باب مصر

التصنيف: سينما

  • بورتريهات متخيلة (10): نسرين.. تلك تحيتي لفتاة أحلام

    بورتريهات متخيلة (10): نسرين.. تلك تحيتي لفتاة أحلام

    لا أعرف عنها شيئا، فقد ابتلعها الصمت، خطفها الحبيب المثالي، فتى أحلام، وأسكنها سماء مغلقة بالحب والوعود. لذا سأتخيلها بالكامل، سأكتب عبر قناعها عما يغويني وما يخيفني، عما فتنني في الآخر، (أفعلت شيئا أكثر من ذلك في باقي البورتريهات؟)

    تلك تحيتي لفتاة أحلام، كل فتاة أحلام.

    **

    بلا شائبة، تتناغم ببداهة مع الإيقاع، تتبدل بتبدله، ولا نشاز، كآلة موسيقية حبيسة، كل ما تحتاجه كي تصدح هو لمسة، ككل فتاة أحلام، لا نبالي معها بالشدق المفتوح للزمن، في ظلها كل موسيقى بريئة، كل الأحجار خفيفة وينبوع الماء متجدد وحي.

    لا يعنينا معها الوصول، بل في ذلك كله نتبع الحب كدليل، فأجمل ما في السراب هو أن المسافة لا تنتهي، أن الطريق أوله وهم ونهايته قبض ريح. يُعبد، يُعمر، بالخيال وبالحجر وبالنزيف.

    في الطريق بين المثالي والممكن تنشأ الصداقات، العداوات، الخبرة، الذكريات، تتسع الحياة والأسى، تتسع الحياة والفرح.

    في غمار الحفل الصاخب، في جوف العزاء المر، ننسى دافع تلك الرحلة، نتوقف حيرى منهكين، نتذكر ذلك الوجه، نرفع الرأس قليلا ونواصل قطع المسافة الأزلية إلى السراب.

    لا تعود فتاة الأحلام هدفا أو موضوعا. لأنها ليست حبا، ولا غراما. بل طريق. جزرة حُماره وأنسه.

    **

    أمسك بي شخص شرير بفظاظة، فلما مسمر في روحي نظراته الوحشية، تذكرتك، كي لا ينفرط قلبي.

    حينها، جثا كل شيء في سكون، صامتا عند قدميك، وأدركت أني اختبرت ما لن يفهمه أبدا: نشوة العاصفة، فتصاعدت من روحي أغنية غامضة عن الحب والحرية وكل سراب. أنصت إليها الشرير، فتفتت أمام هبة ريح.

    **

    في كل لطف ستجدها، وكل ندرة، في يقين الحبيبة أنك تستحق كل هذا الحب، في ابتسامة أطفالك، في صديق واحد حقيقي بعد خسارة ألف، في أغنية توائم المزاج، في جملة أذكى منك وأنبل، في جملة ساذجة، أطيب من ذكائك وأنبل.

    **

    لا يوجد قانون يحكم القبلات، المفاجئة منها تحديدا، تفقد تلك القبلات أصحابها بعد حين، لكنها لا تشيخ ولا تذبل، وكذلك لا تنسى، تحمل معها شفاه أصحابها، تحيا كظل لشفاه وردية اللون، حزينة الطابع، تعشق الحياة وتفضل الموت. أما المتخيلة منها، تلك التي لم تمنح إلا في حلم، فيتحولن إلى فتيات أحلام.

    **

    في أعماقنا التي أفسدتها أوهام متخثرة، يطل صوت ما، متقطع، غائم، نمسك به أو يمسك بنا، كنظرة عذبة، حالمة، كشمس سكرانة محجوبة خلف ألف زجاج، نظرة لا تفك مغاليق اللغز، فقط تومئ إلى ما صفي من الآلام والنشوات، أن ما قايضته في الطريق صغيرا كان حقيقتك، التي فزعت من افتقارها للنضج، فدفنتها بالكامل. ما اعتبرته حينها فعلا ناضجا لم يكن إلا السذاجة عينها.

    من يحطم الزجاج، ليعتنق ذاك الصوت وتلك النظرة. يعيدنا إلى الفكرة الأولى، حيث كان في كل ألم نشوة وفي كل شهقة صلاة؟

    **

    هناك عند جذر الأشياء، علينا أن ننصت، بالسذاجة التي كنا عليها وبالخبرة التي جعلتنا ما نحن عليه. هناك عند جذر الأشياء نسأل أما زالت العين المكورة بالعتمة، تنقب عن ضوء؟ عن نبضة سماوية؟ هل ما زال العالم كله حديقتنا؟

    **

    فتنة عميقة كسم، نصل موس صدئ، نار ذابلة، أجنحة مكسورة، جسد ترهل، أسنان أكلها الزمن، عين شاردة وإيقاع مفقود، أفق لا ينشق إلا عن الرتابة والتكرار.

    هراء.

    من يحتاج إلى معرفة الحقيقة، إن كان ينشد أنس نفسه؟

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (8): محسن محي الدين.. أريج الشباب الأبدي

     

     

     

  • بورتريهات متخيلة(9): عمر الشريف.. المتسكع الأبدي

    بورتريهات متخيلة(9): عمر الشريف.. المتسكع الأبدي

    يشعل الفيلسوف فانوسا في وضح النهار، ويتجول به في المدينة، وعندما يُسأل عما يقصده، يجيب:

    “أبحث عن إنسان”.

    في ظلمة شيخوخته، يطفئ ذلك الذي اختبر الرقصة الشهوانية للضوء، فانوسه الأخير، ودون أن يسأله أحد يجيب: “أبحث عن لذة”.

    في نهاية رحلة عمر الشريف ذلك الذي اكتشف كل شيء، وبلغ ذروة الانتشاء بكل شبر في الحياة، وبذاته تساوت أمام عينيه كل فتنة، تسمرت باردة.

    كان سؤاله:

    “ما الذي لم أجده بعد في هذا العالم، لا شيء، يا للضجر”

    **

    عمر الشريف، هذا المواطن العالمي بحق، روح متجددة كميناء لا متناه، مشرع دائما للشمس وللبهجة السرية لليل، مولود اللحظة الحاضرة، المفطوم عنها، المقامر بما يليها، في أطلال مجونه، هو كالصوفي، ابن وقته.

    في كل ميناء يعيد اختراع نفسه، شبح الرصيف هو الطريق، علاماته نشوات الجماع، غزوات مباركة من النساء أنفسهن، لأن مثاله قد يتجاوز كونه مجرد رجل جذاب، بل المثال الأفلاطوني الكامل للجاذبية، وعلى صفته تتوزع الصفات.

    يتيم كل حضارة، وابن كل شعب. وليد الفكرة النبيلة، الهدف الأخير لرحلة الإنسانية الطويلة.

    **

    عندما يعود مثقلا بتسكعات الليل، يجر خلفه شظى الأرض والبحر والسماء، ذلك الذي فتح ذراعيه متقبلا ما لا يقاوم، يحدثه قلبه فقط عن حب وحيد، وميناء أخير.

    من ذاق أن تكون حياته لعبة أمام كاميرا العالم – كما نتوق سرا- قال: ليس عناء يستحق الذكر أو الشهرة أو المال.

    العالم ملك يديه، تحت قدميه طواعية وكرها.

    العالمية؟ لا شيء.

    **

    على طاولة المقامر، تحتشد نصال الحياة براقة وحشية، لكن أيضا مفهومة، يستشعر ضراوتها للحظات، لا الربح ولا الخسارة مبتغاه، كأن الزاهد فيه هو أن يختبر اللذات كلها، كي يتحرر من شقاء وعيه بمفاتن الحياة، يقول بحسرة تربكنا:

    ألم يكن من الأفضل ألا يحدث كل هذا؟

    **

    الشيخوخة حانة تائهة بين الموانئ، مقهى غرباء، الماضي كحفرة سوداء في القلب، كبندقية صياد.

    في غرفته، ذات السكون الزائف، حين عاد منهكا، ولم يعد يعرف أي طريق جديد يسلك، سأل عن بهجة واحدة مفعمة بالإيمان، سر لم يكشف بعد، يًهمس له وحده بنبرات لا مرئية، صرخ، لكن لا أحد يعرف بما ردت الجدران، ربما أخبرته:

    ليتنا كلنا مثلك، أخف من وطن، من حقيبة سفر، من فكرة، من الماضي، من المستقبل، من الذاكرة. أقمنا داخل الفرح واللحظة الحاضرة، وخارج الحدود المعلبة والسياج المغلقة بالأوهام.

