باب مصر

التصنيف: سينما

  • هوجة «أصحاب ولا أعز» : الواقع في مجتمع واقع!

    هوجة «أصحاب ولا أعز» : الواقع في مجتمع واقع!

    هوجة متوقعة، بما أن الهوجات أصبحت الشئ الوحيد الذي يشعرنا بالحركة والحياة، ونحن لا نتحرك، ولا نكاد نحيا. هوجة من الجدل حول فيلم أو أغنية أو فستان أو كلمتين قالهما شخص ما على “تويتر” تستغرق عدة أيام وتخبو، قبل أن تظهر هوجة جديدة على السوشيال ميديا، أو مواقع ووسائل الاعلام التي باتت هي أيضا رهينة الهوجات المتقطعة المتتالية، بما أنه لا يوجد قضية ولا موضوع ولا فكرة ذات معنى تشغلها سوى الجري وراء الهوجات أو افتعالها.

    الهوجة هذه المرة تتعلق بفيلم “أصحاب ولا أعز” الذي أنتجته منصة “نتفليكس” وأخرجه وسام سميرة وشارك في بطولته سبعة من نجوم التمثيل في العالم العربي منهم منى زكي وإياد نصار ونادين لبكي. الهوجة كالعادة تدور حول “جرأة” الفيلم باحتواءه على ألفاظ “خارجة” ومثلية جنسية وعلاقات جنسية غير شرعية وتشويه لسمعتنا وتقاليدنا وأخلاقنا.. إلى آخر هذا اللغو الذي نصحو وننام فيه كلما ظهر فيلم أو مسلسل أو كتاب أو مقال أو صورة على الصفحات الخاصة على مواقع التواصل.

    لغو حين تتأمل في منبعه ومنتهاه تكتشف أنه مجرد طاقة سلبية عدوانية تنفس عن نفسها من خلال مهاجمة الآخرين واتهامهم بصفات غالبا ما يكون هؤلاء المهاجمين أكثر من يعاني منها..لغو لا علاقة له بالمنطق ولا الواقع ولا محتوى الشئ الذي ننتقده، ولكن معركة في الفراغ ربما يهدف منها صاحبها كسب بعض الرضا من جهة أعلى، أو اثبات أنه متفوق أخلاقيا على الآخرين، أو لقلق وعدم استقرار مزمن يعاني منه وينتهز فرصة الخروج على أهون سبب على طريقة نكتة المشط ( سوف أرويها لمن لا يعرفها لاحقا).

    **

    هل يستحق “أصحاب ولا أعز” هذا الصخب؟

    بعد أن يهدأ فوران الهوجة عادة ما يكتشف صناعها والمشاركون فيها أنها أصغر بكثير مما كانت تبدو عليه وقت اندلاع الهوجة ( يمكنك أن تتذكر بعض هذه الهوجات مثل مسلسل “سابع جار أو فيلم “ريش”) ذلك أن المسألة لا تتعلق غالبا بالعمل الذي يثار حوله الجدل، بقدر ما يتعلق بصراعات ومخاوف وأحيانا ظنون وهلاوس يعاني منها العقل الجمعي لمجتمع فاقد للتوازن والبوصلة.

    لننظر إلى “أصحاب ولا أعز” في سياق أكبر من الضجة لنضعه في مكانه وحجمه الفعلي:

    الفيلم من انتاج “نتفليكس”، وهي منصة عالمية ليست لأعمالها جنسية محددة. وما الذي يعنيه ذلك؟ يعني أن أعمالها لا تخضع للرقابات والسلطات المحلية، وأن “أصحاب ولا أعز” فيلم أجنبي لكن ليس تابع لدولة بعينها، دور مصر فيه هو مجرد مشاركة ممثلة مصرية في بطولته، ورغم أن مخرجه وبعض أبطاله الآخرين لبنانيين لكنه أيضا ليس فيلما لبنانيا (كما ذكر د. خالد عبد الجليل مدير الرقابة على المصنفات الفنية في مداخلة تليفزيونية).

    من مشاهد الفيلم
    من مشاهد الفيلم

    وبالرغم من أن شخصيات الفيلم عربية الأسماء واللغة، وهناك ذكر لبعض أسماء الأطعمة العربية، إلا أنه باستثناء ذلك  أن الفيلم لا يذكر أين تقع أحداثه ولا جنسية شخصياته، فقد يكونون عربا أمريكيين أو إيطاليين أو صينيين، وبالتالي أي كلام عن مدى مطابقته أو مخالفته للواقع والتقاليد هو مجرد افتراض وظن، وهو يكشف، ربما أكثر من أي عمل آخر أثار الجدل في تاريخنا، أن معظم حديثنا عن ضرورة مطابقة الفن للواقع هو مجرد لغو!

    **

    حكاية “أصحاب ولا أعز” “عالمية”، فهو لا يتناول واقعا عربيا بالتحديد، وقصته تدور داخل شقة مغلقة يمكن أن تكون في أي مكان. وهو مقتبس عن فيلم إيطالي بعنوان Perfect strangers صدر 2016، وحقق نجاحا كبيرا وفاز بعدد من الجوائز العالمية معظمها للسيناريو، ولإن فكرته وقصته وتفاصيله تتجاوز أي واقع محلي بعينه، لذلك أعيد انتاجه في أكثر من بلد، وقد ذكر الفيلم في موسوعة “جينيس” للأرقام القياسية باعتباره أكثر فيلم تم انتاج نسخ منه وصلت وقتها إلى 18 نسخة، وقد وصل العدد الآن بالفيلم العربي وفيلم نرويجي يتم انتاجه حاليا إلى 22 “إعادة صنع” remake!

    الفيلم أنتج باللغات الايطالية والانجليزية والألمانية والكورية واليابانية والفيتنامية والهولندية والعبرية والتشيكية والرومانية والروسية والأرمنية والبولندية ولغات أخرى، بنفس السيناريو والعنوان تقريبا. ما يعني أن العالم كله لا يعتقد أن أحداثه أو شخصياته غريبة أو أنه يدعو إلى شئ غير أخلاقي إلى آخر هذا الهراء المتساقط على وسائل الاعلام ومواقع التواصل. على النقيض من هذه الظنون البائسة، المثيرون رأوا في الفيلم إدانة للكذب والخداع والنفاق والعيش بوجهين، كما رأوا فيه إدانة لاعتمادنا الطاغي على الهواتف ووسائل التواصل لدرجة أننا استبدلنا الحياة الواقعية والعائلية بالحياة الافتراضية، والكثيرون رأوا في الفيلم إعادة حديثة ذكية لفكرة طالما تناولتها الدراما منذ آلاف السنين وهي أن معظم الناس، بل كلهم تقريبا، لديهم أسرار وأفكار ورغبات لا يستطيعون اطلاع الآخرين عليها، حتى أقرب الأقرباء وأحب الأحباء.

    **

    كثيرون أيضا لاحظوا أن الفيلم ( مثل نسخه العدة السابقة) ينتهي بأن كل ما رأيناه ربما يكون خيالا، أو واقعا مسكوت عنه، فالشخصيات تعود لممارسة حياتها كأن شيئا لم يحدث على الاطلاق، أو كأنهم نسوا، أو تناسوا، ما حدث، أو أنهم، مثل بعض الأفراد والشعوب التي نعرفها جيدا، تنكر الواقع الذي تعيش فيه وتطلب من الفن أن يكون مرآة لأكاذيبهم عن هذا الواقع!

    عندما تشاهد “أصحاب ولا أعز” أمامك اختياران: إما أن تصدق أن هذه الشخصيات يمكن أن توجد في مدينتك أو قريتك أو شارعك أو بيتك، وبالتالي فهي واقعية (نظريا على الأقل)، وإما أن لا تصدق أنها يمكن أن توجد فعليا في الواقع العربي. وأن أهل بلدك ومعارفك ومواطني بلدك وأمتك جميعا لا يمكن أن يشبهوا هذه الشخصيات، وعندئذ يمكن أن تريح بالك وتتعامل مع الفيلم على أنه يقع في بلد بعيد لشخصيات من أصول عربية يقيمون في بلد بعيد.

