باب مصر

التصنيف: سينما

  • «زمان»: معرض رقمي لأفيشات الأفلام من العصر الذهبي للإسكندرية

    «زمان»: معرض رقمي لأفيشات الأفلام من العصر الذهبي للإسكندرية

    تحت عنوان «زمان» افتتح الفنان الفرنسي جايتان تروفاتو معرضه الرقمي قبل أيام في المعهد الفرنسي بالإسكندرية خلال احتفالية الفرنكوفونية 2022. المعرض يضم العديد من أفيشات الأفلام المصرية الممهورة التي أنتجتها ووزعتها وكالة بهنا في الثلاثينات والستينات.. «باب مصر» يلقى الضوء على المعرض.

    أنشودة الأفيشات

    تتوزع الأفيشات على جدران المعرض. سجد من ناحية اليمين للداخل أفيش وبعض الصور المتآكلة لفيلم أنشودة الفؤاد، وهو أول فيلم غنائي مصري وثاني فيلم ناطق في السينما المصرية بطولة جورج أبيض أنتجته وكالة بهنا سنة 1932. ثم قررت بهنا من بعده أن تعمل في التوزيع.

    ومن سنة 1938 بدأت ” منتخبات بهنا فيلم” في توزيع العديد من الأعمال السينمائية منها أعمال محمد فوزي وتوجو مزراحي ومديحة يسري، لذلك سنجد أفيش بالفرنسية وملون لفيلم “العز بهدلة” وبعض الصور بالأبيض والأسود من الفيلم بطولة توجو مزراحي في أخر المعرض ناحية اليسار.

    جانب من افتتاح المعرض
    جانب من افتتاح المعرض

    وأيضا سيقابلنا أفيش فيلم ليلى بنت الريف من إخراج توجو مزراحي. وأفيش فيلم “القاهرة بغداد” بطولة مديحة يسري، وصور من مشاهد فيلم “من أين لك هذا” لمحمد فوزي، وأفيش فيلم “نحو المجد”، بطولة وإخراج حسين صدقي، وأفيشين ملونين تظهر فيهم آسيا أحدهم فيلم “هذا جناه أبي” من إخراج بركات، والآخر “العريس الخامس” من إخراج أحمد جلال.

    بينما تظهر هند رستم وشكري سرحان وفيروز في أفيش ملون لفيلم “بفكر في اللي ناسيني” بجانب صورتين بالأبيض والأسود لمشهدين مختلفين من الفيلم. وأفيش فيلم “تحيا الرجالة” إخراج كامل حفناوي وبطولة كارم محمود، وأفيش فيلم “الغائبة” بطولة مريم فخر الدين.

    القصر الملعون

    يقول جايتان تروفاتو: “أفيش فيلم “القصر الملعون” بطولة مريم فخر الدين أكثر أفيش لفت انتباهي وبحثت في الفيلم عن نفس المشهد الذي يظهر على الأفيش لكنني وجدته مختلفا تماما داخل سياق الفيلم”.

    يضم المعرض أيضا فيديو Abyss عدل فيه تروفاتو عدد من الأفيشات القديمة  لتظهر وكأن الماء يتدفق فوقها، سنجد عيون الأبطال فيه تتحرك في عدة اتجاهات كأنها تحدق بنا وتحدثنا عن مصيرها الذي نسيناه.

    أخبرني بما رأيت

    يعرض أيضا فيلم قصير بعنوان “حبيبات الفضة” على هيئة جزأين. الجزء الأول  يظهر فيه “بازيل بهنا” يحكي فيه بفرنسية رصينة عن الميراث الفني لوالده وعمه. يفتح بازيل الصور القديمة لأفيشات الأفلام ويسرد كيف شجعته أخته “ماري كلود” للشروع في الإجراءات القانونية اللازمة لاسترجاع هذا الإرث الفني في أوائل الألفينات الذي كان تحت الحراسة القضائية منذ عام 1968. وكيف كان سيتم التخلص من الوثائق والصور والسيناريوهات وملصقات الأفلام لولا كسب الدعوى التي رفعها بازيل وشقيقته، وبذلك استطاعوا أن يستعيدوا ويجمعوا الوثائق، ليضعها بازيل في وكالة بهنا بالمكاتب القديمة للشركة الواقعة بميدان المنشية.