    ولأنه مشتهى ولو من حجر، لأن خلف حطام جسده قارورة عطر أبدي، لأنها أجلت رغباتها طويلا، معذبة لعقود بالفرجة والغيرة، ضاقت الجدران، أطبقت على الحبيب المراوغ في عناق أخير، لكنه انفلت كعادته، تبخر. أقلعت به سفينة الرحلة الأخيرة، عاريا، بلا متاع، ليكمل بخفة طريقه إلى الضوء.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (8): محسن محي الدين.. أريج الشباب الأبدي

     

     

  • في محبة المهرجانات

    في محبة المهرجانات

    صحيح أن الأفلام باتت متوفرة في كل مكان، على الفضائيات والمنصات والانترنت ومواقع القرصنة مثل “التورنت” و”ايجيبيست” وغيرها، لكن لم يزل للعروض العامة وللمهرجانات جاذبيتها وتأثيرها المختلف.

    الفنون الأدائية

    لم تصنع الفنون للاستهلاك الفردي في الغرف المغلقة، أو على الأقل هكذا بدأت وانتشرت، من أجل الاستهلاك الجماعي ولخدمة الجماعة في المقام الأول. ولا يمكن تصور بناء معبد ونحت تماثيل ورسم صور وتمثيل مسرحية وغناء نشيد والقاء قصيدة إلا مع وجود الجمهور كضلع أساسي مكمل لهذه الفنون.

    مع حلول عصر الصناعة وصعود الفردية وتغير أنماط الحياة الاجتماعية في القرن الثامن عشر ولد الأدب الروائي والقصصي الذي يمكن استهلاكه بشكل فردي. ومع تطور التكنولوجيا وظهور وسائط جديدة مثل الاسطوانات المسجلة والتليفزيون والفيديو، ثم الطفرة الهائلة للثورة الرقمية في نهاية القرن العشرين وما بعده، أصبح الاستهلاك الفردي للفنون أسهل وأرخص وأكثر امتاعا للبعض.  ومع نشأة أجيال لا تفارق عيناها وأذناها الشاشات الصغيرة أصبح الاستهلاك الفردي للفنون هو القاعدة والاستهلاك الجماعي هو الاستثناء!

    ولكن بالرغم من أن الاستماع إلى مقطوعة موسيقية أو قراءة كتاب بمفردك قد يكون أكثر متعة وفائدة، إلا أن الأمر يختلف في الغناء والمسرح والرقص. وحتى الآن ليس هناك وسيلة بديلة يمكن أن تعوض حالة التلقي الجماعي لهذه الفنون التي يطلق عليها “الفنون الأدائية”.

    النحت في الزمن

    تقع السينما في منطقة وسيطة بين فنون الفكر وفنون الأداء، مثلما تقع في منطقة وسيطة بين الفنون المكانية والفنون الزمنية.

    هناك فنون تحدث  في المكان مثل النحت والرسم والأدب. في معارض الفن التشكيلي والمتاحف مثلا، يمكنك أن تتوقف لتأخذ استراحة زمنية لثوان أو دقائق أو ساعات، ثم تعاود الاستمتاع بتأمل لوحة، أو بقراءة رواية.

    هناك فنون أخرى تحدث في الزمن، مثل الموسيقى التي تفقد الكثير من متعتها عندما تستمع إليها مقطعة، وفي المسرح لا توجد وسيلة لايقاف العرض والعودة إليه من جديد.

    تجمع السينما فنون المكان والزمن في نسيج واحد، إذ يوجد فيها الرسم والنحت والأدب وهذه تجري في زمن محدد مثل الموسيقى لها ايقاعها وتأثيرها الزمني الذي يتأثر سلبيا بشدة حين توقف عرض الفيلم لتعود إليه بعد فترة، وأنا شخصيا أنزعج من الاضطرار أحيانا إلى التوقف عن مشاهدة فيلم ما ثم العودة إليه، وذلك بسبب انتشار عادات المشاهدة المنزلية على وسائط يمكن التحكم فيها (حتى بعض الفضائيات أصبحت توفر هذه الامكانية الآن!).

    من أجمل عناوين الكتب التي تصف فن السينما بدقة كتاب المخرج الروسي أندرية تاركوفسكي المعنون بـ”النحت في الزمن”، فالفيلم نوع من الجمال الثابت مثل النحت والعمارة والرسم، الذي يلتف بجمال زمني يتمثل في الموسيقى والرقص والايقاع والحركة والتمثيل.

    لا يوجد ما يضاهي مشاهدة فيلم داخل قاعة مغلقة وسط جمهور غفير في زمن محدد، تطفأ فيه الأضواء وتغلق الهواتف المحمولة ويعم الصمت الشامل المقدس في حضرة العمل الفني. وليس هناك أكثر ازعاجا من مشاهدة فيلم في قاعة يتسرب إليها الضوء لا يكف فيها المشاهدون عن الثرثرة ولا تكف هواتفهم عن الرنين كما يحدث أحيانا في بلاد الواق واق وبعض أماكن العروض في مصر (وبالتأكيد في بلاد أخرى لا يعنينا الحديث عنها).

    سجاجيد حمراء

    لا يوجد ما يضاهي مشاهدة الأفلام في المهرجانات السينمائية. خاصة إذا كنت بصحبة جمهور مناسب متحضر يفهم في فن السينما. لذلك كله. رغم شهور الحظر الكوروني وارتفاع أسعار التذاكر وصعوبة الحركة في مدينة مزدحمة وصعوبة توفير وتوفيق الوقت والمواعيد أحيانا. لم يزل جمهور السينما الفنية في مصر موجودا ومتحمسا ومستعدا للاقبال على المهرجانات وأفلامها.

    مع ذلك ينحصر هذا الجمهور تقريبا في المتخصصين وبعض الشباب المثقف، وهناك صعوبات حتى في الوصول إلى أغلب هذا الجمهور سواء من ناحية الدعاية الانتقائية المتخصصة، وهناك أسعار التذاكر المرتفعة بالنسبة لعدد كبير منهم، مثل مهرجان القاهرة تحديدا، فبقية المهرجانات عروضها مجانية ولكنها فاشلة في الوصول إلى الجمهور المستهدف.

    لا يوجد ما يضاهي مشاهدة فيلم في مهرجان وسط رفقاء محبي السينما والفن الرفيع الجاد..لكن هناك الكثير من العقبات التي تحتاج إلى اهتمام يضاهي اهتمامنا بالسجاجيد الحمراء والنجوم والمفرقعات النارية!

    اقرأ أيضا:

    شئ لا يصدقه عكل!

  • شئ لا يصدقه عكل!

    شئ لا يصدقه عكل!

    من الايفيهات التي لا تنسى للفنانة الراحلة شويكار جملة “شئ لا يصدقه عكل” من فيلم “شنبو في المصيدة”، وهو ايفيه تردد على ذهني كثيرا خلال الأيام الماضية، في مناسبات عدة، هذه بعضها.

    • في استجابة سريعة لتعليقات الجمهور على فيلم “إشارة حمراء” Red Notice، الذي بدأ بثه على منصة “نتفليكس” الأسبوع الماضي، والذين لاحظوا أن الفيلم الأمريكي يشبه الفيلم المصري “لص بغداد”، نشر محمد إمام بعض تعليقات هذا الجمهور مثل “أول مرة فيلم مصري يتسرق”، و”الفيلم منحوت بالكامل من لص بغداد” وعلق إمام عليها بتوجيه كلمة لأصحاب الفيلم الأمريكي: “وبتزعلوا لما ناخد منكم حاجة”!

    أعتقد أن محمد إمام يمزح، رغم علمي بأن كثيرا من صناع الأفلام المصريين يعتقدون أن السينما الأمريكية تسرق أفكارهم ( أرجوك لا تضحك!)، بل هناك جمهور ومتعلمين يعتقدون ذلك أيضا، وبعض المواقع التي نشرت خبر “تويتة” محمد إمام عنونته بالعبارة التالية: “بعد سرقة فيلمه..محمد إمام يعلق..”..يعني مبدئيا ردد بعض المشاهدين أن الفيلم الأمريكي مسروق من الفيلم المصري فاعتبر الباقي أن هذه حقيقة مسلم بها دون تمحيص أو مراجعة لمدى صحة الاتهام.