    الاختيار الثالث هو أن تنسى الواقع وأنت تشاهد الأفلام، وأن تتعامل مع “واقع” الفيلم فقط، مثلما تفعل عندما تشاهد “سبايدرمان” و”جيمس بوند” و”علي بابا والمصباح السحري”، فالملايين من أجدادك الذين قرأوا “ألف ليلة وليلة” على مدار أجيال وعصور، لم يتوقفوا يوما ليسألوا عن ضرورة مطابقة الفن والحكايات  للواقع.

    اقرأ أيضا:

    “سيبرج”: كيف دفعت المباحث الفيدرالية نجمة السينما العالمية إلى الانتحار

     

     

     

     

     

  • أحمد حداد: لا تعاملوني كحفيد لصلاح جاهين وفؤاد حداد

    أحمد حداد: لا تعاملوني كحفيد لصلاح جاهين وفؤاد حداد

    ورث العناد من جده فؤاد حداد، والمواهب المتعددة من جده الثاني صلاح جاهين. تركت نشأته في بيت لم يكن يخلو من الشعر والأدب والفن والكتابة تأثيرا كبيرا عليه.  الشاعر أحمد حداد الذي يحب أن يصف نفسه بالمجرب. مؤخرا قدم «أما عن حالة الطقس»  أول أفلامه كمخرج وكاتب وممثل وملحن لبعض أغنيات الفيلم . وفي حوار خاص لـ«باب مصر» يتحدث حداد عن كواليس فيلمه الروائي الأول وديوانه الأخير ومشروعاته القادمة.

     «أما عن حالة الطقس».. كيف بدأت الفكرة؟

    خطرت لي فكرة الفيلم في أواخر عام 2018. واستغرقت شهرين في الكتابة، وعامين ونصف للتصوير، وانتهى التصوير في منتصف فبراير 2020. وخلال فترة إغلاق كورونا أنهيت أعمال المونتاج، وتقديم النسخة الأولى من الفيلم، وتلتها مرحلة اختيار الموسيقى والمكساج والأغاني والدوبلاج.

    وجاء إنتاج وتقديم الفيلم بجهود ذاتية مستقلة، وكل المساعدات كانت ذاتية سواء أماكن التصوير، أو تنازل بعض المشاركين عن أجورهم. استمر التصوير 44 يوما. كانت فترة مهلكة مادية وعصبية. وبالنسبة للإنتاج كانت الميزانية أقل مما يُدفع في السوق ولكن بالنسبة إلي أنها ذاتية كانت أكبر من المتوقع.

    أما عن حالة الطقس لأحمد حداد
    أما عن حالة الطقس لأحمد حداد

     

    كيف جاءتك الفكرة..وكيف اشتغلت عليها؟

    الفيلم المستقل تدور فكرته بشكل نفسي وإنساني وواقعي عن الخروج من مساحة الأمان. والخروج منها عملية صعبة ولكن مهمة جدا. والبعض يكونوا تعساء والتعاسة الأسوأ هي غير الملموسة والتي تظهر في الرتابة والتفكير وقلة الإبداع. وتشبه عملية الخروج من الأمان مرارة الدواء الذي يُشفي صاحبه في نهاية المطاف.

    وحاولت إيصال هذه القضية من خلال التصوير والإخراج. ولكن انا لا أحب المباشرة في العمل. واعتمد على الاستمتاع بمشاهدة العمل الفني فقط وانطباع المشاهد عنه وفقا لأحداث القصة على مدار الفيلم حتى لو كان فيلما قصيرا. والفيلم الطويل أشبه بالرحلة يستمد منها المشاهد كل فترة معلومة أو مشاعر أو معنى كذلك عبارات مباشرة أشبه في رأيي بحالة “فضفضة”.

    من فيلم أما عن حالة الطقس
    من فيلم أما عن حالة الطقس
    وماذا عن تجربة التمثيل..هل يأتي على هامش تجاربك المتعددة؟

    لم أتوقف عن التمثيل. ومازلت أمثل في أفلامي وابتعدت عن المشاركة في أفلام أخرى نظرا لأن المجال أصبح تجاريا وأنا غير موهوب في التجارة. وبعد مشاركتي في فيلم “أوقات فراغ” و”موجة حارة” ومسرحية “الأمير الصغير” ترجمة فؤاد حداد بالمسرح القومي وغيره من الأفلام القصيرة، قدمت أخيرا فيلمي الروائي “أما عن حالة الطقس” والذي لاقى تفاعل وحماس الكثيرين.

    بالتزامن مع الفيلم صدر أيضا ديوانك الجديد «التوقيت المحلي لمدينة البهجة»؟

    هو ديواني الثامن، بعد عامين أو ثلاثة أعوام منذ إصدار آخر ديوان. ويتسم بمشاعر بهجة وإقبال على الحياة، مختلفة عن نظيرتها في الدواوين السابقة التي كانت أكثر حزنا.

    وعن دواوين الشعر بالعامية التي أصدرتها منها شعر غنائي. وأول ديوان كان سنة 2000 اسمه “الورد اللي بيطلع” والثاني كان في عام 2007. ثم ديوان “دولاب الهدوم” وديوان “بشويش” في 2011. وحصلت عنه عن جائزة أفضل شاعر عامية في عام 2013. ثم تعاونت مع دار “الشروق” لديوان “عزيزي فلان” الذي يوثق الأشعار التي كتبتها في عامي الثورة. ثم ديوان “بطلوع الروح” للقصائد القصيرة. وفي التعاون الثاني والثالث مع دار “الشروق” أصدرت ديواني “مزاج سيادتي” والديوان الأخير الصادر مؤخرا “التوقيت المحلي لمدينة البهجة”.

    ماذا ورثت عن جديك فؤاد حداد وصلاح جاهين رواد الشعر بالعامية.. وماذا استفدت منهما شعريا؟

    لا أستطيع أن أصف حبي للشعر وكتابتي له بأنه وراثة، هناك عوامل كثيرة اسهمت في حبي للكتابة، ليس فقط كوني حفيد جاهين وحداد. وإذا استطعت تحديد الصفة الوحيدة التي من الممكن أن أرثها من كل منهما فالتجربة عن جدي صلاح جاهين والعند عن جدي لأبي فؤاد حداد. وأعتقد أنه الشخص الأكثر عندا الذي عرفته في حياتي، وله بيت شعر “مثلي الأعلى غاندي مهاتما” وأنا أعتبر أن فؤاد حداد مثل غاندي في الشعر والفن والتمسك بوجهة نظره في الحياة.

    وكتبت الشعر أول مرة بالصدفة. وكانت تجربتي الخاصة بدون توجيه من أحد. وأعتقد أن فؤاد حداد وصلاح جاهين لهم علاقة وتأثير على جيلهم والأجيال التالية حتى الذين لم يعاصروهم، وصنعوا حالة ثورية للشعر. ولا أحب أن أُعامل أنني حفيدهم، وصلة القرابة أنهم أجدادي ولكن كتأثر في الكتابة، لهم ملايين الأبناء والأحفاد في الوطن العربي.

    بين الكتابة والتصوير والتمثيل والإخراج.. هل نستطيع أن نصفك فنان متعدد المواهب؟

    أظن أن الوصف الأمثل هو مُجرب. ولكن على سبيل المثال جدي صلاح جاهين فهو متعدد المواهب، والتعلم باستمرار يُثري كل المواهب. وبالفعل أنا أمارس التصوير والإخراج والتصوير والمونتاج والغناء في فرقتي “ريترو”.

    ما هي أعمالك الأدبية القادمة؟

    أعمل على ديواني القادم “إستراتيجية القهوة” وسيكون ذو طابع شتوي ومن المتوقع إصداره في شتاء 2023. والرواية الأولى لي بعنوان “درب سلمى” وهي رواية بوليسية، بطلتها تسمى سلمى ونعرف حكايتها من خلال الأحداث التي اتبعت فيها طريقة مستوحاة من الأديب نجيب محفوظ وهو تسمية الفصول بأسماء أشخاص ونعرف القصة أو أحداث إضافية عنها من خلال شخص جديد في كل فصل.