    يحكي لنا بازيل في الفيلم عن تغريبة عائلة بهنا من الموصل، للبنان وصولا إلى الإسكندرية بمصر. ثم عملهم بتجارة التبغ وشغفهم بالسينما وكيف قرروا دخول هذا المجال وصولا لعرض ثاني عرض سينمائي في العالم سنة 1896 في وكالة بهنا بعد أول عرض سينمائي بفرنسا.

    شغوفا بالسينما

    يتذكر “بازيل” كيف كان أبوه شغوفا بالسينما للحد الذي كان يجعله “يبقشش” بتذاكر السينما بدلا من المال. بينما تتجول الكاميرا بين مقتنيات بازل الشخصية من لوحات وكتب وصور للعائلة. يخبرنا بازيل أنه يكره مفهوم “العصر الذهبي للإسكندرية” لأنه يأتي من منطق يؤكد على أن هذا العصر كان ذهبيا لأنه بصبغة أجنبية لكن على العكس من ذلك يرى بازيل أنه كان عصرا ذهبيا لأنه كان مصريا بامتياز، حتى أن الفنانين ذوي الأصول غير مصرية مثل توجو مزراحي كانوا يتحدثون بلكنة مصرية ويلقوا نكاتا مصرية.

    أسفل شاشة العرض نجد عدد من طوابع الدعاية التي استخدمتها بهنا لإنتاج برامج مميزة لتقديم الأفلام في دور السينما المصرية، حيث تعود هذه الألواح المعدنية المحفورة غير المستخدمة على يد جايتان إلى الحياة في فيديو يوجد بالمعرض بعنوان أخبرني بما رأيت.

    أرواح شاردة

    أما الجزء الآخر من الفيلم يظهر فيه المتطوعون الذين قاموا بتنظيف ورقمنة الوثائق والصور التي جمعها بازيل بعد أن كسب الدعوى القضائية أو من أشخاص اقتنوا هذا الأرشيف أو حتى من سوق الجمعة. هذا الجزء من الفيلم يشيد بعمل المتطوعين وحجم المسؤولية والخوف الذي شعروا به. يعبر جاتيان في هذا الجزء من الفيلم عن أن عملهم كان بمثابة إخراج صور مغمورة بقاع المحيط.

    يخبرنا جايتان أن شخصيته الفنية انتعشت عندما قابل بازيل بهنا وعندما اكتشف  وكالة بهنا في 2016 أثناء إقامته الفنية بالمركز الفرنسي. وأنه انبهر بالمكان والمكاتب التي تنتمي إلى عصر بعيد وأنه لحظتها عرف أن هذا هو بالضبط المكان الذي يحب أن يعمل على مشروع فني فيه.

    وعليه قد أخرج فيلم بعنوان قبل أن أنسىوهو نزهة عبر المكاتب حيث نرى وجوه من الأفلام القديمة التي أنتجتها و وزعتها وكالة بهنا تتحرك كأرواح شاردة في المكان.

    ألعاب الذاكرة

    عندما عاد جايتان مجددا بدعوة من المعهد الفرنسي إلى الإسكندرية لاكتشاف بهنا بشكل أعمق من خلال إقامة فنية استمرت خمس أسابيع حيث أرادت الإدارة في وكالة بهنا بعد العمل لمدة عام كامل على رقمنة وتنظيم أرشيفها أن يعرض هذا الأرشيف ليمكن المصريين من رؤية تاريخ السينما الذي نسوه مرة أخرى لكن بشكل أكثر حداثة.

