لم ينتبه له أحد من قبل بين زحام المحتشدين، فليس فيه ما يميزه عن الآخرين ليلفت انتباهنا إليه، مجرد تكرار جديد لجيش من الموظفين.
في نهاية كل شهر يتراصون في طوابير طويلة أمام ماكينة صرف النقود لسحب رواتبهم.. ترى بعضهم فلا تعرف إن كان معك في نفس الديوان أم جاء من مصلحة أو هيئة حكومية أخرى تنتشر دواوينها الوظيفية في المنطقة، وتجمعهم ماكينة صرف النقود أول كل شهر.
المديرون يتمتعون بمزية خاصة لا يحصل عليها غيرهم.
بمجرد حضورهم يفسح لهم الطابور طريقا مباشرا إلى ماكينة صرف النقود دون أن يعترض أحد، حتى صار شكلهم مألوفا للكافة.
لا فرق بين مدير في مصلحتك الحكومية أو بين مدير يعمل في جهة حكومية أخرى.. تواطؤ جمعي جمعنا باستثناء المديرين من القواعد والقوانين المنظمة للطابور مهما طال أو قصر.
يمر المدير من بيننا مصحوبا بنظرات التقديس والإعجاب.. والغضب والنقمة والكراهية، ويغادر دون أن يجرأ أحدنا على التمتمة والاعتراض أو مص الشفاه بصوت مسموع، فلكل مدير عيونه المزروعة بيننا والقادرة على نقل ما توسوس به النفوس لأصحابها.
لكن في هذه المرة، حين حضر المدير، سمعنا صوتا مدويا:
– إنت رايح فين.. مش فيه طابور؟!
ألتفتنا جميعا ناحية الصوت، الذي بدا لشبح يجرب صوته في الفراغ، نبحث عن صاحبه ونتأمل ملامحه.
هل يعرفه أحد؟!.
سألنا أنفسنا دون أن نحصل على إجابة قاطعة.
كان يشبهنا جميعا، واحد من مئات أو آلاف الموظفين الذين يؤكدون قاعدة التكرار والتماثل، ويجيدون الابتسام دائما كدمى شمعية في وجه رؤسائهم ومديريهم.
ألتفتنا ناحية الصوت، سألنا وهرعنا بنظراتنا ناحية المدير الذي وقف ثابتا في مكانه للحظة رمق فيها صاحب الصوت مثلنا، قبل أن يواصل طريقه إلى ماكينة صرف النقود – دون مبالاة- ويسحب نقوده وينصرف!
ليعود الطابور إلى صمته وعاداته الشمعية من جديد.
بعد ساعة وأكثر جاء مدير آخر، سلك الطريق نفسه، وسمعنا الصوت نفسه يزعق بحدة أكبر:
-احنا هنقف هنا طول النهار وهما براحتهم!
وقبل أن يسمح لنا بالالتفاف والالتفات ناحيته، خرج الشبح عن الطابور وهرع ناحية المدير وأمسك به في محاولة منعه من الوصول إلى ماكينة الصرف.
– لن يصرف أحد إلا بالدور!
قال كلماته وسط شهقات الاندهاش والترقب.
ظل المدير برهة صامتا بفعل الصدمة، يبحث عن طريقة مجدية في السيطرة على شعوره بالضيق واستعادة هيبته التي سقطت أمام طابور الأشباح الشمعية.
– أنت مجنون!
صاح المدير وهو يزيحه عنه بعيدا بمساعدة بعض الأعوان.
صار هرج ومرج ولغط، وانفرط عقد الطابور، ولم يعد أحد مهتما بالوصول إلى فوهة ماكينة الصرف وصرف راتبه، بقدر اهتمامه بمتابعة ما يحدث وتحليله والنقاش حوله.
في الديوان الحكومي صرنا نتابعه جميعا بنظراتنا وهو يمر في الطرقات، كنبوءة قادرة على التحقق.
نحسده على تلك الثقة التي تسكن في عينيه، والغضب الذي سكن تجاعيد جبهته ووجهه، وأزاح ابتسامته الشمعية بعيدا..
ونتلهف إلى أول الشهر ليجمعنا به طابور آخر.
أحمد طوسون، عضو لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو أمانة مؤتمر أدباء مصر. شارك بالعديد من المؤتمرات والورش الأدبية، ونشرت أعماله بأغلب الصحف والمجلات الأدبية المصرية والعربية، أصدر ثلاثة روايات “مراسم عزاء العائلة” فى2006، و” تأملات رجل الغرفة” فى 2011، و” رقة القتل” فى 2015، و” فتاة البحر” مجموعة قصصية 2011
كما أصدر 11قصة قصيرة للأطفال منها ” حكاية صاحب الغزلان ” و” حكاية خير البلاد ” ، و” أحلام السيد كتاب ” ، و” السلاحف يمكنها أن تطير “، و” دجاجات زينب”، و” جهاد تذهب إلى المدرسة ”
حصل على العديد من الجوائز ومنها جائزة القصة لدول جنوب البحر الأبيض المتوسط التي نظمها إقليم لجوريا الإيطالي عام 1996 / 1997،جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة في القصة القصيرة عام 1997،جائزة العقاد الأدبية في القصة بمناسبة مئوية العقاد للعام 1997،جائزة المسابقة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة في الرواية للعام 2001 / 2002،جائزة إذاعة BBC ومجلة العربي 2009،جائزة الدولة التشجيعية في رواية الفتيان عام 2012 عن رواية “أحلام السيد كتاب” ، وجائزة اتحاد كتاب مصر في المجموعة القصصية عن مجموعة “فتاة البحر”
التصنيف: نصوص أدبية
-

"طابور في مدينة الشمع!" قصة قصيرة لــ أحمد طوسون
-

"عدُّودِة فُراقْ" قصيدة للشاعر محمود يحيى
إلى الأب الذي فقد ابنته وزوجته في الجريمة الإرهابية الأخيرة
مدخل ..
