذي ابتكرها وعلمها لأحفاده ثم أبناءه، وبعد ذلك انتشرت حتى أصبحت أشهر طبق على المائدة.
وفي مدينة دمنهور يشتهر بجوار الأكلة “الحِرشة”، كما يقولون، مثل الفول والطعمية والباذنجان وأم الخلول. وهكذا تكتمل السفرة “الحِرشة”، ويمكن وضع طبق الحباش مع كل الوجبات الغذائية دون استثناء. مثل اللحوم والسمك وغيرها وهذا ما يجعله طبقا رئيسيا.
جمهور الحباش.. من كل الطبقات والمدن
حول طبيعة زبون الحباش يضيف محمد أن رواد “حباش أم حسن” من كل الطبقات ومن مدن مختلفة. لأن سعرها في متناول الجميع ولا يتجاوز 120 جنيها للكيلو، ولديه عبوات بأسعار مختلفة تبدأ من 10 جنيهات. مشيرا إلى أنه ليس لديه فروع أخرى خارج دمنهور لأن زبونه يفضل الشراء من الفرع الأصلي في شارع الفسيخ.
أما عن التعاون مع المطاعم الشهيرة في دمنهور التي تقدم “الحباش” إلى جانب أكلاتهم الأخرى، أشار إلى أن جميعها يحصلون على الحباش من “أم حسن”. لكن بعض المطاعم تفضل أن يحصل على الخلطة “خام” لتتم آخر مرحلة تصنيع في المطاعم.
المدينة ليست فقط مباني شاهقة، بل ذاكرة يمكن تتبعها في التفاصيل الصغيرة، مثل شرفات حجرية قديمة، وواجهات مبانٍ تختفي خلف اللافتات، وحكايات تنتقل من المقاهي إلى الأزقة. في الإسكندرية، تتغير ملامح المدينة بسرعة، ومعها تختفي كثير من هذه التفاصيل التي تحمل جزءًا من تاريخها.
من هنا جاءت فكرة مشروع «أرشيف الإسكندرية»، الذي يسعى إلى توثيق ما تبقى من ملامح المدينة قبل أن تختفي. يقود المشروع إسلام علي عبد القادر، شاب سكندري من حي بحري، بدأ بمحاولة بسيطة: أن يوثق المباني والواجهات التي يمر بها يوميًا في شوارع المدينة.
جولة في الإسكندرية القديمة
“لو بصينا فوق هيبقى صعب نشوف حاجة”. بهذه العبارة بدأ إسلام حديثه وهو يصطحبني في جولة مع بعض أعضاء فريق “أرشيف الإسكندرية”.
نشأ إسلام في حي بحري، وكان منذ صغره يستمع إلى والده وهو يحكي عن مبانٍ قديمة وأحياء تغيّر شكلها أو اختفت بالكامل. بعضها رآه بنفسه، وبعضها لم يعد له أثر. يقول مبتسما: “كنت بضايق لما ألاقي الحاجة اتهدت، فقلت خلاص… نصورها ونحافظ عليها بقدر المستطاع”. وكما وثّقت عدسات القرن التاسع عشر تحولات المدن حول العالم، يستخدم إسلام التصوير اليوم للغرض ذاته، لكن هذه المرة في محاولة لحفظ ما تبقى من ذاكرة الإسكندرية.
نسير معًا في شوارع المنشية والجمرك، مرورًا بزنقة الستات وسوق الترك، حيث تتلاصق المحال وتتشابك اللافتات فوق المارة، فتجعل النظر إلى أعلى صعبًا أحيانًا. السماء هنا محجوبة بكثرة الإشغالات واللافتات، حتى صارت الشرفات القديمة والزخارف الحجرية تفاصيل لا يلتفت إليها كثيرون.
إسلام خريج كلية العلوم، يعمل في مجال التسويق، لم يكتفِ بالتصوير كهواية، بل حوّله إلى مشروع متكامل: أرشيف رقمي للإسكندرية لا يوثق العمائر فقط، بل يحاول أن يحفظ روح المدينة وتفاصيلها الصغيرة.
ويقول أثناء الجولة: “أنا بصور الحاضر والماضي وبوريهم الحاضر ده كان عامل إزاي زمان. وبوريهم وضعه الحالي لأنه مش مضمون يفضل قاعد معانا شوية ولا يقع أو يتشال، وفي نفس الوقت بوثق من كل الاتجاهات”.