    يخبرنا  تروفاتو أن هذه التجربة كانت متناغمة مع رؤيته الفنية في العموم. ذلك أنه يحب التحدث عن الذاكرة في أعماله الفنية، ويحب مراقبة وتسجيل التغيرات التي تطرأ عليها مع الزمن. ويلفت انتباهه كيف نتذكر الأشياء وننتقي مشاهد معينة لنحتفظ بها بينما نتجاهل أو ننكر الباقي.

    اقرأ أيضا

    عمال وفنانون وقتلة في «سوق الساعة» بكرموز

  • قبل ساعات على الأوسكار: القائمة الكاملة للفائزين والمستحقين

    قبل ساعات على الأوسكار: القائمة الكاملة للفائزين والمستحقين

    بعد ساعات تعلن جوائز الأوسكار التي تمنحها أكاديمة علوم وفنون السينما الأمريكية، من خلال تصويت سري لأعضاء الأكاديمية الذين يقترب عددهم الآن من عشرة آلاف عضو.

    الأوسكار هي أكثر الجوائز الفنية “ديموقراطية” في العالم، بسبب كثرة عدد المصوتين للجائزة، ونظام السرية المفروض عليها، كما لو كانت انتخابات سياسية، وخضوعها، جزئيا، لحملات من الدعاية لصناع وأنصار الأفلام المتنافسة.

    ***

    في مقال سابق أشرت إلى الدور الذي تلعبه السياسة في تحديد الفائزين، والخاسرين، ليس بالمعنى “المؤامراتي” الذي يتبادر إلى أذهان البعض، ولكن بمعنى أن أصحاب الأصوات هم كائنات سياسية، مثلنا جميعا، لهم آرائهم وانحيازاتهم، ويتأثرون بالحملات الدعائية،

    كما يتأثرون بالمناخ العام واتجاهات الرأي العام السائدة في وقت ما ومكان ما. ولإن العالم الآن في حالة اكتئاب بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتاثيرها الوخيم على الاقتصاد العالمي، ومن قبلها تأثير وباء “كوفيد 19 المستجد” ومستجداته، ولإن العالم أيضا يعيش حالة من “الصوابية السياسية” تصل أحيانا إلى حد المراهقة، وتغليب الحماس على العقل والحكم الموضوعي السديد، فإن كل هذا يؤثر بالتأكيد على أصحاب الأصوات، خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا أن بعضهم، وربما أغلبهم، أناس عاديين يعملون بصناعة السينما، قد يكونوا محترفين وخبراء “تقنيين” في تخصصهم، وفيما وراء تخصصهم يشاهدون الأفلام كأي مواطن عادي، بمعنى أنه قد يوجد مؤلف موسيقي أو مدير تصوير أو مونتير أو مدير انتاج، ولكنه غير مثقف سينمائيا أو لا يملك الحاسة النقدية التي تخوله للحكم على بقية العناصر الفنية.

    “للديموقراطية” آثارها الجانبية السيئة أحيانا، خاصة في حالة جهل وعدم كفاءة أوعدم  نزاهة أصحاب الأصوات،  وهذه الأعراض الجانبية تظهر في الفن أكثر، فكم صوت الجمهور بأمواله لأفلام تافهة، وبخل على أعمال عظيمة سابقة لعصرها، وتاريخ الأوسكار نفسه يشهد على ذلك بأمثلة كثيرة ليس آوان حصرها.

    بعد ساعات تعلن جوائز الأوسكار، وفيما يلي التوقعات الأرجح للجوائز، وفقا للمستوى الفني مع وضع ما سبق في الحسبان، ورأيي الشخصي المتواضع في الأكثر استحقاقا للفوز.

    ***

    جائزة أفضل فيلم يستحقها بالتأكيد “قوة الكلب” للمخرجة النيوزلاندية جين كامبيون، ولكن الفيلم كئيب بعض الشئ، وبعض الناس تحكم على الأفلام بنوع المشاعر التي تنتابها أثناء الفيلم، فلو ضحك وبكى ثم ضحك وبكى وخرج من الفيلم سعيدا بنهايته المتفائلة، يرى أنه شاهد فيلما عظيما. وبذلك المقياس فقد تذهب الجائزة إلى فيلم “كودا“، وهو فيلم بسيط جميل ومؤثر، ولكن لا يرقى بالطبع إلى تعقيد وغموض وجمال “قوة الكلب” الفني، وغالبا سوف تذهب الجائزة إلى “كودا” لسبب آخر، هو أنها جائزة للمنتج، وطبيعة الانتاج، وفيلم “كودا” فيلم صغير التكلفة (15 مليون دولار تقريبا) نجح صناعه في أن يجعلوا منه فيلما كبيرا يتنافس على أكبر الجوائز العالمية.