راحت تصلي لربها
كان دربها سكة جحيم
رفعت إيديها للسما
وفقلبها
شريان وشوقه خيوط أمل
ممدودة تحلم بالنعيم
بس الشيطان قطع الخيوط
شد البنيه من الأمان
وجراح حزينة على البيبان
فتحت دموعها لأهلها
. راحت تصلي لربها
القصيدة..
فتافيت ضلوعي ف الطواف
لسّاها بتسبَّح أهات
واللي سمع غير اللي شاف
الصبر عدّودة سكات
اللي سمع..
غير اللي عاش حدّوتة العمر اللي فات
للي ابتلى ننّي وروح
ومافيش ف صدره غير أسى
وْحبة جروح
وألم حنين الذكريات
ليه سهم ليل الفُرقة صابني
والرّموش مبدورة غيم
ليه إنكسار السكة خدني
للحياة من غير نديم
طعم الحياة
بيمرّ في جوف الأنين
يسقي الفؤاد
بالمرّ ونواح السنين
العمر
محتار بالوجع
شايل هموم البعد
ويدوَّر على حَبة دموع
يمكن بكاه يطفي الحنين
يا نبتة الفْرح اللي مات
لسَّاك معايا وبنْدهِك
قيمي الصلاه
في جنتك
الزهر متحني بْنداه
والضحكة دايمه ع الشفاه
حوريّة بتعدّ النجوم جوَّه السما
وتغنّي من حسن الحياة
والدنيا مش هيَّ الحقيقة
الجسم سجن الروح
فلمّا ينهدم بتكون طليقة
وانتي البريئة
يا وردة الحبّ الرقيقة
نادي جراح الفرقة في قلبي تِخِفْ
مدّي شعاع الحب فوق صبري يِجِفْ
هدّي بدعاكي عزف خوفي م الزمن
وإنتي ف بعادك طيّبي
روحي اللي عذّبها الشجن
وان كان بعادك دق في أحزاني طبلك
أو دمعي في الغربة البعيدة يا غالية طاب لك
خلّي الوصال
شريان مودَّة بين حنايا الآه ف عيني
يمكن يزيح عني الأنين اللي كاويني
تايه …
ومش قادر أحُوْش حبّة دموع
جوّه جيوب فستان بيسأل
كلّ لحظة
عن جمال الحلوة زينة
ولا قادر أمسح م الحواري
خطاوي كانت أحلى زينة
ليه النهاردة اتيتّمت
حوارينا بالذكرى الحزينة
لو كان صحيح العقل زينة
ماكانتش روح القلب تفضل
خلف قضبان الضلوع بعدِك رهينة
نقْش الجروح
في الروح مايعرفش السكينة
بيسوّد الأحلام
ف تستنّى ورا القضبان سجينة
ليه الفراق مش بيساوينا !!
واحنا اللي من خوفنا ساوينا
فرْح دنيا وانكسارها
وشط تايه من عنينا
وازرع الحلم اللي عشّش في خيالي
ألقي ضيك
موج ومينا
ولسّه شايل جوّه حضني
كام عروسة لابسة توبك
لسّه باسمع كلّ ليلة
ضحكة سارحة
أجري بين همس الملايكة
ألتقي طيفك شذا
ترنيمة ف بداية صلاة
والفكر يركع
للي عدّت من حدود اللاوجود
للاوجود بين البشر
ضيّ القمر
والشمس غابوا يام زينة
لما فضّلتي اللقا
مع أحلى زهرة م الحياة
يا ألف آه
ف القلب لما ينطلق
طيفك وطيفها ويزوروني
ويفوتوني أصلّي وحدي ..
في طقوس الحزن وحدي مع الدموع
ليه ارتمي مجروح ليلاتي
أسأل الصّور اللي باقية
فوق حيطان تصرخ بحرقة صمت مبدور بالأسي ..
وذكرى اللي غاب
لمّا الحبايب قالوا للدنيا العواف
وانا لسَّه بتسبّح ضلوعي
وسْط همساتِك يا غالية في الطواف
محمود يحيى، من شعراء العامية الواعدين ، أصدر فى بداية عام 2016ديوانه الأول ” مواسم لقا”، ويستعد لإصدار ديوانيين جديدين هما ” مزامير غرام”، و” حنين مبدور” -

"روزان في اليابان" قصة قصيرة للطالبة روزان هيثم
كانت روزان متشوقة جدًا لأنها كانت على وشك الذهاب إلي اليابان، فقد كانت متلهفة جدًا لمعرفة ما بها ولكنها لم تكن تعرف ما يوجد بها، أو أين تقع؟ كل ما كانت تعرفه أنها بلد بعيد جدًا وفى أثناء تفكيرها شاهدت أمها منشغلة بإعداد الحقائب للسفر، وسألتها: أمي أمي: متى سنذهب إلي اليابان؟ فقالت لها: أصبري يا روزان، سنذهب إلي المطار فى ظهر الغد- إن شاء الله- فذهبت روزان للعب مع أخوتها: سلطان، والتوأم: عثمان وسوزان، وأخذوا يتحدثون مع بعضهم عن ماذا سوف يشاهدون فى اليابان، فقالت روزان: أصبروا غدًا سنعرف.
وفى ظهر اليوم التالي، ركبوا جميعًا السيارة ليذهبوا إلي المطار، وكانت سيارات أقاربهم تتبعهم حتى وصلوا وأنزلوا الحقائب، وفى أثناء ذلك كانت روزان تنظر إلي المطار من الخارج فدهشت به وبمنظر الطائرات التي تحلق، والأخرى التي تهبط، وعندما دخلت المطار أعجبها من الداخل، فقالت روزان: ياله من مكان واسع جميل! ولكن … ما هذه الآلة التي أراها بين الزجاج في نهاية الساحة يا أمي؟ فقالت أمها إنها آلة مخصصة لتفتيش الحقائب، أنظرى كيف توضع الحقائب من الجهة الأمامية وتتحرك على سير، فتعبر بكاميرات مخصصة بحيث يتمكن صاحب الآلة صاحب الآلة أن يري ما بداخل الحقائب، ثم تخرج من الجهة الخلفية.