    الفيلمان متشابهان بالفعل، ليس لإن الأحدث مسروق من الأقدم، ولكن لإن كليهما مقتبس من أفلام أمريكية قديمة معروفة، والفارق أن صناع الفيلم الأمريكي لم ينفوا الاقتباس، بل اعترفوا به. وهناك مشهد في “إشارة حمراء” مقتبس من أحد أفلام سلسلة انديانا جونز، يقوم فيه بطل الفيلم رايان رينولدز بصفير اللحن الموسيقي المميز لأفلام انديانا جونز، وكأنه ينبه الجمهور للاقتباس، ولولا هذا الصفير لما تذكرت شخصيا أن المشهد مقتبس.

    الشبه بين الفيلمين المصري والأمريكي راجع لإن كلاهما إعادة تدوير سطحية لفكرة وحبكة وشخصيات أكلت عليها السينما العالمية وشربت، أما تصور أن صناع السينما في هوليوود يتابعون السينما المصرية ويقومون بالسرقة منها، فهذا بالفعل “شئ لا يصدقه عكل”!

    كارنيه خاص
    • بعد الحذف والالغاء والتعديلات التي ألمت بأفلام “بانوراما السينما الأوربية” في اللحظات الأخيرة لأسباب غير مفهومة، ولا يصدقها عقل، صدر قرار آخر مفاجئ بضرورة حصول أي شخص ينوي مشاهدة فيلم من أفلام “البانوراما ” على “كارنيه” معتمد يستطيع بمقتضاه شراء التذكرة، وفي محاولة لتفسير سر هذا الكارنيه قال المسئولون عن البانوراما أن الغرض هو توضيح “الفئة العمرية للمشاهد”!

    المسئولون في البانوراما لا يصدقون هذا بالطبع، ولا الذين يسمعونه، وكما يقول المثل “لو كان المتكلم مجنون، فالمستمع عاقل”، ولكن كل من المتكلم والمستمع يصطنع أنه يصدق، لإنه، ببساطة مضحكة، فإن الفئة العمرية (وتاريخ الميلاد والحالة الاجتماعية والصفحة الجنائية والديانة ومكان الميلاد ومقر الإقامة) تحدد بالبطاقة الشخصية أو الرقم القومي، ولا تحتاج إلى “كارنيه خاص”.

    كنت أنتظر أن يقال أن الدخول لن يسمح بدون بطاقة “الحصول على الفاكسين” من الكورونا، ولكن يبدو أن المرء يحتاج إلى أكثر من “كارنيه خاص” لدخول السينما أو لمشاهدة مباراة كرة قدم، أو للجلوس على المقهى قريبا!

    النقيب والرقيب
    • بعد أن أصدر، بفخر وافتخار يحسد عليهما، قرارا بايقاف تسعة عشر مغنيا شعبيا عن العمل، أعلن النقيب سابقا، والرقيب حاليا، هاني شاكر أنه لم يمنع أحدا، ولا يمكن أن يمنع أحدا، ( أنا فنان يا جماعة..لا يمكن أعمل كده) وأن كل ما هناك أنه لن يعطي الأسماء المذكورة (ولا غيرهم من المغضوب عليهم) تصاريح للعمل، نظرا لسقوطهم في اختبارات النقابة، وبالتالي لن يتمكنوا، وفقا لقانون النقابات القديم وتعديلاته الجارية حاليا، من احياء أي حفلات في أماكن عامة!

    المدهش ( لم يعد مدهشا) أن يستعين البعض بكلمات هاني لتأكيد أن النقابة ليست جهة منع، وأنها فقط جهة منح، من حقها أن تعطي، أو لا تعطي، تصاريح العمل وفقا لكراسة الشروط والمواصفات الفنية المطلوبة في العملية، والعملية في النملية، والفيل في المنديل، والسلم نايلو في نايلو وشنبو في المصيدة وشئ لا يصدقه عكل!

    اقرأ ايضا:

    «الأبديون» وأنجلينا والامبراطور العاري!

     

  • بورتريهات متخيلة (8): محسن محي الدين.. أريج الشباب الأبدي

    بورتريهات متخيلة (8): محسن محي الدين.. أريج الشباب الأبدي

    لا يولد مثل محسن محي الدين مرتين، إلا كحلم داخل كل قلب، كل خيال، حيث يمكن في مرايا وحدتنا أن نغني ونرقص ونمثل مقطعا لـ هاملت، دون خجل، أن نُغوى ونُفتن دون إثم، أن نستعيد براءة مفقودة، أن نكتشف في كل تكرار دهشة جديدة، أن تكون كل قبلة هي الأولى وكل حب هو الأخير وكل جرح صغير بحجم فاجعة، أن يكون الموت بعيدا، محض فانتازيا وخرافة، أن نصير ولو للحظات حدوتة حتتنا.

    مثلنا فعل يوسف شاهين، أعاد اختراعه من عمق روحه، وصدى خياله، ما تمنى أن يكونه، لا ما كان عليه. ما عبأه شاهين في قارورة السينما، كان أريج الشباب الأبدي.

    **

    رأى صورته في صفحة نهر فارتد مذعورا من هول الجمال. لم تكن مجرد صورة سطحية منعكسة لمفتون وقع في غرام ذاته، بل غور عميق، خطر، للحرية التي لا تتفتح داخلنا إلا في لحظات خاطفة.

    ما الذي تمناه؟ أن يكون أكثر قبحا، ثقلا؟ فظاظة؟ لو أخفته الأرض عن الأعين داخل النسخ المكرورة؟ بقعة الضوء تطارده ككابوس، كان عليه أن يبدد صورته، أن يخمد حرارته في برودة العتمة، أن يربط خفته بحجر، ويلقيها في قاع نهر، أن يواصل فرارا أبديا من نفسه.

    **

    كل فتنة تمتحن.

    **

    وشاهين كان نارسيس الذي عشق صورته في الماء، حب كهذا لابد أن يكون سيء الطالع، وبدلا من أن يلبي شرط العشق بأن يسمح لنفسه أن يذوب، أن يُلتهم، أعاد – كشأن كل مستبد- تخييل محبوبه على شاكلته.

    كان حقا على شاهين أن يضيع بحثا عن الوجه نفسه في عشرات الوجوه الزائفة والمصطنعة، مدعيا في كل مرة أنه وجد بغيته، بينما قلبه مسكون بنافذة زجاجية، مطفأة كثقب معتم.

    **

    أي نداء لبى في فراره الطويل؟ إمعان في الاغتراب؟ أم الرضا بسلام ساذج فقد كل رغبة في فك مغاليق النار؟ لا يمكننا لومه، حسرتنا تخصنا، لأن ما نحبه فيه لم يكن هو، بل سرابنا الضائع. أن يعود عاديا مثلنا، أن يلتزم الجدار كظل، أن يختبئ من الوجود، ألا يعانق أشباحه. ما الثمن؟ ألا يكتمل؟ يا للجريمة!

    **

    ربما أدرك هشاشة الوعد، أو شله شك هاملت، هزمه الحب، روعته الكوليرا، طواه الرعب أمام سفينة الأحلام الهائلة الذاهبة إلى “ألذ مكان”.

    **

    عندما عاد أمير الغيوم من دروب مظلمة، لم يتبق منه سوى نظرة حائرة، دفتر حكايات قديمة، بلا حرارة، بلغ هاملت اليقين، فقد طيف الأمير والصعلوك والبهلوان، صار مملا كالمدينة المضجرة التي لم تر في الرغبة سوى “حركة خطرة”، فقد وجهه في بحثه عن الراحة ضوءه العميق. لأن لا حياة ربما إلا عبر دم مراق.

    اقرا أيضا:

    بورتريهات متخيلة(7): سمير غانم.. الضحك كلغة للحب

  • «الأبديون» وأنجلينا والامبراطور العاري!

    «الأبديون» وأنجلينا والامبراطور العاري!

    وضعت الرقابات العربية نفسها في مأزق لا تحسد عليه برفضها عرض فيلم “الأبديون” Eternals، آخر انتاجات شركة “مارفل”، والذي يشارك في بطولته النجمتان منهم أنجلينا جولي وسلمى حايك. بجانب عدد من النجوم الشباب الذين ينضمون إلى فريق “مارفل” للمرة الأولى مثل جيما شان وريتشارد مادين.

    وحسب ما ذكر في مصر وعدد من البلدان العربية تم منع عرض الفيلم “لاحتواءه على مشاهد جنسية وشذوذ”. وهي أوصاف استثارت سخرية الكثيرين ومنهم أنجلينا جولي شخصيا التي علقت على القرارات في تصريحات واضحة وصفت فيه من منعوا الفيلم بـ”الجهلة”.