    من فيلم قوة الكلب
    من فيلم قوة الكلب

    جائزة أفضل مخرج ستذهب إلى جين كامبيون، وهي الأحق بها، ويصعب أن يجادل أحد فيها، حتى الذين لم يعجبوا بالفيلم.

    جوائز التمثيل، على العكس، هي الأكثر خضوعا للتأثيرات الخارجية، والتمثيل هو العنصر الأصعب في التقييم الموضوعي، ولذلك غالبا ستذهب جوائزه كالتالي:

    أفضل ممثل ستذهب غالبا إلى ويل سميث عن أداءه العاطفي الجياش في “الملك ريتشارد”، ولكن الأحق بها، في رأيي، هو بيندكت كامبرباتش عن الشخصية المركبة غير النمطية التي لعبها ببراعة في “قوة الكلب”.

    أفضل ممثلة ستذهب غالبا إلى جيسيكا شاستاين، عن فيلم “عيون تامي فاي”، وهي الأحق، ليس فقط لدورها في الفيلم، ولكن إنه قد آن الآوان لحصولها على الجائزة عن مجمل مشوارها الذي لم يكلل بالأوسكار حتى الآن. وشخصيا أحببت بينلوبي كروز في فيلم “أمهات متوازيات” للأسباني بيدرو ألمودوفار.

    جائزة افضل ممثلة مساعدة سوف تذهب إلى أريانا ديبوزي عن فيلم “قصة الحي الغربي”، لكن الأجدر بها كريستين دانست عن فيلم “قوة الكلب”، ولكنه دور كئيب يعتمد على المشاعر الداخلية غير المعلنة، على عكس الدور الصاخب اللامع الذي يملأ الشاشة بهجة وحركة لآريانا ديبوزي، رغم أنه دور يعتمد على الرقص أكثر من التمثيل!

    جائزة أفضل ممثل مساعد ستذهب غالبا إلى الممثل الأصم الأبكم تروي كاستور عن فيلم “كودا”، ولو حدث ذلك فهو أمر مؤسف لإن الأحق بالجائزة هو كودي سميث ماكفي ويليه جيسي بلومينز عن “قوة الكلب”.

    ***

    جائزة أفضل سيناريو مكتوب مباشرة للسينما تتنافس عليها أفلام جيدة كثيرة منها “لا تنظر لأعلى” و”أسوأ شخص في العالم” و”بيلفاست”، ولكن الأحق بها هو صانع الأفلام الكبير بول توماس أندرسون عن فيلم “بيتزا العرقسوس”.

    جائزة أفضل سيناريو مقتبس يتنافس عليها أيضا خمسة أفلام جيدة، كل منهم يستحق الأوسكار، ولكن غالبا ستذهب الجائزة إلى أضعفهم فنيا وهو “كودا” بسبب موضوع المشاعر إياه، ولكن الأحق هو “قوة الكلب” أو “ديون”.

    جائزة أفضل فيلم عالمي ستذهب بلا شك إلى الفيلم الياباني “قد سيارتي”، المرشح للعديد من الجوائز الأخرى، وهو الأحق.

    جائزة أفضل فيلم تحريك ستذهب غالبا إلى “إنكانتو”، بفضل براعته الفنية وطوفان المشاعر الجميلة الذي ينتاب مشاهديه.

    جائزة أفضل تصوير ومؤثرات خاصة وموسيقى تصويرية وتصميم مناظر غالبا ستذهب إلى الفيلم الجميل “ديون” الذي ظلمه نوعه الفني (الخيال العلمي).