    هل ترى أن الشباب يحملون مهمة إحياء الأغاني التراثية.. وهذا ما تحققه في فرقتك الغنائية «رترو»؟

    الأمر نسبي فالبعض في حنين دائم للماضي، فيما يفضل آخرون الحياة المعاصرة. وقبل الحديث عن فرقة “رترو” الغنائية – ومعناها قديم باللغة اللاتينية – فالفضل يرجع إلى العظيم حسن الجريتلي مؤسس فرقة “الورشة” ومكتشف معظم الفنانين الذين عملت معهم وآخرين سواء نجوم أو شباب في نفس العمر.

    وفي عام 2009 تعرفت على فاطمة عادل وفي عام 2011 تعاونت مع داليا الجندي وعملنا معا حتى قررنا تدشين فرقة “رترو”. وقدمنا أول حفل تحت اسم “رترو” في 15 يونيو 2017. ومنذ ذلك الوقت ولنا طابع غنائي خاص للأغاني القديمة التي نقدمها وبعضها يتنوع بين القديم والجديد. وأبرزها من كلمات سيد درويش وفؤاد حداد وصلاح جاهين، وأخرى لإسماعيل ياسين وشكوكو وفؤاد المهندس.

    اقرأ أيضا:

    قضايا التراث العمراني: خبراء يناقشون التحديات في مصر وفلسطين وتونس

  • «أمهات متوازيات» لألمودوفار: عندما يلتقي حسن الإمام بأوليفر ستون!

    «أمهات متوازيات» لألمودوفار: عندما يلتقي حسن الإمام بأوليفر ستون!

    ملحوظة أولية: المقال التالي حول فيلم ألمودوفار الجديد، يحتوي على كشف لبعض تفاصيل الفيلم. ولذلك أنصح من يرغب في مشاهدة الفيلم ويزعجه القراءة عن الأفلام قبل مشاهدتها بتأجيل قراءة المقال والمسارعة بمشاهدة الفيلم البديع أولا.

    “لا وجود لتاريخ صامت، فمهما حاولوا محوه أو حرقه أو تزويره. فإن التاريخ البشري يرفض أن يصمت”.

    بهذه العبارة المقتبسة من الأديب الأورجواني إدواردو جاليانو الراحل، يختم بها المخرج الإسباني بيدرو ألمودوفار أحدث أفلامه “أمهات متوازيات” parallel Mothers.

    ألمودوفار الجديد

    كان جاليانو، صاحب “شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة” وثلاثية “ذاكرة النار” أديبا وصحفيا ومناضلا سياسيا في سبيل الديمقراطية وحقوق السكان الأصليين لأمريكا، أما ألمودوفار، الذي يعد من كبار مبدعي السينما الأحياء على مدار العقود الأربعة الماضية. فقد عرف عنه عشقه للميلودراما الاجتماعية وتفكيك وتخريب الثوابت حول الذكورة والأنوثة والجنس والتقاليد الدينية والعائلية السائدة. وهو يروي في  فيلمه “مجد وألم” ( آخر أفلامه قبل “أمهات متوازيات”)، بعضا من سيرة طفولته وشبابه تبين طبيعة تكوينه وتفكيره.

    يبدأ “أمهات متوازيات” على طريقة جاليانو حول مصورة صحفية. اسمها يانيس، تلعب دورها بينلوبي كروز. تجري حديثا مع عالم أنثروبولوجي متخصص في الحفاظ على الذاكرة التاريخية. وتخبره عن قريتها التي توجد بها مقبرة جماعية من أيام الحرب تضم رفات بعض المعتقلين السياسيين ومنها والد جدها.

    أمهات متوازيات

    يشير هذا المشهد الافتتاحي إلى الحرب الأهلية في زمن الديكتاتور فرانكو خلال ثلاثينات القرن الماضي، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف بين قتلى ومفقودين. ومنهم شاعر إسبانيا الأكبر فيدريكو جارسيا لوركا الذي تم إعدامه ولم يعرف موقع جثته إلى الآن. كما يشير إلى الجدل الدائر إلى الآن بين أنصار دفن الماضي والنظر للمستقبل فقط، وأنصار الحفاظ على الذاكرة وضرورة معرفة الحقائق وتصفية الحسابات مع الماضي أولا، وهو الجدل الذي يمكن أن نجد مثيلا له في بلاد أخرى ضربتها الحرب الأهلية مثل لبنان وصربيا والبوسنة وغيرها، جدل يمكن أن نعثر عليه في أفلام الأمريكي أوليفر ستون أو اليوناني كوستا جافراس، جدل سنعود إليه في مشهد لاحق من الفيلم.

    أحداث الفيلم

    بعد المشهد الافتتاحي القصير سرعان ما يدخل الفيلم إلى عالم الميلودراما الألمودوفارية المعتادة في قصة تذكرنا بأفلام حسن الإمام: تحمل المرأة من أستاذ الأنثروبولوجي المتزوج وتصر على الاحتفاظ بالجنين وفي المستشفى تلتقي بمراهقة عزباء حبلى أيضا وتنجب الاثنتان معا في يوم واحد. ثم يحدث بعد شهور أن تكتشف يانيس أن الطفلتين تم استبدالهما بالخطأ في المستشفى. وأن طفلتها ما هي إلا طفلة الفتاة المراهقة. وتحاول أن تهرب من مواجهة هذه الحقيقة الصادمة، لكنها تلتقي الفتاة بالصدفة وتعلم أن ابنتها ماتت، وتدعوها للإقامة في بيتها، وتدخل الاثنتان في علاقة عاطفية. ثم يأتي صديقها عالم الأنثروبولوجي ليخبرها أن الجمعية وافقت على التنقيب عن المقبرة الجماعية. وأنه أخبر زوجته عن علاقتهما وأنهما انفصلا. إلى هنا تسير الميلودراما الاجتماعية في طريقها المعتاد نحو ذروة الأزمة، حيث تبدو كل الطرق مسدودة وكل الحلول مؤلمة.

    عالم الأنثروبولوجي

    في الصباح التالي يدور الحوار بين يانيس وصديقتها التي تشعر بالغيرة حول زيارة عالم الأنثروبولوجي. وعندما تخبرها حول مشروع التنقيب عن المقبرة الجماعية تقول الفتاة الساذجة: “يجب أن ننظر إلى المستقبل وإلا ستنتهي حياتنا بإعادة فتح الجروح القديمة”.

    تثور يانيس عليها: “من الذي أخبرك بذلك، والدك؟” (هذا الوالد السيء الذي كان يشار إليه عابرا في الفيلم قبل ذلك، يعيش في غرناطة، المدينة التي شهدت أكبر مذبحة خلال الحرب الأهلية، والتي راح ضحيتها لوركا، ووالدة الفتاة المراهقة، الممثلة، التي عثرت على فرصتها في التمثيل أخيرا. ذهبت في جولة لشهور لعرض مسرحية “بيت برناردا ألبا”، إحدى أشهر وأجمل أعمال لوركا. هكذا تبدأ الخطوط تتجمع في هذا المشهد المفصلي).

    تواصل يانيس حديثها للفتاة: “حان الوقت لتفتحي عينيك على البلد الذي تعيشين فيه. يبدو أن أحدا في عائلتك لم يخبرك عن بلادنا. هناك أكثر من مئة ألف مدفونون في خنادق وعلى أطراف المقابر يرغب أحفادهم وأبناء أحفادهم في دفنهم بشكل لائق كما وعدوا أمهاتهم، وإلى أن يحدث ذلك لن تنتهي الحرب”.

    حوار عنيف

    بضربة ريشة سريعة يعيدنا ألمودوفار في لوحته السينمائية البديعة لمركز اللوحة الذي بدأ به الفيلم، لينتقل الفيلم، وعيوننا بعد ذلك، إلى مزيد من التفاصيل وإلى إعادة قراءة أحداث الفيلم بطريقة سياسية: يكشف هذا الحوار العنيف بين يانيس وصديقتها عن الكذبة التي عاشت فيها شخصيا، وإخفاء حقيقة الطفلة عن أمها، وأنها هي أيضا حاولت أن تستولي على طفلة، أو بلد، ليست من حقها، وأنها حاولت أن تخفي هذه الحقيقة عن الجميع وعن نفسها. وكالعادة تبدو الحقيقة هي الطريق الوحيد الذي يجب أن نمر به نحو المستقبل.

    كثيرة هي الأعمال التي تدمج بين الميلودراما الاجتماعية والسياسة، ولكن “أمهات متوازيات” واحد من أجملها وأكثرها ذكاء.