فقالت روزان: ومن هؤلاء الذين يحملون حقائبنا؟ فقالت الأم: هؤلاء عمال يحملون الحقائب إلي الطائرة.
فقالت روزان: شكرًا يا أمي لأني قد فهمت الآن وظيفة الآلة وهؤلاء العمال، فقد كانت هذه أول مرة تذهب فيها روزان إلي المطار.
ركبت روزان وأسرتها إلي داخل الطائرة وجلست روزان بجوار النافذة، وجلس أخوها سلطان بجوارها، وكذلك أمها وأخوتها عثمان وسوزان مع بعضهما، وبعد قليل بدأت الطائرة تتحرك ببطيء ثم طارت في السماء، وهنا شعرت روزان بألم في أذنها فأخبرت أمها بذلك، فقالت لها وفى يدها علكتين خذي أمضغي واحدة وأعطي الأخرى لسلطان، فمضغ العلكة يخفف من هذا الألم، وقد أخبرتها أمها بأن هذا الألم نتيجة التغير في الضغط الجوي، بسبب ارتفاع الطائرة، شكرت روزان أمها وبدأت في مضغ العلكة، وبعد قليل شعرت بالارتياح، وبدأت تنظر من النافذة على السحاب المتعانق في الفضاء، وسط زرقة السماء، فأعجبت بمنظره وكيف تحلق الطائرة من فوقه، فقالت: سبحان الله !، وطلبت منها أمها أن تقرأ أدعيتها التي تحفظها، ثم ذهبت في نوم عميق، وعندما استيقظت سألت أمها متى سنصل إلي اليابان؟ فقالت لها: إن الرحلة طويلة جدًا فأكلت بعض الطعام ثم نامت مرة أخري حتى أيقظتها أمها عند هبوط الطائرة بمطار يدعي مطار “أوساكا” باليابان، حيث كان ينتظرهما أبوهما هناك، عندما دخلت روزان إلي طار أوساكا أعجبت به كثيرًا ولكن ما زاد من أعجابها دقة التفتيش داخل المطار، وكيف يتعامل هؤلاء اليابانيون داخل المطار وكيف قاموا بحمل حقائبهم إلي خارج المطار، وكيف قاموا بمساعدة أمها في حمل أخوتها عثمان وسوزان وكيف كانوا يبتسمون ويقدمون التحية عند رؤيتهم بالانحناء لهم، وقد كانت أول مرة تري تحية بهذا الشكل.
وابتهجت الأسرة برؤية أبيهم في خارج المطار وذهبوا جميعًا لقضاء ليلتهم بأحد الفنادق بعد رحلة عناء طويلة.
وفى الصباح الباكر ذهبوا إلي مطار آخر لركوب الطائرة التي سوف تحملهم إلي ” ناجا زاكي” حيث كان يدرس أبوها الدكتوراه هناك، والوصول إلي ناجا زاكي:-
وصلت الأسرة إلي ناجا زاكي بعد رحلة قصيرة بالطائرة، ثم الأتوبيس من المطار إلي المدينة.
دهشت روزان عندما شاهدت الناظر الجميلة من الأشجار والغابات والمحيطات والشوارع النظيفة والمباني المتناسقة، وكذلك إشارات المرور كثيرة جدًا ومنظمة ودقيقة جدًا فقد أعجبت بها جميع الأسرة.
وصلت الأسرة إلي منزلها الجديد فأدهشت روزان والأسرة من شكل وتصميم البيت من الخارج وكذلك من الداخل، ففي مقدمة المنزل بعد الباب مباشرة- توجد مساحة منخفضة صغيرة عن مستوي باقي المنزل وذلك لخلع الأحذية قبل الدخول.
وكانت مساحة المنزل صغيرة جدًا بالنسبة إلي الشقة التي كانت تسكنها روزان في مصر، حيث كان المنزل يتكون من غرفتين فقط، وصالة لإعداد الطعام ومشاهدة التلفاز، وكذلك الحمام الصغير بجواره البانيو الصغير أيضًا.
تعجبت روزان من أرضية المنزل، فقد كانت الغرفتان مفروشتين بشيء مصنوع من القش في صورة قوالب مستطيلة تسمي باللغة اليابانية” تتامي” وكانت مريحة جدًا، أما باقي أرضية المنزل مغطاه بخشب لامع يسمي ” الباركيه” وليست هناك أي أسِرَة للنوم، فاليابانيون لا ينامون إلا على” التاتا مي” ولكن لم تكن هذه مشكلة لأن البيت كان نظيفًا وجميلًا وهادئًا جدًا جدًا.
كما أعجبت روزان من اهتمام اليابانيين بالالتزام والهدوء الشديد وكذلك اهتمامهم بالنظافة بصفة عامة سواء في الشوارع والمنتزهات والحدائق العامة.
أما القمامة فيتخلص منها اليابانيون بصورة رائعة، ومنظمة لدرجة كبيرة حيث يخصص كيس لكل أنواع من القمامة، فالكيس الأحمر لجمع المحروقات، والكيس الأصفر لجمع البلاستيك، والكيس الأزرق لجمع المعادن، مثل المعلبات وغيرها من الأدوات المنزلية، والكيس البني لجمع الأدوات الخشبية، وغيرها من الأكياس الأخرى مختلفة الأغراض، كما يوجد هناك كتيب للإرشادات الخاصة بكيفية الاستخدام لكل كيس، وكيفية التخلص منها.