    جائزة أفضل فيلم وثائقي ستذهب غالبا الى “صيف موسيقى الصول” لأنه يحقق كلا من المستوى الفنى الجيد، وموضوعه الذى يوثق لصعود الأمريكيين الأفارقة في الستينيات من خلال أكبر مهرجان موسيقي أمريكي أفريقي في تاريخ أمريكا.

    اقرأ أيضا:

    ما جنته السياسة على الفنون..من دوستويفسكي لجوائز الأوسكار!

     

     

  • ما جنته السياسة على الفنون..من دوستويفسكي لجوائز الأوسكار!

    ما جنته السياسة على الفنون..من دوستويفسكي لجوائز الأوسكار!

    رغم العقود الطويلة التي قضاها مفكرون وفنانون في محاولة تخليص الفنون من الخضوع للحكام والسلاطين وقوانين وقواعد الطبقات الحاكمة، لم يزل الفن، في القرن الواحد والعشرين غير قادر على الاستقلال عن السياسة، مرة من خلال القوة ومرات من خلال آليات الهيمنة والإغواء وغسيل المخ.

    تحريم دوستويفسكي

    البعض أبدى دهشته من تورط مؤسسات ثقافية وفنية غربية في اعلان قرارات ضد الغزو الروسي لأوكرانيا بمقاطعة فنانين وأدباء لا ذنب لهم فيما يجرى، بل أغلبهم معارضون يتعرضون لبطش بوتين، والأعجب أن تضم القرارات منع تدريس أعمال فنانون وأدباء رحلوا منذ زمن بعيد مثل دوستويفسكي أو عزف مقطوعات لموسيقيين مثل رحمانينوف.

    دوستويفسكي

    أفهم أن هذه القرارات الطائشة المتعجلة لن تدوم، وأن هناك من يسخر منها ويكشف عبثيتها في الغرب، ولكنها تستخدم الآن من قبل الدعاية المضادة في روسيا والبلاد المؤيدة لها أو التي ترغب في مهاجمة الغرب، ليس حبا في الديموقراطية والحرية، ولكن لتبرير فسادها وقمعها هي.

    طباخ الرئيس

    انتقاد سلوكيات وأوجه قصور غربية لا يعني الدفاع عن السيد بوتين، كما يفعل البعض متنمين له النجاح في حربه الغاشمة على بلد آخر وتدميره لها وقتله للآلاف من الأوكرانيين والروس، وهؤلاء يتجاهلون ما يحدث للمعارضة الروسية منذ سنوات وسنوات.

    لدى السيد بوتين أجهزة دعايته الجبارة التي لا تقل، بل تزد تدليسا وتزويرا للحقائق عن أجهزة الاعلام الغربية، كما أن لديه صناع أفلام وفنانون قبلوا أن يصبحوا مطية لترويج سياساته الاستبدادية.

    واحد من أبرز هؤلاء هو المنتج يفجيني بريجوزين، صديق بوتين ورجل دعايته الأول منذ 2013، والذي يطلق عليه لقب “طباخ الرئيس”، بسبب امتلاكه لعدد من المطاعم بجانب امتلاكه لحصة كبيرة من شركة انتاج سينمائي تعمل على خدمة الدعاية لبوتين منذ سنوات.

    هذه الشركة التي تحمل اسم “أوروم  إل آي سي” Aurum LIC قامت منذ 2020 بانتاج سبعة أفلام على الأقل تستخدم التقنيات الهوليوودية المتطورة للتمهيد وتبرير عدوان روسيا الخارجي، منها ثلاثية بعنوان Shugaley تبرر التدخل الروسي في ليبيا، وكذلك فيلم روائي بعنوان Blazing Sun يعرض سيناريو التدخل الروسي في أوكرانيا باعتباره دفاعا وحماية لمواطنين أوكرانيين يتعرضون للإبادة على يد النظام الأوكراني، وهي الرواية التي اعتمدتها دعاية بوتين الرسمية لتبرير الغزو. الفيلم تم عرضه في أغسطس 2021 وصاحبته دعاية هائلة، صبت مع الاجراءات التي اتخذتها إدارة بوتين لاسكات الأصوات المخالفة.