    اقرأ أيضا

    مذيع الكرة..وتحولات الماتريكس الجنسية

  • بورتريهات متخيلة (14): محمود الجندي.. على جبينه الأنوار

    بورتريهات متخيلة (14): محمود الجندي.. على جبينه الأنوار

    كسكين تقطع برتقالة الزمن إلى نصفين، عاش محمود الجندي مرتين. في كل مرة كان يتكئ بحياته على ساق واحدة، غوص في اللذة، غوص في الإيمان. بأي ساق استقام له المشي؟ لا أحد يعلم، ولا هو. أما ماسة الموال، التي أومأت بها حنجرته وسط أكوام من الهدر، فلم تعرف العرج، ربما لأنها لم تستند إلى ساق الهوس، ولم تطلع من ساق التعب، ولا الحيرة بينهما، بل من هبة الجمال الفطري انداحت عالية، بلا ندم أو خواء، من داخل حدود الضوء اللامعة، وقد غرست في قلوبنا نظرة الحب الساحرة.

    مواله مكتف بذاته ولِذاته، يهدهد صخب العالم من حوله، يهدأ من روعه.

    بأي ساق استقام له المشي؟ هل التئم؟

    لا أحد يعلم، ولا هو، لكن في المرتين رفت على جبينه الأنوار.

    **

    شهيق للتأسي، زفير للغناء. شهيق للفرح زفير للغناء.

    أعطني تعريفا أبسط للحياة؟ تحت أقواس الليالي، خطوات محطمة، وصوت حب عانينا في نسيانه الكثير من الآلام. قاب قوسان فوضى ضاربة ونبش يائس في الأرجاء.

    عبر فمه وجد الماء صوته، لم يمزق حنجرته أو يحطم آنية روحه بحثا عن دفقة دم كاسحة، لذا فلم يتسع أو ينكمش، لم ينم ولم يُطو، لكن مخيلاتنا التي تعكرت بالهجير والظمأ أنجته من النسيان، لأن الماء هو وعدها بالبدء من جديد، لأن أرواحنا التي تسكنها شمسا جحيمية تشتاق إلى الظل في بدائية ما يمنحه، التوقف قليلا.

    لم يخسر الحب، لكن أصابعه لم توهب العاصفة. لم تر من الماء أغواره، ولا من الظل الطبقات العميقة لسحره.

    كأن عتمة الذات محتومة. ففي المرتين، لم يستنطق الحجب، لم تهبه الأرض سلاما أو سيفا ولم توشح السماء عباءته بنجوم خضراء، أو تكسو رأسه بالريش. في النهاية سُيجت روحه بالبرد ولم تشتعل دماؤه كل ليلة بما سطرته النجوم، لم يتجذر عند ذروة الضوء، صار نسخة من شيء لا الشيء، أما الينبوع فابتعد.

    متى يحل الضجر في الروح؟ متى تنهار أبراجها؟ متى يغني الخوف ونتوقف عن سبر المسافة؟ وأي مطرقة ثقيلة ترجمنا بالضربات دون أن تكل؟ متى يصير ما تبقى من حياتنا إخمادا لندم؟ ومتى يصير جمالنا صدى لضجيج يذوي؟

    ما الذي انتظره من السماء؟

    عين ما ارتجيناه منه: ظل وماء. ظلنا قُد من هجير، بئر مائنا أنهكها الظمأ.

    **

    لأن علي الزهار، ليس إلا حلما. تصير تقطيبة جبينه كابوسا، وضحكة وجهه إشراقة ملاك. ومواله نداهة درب سماوي غائم بالطيور.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (13): سناء جميل.. اختراع الطريق

  • بورتريهات متخيلة (13): سناء جميل.. اختراع الطريق

    بورتريهات متخيلة (13): سناء جميل.. اختراع الطريق

    صعيدية، مسيحية، تحب الفن، ليست جميلة ولا منصاعة ولا تخبئ قوتها خلف قناع ملاك أو غواية شيطان، المساران المسموح بهما لامرأة كي تعبر الطريق.

    كل ما تملكه هو موهبة مصفاة وإرادة نادرة، كماس منجم خفي لا يعرف النضوب، تلك خلطة خطر، بلا قرائن سابقة، بلا شهود أو محبين، بل خائفين مذعورين وقتلة، حيث المستقبل خيال نساء عجائز، حيث الشمس عدوة، حيث لا يمكن لفكرة أن تنمو إلا في قنوط الخرائب.

    من أجل أن تظهر هويتها للضوء، كان عليها أن تنتهكه، أن تصير مثال نفسها.

    سُد عليها الطريق، فاخترعت واحدا، هكذا انتزعت مجدها، بالانقطاع عن نسل الخرافات الخالدة، لتنشئ خرافتها، محروسة من الرب بالبسمة والعناية شرط أن تقطع الطريق، كل المعاناة، الاغتراب، نبذ العائلة، التضحية هي هداياه إليها، مطارق مباركة لمعدن نفيس.

    **

    كل شيء إلى زعزعة واضطراب، لكن عنكبوت الزمن لم يأسرها، بل زادها بريقا، أصقل فكرة روحها عن حياة كريمة الجوهر.

    لا إدعاء في أناقتها، تلك الأناقة هي ابنة كبرياء الذات، كبح لمرارة ما، وتحويلها بإصرار إلى لطف الأسلوب، جلو يائس لصدأ الضغينة التي دائما ما تنفلت جارحة، ترويضا للوحش الذي لن يُرضي غضبه عما عاناه إلا افتراس العالم.

    أم هو خوف قديم من الغياب المفاجئ؟ كأسرتها التي تركتها صغيرة في مدرسة داخلية واختفت. لذا كان على كل شيء أن يكون في مكانه. ليس للأناقة تعريف أبسط. الدقة ستحفظ العالم، حيث لكل جماد حياة مستقلة وروح استودعها إيانا، حيث طاولة أو مزهرية أو سجادة، هم أبناء لم تنجبهم كي لا تعرضهم للفقد، كأم لن يستوجب على جماداتها الحية، فعل أي شيء، فقط ستستلقي وتستقر لتنعم بدلال على عشب أمومتها.

    **

    قهرا نختار  الحبيب وطواعية يسري في دمائنا، ونسيل في ظلاله المعتمة. من ذاك الذي يستحق أن نتخلى أمامه عن دفاعتنا، أن نستأمنه على ضعفنا وهشاشتنا، أن ترتخي في أحضانه أوتارنا المعذبة بنفسها، كيف نستودع كل ذلك لدى آخر؟

    التي خاطت المفارش كي تعيش، تعلم أن الحب لن يصير شيئا خالدا بطول الحياة وعمقها، إلا عبر أن نلضم غرزة تلو أخرى، بأناة وصبر، بتحمل لشكات الأصابع، نصحح خطأ تلو خطأ، كنص لا نكف عن تحريره حتى يبلغ كماله وذروة بهائه على أجمل نحو.  حب لا ينفصم، هذا فقط ما يليق بامرأة تعرف ما تريد.

    الحب أصابع مدماة تسقي براعم اليدين.

    **

     

    ربما استيقظ لويس جريس بعد موت سناء جميل ذات مرة، على وقع كعبها وهو يقرقع في حلم، لم يثنه الشك عن النظر ربما ارتعش أو ابتسم، أو ذاب في رجفة قبلة هائلة، هبة مضيئة لحب لا نهائي وابتسامة لا نهائية. بين الريب والأحلام، كانت تتمشى على راحة الضوء، ذاهلة ساكنة، أرته في خطواته التي لم تعد تتقدم منذ موتها، جمال العالم، جمالها وقد صار مكتملا ككلمة الرب وذهبه المنصهر، أزليا كالزمن.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (12): عبد الله محمود.. تلك النظرة

  • مذيع الكرة..وتحولات الماتريكس الجنسية

    مذيع الكرة..وتحولات الماتريكس الجنسية

    من السهل أن يتجنب المرء الحديث عن هذه الأمور “المحرجة”، تجنبا لسوء الفهم الذي لا مفر منه، وتجنبا للتعليقات السخيفة والجاهلة. ولو كنت من محبي كثرة اللايكات والتعليقات المؤيدة، فربما يمكنك أيضا أن تشارك بقية القطيع في الهجوم على ما يحدث في العالم، وفي صناعة الترفيه بوجه خاص، من تركيز على حياة ومشاكل المثليين والمثليات والمخنثين وعابري الجنس وغيرهم من الأقليات “الجنسية”، التي طالما تربينا، جيلا وراء جيل وراء جيل، على إدانتهم وتكفيرهم والتحقير منهم وربما اضطهادهم وملاحقتهم أيضا. ما أسهل أن يتجنب المرء الخوض في هذا الموضوع “الحساس”، الذي يثير لدى الغالبية حساسية غير طبيعية.