ولاحظت روزان ان اليابانيون لا يهتمون بالنظافة فقط، بل بالنظام أيضًا، فتجد أن الجميع يلتزم بإشارات المرور ولا يخالفها أحد! وليست هناك فوضي، بل يقفون فى طوابير منظمة، وكذلك النظام حتى فى العمل، فإذا كان لأحدهم أكثر من عمل فلا يقومون به مرة واحدة إنما يقوم بإنهاء العمل تلو الآخر … وهكذا.
بعد استقرار الأسرة في منزلها الجديد واقتراب موعد الدراسة أرسل مجلس المدينة خطابًا إلي والد روزان بضرورة إلحاقها بإحدى المدارس الابتدائية اليابانية، فذهب الأب مع ابنته روزان إلي المكتب المختص بالتنسيق لاختيار المدرسة المناسبة، وتم اختيار مدرسة على بعد ثلاثة كيلو مترات من المنزل، وكانت هي الأقرب للمنزل.
وفى اليوم التالي ذهبت روزان مع أبيها إلي المدرسة، وكان الطريق إليها طويلًا، غير أن هناك تلاًلا مثيرة وأمطارًا غزيرة أتبعتهما.
ودخل إلي المدرسة فوجد معلمتها الجديدة في الانتظار ، وقد رحبت بهما بالطريقة اليابانية، وبعد حوار قصير عرف الأب مستلزمات المدرسة ومتطلباتها، ثم عادا إلي البيت، وفى اليوم التالي ذهبت روزان مع أبيها على دراجة عادية، كان الأب يستخدمها لإحضار متطلبات الأسرة والذهاب للجامعة.
وعند باب المدرسة رأت روزان المعلمين يقومون بتحية التلاميذ ويقولون “أوهايو جوزا يماس” ولم تفهم روزان ما يقولونه ودخلت إلي المدرسة ورأت التلاميذ يخلعون أحذيتهم ثم يضعونها في خزائن مخصصة فعلت مثلهم، ثم وجدت خزانة مكتوب عليها، أسمها باللغة الإنجليزية، وكذلك بالحروف اليابانية التي تفهمها، فوضعت حذائها داخل المكان المخصص له، وأخذت الحذاء الآخر المخصص لداخل المدرسة، وبعد ذلك ذهبت إلي فصلها فوجدت التلاميذ يفرغون حقائبهم من الكتب داخل الدرج المخصص لها داخل الفصل، ويقومون بوضع الحقائب وكذلك زجاجات المياه في خزائن أخري مخصصة لذلك خارج الفصل.
أخذت روزان بعض الأدوات المدرسية من معلمتها ووضعتها داخل الدرج المخصص، وكانت روزان متحمسة جدًا ومتشوقة لتبدأ يومها الدراسي الأول فى تلك المدرسة اليابانية.
وفى تمام الساعة الثامنة صباحًا دخلت المعلمة وقامت بتحية التلاميذ ثم أعطت كل تلميذ مجموعة من الكتب والكراسات، لكل مادة كتابها وكراستها الخاصة بها.
بدأ اليوم الدراسي أخذت روزان قصص كثيرة ومتنوعة وفى تمام الساعة الخامسة مساءً أنتهي اليوم الدراسي الأول، ثم عادت إلي منزلها مع أبيها، ومر الأسبوع الأول وكانت قد تعودت رزان على الطريق وتعرفت عليه، واعتادت الذهاب إلي المدرسة والعودة منها بمفردها معتمدة على نفسها، كما كانت ترى التلاميذ اليابانيين يفعلون ذلك كل يوم.
ومرت الأيام وروزان سعيدة جدًا بمدرستها الجديدة- رغم المعاناة التي تجدها في رحلة الذهاب إلي المدرسة والعودة منها كانت حصص المدرسة كثيرة ومتنوعة وشيقة، فمثًلا في حصة اللغة اليابانية يقرأ التلميذ الدرس المكتوب، وتقوم المعلمة بشرحه للتلاميذ، وكذلك تقوم بشرحه لروزان باللغة الإنجليزية التي كانت قد تعلمت بدايتها في مدارس اللغات الحكومية بمصر، وكانت روزان تعانى في البداية من كيفية التعامل مع اليابانيين وطباعهم المختلفة بجانب اللغة اليابانية الصعبة جدًا لغتًا وكتابة، وبعد فترة تعودت روزان على ذلك.
أما حصة اللغة الإنجليزية فكانت تؤخذ كل بضعة شهور، وكان المعلم يعرض صورًا مكتوبًا في أسفلها المعني باللغة الإنجليزية، يقرؤها المعلم ويرددها التلاميذ، أما في حصة الرياضيات فكان معظم الشرح عمليا، مثلًا عند تعلم “العد” ، كانت المعلمة تعطى لكل تلميذ مجموعة من المكعبات الصغيرة ،ويقوم التلميذ بحل المسالة باستخدام تلك المكعبات ، أما بالنسبة للأشياء القياسية مثل قياس طول كتاب أو قلم ،كانت المعلمة تعطى التلاميذ مساطر خشبية موحدة الشكل ،ولكل تلميذ مسطرته الخاصة مكتوب عليه اسمه حتى لا تتبدل مع زملائه ،ويقوم باستخدامها فى القياس .
أما في حصة التربية الرياضية يقوم كل تلميذ بخلع ملابسه في المكان المخصص لذلك ،ويقوم بإرتداء الملابس الرياضية ،وفى هذه الحصة يتدرب التلاميذ على عرض راقص مخصص لكل صف ،ويعرض في نهاية العام الدراسي ،ويسمى (باليوم الرياضي )الذى تحضره جميع الأسر .
بالإضافة الى تعلم بعض المهارات كركوب الدراجة ذات العجل الوحد وتعلم مهارات الاتزان آما في الصيف يقوم التلاميذ بممارسة العوم فى حمام السباحة الخاص بالمدرسة .