    أزمة الأبديون

    حكاية عبثية، ومؤسفة، ومضللة، مثل كثير من الحكايات التي نصحو وننام عليها. فلا الفيلم يحتوي على مشاهد جنسية، ولا هو يصور علاقات مثلية، بالدرجة التي تستوجب منعه. لأنه في الأول والآخر فيلم “نظيف”، مناسب للأطفال مثل كل إنتاجات “مارفل”. بالرغم من أنه يخطو خطوة جريئة بالنسبة لأفلام الشركة بتصوير مشهد لا يظهر فيه سوى رأسي وكتفي البطلين عاريين لمدة ثوان يتبادلان فيه القبلات وعبارات الغرام. ومشهد آخر لقبلة عابرة لا تتجاوز ثانية واحدة بين رجلين. وليس الهدف من المشهدين إثارة الرغبات أو تصوير الجنس. وإنما توضيح طبائع الشخصيات والعلاقات فيما بينها، وإظهارها في هيئة شبه “بشرية” يتعاطف معها المشاهد.

    ربما يكون المشهدان مرفوضان بمعايير بعض الرقابات العربية (مصر وبعض دول الخليج تحديدا، مضافا إليهم السودان وليبيا). ولكنهما عاديان بمقاييس أي رقابة أخرى في العالم، بما فيها بقية البلاد العربية. وهيئة الرقابة على الأفلام في الولايات المتحدة الأمريكية منحته تصنيف 13 PG أي للأطفال فوق 13 بصحبة ذويهم. وهو أيضا قرار جرئ وجديد، مثل قرار “مارفل”، يحتاج إلى شرح.

    الصوابية السياسية

    يشهد الغرب وأمريكا تحديدا حالة غير مسبوقة من “الصوابية السياسية” (التي تعني بتصحيح أوجه الظلم والإساءة التي تتعرض لها بعض الفئات الاجتماعية). وهذه الصوابية تصل أحيانا إلى درجة مبالغ فيها، كما رأينا في بعض قواعد العمل وقبول الأفلام المعروضة في المهرجانات أو توجهات أكاديمية علوم وفنون السينما الصريحة بالانحياز للأفلام التي تناصر فئات بعينها. وهو اتجاه علقت عليه في مقال سابق نساء وسود ومثليون: ضد العنصرية.. وضد السطحية أيضا! حول إيجابياته وسلبياته.

    تتمثل هذه “الصوابية” في اشراك وتمكين والدفاع عن النساء، الملونين، الأجانب، أصحاب الهمم، المختلفين جنسيا، وغيرهم من الفئات التي تعرضت للظلم أو الاستغلال أو التهميش على مدار عقود وقرون مضت. وإذا نظرت إلى فيلم “الأبديون” سوف تتبين معالم هذه “الصوابية” بداية من السيناريو واختيار الممثلين وفريق عمل الفيلم:

    من إخراج امرأة

    هذه هي المرة الثانية التي تقوم فيها مخرجة امرأة بصنع فيلم من سلسلة “مارفل”. وهي كلوي زاو الصينية الأصل، والتي كانت أيضا ثاني امرأة تفوز بأوسكار أفضل مخرجة في بداية هذا العام عن فيلمها “أرض الرحل” Nomadland الذي يدور عن فقراء ومهمشين أمريكا الذين وقعوا من سلم النظام الاجتماعي.

    يضم “الأبديون” أيضا ممثلين متعددي الأعراق والألوان بشكل غير مسبوق في فيلم لـ”مارفل”. وكل واحد من الشخصيات الرئيسية (الأبديون) يمثل عرقا وجنسا ولونا بعينه. كذلك يضم الفيلم شخصية خرساء تقوم بدورها ممثلة خرساء تمثل (ذوي الهمم).

    حكايات الأبطال الخارقين

    والفيلم يعد تطويرا لحكايات الأبطال الخارقين (superheros). ومحاولة لابتكار تفسير ميتافيزيقي لوجودهم، ولعبا على الأساطير اليونانية والفرعونية والبابلية والشرق أوسطية والصينية وغيرها. يحمل أسماء متنوعة الثقافات لشخصياته مثل “ثينا” (أثينا) و”جلجامش” و”سيرسو” و”مكاري” و”درويج”. يسعى الفيلم، مثل ثقافة “الصوابية” التي خرج منها، إلى خلق “ثقافة موحدة” للأجيال القادمة تتجاوز الإقليمية والعصبية والطائفية والانحياز الجنسي والعرقي. وذلك حسب مفهوم الصوابية السائدة التي يمكن أن يعتبرها البعض ساذجة، أو يعتبرها البعض الآخر مهددة للتعصب والشوفينية التي عاش حياته عليها.

    من ناحية ثانية، يمكن أن يخبرك أي قريب أو صديق له طفل في مدارس أجنبية، أن مناهج التعليم الحديثة تحاول أن تجنب الأجيال الجديدة الأمراض النفسية الجنسية التي عانت منها أجيال الماضي. وتبين أنها أحد الأسباب الرئيسية لتخريج السفاحين والذهانيين والتعساء بلا شفاء. وذلك من خلال التعامل مع الجنس كأحد مسلمات الحياة، وتوضيح الحقائق الجنسية مبكرا للأطفال، وتعليمهم قبول الاختلافات الجنسية بين الذكر والأنثى وبين بعضهم البعض.

    فئة مرفوضة

    من هذا كله تأتي الفكرة الأساسية من مشهد القبلة بين رجلين التي يحتويها الفيلم. وهي مجرد الإشارة لوجود شخص مثلي، تطبيقا لمبدأ مناهضة الانحياز ضد المثليين وأي فئة إجتماعية مرفوضة. ومن هنا انفعال أنجلينا جولي، وسخرية العالم كله من قرارات الرقابات العربية (المتخلفة والجاهلة في نظرهم).

    ..لكن العبث الأكبر الكامن في هذه القصة كلها، والذي لا يلتفت إليه أحد، هو أن قرارات الرقابات العربية ليس لها أي قيمة فعلية. سوى الدعاية للفيلم الذي سيراه بالتأكيد كل كبار وأطفال العالم العربي على الانترنت والمنصات والقنوات المشفرة والمفتوحة خلال أسابيع أو أيام من الآن. وقد تم تسريب أول نسخة من الفيلم على الانترنت بالفعل.

    ..وهكذا تبدو الرقابات العربية مثل الامبراطور العاري الذي يراه الناس عاريا. ويعتقد هو أنه يتغطى بأفضل أثواب السلطة والفضيلة!

    اقرأ أيضا

    دروس في الفن من أزمة فيلم «ريش»

  • بورتريهات متخيلة(7): سمير غانم.. الضحك كلغة للحب

    بورتريهات متخيلة(7): سمير غانم.. الضحك كلغة للحب

    ربح سمير غانم العالم في رهان وقايضه بنكتة.  لم يكن يحيل العالم إلى مسخرة أو إلى عدم، فهو لا يحمل أي خصومة تجاهه، لم يكن عبر النكتة يشيد أو يرمم صدعا في العالم، لأنه لا يحمل أي حكمة تجاهه. لأن مثله لا يرى القصور أو الخرائب، بغيته الوحيدة في تسكعه الطويل: إيفيه لامع.

    بإيمان مبارك كهذا، لم يعد مطالبا بالبحث أو التسكع الطويل. كل ما عليه أن يفعل ليجد الإيفيه، أن يمد يدا في الهواء ليلتقطه، طازجا، مباغتا، مدهشا، كأنها نكتة لإله يحتاج إلى صوت بشري يعلن عبره عن لحظة رحمة في أرض منهكة بالقصور والخرائب، وقد وجد ضالته في جسد تمرن طويلا على تبديد كبريائه. هو الأحق أن تمطره السماء بالنكات، كزخات، إله من فرط رحمته، لا يمانع أن يرتد مطر نكاته إلى حلق السماء كلعنات وحجارة، لا يغضب، بل يضحك، لأن الضحك أولا وأخيرا لغة للحب.

    سيرك الغرابة

    في رحلة سمير غانم نتعلم شيئا عن كيف تعمل الموهبة، تتأخر حينا، تجرب، تغامر، تترنح، تتخمر ، قبل أن تصير عاصفة لا قبل للقنوع بما أوتي من هبة أن يناطحها، كل بإمكانه فعله أن يصمت، حتى تمر العاصفة.

    تأخر طويلا قبل أن ينفجر بخفة دم استثنائية، كان عليه أن ينتهي من تدريب كل عضو في جسده  محولا إياه إلى فرقة استعراضية كاملة، سيرك غرابة متنقل. الحاجبان كبرغوثين يثبان داخل علبة خشبية، حنجرة متلونة كصندوق موسيقى، مشية بساقين مقوستين، عطسة، باروكة، نظارات ضخمة.