موقع أرشيف الإسكندرية.. الصورة سكرين شوت من الموقع
بداية الفكرة
بدأت الفكرة في السادس من سبتمبر عام 2023، عندما مرّ إسلام بموقع عمارة قديمة جميلة هدمت، بجوار أحد المحال الشهيرة في شارع طوسون، (صلاح سالم سابقًا). لم تكن مجرد مبنى عادي؛ كان فيها شيء من بهاء الماضي. شعر بالضيق وهو يتأمل حالها، ومن هنا جاءت الفكرة: لماذا لا يُوثَّق هذا كله قبل أن يختفي؟
فأنشأ صفحة على فيسبوك باسم “أرشيف الإسكندرية”، وبدأ ينشر الصور التي يلتقطها، ويشارك الجمهور ما يعثر عليه من وثائق ومعلومات. وبمرور الوقت تحولت الصفحة إلى مشروع أكبر، حتى أطلق الأرشيف الرقمي رسميًا في عام 2026 بعد أكثر من ثلاث سنوات من العمل المتواصل.
أرشيف تشاركي
يقول إسلام: “أرشيف الإسكندرية تشاركي. أي سكندري أو أي حد معاه صورة، مصري أو أجنبي، يقدر يدخل يرفعها، والمعلومات بتتراجع ويتكتب مصدر الصورة”.
المنصة لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تتيح للمؤسسات أيضًا، مثل الكنائس وغيرها من الجهات التي تمتلك أرشيفات خاصة، أن ترفع صورها وموادها التاريخية. وهكذا تتحول الذاكرة من مجهود فردي إلى مسؤولية جماعية يشارك فيها سكان المدينة أنفسهم.
ولا يقتصر الأرشيف على الصور وحدها؛ فالموقع يضم أيضًا مقالات تاريخية، وبودكاست، وموسيقى وأغانٍ تعكس روح الإسكندرية. الموقع متاح باللغتين العربية والإنجليزية، ويمكن للمستخدمين إدخال البيانات بأي منهما، مع توثيق المصادر وحقوق الملكية، حتى تبقى المادة محفوظة للأجيال القادمة. وخلال جولتنا في شوارع الإسكندرية القديمة، تظهر أمامنا نماذج كثيرة من المباني والمعالم التي يحاول الأرشيف توثيقها قبل أن تختفي.
صورة أثناء جولة إسلام مع بعض أعضاء الأرشيف.. تصوير: ميرنا جوهر
مساجد وبيوت تحكي التاريخ
نواصل السير حتى نصل إلى مسجد الشوربجي، أحد أقدم مساجد الإسكندرية، والذي أُنشئ عام 1758 ميلادية. وهو مسجد معلق، وطراز نادر نسبيًا في المدينة. يشير إسلام إلى المدخل المغلق، ويخبرني أن نحو 48 مليون جنيه أُنفقت عام 2009 على مشروع لترميمه، لكن الأعمال لم تُستكمل.
نصعد درجات السلم في محاولة لاستراق نظرة إلى الداخل، إلا أن الباب مغلق بإحكام، وأمام المدخل يتراكم الركام. يخبرني إسلام أن هناك من يسكن في الملحق الخاص بالمسجد؛ غرف أو شقق صغيرة تطل على ساحة داخلية، كأن التاريخ والواقع يعيشان في مساحة واحدة.
من هناك نتجه إلى مسجد تربانة، الأقدم من الشوربجي بنحو مئة عام، الكائن في شارع فرنسا. أعمدته الرومانية القديمة تحكي عن عصور متداخلة، لكن المسجد مغلق أيضًا.
ذاكرة بين شرفتين
نواصل السير حتى نقف أمام أحد البيوت المتهدمة في حارة اليهود. بينما نلتقط الصور، تمرّ امرأة مسنّة وتتوقف لتحدث إسلام. تشير إلى المبنى المهدّم وتخبره أنه كان بيتها القديم. بعد سقوطه، نُقلت لتسكن في منزل مقابل له مباشرة.
اللافت أن ما يفصلها عن حياتها السابقة شارع ضيق لا يتجاوز خطوات قليلة. من نافذة بيتها الجديد، تطل يوميًا على أطلال بيتها القديم. المشهد لا يحتاج إلى تعليق؛ ذاكرة معلقة بين شرفتين.
في حارة اليهود، لا يبدو الأرشيف مجرد موقع إلكتروني أو منصة لرفع الصور، بل محاولة لتثبيت لحظة قبل أن تختفي. وبينما تمضي السيدة في طريقها، يرفع إسلام هاتفه ليلتقط صورة أخرى. فقد لا يستطيع منع الهدم أو تغيير مسار المدينة، لكنه يحاول على الأقل أن يحفظ ملامحها من السقوط في النسيان.