    لكن ما يدفعني لفتح هذا الموضوع الآن هو أنني في يوم واحد استمعت إلى فقرة إذاعية لمذيع رياضي شاب لا أعرف اسمه، ثم شاهدت الجزء الرابع من سلسلة “الماتريكس” الذي يحمل اسم “عودة الماتريكس” أو ”  The Matrix Resurrections.

    المذيع الشاب، وهو نموذج للمواطن الصالح المندمج داخل “المصفوفة” في تآلف وألفة واضحة، يعتقد مثل ملايين غيره من مواطنينا الصالحين، أن الغرب يحاول اجبارنا على الانحلال ليخرب أخلاقنا، وأن هذه الموجة الموجهة من الأفلام التي تدور حول المثليين أو تحتوي على شخصيات مثلية، تهدف بالأساس إلى اجبارنا أو استدراجنا للاعتراف بهؤلاء وربما تهدف أيضا لاغرائنا بالتحول جنسيا!

    **

    المذيع الشاب، المتصالح مع المصفوفة ومع صورة الذكر الممتلئ بالرجولة الذي يسخر ويحقر من الكائنات التي تنقصها  أو تزيد لديها بعض الهرمونات الذكورية أو الأنثوية، ترك الرياضة وكرة القدم ليعلق على ما تبثه إحدى المنصات من أفلام تدور عن المثليين. والمذيع الشاب الذكي، اعتبر أن محتوى هذه المنصة يستهدفنا وأنه جزء من خطة الغرب لاجبارنا على اعتناق مفهومهم عن “الحرية”..وأن أي مؤسسة دولية أو دولة أو تذكر كلمة “حرية” و”مصر” في سياق واحد فهي تعني حرية وحقوق “الشواذ” وهي بالقطع تستهدف هدم معتقداتنا وتقاليدنا. والمذيع الشاب الحكيم أمسك بتلابيب المنطق برده على أصحاب منصات الترفيه والمؤسسات الدولية (معا) عندما قال لهم نحن أحرار في أفكارنا ومعتقداتنا وأنتم تعتدون على هذه الحرية باسم الحرية..وهكذا قطع بسيف المنطق المبهر كل ضلالة!

    كان المذيع المفوه يواصل بلا انقطاع حديثه الحماسي، المنفعل (بطريقة تثير الشكوك) حول المثليين والمثليات، عندما تركته لمشاهدة أحدث أفلام  “الماتريكس”، وبينما تتوالى عناوين الفيلم أمام عيني رحت أفكر في أمر عجيب: منذ ما يزيد عن عشرين عاما، شاهدت الفيلم الأول من سلسلة “الماتريكس” وانبهرت به، مثل الملايين، ولم أزل واحدا من عشاق هذه السلسلة الكلاسيكية التي غيرت مفهوم أفلام الأكشن، وتنبأت بحلول عصر الواقع الافتراضي وظهور أجيال تعيش داخل هذا الواقع الافتراضي وهيمنة الكمبيوتر والذكاء الصناعي على معالم حياتنا.

    **

    بعد الماتريكس انضم مؤلفا ومخرجا السلسلة، الأخوان لاري وآندي واشوسكي، من إلى قائمة أبرز صناع السينما في العالم، وأكثرهم ثراء.

    اليوم لم يعد لهذين الأسمين وجود. فجأة في 2012 أعلن الأخ الأكبر لاري أنه تحول إلى امرأة اسمها لانا، وفي 2016 أعلن الأخ الأصغر آندي أنه تحول أيضا إلى امرأة اسمها ليلي!

    لانا وليلي ليسا أول المتحولين، ولن يكونا آخرهم، لكنهما بالطبع أشهرهم، وتحولهما هو الأكثر تأثيرا في تاريخ التحول الجنسي، ورغم مرور سنوات على الحدث يصعب على المرء (علي شخصيا) استيعاب هذا الأمر أو التعامل معه. ورغم أنني لا أعطي لنفسي الحق في لوم أي إنسان على ميوله الجنسية (طالما أنه لا يعتدي على إنسان آخر)، إلا أن قبول الأمر على المستوى النفسي والبدني لم يزل صعبا، والأمر ليس له علاقة بالقناعات الفكرية أو الاعتقادات الدينية. وأتذكر منذ حوالي عشرين عاما أنني التقيت بأحد الممثلين (الممثلات) الايطاليين، كان قد شارك بدور مهم في أحد أفلام فلليني، وأثناء الحوار معه لم أستطع أن أحدد هل أنظر إليه وأخاطبه كرجل أم كامرأة، وقد تسبب لي ذلك فيما يشبه الغثيان.

    **

    كنت أدرك، عقليا، أن الذنب لا يقع عليه، فهكذا خلق، وكنت أعرف، أو ربما عرفت لاحقا، أن كلمة “طبيعي” لا وجود لها في الطبيعة، وأن هناك حيوانات وطيور وحبات طماطم “غير طبيعية”، وأن المسألة كلها تتعلق بالأغلبية وبالصراع التاريخي بين الجنسين على الهيمنة، وهي هيمنة تسببت في نوع من الكبت والقمع الجماعي، دائما ما يتسبب في انتاج مخلوقات مريضة عدوانية غالبا ما تنتقم من المجتمع الذي يرفض الاعتراف بها (ولعل قصة فرانكنشتين واحدة من الاستعارات المجازية  الشهيرة على هذا الكبت ونتائجه، وكثير من روايات الرعب تعبر بطريقة أو أخرى عن هذه المكبوتات والمحرمات التي تنفجر لتنتقم.). أدرك اليوم أيضا أن الشعور الخفيف بالغثيان الذي أصابني يومها له علاقة بهذا الكبت الذي يتعرض له الجميع منذ طفولتهم لاجبارهم على تقسيم أنفسهم ومشاعرهم ورغباتهم والعالم كله إلى ذكر وأنثى فقط.

    **

    كنت أطالع فيلم “الماتريكس” مستغرقا في أفكاري حول هذه الهوة الحفرة التي تفصل بين مجتمعين وطريقتين على طرفي النقيض في التفكير..وشعرت أنني مثل أبطال الفيلم الحائرين أمام اختيارين صعبين وهما تناول القرص الأزرق الذي يعني الاستمرار في العيش داخل الأكاذيب المريحة، أم تناول القرص الأحمر الذي يجعلك ترى الحقيقة الصعبة، والمعاناة من هولها وغرابتها، ومن ملاحقة ومطاردات الماتريكس!

    عزيزي القارئ..القرصان أمامك..فأيهما تفضل؟

    اقرأ أيضا:

    رفضته الرقابة: «شرف» صنع الله إبراهيم في فيلم متعدد الجنسيات لمخرج مصري ألماني

     

  • بورتريهات متخيلة (12): عبد الله محمود.. تلك النظرة

    بورتريهات متخيلة (12): عبد الله محمود.. تلك النظرة

    جاء عبد الله محمود ليغرس تلك النظرة أمام الكاميرا ويمضي، نظرة من يُدين له الوجود باعتذار ما، إشارة إلى خطأ أزلي لا يمكن إصلاحه أو الاعتذار عنه، مع ذلك ظل ينشده بكل ما في اليأس من أمل، لذا لا لؤم فيها ولا مرارة. إنها محض نظرة، وهي كل ما يملكه من هبة.

    ما أسعد من يصير حزنه مفتاح روحه ومرآتها، حيث يمكن لنا أن نتفهم كل خطاياه، ما أتعس من كان حظه كله في إيماءة، كأنه حبيس نظرته، لو وشت بشيء آخر كالفرح لاتهمناه بخيانة المعنى، لانصرفنا عنه واعتبرنا أن ما أفصحت عنه عيناه، محض ثرثرة ولغو، فتلك النظرة النادرة هي كل ما نحتاجه من اللغة.