     

    في استعراض سمير غانم شبه الكامل، دعوة للطفل الذي ننكره جميعا، أن يعاد خلق العالم على هيئة سيرك، كلنا فيه متفرجون ولاعبون، تتوالى فصوله كفقرات مبهجة. شرط الانضمام، بسيط وصعب، ما تدرب عليه سمير غانم عمرا، أن نمزق ستارة الكبرياء الثقيلة، التي تعوقنا عن أن نحرر أجسادنا، تعمينا عن اكتشاف لغته التي اخترعها ليبادلنا الحب.

    قناع

    حبب إليه من دنيانا الأفلام والنساء، أخفى عنا واحدة.

    خارج المسرح، أو ضرورة أن يستعرض قناعه كآلة إضحاك، أتخيله هكذا، متأمل، يميل للحزن، كما لو كان يبحث عن سر ضائع. تضحية حياته الكبرى، هي أنه لم يسمح له بكشف وجهه الجاد، ولا آلامه، بل ربما لم يتح لنفسه التفكير فيها، لو فعل لتعثر، عليه أن يكبتها دائما أو يحولها إلى نكتة، لكن نظرة ما تفلت منه، دقيقة، كاشفة، مرهقة، إذا ما استمرت طويلا، لأخبرناه: لا تكن مملا، أين سمير الذي نعرفه؟ أين حقيقتك؟

    منذ التسعينيات، صار استحضار قناعه عذابا، عملية مضجرة، الصرخة الخافتة ترغب في أن تستولي على روحه وتعلن أنها وحدها حقيقته، لكنه كان أكرم من أن يقبل، الصورة لنا، الحقيقة له.

    عبر القناع الذي حرر طاقاته، سجن خلفه شخصا آخر، يخصه، أعمق وأكثر رهافة، اطلاعا، حكمة، ألما. ربما عامل ذلك الشخص كخبيئته الخاصة، كنزه المضنون به، ربما تردد للحظات ليطلعنا عليه، وبدلا من ذلك فكر في إيفيه.

    حب وصداقة

    في صداقته لجورج سر عجيب، بفصلهما عن بعضهما البعض، افتقد شيئا، جبلا راسخا بإمكانه أن يحتوي عاصفته، مرآة للرزانة، تكشف عبر تناقضها معه، حجم جموحه. انفصالهما خطأ كبير. بينما لعب جورج دور دون كيشوت المثالي، صار سانشو أخيرا هو بطل القصة. لكن كيف يبلغ أحدهما أقصى طاقة له دون الآخر؟

    سمير وجورج ..وصورة الضيف
    سمير وجورج ..وصورة الضيف

    كانت دلال هي طوق نجاته الذي فر منه مرات. أحب النساء، لكن امرأة واحدة خلقت لأجله، أكثر حكمة من سذاجتنا اليومية، فتعرف أي رجل بالضبط خلق لأجلها. حصن يختبر فيه انفجاره وسلامه، فيتماسك. في هديتيه لنا، دنيا وإيمي، لم يفرضهما علينا كإرث ثقيل الوطأة، بل أودعهما شيئا من خفة روحه ولطافة زوجته. لما كان يخشى الزواج؟ خوفا من خسارة الطفل اللاهي، أم الشاب الذي خسر فترة هامة قبل أن يكتشف وسامته ومكمن جاذبيته؟ أم حماية لحصن عزلته المهيب، الذي أعاد فيه اختراع نفسه؟

    أعاد اختراعها؟ أم وجد جوهرها الفذ عبر تضييعها؟

    في عالم سمير غانم يتساوى الجميع، الكامل والناقص، القبيح والجميل، كل شيء مطروح على طاولته كمزحة.

    بتلك البراءة، تأمل، ورأى، فضحك، فأضحكنا.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة(6): أحمد زكي.. جسد مضاء بجرح

    أيام الشقاوة: ذكريات سمير غانم

  • دروس في الفن من أزمة فيلم «ريش»

    دروس في الفن من أزمة فيلم «ريش»

    للمرة التالثة بعد مرور نصف قرن على فوز يوسف شاهين بالجائزة عن فيلم «الاختيار» 1970، وفوز أحمد عبد الله بها عن فيلم «ميكروفون» في 2010، تفوز مصر بجائزة التانيت الذهبي لمهرجان قرطاج، أقدم المهرجانات السينمائية العربية عن فيلم «ريش» للمخرج عمر الزهيري. بجانب ثلاث جوائز كبرى أخرى لأفضل عمل أول وأفضل سيناريو وأفضل ممثلة للسيدة الصعيدية البسيطة دميانة نصار.

    نقاش بعقلانية

    لا بد أن فوز الفيلم بجائزة جديدة، بعد جائزتي “كان” وجائزة “الجونة”، سيتسبب في صدمة وانزعاج الكثيرين ممن يهاجمون الفيلم نهارا وليلا على صفحاتهم وفي جلساتهم.

    مبدئيا الجوائز في حد ذاتها لا تعطي لأي عمل قيمة إذا لم يكن يستحقها. تاريخ الأوسكار مثلا يعج بأسماء الأفلام التي فازت عن غير وجه حق، والأفلام التي كانت تستحق ولم تفز. فيلم “تايتانيك” مثلا حصل على إحدى عشر جائزة أوسكار، ولكن الزمن بين أنه مجرد عمل تجاري متوسط القيمة. “سائق التاكسي” لسكورسيزي و”طريق مولهولاند” لديفيد لينش لم يحصلا على أوسكار واحدة، ومعهما أفلام كثيرة أثبت الزمن أنها من روائع السينما على مر العصور.

    لكن الأفلام التي تفوز بالجوائز وتقابل باشادات النقاد تستحق أن تناقش بعقلانية، بعيدا عن الانفعالات العصبية، غير الطبيعية، التي يقع فيها بعضنا تحت تأثير حماسه أو كراهيته الشديدة لفيلم ما.

    هيستريا حادة

    “ريش” ليس على رأسه ريشة، وليس أول ولا آخر فيلم يثير ما أثاره من انقسام حاد في الآراء. مهرجان “كان” الماضي شهد أيضا فوز الفيلم الفرنسي “تيتان”  Titane للمخرجة جوليا دوكرنو بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم، وهو مثل “ريش” قسم العالم ما بين معجبين متيمين وكارهين ساخطين، يكيلون الاتهامات لـ”كان” وكل من يقول عنه كلمة مديح.

    الأمر نفسه حدث من قبل مع أفلام مثل “وحشة في القلب” لديفيد لينش، “راقصة في الظلام” للارس فون ترير، “الأزرق أدفأ الألوان” لعبد اللطيف كشيش، وغيرها. أنا شخصيا تعرضت لموقف مشابه في “كان” عام 2014  عندما دهشت من الهوس المحيط بفيلم “الأم” للمخرج الكندي زافيه دولان، وقبل الحفل بساعات سألتني مراسلة تليفزيون فرنسي عن توقعاتي للجائزة فقلت لها أخشى أن ترتكب لجنة التحكيم جريمة وتمنح فيلم “الأم” جائزة. وبالفعل فاز الفيلم في تلك الليلة بالجائزة الثانية (لجنة التحكيم) مناصفة مع أسطورة السينما العالمية جان لوك جودار. ومن العجب أن السيد دولان، النابغة الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين وقتها، بدلا من أن يفتخر بهذا الشرف، غضب وثار لإنه كان ينتظر الجائزة الأولى. وهو في نظري لا يستحق، لا هو ولا أفلامه، جائزة مهرجان ساقية الصاوي، أما غضبه الصبياني فقد أكد انطباعي بأنه، وأفلامه، يعانيان من هيستريا حادة.

    إعادة اختراع الفن من الصفر

    مع ذلك فهذا الإنفعال خطأ، ولا يليق بنقاد وسينمائيين مهمتهم أن يفهموا ما هو الفن وما هي وظيفته وكيف يعمل. وبدلا من العصبية الأفضل أن نتناقش بهدوء، ليس لنحب فيلما ما أو نكرهه، ولكن لنفهم كيف تعمل عقولنا وما الذي يحدد ويتحكم في أذواقنا.

    المربك في فيلم “ريش” أن مفهومه عن الفن والواقع مختلف. ليس فقط ضد السينما التقليدية، التي تعتمد على الحرفية والقواعد في الكتابة والتصوير والتمثيل ومحاكاة الواقع. ولكن مختلف أيضا عن التيارات التجديدية التي صارت تقليدية بمرور الزمن، مثل “الواقعية الجديدة” في إيطاليا، أو “الموجة الجديدة” في فرنسا، أو “الواقعية السحرية” في أمريكا اللاتينية.