لا يقتصر تفرد «مسجد زغلول» بمدينة رشيد على انحناءات مئذنته أو عراقة أحجاره، حيث يعود تاريخ بنائه إلى العصر المملوكي فحسب، بل تتعاظم القيمة التاريخية للمئذنة حين نستدعي صدى “صيحات التكبير” التي انطلقت في مارس من عام 1807، كإشارة لبدء حركة مقاومة شعبية في مواجهة حملة إنجليزية على مصر.
في رشيد، لم تكن المئذنة مجرد منصة لرفع الأذان للصلاة، بل كانت برج مراقبة وقبلةً للمقاومة، إذ تحول المسجد من دار للعبادة إلى غرفة عمليات أدارت انكسار حملة إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
“مآذن رشيد”.. أبراج مراقبة وبريد بالنيران
يقول الدكتور السيد أحمد بشير، مفتش آثار رشيد: “لمآذن المساجد مهام وظيفية أساسية، أولها إنشائي. إذ تشير إلى طراز البناء والإقليم الذي بني فيه المسجد، والمهمة الأساسية هي رفع الأذان للصلاة. قديما، كان لها دور إضافي يتمثل في التنبيه عند وقوع هجوم عسكري أو حدث مكروه للحاكم”.
ويضيف: “يقال إن الخبر كان ينتقل بين الإسكندرية وطنجة في ليلة واحدة. حيث تقاد نار معينة فيراها المسجد التالي على الخريطة فيشعل ناره بدوره، وهكذا ينتقل الخبر بين المدن من خلال المآذن”.
زغلول.. ديوان المدينة
بحسب الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف، تعود البدايات الأولى لبناء المسجد إلى عام 995هـ/ 1587م. حين أسس السيد نصر الدين زغلول الجزء الجنوبي منه في العصر المملوكي. إلا أن البناء مر بثلاث مراحل معمارية متعاقبة: أولها في العصر المملوكي المبكر على يد شخصية يُعتقد أنها فيروز الصلاحي. تلاها توسع مهم عام 1549م على يد علي زغلول. ثم المرحلة الأخيرة في القرن السابع عشر، حين أضاف محيي الدين عبد القادر القسم الشرقي والمئذنة الشرقية.
ويمتد المسجد على مساحة تقارب 5300 متر مربع، ليكون أكبر مساجد رشيد. ويتكون من 244 عمودًا من الرخام والجرانيت، دعامات ضخمة تشبه في ترتيبها وتصميمها جامع الأزهر الشريف. وتعلوها قباب صغيرة عثمانية الطراز.
وعلى جانبيه مئذنتان؛ إحداهما في الجهة الشرقية مكتملة، والأخرى في الجهة الغربية لم تكتمل بفعل قصف قوات حملة فريزر الإنجليزية سنة 1807م. بعد أن انطلقت منها شرارة المقاومة بقيادة الشيخ حسن كريت ومحافظ رشيد آنذاك علي بك السلانكلي. حيث صدحت التكبيرات “الله أكبر” لتدوّي في أرجاء المدينة.
مئذنة المسجد.. تصوير: محمد عوض
ترميم يوثق المعركة
يقول السيد بشير، مفتش آثار رشيد لـ«باب مصر»: “عندما بدأ ترميم مئذنة مسجد زغلول، أبقيت بشكلها المشطوف توثيقا لواقعة القصف ودلالاتها التاريخية. ولا نستطيع الجزم بشكلها القديم قبل القصف، لعدم وجود صور توثق شكل المبنى، كما أن للمسجد مئذنة أخرى مفككة حاليا تخضع للترميم”.
ويشرح بشير طراز بناء المساجد برشيد قائلا: ” تتميز مساجد المدينة بالطراز المملوكي المحلي، المعروف بنظام القلل. وتظهر في اللوحات القديمة بقاعدة حجرية مربعة يعلوها شكل ثماني أسطواني، بطابقين أو ثلاثة، تعلوه قلة المئذنة. بينما يعتمد سقف المسجد على القباب”.
ويضيف: “تأثر بناء مساجد رشيد بالطراز العثماني في مسجدين فقط. هما حسن كرد بابا بقلعة رشيد، ومسجد أبو النضر بتل أبو مندور، وهو مسجد حديث نسبيا بناه الخديوي عباس حلمي الثاني”.
من أعلى تل أبو مندور
يجاهد محمد وجيه، مرشد سياحي محلي بمدينة رشيد، وهو يصعد على رمال تل أبو مندور. ثم يقف على قمته وهو مشيرا إلى أطلال حصن قديم يخضع حاليا لأعمال حفريات جديدة، قائلا: “هنا نرى أطلال حصن قديم ومخازن غلال بنيت مع دخول الإسلام إلي مصر. استخدم الفرنسيون الحصن حين أقاموا حامية لهم أثناء الحملة على مصر. ومن بعدهم الإنجليز في قصف المدينة واستهداف المسجد”.