    **

    كسماء غائمة مغلقة على ذاتها، كحواف مصقلة بالظنون، كظل شبح يجوس في الطرقات، نيجاتيف لصورة، كمن فقد داخله كائن كان بحوزته ثم عاش باقي عمره غريبا عنه. هل خفة روحه أصيلة؟ أم أن الحياة ثقيلة بما يكفي كي يبدو في مواجهتها بتلك الخفة؟ هل يؤمن بشيء؟ هل يظننا محض أحلام؟ هل يعرف أننا لم نره إلا كحلم، أننا اخترعناه؟ هل يعلم أنه دون تلك النظرة لا أحد؟

    **

    لا فارس ولا وغد، لا يملك رغبة أو ضدها، بل وعي خالص بهزيمة الذات. باستسلام يكظم عذاباته، لو نطق لانكسر، لذا سار بيننا بعمر مبتور. تلك النظرة المشؤومة التي عادت بخفي حنين هي لابن موت. متى عرف؟ متى استعد؟ هل أنكرت أذناه النبوءة عندما ارتج صداها داخله؟ أم أدركها مبكرا فصمت وواصل رحلته إلى اللاشيء، هادئا كاليأس؟

    **

    أن تسير بإرادتك إلى الفشل ومتهيئا له بكامل عدتك، هو أفضل بديل للانتحار. كأحمق وجد أخيرا بهجته، أنتج في نهاية أيامه فيلما شديد السوء ليصير بطله. كأحمق قرر أن يتحدث في اللحظة الخطأ، أن يغامر في الوقت الخطأ، رهان الكل في الكل، عوض حياة أنفقت بكاملها للتدرب على مشهد وحيد، الموت.

    **

    لولا أن بيننا حزن صبي على تلك الشاكلة، مرتجف مثل عصفور، لو صمت كل أفعالنا بالعار. حزن عاجز بلا انتقام يعقبه، بل عواء أخرس كأنشودة محفوفة بالمخاطر، صاعدة من الأعماق، من الذاكرة وقد تصلبت كلها على منبع الحسرات، من الحسرات وقد وعت حماقتها فارتدت كلها إلى الداخل.

    **

    بلا تجعيدة واحدة، هذا ما فر به على جناح لحن لا ندركه، تلك هي كل غنائمه.

    في السماء استقبلته آلاف الدفوف، حررته من ضغائن الليل، فأفصح عن كل شيء.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (11): أحمد عدوية.. سلطان الغنا الشريد

     

     

     

  • بورتريهات متخيلة (11): أحمد عدوية.. سلطان الغنا الشريد

    بورتريهات متخيلة (11): أحمد عدوية.. سلطان الغنا الشريد

    يصلح أحمد عدوية للهزل، للجد، كخلفية أثناء الكتابة، المشي، العراك، التأسي، الفرح، في النهارات التي نحمل فيها السماء فوق أذرع مثقلة وظهور محنية، في جوف الليالي حيث لا أشباح سوانا.

    يواكب شعورك بالسخافة أو الغرور، بزهو اللحظة، بإحباط العمر، يحذرك من خطيئة أن تعلو، ويدفعك دفعا إلى شاهق، لأن النجمة أخت القمر، هناك.

    **

    في مواجهة صمت قاس يرغب في دفنه، كان صوته يتسلل إلى العروق.

    كأطفال، ظنوا أنهم لو أغمضوا أعينهم، صموا آذانهم، سيختفي كأنه لم يكن، لم يمر، لم يلق حجرا أو سلاما أو سيفا.

    فكرة في جوهرها تشبه أحلام الأباطرة والمثقفين الأباطرة والتافهين الأباطرة، تغوينا لأنها تبدو صحيحة، منقذة، سامية، قابلة للتنفيذ، لكنها دائما ما تنهار أمام أصالة الحياة في تدفقها الهادر الذي لا يعبأ بأحد ولا بعدوية نفسه.

    في مجد سلطان الغنا الشريد، ملك الصعاليك، الذي تودد له الملوك، تكمن بذور هدمه، حفنة رماد عقب حريق هائل، لكن على عكس تفاهة الأباطرة، يتحول رماد ذلك الصوت الذي لم يتبع إلا فرح الفن وأساه إلى نار هادئة سارية على الدوام، لأن لا شيء في نهاية الطريق، لا شيء سوى الطريق.

    https://www.youtube.com/watch?v=6gfUxmqdSUU

    الذي خان مجده وخانه الضوء، الذي احترق بغيرة السلطان الذي عشق بنته، صار رغما عن الجميع، حقيقة يتضاءل أمامها من أنكروه.

    لم يقاتل، فقط واصل الغناء.

    وعندما شُقت الحنجرة نصفين بحثا عن السر أو إبطالا للمعجزة، استمرت الأغنية.

    **

    حنجرته دابة وحشية، ظلام الليل طريق، رؤوسنا دائخة، كنجوم يلفها الضباب، رؤوسنا مثقلة مأسورة في ضوضاء النهار التي تجعلنا جميعا لا أحد، بينما دابته لا تكف عن صعود السماء بحثا عن ملائكة سكرانة، لا تكف عن التفتيش في شقوق الأرض عن شياطين يعذبها العجز عن الندم، ودعوتهم جميعا إلى حفلة أنس.

    فوق دابته، نشق طريقنا، نضطرب، نفتت، نبعثر، نتناغم، لا يعود تفسير ألغاز الحياة مهما، لكننا في الآن عينه صرنا ندرك كل شيء في رفقة ذلك الذي تنزه عن روح الأباطرة، فحتى في غنائه لا يجعل من نفسه سلطانا، لا يسرق من مستمعيه حضورهم، بل ينعكس ضوءه عليهم كقمر، فعبر مفهوم السلطنة، ونشوة التجلي والذوبان يصير الكل في لحظة مطربين.

    **

    هذا الطرب لا يرغب في قول شيء، إنما هي هواجس القلب عارية من الزخرف، لأن تلك الحنجرة بأكملها هي الاستعارة والمجاز، عمياء أمام الضوء، نافذة البصيرة أمام العمى.

    كمارادونا، يتحطم فور أن يتهم مهمته بنجاح، في مجده قصير المدى واسع التأثير، يذكرنا بينابيع السحر الذي لا يمكن إيجاده إلا بتخطي الخير والشر، عبر اندفاع لا يضع حدا بين الشجاعة والتهور، كيف ينال الفُحش ببراءة والبراءة بفُحش.

    يذكرنا أن وحدها الحياة حق، وأن الموت عطب مؤقت للمخيلة.

    **

    في أغنيات أحمد عدوية لا هجر أو وصل بالحبيب، بل تيه وراء سرابه. هذا ما يرغب به، ألا يميز مكانه أبدا عبر هجر أو وصل، لو فعل لانقطعت بهجة الغناء وشجنه.

    **

    كانت الغيبوبة حلم طويل داخل جوف حوت. ما الذي رآه ذلك الذي خرج علينا بإكليل نبي مرتد، نبي فهم عبث أن تحيا بلا شهوانية، متماهيا مع ما يقول، صار مثالا، ثم ضحى بنفسه كقربان لنا وعظة كي لا نفعل، لكن في صلب قلبه، لو عاد به الزمن، لكرر كل الأخطاء بلا تردد.

    أما نحن، مريدي سحره، لا نفقد الإيمان به.  فقلب أحب الحياة مثله، لا نتبرأ منه أبدا. قلب اعتصم بحُب الجمال، لا نتبرأ منه أبدا.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (10): نسرين.. تلك تحيتي لفتاة أحلام

     

     

  • فيلم «أميرة»: الحسبة تطل بوجهها الخبيث مجددا

    فيلم «أميرة»: الحسبة تطل بوجهها الخبيث مجددا

    لا يكفي السينمائيون العرب ما يعانونه من ضعف الصناعة وإحجام الجمهور والرقابات الرسمية ولامبالاة المسؤولين بواحدة من أهم وسائل الدعاية السياسية، ومفهومهم الضيق لهذه “الدعاية” التي لا تتأتى بأعمال مدرسية تعليمية. بقدر ما تصنعها أعمال قوية جريئة. ولكم في السينما والدراما الأمريكية والكورية والأوروبية وحتى الهندية عبرة لأولي الألباب.