    اللحظة التي ولد فيها فيلم “ريش” تشبه اللحظة التي ولدت فيها هذه التيارات. كما تشبه اللحظة التي ولدت فيها السينما الإيرانية الجديدة بعد ثورة الخميني: انهيار نظام قوي ثابت، وإعادة اختراع الفن من الصفر. في إيطاليا ولدت الواقعية الجديدة من انهيار صناعة السينما والاستديوهات والخراب العام الشامل عقب الحرب العالمية الثانية. “الموجة الجديدة” كانت رفضا إيديولوجيا للنظام الاجتماعي والسياسي في فرنسا يتماشى مع الفلسفة الوجودية، ومسرح العبث ورفض الحرب الباردة وصولا إلى ثورة الطلبة في 1968.

    في إيران قضى حكم الخميني على صناعة السينما في إيران، فاختفت الاستديوهات وانهار نظام النجوم، وعندما قرر بعض الشباب مثل عباس كياروستامي ومحسن مخملباف أن يصنعوا أفلاما، لم يكن هناك شئ، واضطروا إلى الاستعانة بمعدات بسيطة والتصوير في الشوارع والأماكن الطبيعية واستعانوا بإناس عاديين في التمثيل. وتحايلا على الرقابة لجأوا إلى موضوعات بسيطة تشبه قصص الأطفال محملة بالايحاءات والشعر البصري، وهكذا ولدت المدرسة الايرانية، التي لا يعترف بها البعض إلى الآن، ويرون أن الغرب أعطاها أكبر مما تستحق من اهتمام وتقدير!

    سلوك طبيعي

    الفكرة مرة أخرى هي أن هناك أعمال تحدث تغييرا في مفهوم الفن. وبمناسبة فوز “ريش” في مهرجان قرطاج المخصص للسينما الإفريقية والعربية، يمكن أن نشير إلى أن رواد السينما الإفريقية الكبار مثل عثمان سيمبين وهالي جريما وعبد الرحمن سيساكو صنعوا لهذه السينما اسلوبا وايقاعا في السرد والصورة يختلفان عن السينمات التقليدية، وبالمناسبة أيضا ينتمي فيلم “ريش” لهذا الميراث الإفريقي أيضا، وهو يشبه من بعض النواحي روائع هذه السينما، خاصة في استخدامه لانتشار السحر والممارسات السحرية وألوانه وعالمه الفقير الملفوف بالتراب مثل كثير من المدن الإفريقية، وأيضا في أداء ممثليه “الطبيعي” المفتقد لأصول الحرفة المتعارف عليها.

    سمعت عددا من الآراء السلبية التي تتعلق باسلوب التمثيل في “ريش”، كان أولها قول أحد المخرجين الكبار بأنه “انفصل” عن الفيلم بسبب طريقة أدائهم الفاترة المتلعثمة، وكانت إجابتي بأنني أنفصل عن معظم الأفلام والمسلسلات المصرية بسبب نمط التمثيل التقليدي والبالي حد الابتذال الذي تجمدت وتخشبت داخله السينما والدراما التقليديين، وأن ممثلي “ريش” مهما بلغت درجة عدم احترافيتهم فهم يتكلمون ويسيرون مثل الناس العاديين الذين نراهم حولنا. وقد قرأت تعليقا للزميلة ناهد نصر تقارن فيه بين ردود فعل وكلام أسرة ضحية جريمة الاسماعيلية الأخيرة وبين طرق التمثيل في السينما والدراما التقليدية ومفهوم الطبقة الوسطى السائد عن مفهوم التمثيل الجيد، ورأت أن هناك فارقا شاسعا بين  الأداء “المصطنع” للممثلين المحترفين والسلوك “الطبيعي” للناس العاديين.

    هذا الاسلوب “الطبيعي” في التمثيل يلقى اهتماما متزايدا في الدوائر التي تهتم بتطوير الفن وفتح حدوده لدرجة أن حرفة التمثيل نفسها يعاد فيها النظر، وقد تركت هذه الأفكار تأثيرها حتى على نظام النجوم في هوليوود، وأي متابع للسينما والدراما التليفزيونية الأمريكية يمكنه أن يلاحظ الاتجاه نحو “الطبيعية” في الأداء.

    مشهد من فيلم ريش
    لقطة من فيلم ريش

    تكثيف الواقع

    الأمر نفسه ينطبق على عناصر أخرى مثل السيناريو والتصوير. تقول مدارس الفن التقليدية أن الدراما هي تكثيف للواقع واستخلاص اللحظات المهمة المثيرة من هذا الواقع. ولكن من ناحية أخرى يعتبر البعض أن هذا تحريف وتزييف للواقع، لإن الحياة لا تسير وفقا لمواجهات درامية كما نرى في المسرح والسينما التقليديين، وأن التغيير يحدث عادة بطريقة بطيئة غير محسوسة عبر مواقف صغيرة عابرة، عن طريق التراكم. ولو تأملت فيلم “ريش” فسوف ترى أن الدراما تسير بشكل فاتر بطئ يشبه فتور الواقع نفسه.

    فيما يتعلق بالتصوير، تلقى مدرسة الجماليات التقليدية انتقادات ومراجعات متتالية منذ ظهور “الموجة الجديدة”. أتذكر مناقشاتي مع المخرج الكبير كمال الشيخ عندما كان رئيسا للجنة مشاهدة أفلام مهرجان القاهرة منذ ربع قرن تقريبا. كان الرجل يصاب بالانزعاج الشديد لدرجة الاعياء من “موضة” الكاميرا المحمولة على الكتف التي سادت السينما المستقلة الأمريكية منذ بداية التسعينيات. وكان ينتقد هذا الاسلوب بضراوة لإنه يجرد فن التصوير من جمالياته ومعناه.

    من هنا أستطيع أن أفهم انزعاج مدير التصوير الكبير سعيد شيمي من اسلوب التصوير في “ريش”، بالرغم من أنني أختلف معه، كما اختلفت منذ ربع قرن مع العظيم كمال الشيخ، ليس لإنهما على خطأ وأنا على صواب، ولكن لإنني مؤمن أن الجماليات ليست قواعد صارمة، وأن الفنان الحقيقي هو من يصنع جمالياته الخاصة.

    في “ريش”، مثلما في كل فيلم عظيم، ليس هناك “كادر” مجاني أو بلا معنى، حتى تلك الكادرات التي تظهر فيها فقط أيدي وأقدام الشخصيات على أطراف الكادر، أو تلك الكادرات التي تركز بشكل “فتشي” على أوراق النقد البالية أو أحذية الزوج المهترئة.

    نهاية هوليوودية

    أخيرا، علق زميل أحترمه على الجوائز التي يفوز بها الفيلم بذكر فيلم “نهاية هوليوودية” لوودي ألين الذي يدور حول مخرج يصاب بالعمى أثناء تصوير أحد أفلامه، ولكنه يكمل التصوير. ويخرج العمل مشوشا ومفككا ليس به كادر واحد سليم، وتنهال عليه الصحافة الهوليوودية بوابل من الهجوم والانتقادات التي تكاد أن تقضي على اسمه للأبد، ولكن النقاد الفرنسيون يكيلون المديح للفيلم ويعتبرونه فتحا سينمائيا جديدا ويدعونه لصنع مزيد من الأفلام المماثلة في فرنسا!

    يبدو أن الصديق لم يفهم السخرية المزدوجة التي يتضمنها الفيلم ( أو أنه تجاهلها عمدا). إن بطل الفيلم يشبه وودي ألين نفسه (وهو يلعب الدور بنفسه)، فأمام عدم التقدير الذي تواجه به أفلامه في أمريكا اضطر إلى الذهاب لفرنسا وإسبانيا وانجلترا لصنع أفلامه الأخيرة (بعد فيلم “نهاية هوليوودية” تحديدا!) حيث يلقى تقديرا أوروبيا متزايدا على عكس أمريكا التي تخشبت فيها صناعة السينما داخل الأنماط الهوليوودية.

    السخرية المزدوجة في “نهاية هوليوودية” تمتد إلى فكرة العمى نفسه: المخرج يصاب بعمى نفسي، والمعنى أنه لكي تكون فنانا حقيقيا عليك أن تتعامى وتنسى الحرفة والقواعد والواقع الخارجي كله وأن تبحث داخلك عن الصور التي تشغل أحلامك، مهما كانت مختلفة أو قبيحة أو تتناقض مع منطق وقواعد الفن والواقع.