    بجانب عمله كمنتج ينظم برجوزين حملات يدعو من خلالها الفنانين الروس لعمل أغان وبرامج لتأييد حرب بوتين في أوكرانيا من أجل “انقاذ العالم”، حسب تعبيره!

    الصوابية السينمائية

    بعيدا عن السياسة المباشرة، هناك أيضا السياسة الناتجة عن حركات مدنية وجمعيات أهلية ومؤسسات ثقافية مثل “حرب الصوابية السياسية” الجارية في مناطق كثيرة من العالم حاليا.

    ومبدئيا لا بد أن أبين أنني أتفق مع مبادئ وأهداف هذه الصوابية السياسية تماما، في دفاعها عن المهمشين والمضطهدين من كل الأعراق والألوان والأديان والأنواع الجنسية، وأرى أنها أحدثت، وتحدث، فارقا هائلا في تاريخ الانسانية..ولكن..عندما أرى أن هناك فيلما أو فنانا يتم تتويجه بالجوائز لمجرد أنه ينتمي لهذه الأقليات المضطهدة، على حساب أفلام وفنانين آخرين أكثر موهبة وابداعا والأكثر من ذلك أكثر جدية وإنسانية، فإنني أشعر بالسقم والغثيان من تحول فكرة نبيلة (لارساء العدالة وتكافؤ الفرص) إلى ضدها بترسيخ ظلم وانحياز ممنهج.

    وبما أننا على أبواب جوائز الأوسكار التي تعلن بعد أيام، وقد سبقها اعلان عدد كبير من الجوائز التي نالتها “بقع” الصوابية السياسية بدرجة أو أخرى، أرغب في الاشارة إلى بعض آثار هذه الصوابية على جوائز الأوسكار.

    خلال السنوات الأخيرة، وبالتحديد منذ 2016، بدأت أكاديمية علوم وفنون السينما، المانحة للأوسكار، في انتهاج سياسة “تصحيحية” بضم أعداد هائلة من النساء والملونين والجنسيات الأخرى إلى قائمة أعضائها، وذلك عقب الاتهامات التي وجهت لها لعقود بـ”العنصرية” والانحياز للرجال. وفي إطار هذه “التصحيحية” أصدرت الأكاديمية (مع مهرجانات ومؤسسات سينمائية عالمية أخرى) بيانا تعلن فيه انحيازاتها فيما يتعلق بمضامين الأفلام، وتعلن فيه أنها تفضل الأفلام التي تهتم بالتنوع العرقي والجنسي والمهمشين والأقليات، كما أعلنت نيتها لتطبيق مبدأ الـ”فيفيتي فيفتي” – أي الخمسين بالمئة- وهو إشراك النساء بنسبة 50% في الأعمال والفعاليات الفنية.

    مرة أخرى، أنا مؤيد بشدة لأهداف الصوابية السياسية، ولكن ضد أن تتسبب في حرمان فنان أو فيلم من جائزة يستحقها من أجل فنان إمرأة أو مثلي أو ملون أو من ذوي الهمم.

    بالمقاييس الفنية يستحق فيلم “قوة الكلب” أهم جوائز الأوسكار، ومنها أفضل ممثل لبيندكت كامبرباتش وممثل مساعد لكودي سميت- ماكفي وأفضل ممثلة مساعدة لكريستين دانست.