أما في حصة الموسيقى فكان التلاميذ يتعلمون العزف على الآلات المختلفة ،و الصغار منهم يعزفون فقط على (ألة البيانو ).
كانت هناك استراحتان بين الحصص :الاستراحة الأولى فهي مخصصة للعب ،أما الثانية فتكون وقت الغداء وحينها توضع جميع أصناف الطعام على مائدة مخصصة لذلك ،ويقف التلاميذ أمامها في طابور منتظم ،وهناك فريق من التلاميذ أنفسهم يقومون بتوزيع الطعام على زملائهم ،ويكون ذلك بالتناوب بينهم فيأخذ كل تلميذ قدر حاجته من الطعام .
والطعام في اليابان يطبخ داخل المدرسة ،ثم يعطى إلى التلاميذ بعد التأكد من سلامته ،أما روزان فكانت تحضر طعامها من المنزل في لم تعتد على طعامهم ،فقد كان غريب المذاق بالنسبة لها ،وقليل الملح ،وبعضه غير مطهى مثل شرائح السمك والتي تسمى باليابانية (السوشي ).
وبعد أن ينتهى التلاميذ من الطعام يذهبون للعب أو المكتبة ،وفى نهاية الأسبوع -يوم الجمعة – يقوم كل فصل بتنظيف فصله والجزء الذى أمامه من الممر ،ثم تعود روزان في نهاية الأسبوع حاملة معها كل أدواتها التي استخدمتها طوال أيام الأسبوع وذلك لغسلها بالمنزل يومي العطلة.
وكانت هذه المدرسة أروع مدرسة رأتها روزان في حياتها ولاتزال تذكرها حتى كبرت .
ترى: هل يأت يوم وترى روزان تلك المدرسة في وطننا الحبيب ؟!!!!!!
روزان هيثم الشنهورى، طالبة فى الصف الخامس الابتدائي ، بمدرسة التجريبية الرسمية للغات، بحجازه قبلي بمدينة قوص ، حصلت على المركز الأول فى مسابقة أفضل قاص وقاصة على مستوي الإدارة التعليمية بقوص، وتأهلت وفازت بالمركز الأول على مستوي محافظة قنا منذ أيام، وتصعد لتنافس على مستوي الجمهورية، خلال الفترة المقبلة .
هذه القصة هى التى تقدمت بها روزان للمسابقة، وتحكى فيها تجربة سفرها إلى لليابان مع والدها و أسرتها حيث كان والدها يدرس للحصول على درجة الدكتوراه فى الطب من إحدى الجامعات اليابانية.
يعمل والد روزان طبيب وأستاذ جامعي بجامعة جنوب الوادي كلية الطب، ووالدتها طبيبة بمركز بقوص
-

قصيدة "العجوز" للشاعر جاسر جمال الدين
حرق العجوز صبره شاف فى المنام قبره
وملايكه بتلفه ماشيين وبتزفه
بالراحه شايلينوا نايم على سريره
وجنبه كوميدينوا وعليه علب برشام
وشريط كاست أنغام وتراب على
المفرش وبقعتين لكريم
يغمق فجأه اللون ويخش مود تعتيم
والمصحف المركون مفتوح على التحريم مقلوب على وشه
وكوز مربى قديم النمل بيخشه
عالحيطه فيه لوحه لصفحه مفتوحه
مكتوب بخط عريض متشكله بريشه
فضيت جيوب العمر من أغلى تحويشه
حرق العجوز صبره على ركية الشيشه
اصطاد غناوى الأمل من فوق حيطانه يمام
يا هلترى الأحلام .. هتطاوعه فى مشيبه
تلم حلمه فى كفن وتاخده على عيبه
والضى فى مغيبه
ترد فيه الروح
رمى الزمن زهره لكن طلع ممسوح
حرق العجوز صبره وقلبه بات مدبوح
جاسر جمال الدين، شاعر عاميه 47 سنة، صدر له ثلاثة دواوين “من ذاكرة التراب” عام 1989 ، “تانى شوية وجع”عام2000 عن النشر الأقليمى ،” ملاك من غير هالات نور فوق دماغه” النشر الأقليمى 2015.
نشرفى معظم المجلات والدوريات الخاصة بالأدب . -

"ست الحسن" قصيدة للشاعر محمد أبو العبادي
ما بقيتش أدوق
طعم البراءه ف لعبهم
ولا ضحكهم
ولا عادش حاجه تلمُّهم
غير العذاب
صوت الضمير م الخلق غاب
خلا الولاد ع الأرصفه
بيلمّوا زادهم م التراب
الليل كئيب من غير نجوم
والصبح متغطّي بضباب
أصعب مافيكي يا مصرنا
لمّا الملايكه تبات بجوع
والفرح بيموت اكتئاب
يا جنّه كنتي بألف باب
إتسدّوا ليه كل الببان ؟
ليه الضنا ف بحر الهموم
والخير ف إيد الألعوبان ؟
يا رافعه إيدك للسما
يا زارعه قلبك بالإيمان
صوت الجرس أصبح أنين
والدمع ف عيون الأدان
كنتي ف زمان قبل الزمان
سلّة غلال المحرومين
كنتي الشجر
كنتي النخيل
والنيل بعطر الطيبين
كان العنب طعم العسل
كان البصل رمان وتين
دلوقتي ليه متمددة
ف السيدة وسيدنا الحسين ؟
متعفّره بحبّة تراب
والتوب مقطّع ع البدن
مين اللي باعك بالرخيص
واختار مكان غيرك وطن ؟
مين عرّى بدنك جوّعك ؟
مين لف بدنك بالكفن ؟
يا صابرة من زمن الزمن
مهما الزمن داسك عذاب
واللا اتعجنتي بالمحن
رح تفضلي
ف عيوني ست الحُسن مصر
وأنا مهما بيّا العمر مر
رح اكونلك الشاطر حسن -

"أبى يحتضر بنمطية مملة" قصيدة للشاعر شريف سيد
بعد أن اجتمع ثلاثتنا
أمام فراش أبينا الذي يحتضر للتو
أصدرت السماء صوتاعاليا
كموسيقي المارش العسكري
وصفت الأرض ترابها من الملائكة المزيفين
مد أبي لي أحد عيدان الخيرزان الثلاثة
كما فى القصص النمطية
شهقت أمي لتفتح أبوابا أخرى للتوابيت
أبي نفسه الذي خلق مساحة لا بأس بها من الزمن
زفر الحنين والشوق والمرؤة فى لحظة واحدة
ليؤكد أنه بخل علينا جميعا بخبراته قديما
الوقت الفائت كلحظات كلاسيكة
يبرأ من أعماله التاريخية
كمعافراته مع صبر أيوب
ومع حلم يوسف فى سجنه
ليمنح وجوهنا حزنا
لا بأس به لتلك المناسبة
الحانوتي الأبكم
ينتظرُ إنجلاء الحقيقة عن الباطل
حتى تولول السماء بصوتها الرخيم
المشهد تغلفه بلاهة الحاضرين
المتابعين لتلاشي الروح فى أزقة السحب
لم أكسر العود الأول لأكرر عبث الأباء المحتضرين
لطمت أمي صدر أخي ابتسم فى قرارة نفسه للحالة
تبحث اختي فى كراكيبها
عن قلب قديم غلفته الأتربة
أحاول أن اتذكر فتاتي لتشاركني
وليمة الحزن المصطنع ..