    “ريش” بالتأكيد ليس “طبق أي أحد”، كما يقول المثل الانجليزي، ومن الطبيعي أن تحبه أو تكرهه، مثل أي فيلم، ولكن هذه العصبية المثارة حوله بين محبيه وكارهيه تستحق مناقشة أهدأ..وأعمق.

    اقرا أيضا:

    فيلم «ريش»..فخر السينما المصرية

  • درسان في الفن من «مهرجان الجونة»: الأعمى الذي أعاد تعريف السينما!

    درسان في الفن من «مهرجان الجونة»: الأعمى الذي أعاد تعريف السينما!

    في فيلم «فرنش ديسباتش» (The French Dispatch) آخر أعمال المخرج الأمريكي ويز أندرسون (عرض في مهرجان “الجونة” الأخير)، يردد رئيس تحرير المجلة التي تحمل اسم الفيلم نصيحة واحدة دائما ما يوجهها لمحرريه: إذا كنت ترتكب أي خطأ حاول أن تجعله مقصودا!

    في الفيلم أيضا يظهر خبير تحف فنية اكتشف وجود فنان في سجن المرضى العقليين يقوم برسم لوحات تجريدية مشوهة تشبه شخبطة الأطفال. وعندما يسأله البعض عما وجده في هذه اللوحات الغريبة، وكيف يعرف أن صاحبها فنان وليس مجنون يشخبط، يقول لهم ما معناه: إننا عادة نختبر هؤلاء المجربين باعطائهم اختبار تقليدي صغير لنرى هل يقدرون على الرسم وفقا للقواعد والمنطق أم لا. الخبير طلب من الرسام المجنون رسم طائر صغير بشكل كلاسيكي فرسمه بسرعة ومهارة شديدة.

    بوستر فيلم (The French Dispatch) 2021 المعروض في مهرجان الجونة السينمائي مؤخرًا للمخرج الأمريكي ويز أندرسون - مصدر الصورة: IMDB
    بوستر فيلم (The French Dispatch) 2021 المعروض في مهرجان الجونة السينمائي مؤخرًا للمخرج الأمريكي ويز أندرسون – مصدر الصورة: IMDB

    الخطأ المقصود

    يكثر الحديث هذه الأيام، مع فوضى ثورة المعلومات ووجود ملايين الأعمال الفنية والتي تدعي أنها فنية، حول صعوبة التمييز بين الفن الحقيقي والتقليد الممسوخ، وبين التجديد و”التطجين”. وأعتقد أن الدرسين المذكورين أعلاه يمكن أن يشكلا بذرة إجابة على هذه الأسئلة.

    أي فنان يجب أن يمتلك المهارات الحرفية اللازمة، ويعرف كيف يصنع أعمالا تقليدية شعبية بسهولة، ولكن البعض لا يكتفي بذلك. الفنان الحقيقي يتساءل ويبحث دائما عن امكانيات الوسيط الذي يستخدمه، سواء كان لغة أو ألوانا أو موسيقى أو سينما..يحاول أن يستكشف المدى الأقصى للجماليات، وأن يصل إلى منتهى الاستخدام الأمثل لعناصر الوسيط. يوسف شاهين، مثلا، أثبت مكانته كمخرج متمكن في إطار السينما المصرية وحدودها قبل أن يتمرد ويقرر أن يجرب في أنواع وأساليب وموضوعات أخرى، وتحمل كل ما لاقاه من انتقادات واتهامات لإنه كان يثق فيما يفعله، ويعرف أن هذا قدر الفنان الحقيقي ودوره: أن يطور الفن نفسه.

    إذا كنت تنوي أن ترتكب أي خطأ، فلتجعله يبدو مقصودا!

    هذه النصيحة التي يرددها رئيس التحرير للمحررين هي حيلة ماكرة، وبعض الفنانين متوسطي الموهبة يستخدمونها بالفعل لخداع الجمهور والنقاد بمحاولة اظهار عيوب أعمالهم وكأنها مقصودة لأسباب أعمق. وعلى الناقد أن يستخدم الحيلة الثانية ليكتشف مدى صدق موهبة هؤلاء: أن يخضعهم لاختبار الفن التقليدي ويرى ما إذا كانوا بالفعل متمكنين من حرفتهم أم مجرد مخادعين.

    لكن ما يكشف بالفعل عما إذا كان الاستخدام غير التقليدي للتقنيات الفنية عيب أم تجديد وابتكار هو اختبار علاقة الشكل بمضمون العمل والعلاقة العضوية بين العناصر الفنية المختلفة.

    الأعمى الذي رفض أن يشاهد تايتانك

    مثال حديث ونموذجي لهذا هو الفيلم الفنلندي “الأعمى الذي رفض أن يشاهد تايتانك”، إخراج وتأليف تيمو نيكي، الذي فاز بجائزتي أفضل فيلم وممثل في مهرجان “الجونة”.

    لقطة من الفيلم الفنلندي (The Blind Man Who Did Not Want to See Titanic) 2021 للنخرج تيمو نيكي
    لقطة من الفيلم الفنلندي (The Blind Man Who Did Not Want to See Titanic) 2021 للمخرج تيمو نيكي

    ينطلق مخرج ومؤلف العمل من سؤال جوهري: ما هي السينما؟ أليست هي اظهار ما لا نستطيع أن نراه بعيوننا المجردة ونحتاج إلى الفن لكي نراه؟ طيب لنفترض أننا نريد أن يرى المشاهد ما يراه شخص أعمى مقعد. ليس فقط أن يرى الرجل الأعمى، ولكن يرى من خلال عينيه، أن يشعر بما يشعر به، وأن يعايش ما يعايشه.

    من هذه الفكرة ولد شكل واسلوب الفيلم الذي لا يكاد يشبه أي شئ آخر في تاريخ السينما. ليس هناك “كادر” واحد سليم، الكاميرا لا تصور تقريبا سوى وجه وقفا البطل، لا تفارقه أبدا حتى وهو يسقط من كرسيه المتحرك  والعالم من حوله مشوش لا تظهر فيه وجوه أو معالم واضحة. انس ما تعلمته عن قواعد التصوير في معهد السينما أو الكتب. ليس هناك إطار محدد أو تكوين أو بعد بؤري أو ألوان أو تنوير درامي أو موضوع واضح تصوره الكاميرا. أو بمعنى أصح هناك كل هذا ولكن بشكل يعبر عن مضمون العمل، وهو أن نشعر طوال الوقت بأننا لا نرى ما يكفي.

    وعوضا عن الصورة يلعب الصوت دورا أساسيا في الفيلم، فهو الحاسة الوحيدة التي يعتمد عليها البطل. أذناه هما مدخله إلى العالم ولسانه هو كل ما بقى له كأداة للتعبير عن نفسه، وحين يسقط وينتابه الدوار أكثر من مرة، يعبر شريط الصوت عما يشعر به بنفس الطريقة، إذ نصبح وكأننا داخل رأسه نسمع ما يسمعه. إذا كنت تنوي أن ترتكب بعض الأخطاء احرص على أن تبدو مقصودة. أو بمعنى آخر تحطيم القواعد ممكن، وضروري أحيانا، في الفن، ولكن بشرط أن يكون لديك سبب مقنع لذلك!

    اقرأ أيضا:

    فيلم «ريش»..فخر السينما المصرية

    في مهرجان الجونة: يسرا وانتشال و«حرب العوالم»!

    فيلم «أميرة» لمحمد دياب: فكر خجول، وشجاعة مرتبكة!

  • فيلم «أميرة» لمحمد دياب: فكر خجول، وشجاعة مرتبكة!

    فيلم «أميرة» لمحمد دياب: فكر خجول، وشجاعة مرتبكة!

    من أفلام مهرجان “الجونة” التي قسمت مشاهديها بين معجب يشيد، ومرتاب يتشكك، فيلم “أميرة”، أحدث أفلام المخرج محمد دياب.

    بداية هذا فيلم مصري يدور بالكامل في فلسطين بممثلين فلسطينيين وأردنيين، وهو أمر جيد في حد ذاته. أصبح من الممكن تحقيقه بفضل التغير الحادث في نظام الانتاج السينمائي بالعالم وانتشار ما يسمى بصناديق الدعم من قبل شركات ومهرجانات ومحطات تليفزيونية ومؤسسات غير حكومية وحكومية، مما يحتاج فهمه إلى خريطة مفصلة ربما أعكف على رسمها في مقال قادم.