    إتهام بالخيانة

    ها هو هاني أبوأسعد، الذي وضع للسينما الفلسطينية اسما على الخريطة العالمية. وأجبر فيلمه “الجنة الآن” أكاديمية علوم وفنون السينما على أن تعترف بوجود دولة اسمها فلسطين (بينما الحكومة الأمريكية لا تعترف بذلك). ها هو أبوأسعد متهم بالخيانة والعمالة والتهديد بالقتل. لأنه شارك في إنتاج فيلم عن القضية الفلسطينية اسمه “أميرة”.

    و”أميرة” هو فيلم فلسطيني أردني مصري. وواحد من الأعمال العربية المشتركة النادرة التي تتناول القضية الفلسطينية. تحول صناعه بين يوم وليلة. المخرج محمد دياب والممثلين صبا مبارك وعلي سليمان وصالح بكري وغيرهم إلى مطاردين مهددين بسبب جماعة لا أنزل الله بها من سلطان اسمها “الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال”. تتحدث باسم السجناء الفلسطينيين، أصدرت بيانا ضد الفيلم (المرشح باسم الأردن لأوسكار أفضل فيلم دولي) يتهم صناعه بالإساءة إلى “أعظم ظاهرة في التاريخ الحديث” وهي “النطف المحررة”.

    الثقافة الفلسطينية

    ولمن لا يعلم فإن هذه الظاهرة العظيمة تتمثل في قيام الزوج الأسير بإرسال حيواناته المنوية لزرعها في رحم زوجته لتنجب منه دون جنس. وقد طالب البيان نقابات الفنانين وذوي الاختصاص في الأردن ومصر ووزارة الثقافة الفلسطينية بسحب الفيلم ومعاقبة جميع من شارك فيه. واعتبر البيان أن كل من شارك في هذا العمل “شخصيات غير مرغوب بها في فلسطين وأي مكان يتعاطف ويقف مع قضيتنا”. وأن الشخصيات المذكورة مطلوبة للملاحقة الأخلاقية والقانونية.

    وأخيرا يطالب البيان كل من شارك بالإنتاج والإخراج والتمثيل والتسويق لهذه الجريمة (الفيلم). بإعلان التوبة والاعتذار العلني للأسرى و”سفراء الحرية” (النطف المهربة) وعوائلهم ولشعب فلسطين ومحبيه”.

    سحب الفيلم من الأوسكار

    بمجرد إصدار البيان، منذ أيام، أعلنت الحكومة الأردنية أنها سحبت الفيلم من الأوسكار. وأصدرت وزارة الثقافة الفلسطينية بيانا ضده. وقام مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بإلغاء عرضه. وسرت رعدة من الخوف والهلع بين العاملين في الفيلم وكل من ارتبط به بدرجة أو أخرى. وهكذا مرة أخرى، يثبت الشعب العربي الأصيل أنه يعشق المنع والقمع ويستمتع بممارسة القهر على نفسه أكثر من محتليه وحكامه.

    مع احترامنا لكفاح الأسرى والسجناء وكل الشعب الفلسطيني. فليس من حق جهة ما، مهما كانت “قدسية” وجلالة اسمها أن تجعل من نفسها رقيبا على الإبداع وحرية التفكير. سواء باسم الدين أو الوطنية أو جمعية الأسير.

    لقد كنت من أوائل الذين انتقدوا فيلم “أميرة” في مقال سابق تحت عنوان “فيلم «أميرة» لمحمد دياب: فكر خجول، وشجاعة مرتبكة!”.

    النقد والمنع

    لكن النقد شيء والمنع شيء آخر لا تفهمه العقلية العربية الأصيلة. وكالعادة كان يمكن استغلال فيلم “أميرة”، بل “عيوبه” و”أخطاءه الفنية” وحتى”جرائمه الوطنية”. إذا صحت الاتهامات السابقة، لتصحيح معلوماته ومفاهيمه الخاطئة التي لابد أن تكون منتشرة خارج وداخل الأوساط الفلسطينية. خاصة وأن كثيرا من صناع الفيلم فلسطينيون. وكان يمكن استغلال الفيلم للدعاية لـ”أعظم ظاهرة في العصر الحديث” ولقضية الأسرى بشكل عام. وللقضية الفلسطينية بشكل أعم. ولكن، مرة أخرى، يتسبب هوس وغباء المنع في الإساءة لكل هؤلاء (أبناء النطف المهربة، الأسرى، الفلسطينيين) أكثر من أي فيلم يمكن أن يصنعه إنسان. فما بالكم بفيلم صنعه رفاق نضال وأصدقاء درب وليس أعداء (قبل أن يحولهم البيان ومن ارتعشوا منه إلى أعداء).

    قضايا الحسبة

    مرة أخرى تعود “قضايا الحسبة” تحت مسمى آخر: الجماعات التكفيرية، المحامون، النقابات الفنية، المذيعون والإعلاميون، وجمعية “الحركة الأسيرة”. ولكن أكثر ما يحزن في الأمر هو بعض الفنانين، الذين يفترض أن يكونوا أول من يدرك معنى الفن وحرية التعبير، الذين انهالوا بالطعنات على زملائهم من صناع فيلم “أميرة” في حوارات صحفية وتليفزيونية. ربما بدافع الغيرة وربما بدافع النفاق، وربما بدافع الفهم القاصر للوطنية.

    يعتقد البعض أننا يجب أن نناصر فقط الأفلام التي نحبها. أو أن الدفاع عن فيلم يعني أننا نتفق على كل ما جاء فيه. لقد انتقدت فيلم “أميرة” بقسوة، ولكنني اليوم أتضامن مع صناعه بمنتهى القوة!

    اقرأ أيضا

    فيلم «أميرة» لمحمد دياب: فكر خجول، وشجاعة مرتبكة!

  • مملكة الظلال.. كيف عبرت السينما عن التطور الزمني لمنطقة وسط البلد؟

    مملكة الظلال.. كيف عبرت السينما عن التطور الزمني لمنطقة وسط البلد؟

    تحت عنوان «وسط مدينة القاهرة في مملكة الظلال 1952 – 2016»، تحدث دكتور مجيب الرحمن عامر الأستاذ بمدرسة العمارة العليا بجرونوبل بفرنسا في سيمنار نظمته شبكة «آمون» للباحثين فى السينما والأدب التى تشرف عيلها د. سلمى مبارك. تأتى المحاضرة ضمن برنامج ” آمون”  عن كتابة المدينة في الأدب والفنون، وتحدث فيها الباحث دور الأفلام السينمائية في حياة المدن، وارتباط صناعة العمل السينمائي وفرض – المدينة الخيالية – نفسها على المدينة الحقيقية. عن طريق علم الدلالات واستخدام السينما لرصد تاريخ وتطور المدينة تحت ضوء المتغيرات السياسية والاجتماعية في الظل الخيالي للعمل السينمائي.

    خيال المدينة

    تناولت المحاضرة التى تعد جزءا من رسالة الدكتوراة لمجيب الرحمن تاريخ منطقة “وسط البلد” بالقاهرة في الفترة من عام 1869 حتى عام 1973. من خلال ظهورها في الأفلام السينمائية.

    ويبرهن صاحب كتاب “تجليات مدرج 3002″، من خلالها على قدرة استخدام العمل الخيالي ومنه السينمائي في محاولة إثبات فهم طابع المدينة. من خلال أداة جديدة مختلفة عن الكتب والخرائط والوثائق المعتادة في الأبحاث وهي “خيال المدينة”.

    مملكة الظلال

    استخدم مُجيب مصطلح «مملكة الظلال» للتعبير عن السينما، وهو مصطلح استخدم  في نهاية القرن التاسع عشر في روسيا. ويرجع استخدامه لأول مرة للأديب ماكسيم جوركي الذي كتب مقالة عن «مملكة الظلال» ووصفه لتجربة ذهابه الأولى للسينما.