أو بالأدق
تشاركني هذه القصيدة
كضيف شرف كما لم يحدث من قبل
الموقف ينسلخ من الذاكرة
قبل أن تبدأ مراسمه
أو بالأحري قبل أن أدونه
فى لوح محفوظ
ليستهلك فكرته
أبنائي
ثم
أبنائهم
ثم
أبنائهم
وهكذا
الشاعر شريف سيد صلاح ، 35 سنة، أخصائي اجتماعي بالتربية والتعليم ، رئيس نادي أدب الفشن ، سكرتير نادي الأدب المركزي بمحافظة بني سويف، مستشار تحرير مجلة فواصل الأدبية ،
نشر له” بنت بطعم الشمس ” ديوان عامية طبع خاص، ديوان “ليس شرطا أن تقودنا رائحة الملح إلى أرجاء المحيط” النشر الاقليمي لعام 2012، ديوان “فتاة مغمورة لم تذكر في دهاليز التوراة السامرية”، ويكتب الرواية وله تحت الطبع رواية “العاهرة التى ملأت المحراب طهرا “، شارك بالتمثيل فى العديد من العروض المسرحية -

قصيدتان من ديوان "الأسامى " لـ محمد حسنى إبراهيم
خيرية السيد شحاتة
وحلفت بالسر الإلَهي أطلعك
من بين ضلوعي لكل حي يحبنى
ويسمي بسم الله
عديت وقُلت استعيذ بإيديك من الأحزان
ميلت ليكي طبطبى واتهجى طعم طفولتى فيك
غنيلى من اغانيك
حموده نام ننه
وبكرة تتهنى
العتبة لو خطيت
بالفرحة تتحنى
وكام قرش اتخرم واتشال على صدري وخُفتى اتحسد ف ايديك
ميلت ليكى طبطبى واتهجى طعم طفولتى فيك
سكة حنان تتفرش وتلم تحتيها
حواديت مع دعوات
ويوم زفافك تقول هاتولى ست البنات
متشوفش يوم خنقة وسماك تكون بالقمر ومطرزة نجمات
ياكنزي ياحيلة
يامكتر العيلة عمري اللى جاى يرضيك
ميلت ليكى طبطبى واتهجى طعم طفولتى فيك
كانت شوارع فيها شوق
والقلب بالحب أرتوى معشوق
لكن ف عشقك يوقف كل دقاته ويحس طعم الفرحة لما يفوق
ياململمة سطوري
ومعلمة ف نوري
عمري ياريت يرضيك
ميلت ليكى طبطى واتهجى طعم طفولتى فيك
مهدى صلاح
تاخد ف وشك حلمها وتهج
وتسلم المفاتيح لروحك ضحكتك
وخطاوي سارحة ع البيبان تشتاق محبة لكل دار
انت العنيد !!!
وانت الفرح وانت النهار
ان غبت عن روح الحبيبة تروح لها
وتسيب عيونك ف الضلوع
نور الليالى والشموع يشتاق يقولك كلمتين
هتروح لفين لو تقطفك من بين عنيها ف زحمة المشوار
وانت الفرح
انت النهار
عايش بصوتها وغصنها ضلل عليك
آيالة ياعمر استويت
من غربة ضايعة ف كل بيت
خبط بروحك بوح بسرك للفضا
أو خلى بالك من خُطاك
إياك تسيبها تروح بعيد وسط انهيار الاسئلة فوق الدماغ
خليك شايفها ف ضحكتك
وف خطوتك سكة عمار
مانت الفرح
وانت النهار
الشاعر محمد حسنى إبراهيم، من أبرز شعراء العامية فى مصر، صدر له العديد من الدواوين الشعرية ومنها “مواسم للعطش والجوع” عن سلسلة أصوات أدبية 1995، “أول خطاوي العشق موت” طبعة خاصة 1997، “عرايس النيل” عن سلسلة النشر الإقليمي 2000، “المكان جواك محاصر” عن دار اكتب 2008، “أنا الشرير بتاع الورد” دار أرابيسك 2009، “السما بتمطر أرواح” 2010 دار ايزيس، “طوابير فرح” جامعة الفيوم 2011، “تكتب جناحين وتطير بيهم” دار الادهم 2012، “آخر مابينا ضحكتك” دار النسيم 2013، ” رباعيات” إصدار خاص منتدى بداية2014، “الأسامى” عن دار الأدهم 2015.