    إثبات العكس

    عادة، ومن خلال مشاركتي في العديد من لجان التحكيم ومتابعة نتائج الكثير منها، أعلم أن جوائز التمثيل هي الطرف الأضعف في التقييم، نظرا لإن التمثيل تحديدا يصعب مناقشته علميا. وغالبا ما تتدخل المجاملات والانحيازات و”الصوابيات” بأنواعها في هذه الجوائز. لذلك هناك الكثير من أصوات أعضاء الأكاديمية، الذين ارتفع عددهم بقدرة قادر من ستة آلاف إلى عشرة آلاف خلال عدة سنوات بسبب الصوابية السياسية، هناك الكثير من هذه الأصوات قد تذهب إلى أسماء ممثلين آخرين مثل الأمريكي الإفريقي ويل سميث عن فيلم “الملك ريتشارد”، خاصة أن سميث كان من أشد الذين هاجموا الأكاديمية منذ ثلاث سنوات متهما اياها بالعنصرية، والفرصة مواتية لإثبات العكس له!

    كثير من الأصوات قد تذهب أيضا إلى أريانا ديبوزي القادمة من بورتوريكو، كأفضل ممثلة مساعدة، وهي شابة جميلة رائعة القوام جذابة وتجيد الرقص ولكن كل هذه العناصر ليست “تمثيلا”. والكثير من الأصوات قد يذهب أيضا إلى الممثل الأصم الأبكم تروي كاستور عن فيلم “كودا”، ورغم حبي للفيلم وتأثري الشديد بمشهد مكتوب جيدا أداه كاستور، لكن ذلك كله لا يعني أنه الأفضل تمثيلا. أتمنى أن يخيب ظني وأن يتوقف أنصار الصوابية السياسية عن تخريب أهدافها!

    اقرأ أيضا:

    ملاحظات «فنية»..حول الحرب في أوكرانيا

  • في «يوم الحداد الوطني في المكسيك»: خيري بشارة شابا ومولد نجمة نادرة

    في «يوم الحداد الوطني في المكسيك»: خيري بشارة شابا ومولد نجمة نادرة

    يحتاج السيناريست الجيد والممثل الجيد إلى فرصة مع مخرج جيد يستطيع أن يبث الحياة في أفكار وكلمات، وأن يتيح للممثل أن يتحول إلى شخص آخر…لكن المخرج الجيد يحتاج أيضا إلى فرصة.. إلى سيناريو وممثلين وفريق عمل متناغم، وقبل ذلك كله يحتاج إلى فكرة تطلق لديه زر الابتكار والابداع. قد يبدو الأمر سهلا، فالأفكار ملقاة على الطريق، ليس لها صاحب، الكل يسطو ويقتبس من هنا وهناك، ويكاد المرء يقتنع بأنه لم يعد هناك جديد تحت الشمس أو تحت سقف الفن. مع ذلك فالفكرة اللامعة، التي تأتي في وقتها، حتى لو لم تكن جديدة، يمكن تمييزها على الفور.

    أعتقد أن هذا ما حدث مع الفيلم القصير “يوم الحداد الوطني في المكسيك” الذي أبدعه المخرج خيري بشارة، ضمن “أنثولوجي” (أو أنطولوجيا: مختارات أو مقتطفات أو مجموعة منتقاة) يتكون من ثمانية أفلام قصيرة لصناع أفلام عرب حول قصص مختلفة يجمعها عنوان ” في الحب.. والحياة”، وبالانجليزية “الحب والحياة وكل شئ بينهما”، يفترض أن تدور كلها خلال يوم عيد الحب، أو “الفالانتين”.

    قد تبدو الفكرة ساذجة، وهي كذلك بالفعل، ولكن الأفكار الساذجة أحيانا يمكن أن تكتسي بطزاجة وعمق، وهو ما حدث بالفعل في بعض الأفلام الثمانية، ومنها “يوم الحداد الوطني في المكسيك” الذي كتبته نورا الشيخ وأخرجه بشارة.

    فكرة الفيلم خيالية، حول بلد ( قد يكون المكسيك!) يقرر أن يمنع الحب، والاحتفال بعيد الحب، واللون الأحمر رمز الحب، ولكن عندما يصيب الحب قلب مذيع مشهور بأنه صوت السلطة التي تمنع الحب، ويتم اعتقال حبيبته التي لا تخشى الاعلان عن حبها، يقوم بالتمرد ويعلن الثورة على هيئة منع الحب.