ويضيف: “انتقاما من صيحة الجهاد، نصب الإنجليز مدافعهم فوق تل أبو مندور، ووجهوا قذائفهم مباشرة نحو مئذنة المسجد. سقط الجزء العلوي منها، وبقيت قاعدتها وبدنها المشطوف”. ويبتسم وجيه قائلا: “على التل بقيت أطلال الحصن. بينما رممت المئذنة لتكون شاهدة على معركة غيرت طريقة تفكير المصريين بأنفسهم تجاه الحاكم المحتل”.
تشير الوثائق التاريخية إلى أن المقاومة اعتمدت خطة استدراج محكمة. حيث أُخليت الشوارع، فظن الإنجليز أن المدينة استسلمت. وما إن انتشر الجنود الإنجليز في الطرقات الملتوية، حتى انطلقت إشارة الهجوم من فوق مئذنة مسجد زغلول. كان نداء “الله أكبر.. حي على الجهاد” هو الشرارة التي دفعت الأهالي وأفراد الحامية المختبئين فوق أسطح المنازل وخلف المشربيات إلى إمطار الجنود بوابل من النيران. ما أدى لمقتل 170 وجرح 250 وأسر 120 من الحملة.
أطلال حصن تل أبو مندور.. تصوير: محمد عوض
صمت الأطلال
على عكس صمت الأطلال فوق تل أبو مندور، يرى محمد وجيه أن المئذنة لم تكن مجرد هدفٍ عسكري للمدافع البريطانية. بل كانت محاولة لكسر روح مقاومة المدينة وكبريائها. إلا أن تهدمها ما زال يذكر أهل رشيد بقيمة المسجد.
يقف أحمد العجواني في صحن المسجد، قائلا: “المسجد ده زي الجامع الأزهر في القاهرة. هنا تجمع الشيخ حسن كريت وعلي السلانكي والجنود عشان يكتبوا خطة مقاومة الإنجليز، والمئذنة دي طلع عليها الأذان وصيحة الجهاد”. ويضيف: “المسجد ده له تاريخ كبير بنفتكره في كل صلاة فيه”.
حين يوثق الترميم الحدث
في عام 2005 بدأ مشروع ترميم المسجد، لكن الجدل الأكبر كان حول المئذنة: هل يُعاد بناؤها كما كانت، أم تُترك كما قصفها الإنجليز؟
تبنى قطاع الآثار وجهة نظر “توثيق الواقعة”، فتم ترميم المئذنة بشكل “مشطوف” أو مائل عند القمة. ورغم انتقادات بعض الأكاديميين، مثل الدكتور محمود درويش، أستاذ العمارة الإسلامية بكلية الآداب- جامعة المنيا، الذي رأى في ذلك تغييراً للهوية المعمارية للأثر، إلا أن الرد الرسمي للدكتور أسامة طلعت، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، أكد أن الترميم تم بناءً على التوثيق الفوتوغرافي لثلاثينيات القرن الماضي، ليظل شكلها “المبتور” رمزاً للفخر القومي لأهل رشيد.
المئذنة اليوم لا ترفع الأذان فحسب، بل ترفع تذكرة دائمة بليلة كان فيها الحجر هدفاً للمحتل.
صلاة في ساحة المسجد.. تصوير: محمد عوض
صحوة المحكومين: من الرعوية إلى المواطنة
في كتابه “صحوة المحكومين“، يحلل محمود حسين – اسم مستعار للكاتبين بهجت النادي وعادل رفعت- دلالة هذه اللحظة التاريخية، إذ يرى المؤلفان أن أحداث رشيد في معارك المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين عام 1801 والإنجليز عام 1807 شكلت بداية انكسار “قدسية السلطة” المملوكية والعثمانية. فحين عجز الحكام الأجانب عن حماية الأرض، انتزع أهالي رشيد زمام المبادرة.
وكان مسجد زغلول، الذي وصفه الدكتور سعيد رخا، مدير متحف رشيد القومي في كتابه “مدينة رشيد في عيون الرحالة والمستشرقين” بأنه “أزهر رشيد” لثقله العلمي، وهو المنبر الذي تبلور فيه هذا الوعي الجديد. لم تعد المقاومة دفاعاً عن “سيد”، بل دفاعاً عن “وطن”، وهو التحول الذي أسس لمفهوم المواطنة الحديثة في مصر.