-

"ولما الشمس تعدى" قصيدة للشاعر بكرى جابر
هي ليه جريت كده
زي الزمن بقى ميت حصان
قطر الليالي المفتري
عمال يبعتتر في السنين
ده من يومين
واقف هناك
بالعب مع الواد الشقي
عمال بيلعب في التراب
وبيملا حجري باﻷمل
طب فين أمل
ما ظهرش ليه …. ؟!
كان يجرى ايه ….
لو تهنا من عين الزمن
و هربنا من قطر الحياه ؟!
شايخ يا نخلي في البلد
لساه بيلعب ع الطريق
و يرصص العمر في صور
هنا مدرسه
وهناك ضريح
كتاب حيطانه مشرخه
طابور إذاعه وفي الصباح ….
و اختي صباح
لمسة إيديها كات شفا
أمي الحنونة الطيبه
بتوزع اﻷشواق رغيف
خليك نضيف
الشغل للغلبان شرف
يااااه ع الشرف
دا أنا من زمان وأنا باشتغل
وهم هم ال كام رغيف
ملعون رغيفك يا زمن
لما قايضت ع الحياه
بعتلنا وهم اسمه اﻷمل
وزرعت فينا الف آآآه
جريت مراكب عمرنا
واحنا بنحبي ع الطريق
كنا هناك ورد و شجر
و لاكات عيونا مدمعين
دلوقتي يا مر القدر
دمعة خدودنا مفرعين
الشمس بتحب المسا
والليل بيفرد في الجناح
خايف يميل عود القسا
و ابقى اللي عاش و الجراح
واما الطريق قال : انتهى
مالقيش هناك معنى الأمل
متأسفه …
على ايه يا دنيا خلاص بقى … !!
بانت محطات الوصول
مهما نقول
قطر الزمن ﻻزم يصفر في المعاد
فاااات المعاد يا قلبي أنا
لم الجروح
يارب خير
تختم نهاية رحلتي و ﻻ اني اصير ( …. )
ده انا قلبي
عايش يسبح في الخلا
وﻻ يوم كفرت
و ان يوم سرحت
انا باعتذر
طبع البشر
وإنت الكبير
إنت الكبير -

" زجاج لا يمرر شعاع البصر" قصة قصيرة لـ إبراهيم حسين
اتفاق ضمني بين السائقين على جعل هذا التقاطع مكاناً لتجمع سياراتهم. في هذا التقاطع الكثير من الضوضاء والسيارات والسباب وتكتمل الصورة بعربة الفول وبائع شاي في أكواب بيضاء بلاستيكية عبثا حاول أصحاب البيوت القريبة الدفاع عن هدوئهم بإرسال الشكاوى، ولكن عندما كان يأتي التفتيش المفاجئ يجد المكان خالياً حتى من بائع الشاي حينها يبدو المكان لمن اعتاده غريباً ربما موحشاً بعض الشيء بدأ أهل البيوت القريبة الاعتياد تدريجيا على الضوضاء والعوادم والفوضى. أصيبوا بما يمكن تسميته (الصمم الجزئى)
صاروا لا يسمعون إلا الأصوات العالية ولذا تجدهم حتى في أحاديثهم الخاصة يرفعون أصواتهم بلا داع.
عندما تأخذ مكانك في السيارة من هذا المكان يتوجب عليك الانتظار حتى يكتمل العدد , شخص ما يمسك بورقة التقطها من الأرض ويكتب أرقام السيارات لضبط حركة الموقف .
يمكنك من كرسيك أن ترى بائع الفول وهو يعمل بسرعة ولا يتوقف عن الاهتزاز كالبندول تساعده في غسل الإطباق امرأته المنقبة يبدو المشهد غريباً بعض الشيء حيث إنها تغطى وجهها وتكشف عن ساعديها، وتسمع الصبيان الصغار العاملون
على هذه السيارات وهم يمسحونها بفوط وردية اللون، ويتضاحكون بنكت خارجة، والسائقون جالسون يحتسون الشاي ويلقون بكلمات غير واضحة لأي فتاة تمر, لازالت بعض اللمبات مضيئة فالشمس لم تشرق بعد.
تنطلق السيارة وبدأ البعض في النوم والبعض في الأكل والشباب يضعون سماعات الأذن ليستمعوا إلى أشيائهم التي يفضلون.
تسير السيارة بهدوء في محاذاة البحيرة وهناك يمكنك مشاهدة الصيادين الخارجين لتوهم من الماء يسحبون مراكبهم خلفهم وعليها رزق الليل غالباً ما يكون معهم أولادهم الصغار للمساعدة وعند طلوع الشمس يضع هؤلاء الصيادون تظليله يقفون تحتها وقد ضفروا الأسماك في ضفيرة طويلة من سعف النخيل يلوحون به للسيارات المارة، تحلق فوق البحيرة طيور بأشكال عديدة يقولون أنها طيور السمان التي نزلت على سيدنا موسى ويقولون أيضا أنها إوز عراقي مهاجر لست عالما بأنواع الطيور.
أحاول اختراق الضباب لأرى أبعد مدى في البحيرة. ثمة صيادين آخرين لايزالوا يحاولون. يزيد من كثافة الضباب أنفاس المسافرين المتكاثفة على زجاج السيارة. عندما تنتهي البحيرة تمر السيارات على كشك المرور وهناك يقف رجل المرور يلبس على ذراعه شارات حمراء وقد أحاط المكان بأقماع هيئة المرور وبراميل ممتلئة بالأسمنت رسم عليها من الخارج علم الوطن.