    وتناول المعماري المصري خلال المناقشة بُعد من أبعاد فهم المدينة. وهو البعد السينمائي أو «السينماتوجرافي» عن وسط القاهرة في الفترة منذ عام 1952 حتى عام 2016. من خلال سؤال رئيسي وهو “هل تملك الصورة السينمائية القدرة العرض لفهم المدينة؟ وإذا كان العمل السينمائي خيالي.. هل يمكن أن يُلهم الواقع؟”.

    ويقول: “هذا ما نحاول الإجابة عليه عن طريق السينما المصرية وإلهام المدينة – وسط مدينة القاهرة – في عمل خيالي وليد حالة سياسية واجتماعية محددة ودوره في رسم الواقع. وذلك من خلال خمسة مقاطع لخمسة أفلام تجسد مراحل تطور مدينة القاهرة ووسط البلد خلال 60 عاما. قامت خلالها المدينة بدور البطل الصامت في هذه الأفلام”.

    فلسفة الثورة

    كادر الدراسة هو المدينة والمقصود بها وسط مدينة القاهرة الذي يمثل نقلة عمرانية ومعمارية للعاصمة وتاريخها. ورغبة الخديوي إسماعيل في إنشاء مدينة جديدة على أطراف المدينة القديمة العربية الإسلامية التي ظهرت لأول مرة في عصره. وعُرفت باسم المدينة الجديدة أو الأوروبية متأثرة بالعمران الفرنسي. ووصفها كأنها كائن فضائي هبط من السماء للأرض. وسرعان ما أصبحت رمزا للحركة الوطنية ومركزا للسلطة والثورة وشاهدة على كل الأحداث.

    وربط المرحلة الأولى من إنشاءها وهي أوروبا الناصرية بكتاب الزعيم الراحل جمال عبدالناصر “فلسفة الثورة” والمفاهيم السياسية المرتبطة بثورة يوليو 1952. ويقول: “يعد واحدا من الكتب المهمة لعدة مفاهيم مثل إلغاء الملكية والرتب والألقاب وسقوط الأحزاب ويتضمن عرض فلسفة أيدولوجية الثورة ومهمتها التاريخية في 3 دوائر وهي العالم العربي والإسلامي والإقليمي”.

    ويتابع أن قلب القاهرة وهو وسط البلد. تم فتحه للطبقات الوسطى والدنيا وللعرب واعتبرت عاصمة العرب وقلعة العروبة الصامدة. مضيفا أن مرحلة حكم عبدالناصر شهدت خلالها وسط البلد حراك اجتماعي وتغيير عمران المدينة مع تغيير أسماء الشوارع وإحلال في الميادين والتماثيل. مثل وضع تمثال “نهضة مصر” في رمسيس. وإلغاء خطة وضع تمثال الملك فؤاد في ميدان عابدين. مع تعرض تماثيل أخرى للهدم مثل تمثال “ديليسبس” في بورسعيد بعد العدوان الثلاثي.

    التجربة الناصرية

    ورغم أن “مجمع التحرير” يُنسب إنشائه إلى العصر الملكي إلا أنه من مميزات منشآت التجربة الناصرية. كذلك إعادة تخطيط ميدان التحرير، وواجهة المدينة على النيل بطراز عالمي. واختلاف الناحية المعمارية كليا في هذه المرحلة. وبعد حكم السادات ونصر حرب أكتوبر يتم الاتجاه لفكرة الانفتاح الاقتصادي على السوق العالمي. حتى يأخذ المجتمع شكل جديد بعد اضطرابات الانفتاح في عام 1974، وتكريس قيم جديدة وموجة ثقافية مختلفة.

    ويقول دكتور مُجيب: “يضطرب السادات للأيدولوجية الجديدة بعيدا عن الاشتراكي القومي لعبدالناصر، واضطراب التيارات اليسارية. ويتحالف مع نظيرتها الإسلامية التي سرعان ما تنقلب عليه. وتظهر أيضا العمارة المختلفة في عهده، بعد زيادة الفوارق بين الأغنياء والفقراء. ومن هنا تبدأ العشوائيات في الظهور مجاورة للأبراج الزجاجية”.

    ازدواجية الفقراء والأغنياء

    وكما قال ميلاد حنا عن الازدواجية بين مساكن الفقراء والأغنياء: “تُخفي الأبراج على النيل المدينة بكل مشاكلها”. ومن هذا المنطلق يقدم دكتور مجيب دراسته القائمة على ثلاث اتجاهات يتم معالجتها عبر اختيار أفلام للدراسة تتسم بـ4 “تيمات” أو صفات أساسية. توصل إليها من خلال تحليلها بالموازاة بين الواقع والسينما والعمارة.

    والسمات الأساسية لتحليل الأفلام في الدراسة هي (الإحباط – الحيرة – الإنفجار السكاني – النوستالجيا أو الحنين للماضي). وقدمها من خلال خمسة أفلام، «باب الحديد» عن الإحباط. و«أرض الأحلام وحمام الملاطيلي» عن الحيرة. و«الحريف» عن الإحباط. و«عمارة يعقوبيان» عن الإنفجار السكاني. وأخيرا «آخر أيام المدينة» إنتاج عام 2016 للحنين إلى الماضي.

    واستعان خلال الدراسة بهذه الأعمال في تحليل الأفلام الروائية الخمسة. باستخدام أدوات وهي (سنة الإنتاج – المحتوى – أحداث الفيلم – السيناريو – اللهجات – التقنيات المستخدمة – حركة الكاميرا – تصنيف الفيلم- طرز العمارة – وسائل المواصلات – التماثيل – تصرفات الناس – الفراغ العمراني- الإنتاج العام والخاص).

    ويوضح مجيب، أن كل هذه العوامل اختلفت باختلاف كل فيلم. مضيفا أن اختيار الأفلام وفقا لقائمة أفضل 100 فيلم في السينما المصرية والتي صدرت عام 1996. أما الأفلام التي تم اختيارها بعد ذلك كانت بحسب مشاركتها في المهرجانات العالمية.

    مشهد محطة القطار في فيلم باب الحديد
    مشهد محطة القطار في فيلم باب الحديد
    وسط البلد في عيون السينما

    ويقول عن الفيلم الأول للدراسة إنتاج عام 1958: “نرى في فيلم باب الحديد عالم الباعة والنشالين من خلال البطل قناوي المصاب بمشكلة عقلية. وأضاع أحلامه في سبيل الحب الأفلاطوني لـ”هنومة” التي تحب شخصا آخر. وكسر الفيلم حركات غير تقليدية للعمال و الحركة النسوية. كذلك الحركة السريعة لفتح وسط المدينة لعدد كبير من المسافرين. ويتضح أيضا أصوات المسافرين وأصوات القطارات والناس والفراغ المهول لمحطة مصر واللهجات مثل لهجة قناوي الصعيدية”.

    أما السمة الثانية وهي الحيرة والإحباط تناولها من خلال فيلم «حمام الملاطيلي». ويقول عنها: “تظهر المدينة كأنها كائن ضخم. ويتضح ذلك في بعض الكادرات مثل تصوير كادر من بعيد لمحمد العربي وهو يعبر ميدان طلعت حرب مع حالة من الحركة العشوائية. ويتضح بالفيلم شرور المدينة والسرقة والتسول ومخالفة كل القواعد. إذ تبدو المدينة هنا خرج السيطرة، وهي الفترة بين حربي 1967 و1973”.

    ويضيف: “تظهر المدينة متشحة بالسواد والفوضى، والكاميرا تتسلق المباني التي شهدت عصر عبدالناصر. ويظهر في مشهد ميدان التحرير البشر كأنهم نمل على حد وصف ألبير قصيري في إحدى أعماله”.

    وعن الفيلم الثالث وهو «الحريف» تتسم المدينة بالانفتاح والانفجار. ويبدأ الفيلم بشعر وهي بداية غير تقليدية تجسد سلوكيات وحالة جديدة للمدينة. ويقول: “يبدو من البداية أن للناس الحرية في أن يفعل كل شخص ما يشاء”. مشيرا إلى أن السينما والعمارة تعد لغة مشتركة. والسينما المصرية استطاعت بالفعل تقديم أعمال يرى فيها المشاهد منطقة “وسط البلد” بعين أخرى تحدد الحياة القاهرة في كل وقت.

    اقرأ أيضا

    ومسرح «أم كلثوم » قيد الإعدام 

باب مصر