    رموز 

    أما الموضوع الذي يتناوله فيلم “أميرة” فهو يعد أيضا سابقة في الأفلام التي تدور حول القضية الفلسطينية، التي يدور معظمها حول المعاناة والكفاح في ظل الاستعمار الصهيوني، وغالبا ما يجرد الشخصيات من تفاصيلها وتعقيداتها لتتحول إلى رموز للخير والشر والحق والباطل.

    “أميرة” يحمل فكرة مذهلة: فلسطيني سجين يقوم بتهريب حيواناته المنوية إلى زوجته لينجبا أطفالا فلسطينيين يكتشف أنه عقيم لا ينجب وأن ابنته التي أنجبها منذ حوالي عشرين عاما هي، بيولوجيا، ليست ابنته. ابنة إسرائيلي. المعلومة التي تكتشف بالصدفة تزلزل كيان الأسرة والمجتمع الفلسطيني الذي يعيشون فيه، والمصيبة الأكبر أنهم يكتشفون أن حارس السجن الاسرائيلي، الذي ساعد الأب في تهريب نطفته، قام باستبدال النطفة بحيواناته المنوية وأن الفتاة نصف إسرائيلية، بيولوجيا. تحاول الأم أن تخفي الأمر خوفا على ابنتها من التنمر أو الأذى، فتدعي أنها كانت على علاقة برجل فلسطيني آخر، وأعمام الفتاة الذين قاموا بتربيتها في غياب أبيها السجين لا يعرفون كيف يتعاملون مع الأمر، ويريدون ارسال الفتاة لتعيش في الخارج، والابنة التي تعشق والدها، وتحمل كرها هائلا للاسرائيليين، تصاب بالصدمة وتقرر التسلل إلى إسرائيل للبحث عن الحارس وقتله حتى تستعيد شرفها الفلسطيني.

    أنا بنت مين

    بعيدا عن القضية الفلسطينية هذه فكرة درامية جيدة، ولكنها ليست جديدة تماما، وقد عاشت الميلودراما المصرية على موضوع اختلاط النسب دهورا، من أيام “أنا بنت مين” و”دهب” و”الخطايا” وحتى “لا تسألني من أنا”. وقبل الميلودراما السينمائية ظل موضوع النسب وإثبات البطل لأحقيته في الانتساب لأبيه هو الموضوع الشاغل للسير الشعبية العربية مثل “عنترة” و”أبو زيد الهلالي”، وبالمناسبة الميلودراما الهندية مهووسة أيضا بهذه “التيمة”، وعلى “نتفليكس” هناك فيلم هندي حديث اسمه “ميمي” يعالج الفكرة بطريقة إنسانية وعصرية، ولكن هذا ليس موضوعنا اليوم.

    موضوعنا ما فعله فيلم “أميرة” بهذه الفكرة التي تحمل امكانيات جبارة، والتي يتوقع بالطبع أن تثير الجدل والحساسيات، بسبب طبيعة الصراع الفلسطيني الصهيوني، فنحن لا نتحدث هنا عن سادة وعبيد أو أثرياء وفقراء أو بيض وسود ولكن عن فلسطينية مسلمة تكتشف أنها نتاج نطفة إسرائيلي يهودي.

    الرباط البيولوجي

    أسهل شئ هو توجيه الاتهامات، وقد تعرض فيلم “أميرة” لاتهامات فورية رخيصة لمجرد الفكرة، ولكن كما نقول دوما الفكرة ليست مهمة في حد ذاتها، ولكن المهم ما يفعله الفنان بالفكرة.

    لا يوجد في “أميرة” ما يمكن أن يشير إلى أنه يدافع عن “التعايش” و”التهجين” بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن هناك ما يشير إلى رفضه لهذا الاحتمال لدرجة الوقوع في المبالغة وارتكاب بعض الأخطاء الدرامية واتخاذ مواقف غير إنسانية. كيف؟ لا يحمل الفيلم من قريب أو بعيد دفاعا عن الرباط البيولوجي بين الأبنة وأمها الفلسطينية الوطنية التي قبلت أن تتزوج فدائيا مسجونا وتعيش حياتها كراهبة. نحن نعلم أن اليهود يقدسون النسب للأم ولا يعترفون باليهودي إلا إذا كانت أمه يهودية، بينما العرب على العكس لا يعترفون بالنسب للأم ومعظم البلاد العربية لا تمنح الجنسية لأبناء الأم إذا كان الأب أجنبيا!

    شهيدة

    هل يعقل أن يتفق فنان ينتمي للقرن الواحد والعشرين مع هذا الموقف غير الانساني؟ للأسف هذا ما يفعله فيلم “أميرة”، عن غير قصد غالبا، بسبب خوفه من الاتهام بقبول فكرة وجود فلسطيني من أب إسرائيلي. وحتى نتبين الموقف لنفكر بالعكس: ماذا لو اكتشفت أميرة أنها ابنة أم إسرائيلية؟ هل كانت محنتها ستكون بالقدر نفسه؟

    أميرة كما يصورها الفيلم مرتبطة بأبيها السجين وعدوانية تجاه أمها بشكل غير طبيعي، وحتى عندما تكتشف أنها ليست ابنته وأن أمها حاولت التضحية بسمعتها وحياتها حتى تحميها من هذا الاكتشاف، تظل أميرة أبوية النسب، باردة تجاه أمها، لسبب لا يمكن تفسيره سوى بطبيعة المجتمع الفلسطيني الذي تعيش فيه، والذي يعلي من شان الذكورة والنسب الذكوري بشكل متطرف.

    لقطة من فيلم «أميرة» للمخرج محمد دياب
    لقطة من فيلم «أميرة» للمخرج محمد دياب

    حساب المثلثات

    الفلسطينيون كما يظهرهم الفيلم متخلفون، يزوجون فتاة من صورة فوتوغرافية لرجل محكوم بالسجن مدى الحياة، ويعتقدون أن ارسال نطفة خارج السجن هو بمثابة تحرر ومقاومة للمستعمر، ويرفضون فتاة لا ذنب لها لمجرد أنها تنتسب بيولوجيا لحيوان منوي ضال، بل يريدون ارسالها وراء الحدود للتخلص منها ويفرحون بأنها ستتسلل بمفردها لاسرائيل ويعتبرونها شهيدة يتفاخرون بتعليق صورها.

    مرة أخرى لا أعتقد أن هذه الصورة التي يظهر بها الفلسطينيون مقصودة، ولكنها نتاج عقل محافظ، متردد، يكتب سيناريو فيلمه بطريقة “حساب المثلثات” ويخشى الاتهامات. إنه يحاول، من بعيد، أن يتيح مساحة لصوت آخر، يتمثل في مدرس الابنة، صديق الأم، المثلي جنسيا، والذي يعلن أن الانسان ليس مجرد ضحية لحمضه النووي، وربما كان يمكن أن يقول أيضا أن الهوية ثقافة قبل أن تكون عرقا وأن الانتماء قرار قبل أن يكون قدرا، وأن الوطنية اختيار قبل أن تكون جنسية.

    حقل ألغام

    لكن الفيلم لا يقول ذلك، ولا المدرس، فهو شخصية باهتة، لا تكاد تسمع أو ترى، ويزيد الطين بلة أن صانع الفيلم جعله مثلي جنسيا لسبب غير مفهوم، ربما لإن الأفلام “العالمية” هذه الأيام يجب أن تتضمن شخصا مثليا. لست ضد ظهور المثليين في السينما ولكن في هذا الموقف تحديدا يبدو الأمر مفتعلا، والأسوأ أنه يجعل آراء المدرس التقدمية محل شك في نظر المشاهد العربي التقليدي، بما أن من يرددها مثلي جنسيا.

    لقد وضع محمد دياب نفسه وسط حقل ألغام ووقف حائرا لا يعرف كيف يخرج منه، ولجأ إلى نهاية مفتعلة، ملتبسة، وغير منطقية، والأسوأ: غير إنسانية.

    محمد دياب مخرج جيد، يعرف كيف يصنع دراما مشوقة، ولديه شجاعة الخوض في موضوعات حساسة وجدلية يخشى من الخوض فيها الآخرون. ولكنه يتعامل مع هذه الموضوعات بالقلم والمسطرة، بالشوكة والسكين، بقفاز يد ومريلة مطبخ. وهكذا أتى فيلم “أميرة” إلى الدنيا هجينا غير متجانسا: رجعي ومحافظ النواة بقشرة متحررة، مرتبك، ومربك. ويؤدي غالبا إلى عكس الهدف منه، لو اعتبرنا أن هناك بالفعل هدف منه!

    اقرأ أيضا:

    في مهرجان الجونة: يسرا وانتشال و«حرب العوالم»!

    فيلم «ريش»..فخر السينما المصرية

باب مصر