مرة يكون واقفاً ملتفاً بشيء ما كالبطانية أو واقفا يضع يديه في معطف أسود طويل أو يتكئ على كرسي طويل من الحديد ولكن في كل أحواله لا أرى وجهه ظاهراً. على كثرة ما مريت من هنا فأنى إن قابلته في طريق لن أعرفه هل هو نفس الرجل دائماً؟ هل هم كثيرون متشابهون ؟ يهدئ السائق من سرعة سيارته للحد الأدنى ويلقى بقطعة العملة المعدنية في المربع المصنوع من الأقماع والأسمنت. لماذا معدنية تحديداً ؟ ربما حتى لا تأخذها الريح بعيداً أو لأن الشرطي لن يراها ولكنه سيسمع صوتها على الأرض وهناك عندما تشرق الشمس ويكون بإمكانه إخراج يده من المعطف الأسود الطويل, حينها سيراها تلمع بصفرة محببة جداً إليه.
وبعد أن تمر السيارة بالكشك تعود إلى سرعتها الأولى حتى تمر من أمام قسم الشرطة العتيق وأولئك الخفر الواقفين أمامه كالتماثيل ، وبعدها يبدأ الطريق الصحراوي الطويل.
هذا الصباح هدأ السائق من سرعته والقى بعملته المعدنية، لم أرى الرجل في ثكنته ولكنى أرجعت ذلك إلى الضباب القريب جدا من الأرض كضربة فرشاه ضخمة ولكن أحداً من الكراسي الأولى قال(تلقى بعملتك لفراغ إنه ليس هناك)
رد أخر (إنه هناك ولكنه متخفي ليرى إن كان أحداً سيحاول التمرد)
وأخر (إنه جالس متجمد من البرد فهو كما تعلمون عجوز ولا يستطيع التحرك في هذا المناخ)
وأخر(يا أخوه الرجل ليس بموجود أنتم تتهيئون إنه الظلام وألاعيبه)
وآخرون(الرجل مع امرأته بالداخل فهو يأتي بها إلى هنا لتلملم المال من الأرض لأنه لا يستطيع التحرك فظهره متصلب لا يستطع الإنحناء)
آخرون(إنه يؤتى بامرأته ولكن لغرض أخر …. أنتم تعرفون هذه الأشياء
( قهقهات خجلة..أخر(بالله إنه ليس هنا أنتم تختلقونه
عندما جاء مركز الشرطة العتيق سكت الجميع، ولما جاء الطريق الصحراوي الطويل نام الجميع.
صدر للقاص إبراهيم حسين مجموعتان هما: “هنا يموتون مرات عديدة” والحاصلة على جائزة الشارقة الأدبية لعام 2011، و”سيد النخيل” وحصلت على جائزة عماد قطري الأدبية لعام 2014،كما حصل الكاتب على جائزة هيئة قصور الثقافة المركزية في القصة المنفردة، عن قصة “إيمان” عام 2012، والمركز الثالث عن قصة “ممر طويل يؤدي إلى حجرة مظلمة” من مركز مساواة لحقوق الإنسان في نفس العام، وفي عام 2014 حصل على المركز الثاني عن مجموعة “رائحة كريهة” في المسابقة المركزية لهيئة قصور الثقافة، وفي عام 2015 حصل على المركز الأول عن قصة “غياب” في المسابقة التي أقامتها مجلة العربي مع هيئة الإذاعة البريطانية، كما حصل في نفس العام على المركز الثانى فى مسابقة “ربيع مفتاح” الأدبية، عن قصة “في انتظار الليل” -

"ذات عشاء" قصيدة للشاعر نور سليمان
ذات عشاء
كانت أمى لم تزل تحتفظ ببعض خبزها . وفتات جبن
وقليل من قهوة المساء
اختى الصغرى لم تأت بعد
هل ينام المساء دون عشاءها؟
أخذت بعض أعواد من النعناع الأخضر
وضعتها فى قنينة صغيرة
حتى الصباح
قلبها مازال معى
ووجهها يرسم دائرة
فوق المائدة ..
لم تأت بعد. .
رائحة الخبز المحترق فوق المدفأة ..
يوقظ جارتنا العجوز
كيف تكور وجهها إلى هذا الحد؟
كيف أصبح مثل كرة الشارع؟
المارون من خلف زجاج النافذة
يشعرون بالبرد
ونحن نشعل كل أوقاتنا حكايا
………………………………………….
ترسم قلبا فوق وسادتها … تعشقه
وإذا جاء الليل تعصره فيذوب
عند الصبح تعود فترسم قلبا آخر
تعشقه ….. فتذوب
كيف لاتستطيع الشرفة … أن تعشق الشرفة المقابلة
والجدار أن يضم الجدار المواجه له ؟؟
ولماذا أسرة النوم لاتلتقى بالأسرة ….
بعد منتصف الليل ؟؟
لماذا لاتعشق الأشياء بعضها البعض…؟
الشاعر نور سليمان من مواليد 1959، ويعمل مدير بيت ثقافة إهناسيا المدينة، عضو اتحاد الكتاب، ممثل ومخرج مسرحى، مؤلف معتمد بالإذاعة والتليفزيون ، صدر له ديوان “لأنك أرضى ولأني نيلك” ضمن سلسلة إبداعات معاصرة عن الهيئة العامة الكتاب، ديوان ” منحدرات النهر” عن هيئة الكتاب، ضمن سلسلة الإبداع الشعري المعاصر، ديوان شعر” كتاب البدايات ” عن دار المحروسة للطبع والنشر 2013
، ديوان” تزاور عن قلبى ” ضمن سلسلة حروف … وزارة الثقافة المصرية ، ديوان شعر “العصفور ” ضمن سلسلة أصوات أدبية 2014نشر فى المجلات والدوريات الثقافية العربية ” الثقافة الجديدة ـ إبداع ـ الشعر ـ العربي ـ العربية ـ الكويت ـ البيان ـ الشاهد ـ دبى الثقافية ـ الإمارات ـ الجسرة ـ الرافد” له قصائد مترجمة للفرنسية والإنجليزية، تدرس بعض قصائده بقسم اللغة العربية بالجامعة الأمريكية كنماذج للشعر الحديث.