    **

    يملك خيري بشارة قلب طفل لا يشيب، وأجمل أعماله هي التي يتعامل فيها مع الحياة كلعبة، يمتزج فيها الواقع بالخيال، وتدور حول قلوب شجاعة بريئة، ولعل هذه الفكرة البسيطة الخيالية هي التي أطلقت لديه شحنة اللعب والابداع، ليصنع لنا فيلما مبهجا مثيرا للمشاعر والتفكير.

    بسبب فكرته “الخيالية” تحرر بشارة من قيود الالتزام بالواقع، وجعل أحداث وشخصيات الفيلم يسبحون في فضاء هو مزيج من الواقع والأفلام والأحلام، أشبه بلوحة “سريالية” أو عبثية، تكشف سيريالية وعبثية الواقع أكثر من الأعمال الواقعية.

    لقطة من فيلم يوم الحداد الوطني في المكسيك
    لقطة من فيلم يوم الحداد الوطني في المكسيك

    تلعب الممثلة والمغنية ومؤلفة الموسيقى الشابة ندى الشاذلي شخصية ليلى، الفتاة التي تعلن حبها فيتم اعتقالها. ندى الشاذلي لعبت من قبل بطولة فيلم “عنها” للمخرج إسلام العزازي، الذي عرض في مسابقة مهرجان القاهرة الدولي منذ عامين، وهي ذات جمال وحضور طاغيين، والأكثر من ذلك لديها ثقة في الأداء وارتياح نادر في التعامل مع الكاميرا، من الواضح أنها اكتسبته من حفلات الغناء والموسيقى الحية. والفيلم يختتم بأغنية رقيقة من تأليف مدحت العدل، تعيد إلى الأذهان أغنياته الجميلة في أفلام خيري بشارة، بتلحين وتوزيع عصريين من ندى الشاذلي، وتحتوي على “اقتباس” موفق من رائعة سعد عبد الوهاب “الدنيا ريشة في هوا”، يغنيها كل من ندى الشاذلي وآسر ياسين، فوق دراجة بخارية في شوارع مفتوحة حرة، باخراج شديد التميز من خيري بشارة.

    **

    يلعب آسر ياسين شخصية المذيع حسن مفتاح بكفاءة وجاذبية معتادين، بالرغم من الاحساس الذي ينتاب المرء في بعض المشاهد بأن آسر لديه أفضل من ذلك، وأنه في أعماله الأخيرة بات يفتقد لبعض اللياقة التمثيلية والحضور الذهني اللذين كان يتميز بهما.

    يشارك في الفيلم أيضا في أدوار جيدة كل من بسمة في دور صاحبة بيت سري يجمع المحبين المتمردين، ومحمد لطفي في دور شرطي يقود هيئة منع الحب، بأداءه الكوميدي المميز، ومن الممثلين الشباب هديل حسن وعلي صبحي، في أدوار قصيرة، لكن مكتوبة جيدا.

    يثبت فيلم “يوم الحداد الوطني في المكسيك” أن خيري بشارة لم يزل شابا مبدعا، كما كان منذ ثلاثين وأربعين عاما، كما يثبت أن الفيلم لا يقاس بزمن عرضه أو بشكله، وأن المنصات قد تكون فضاءا جديدا للمبدعين الذين ضاقت بأعمالهم صناعة السينما التقليدية والمكبلة بالقيود.

    اقرا أيضا:

    ملاحظات «فنية».. حول الحرب في أوكرانيا

     

     

     

     

     

     

  • ملاحظات «فنية»..حول الحرب في أوكرانيا

    ملاحظات «فنية»..حول الحرب في أوكرانيا

    لسنوات طويلة، حذر صناع أفلام في أوكرانيا وروسيا وبلاد أخرى من الحرب القادمة. لسنوات طويلة، حذر صناع أفلام ومفكرون وصحفيون من ديكتاتورية وطغيان الرئيس الروسي وعنفه المتزايد ضد مخالفيه في الرأي، ومن احتقاره لجيرانه ومواطنيه والعالم ما وراء حدود “الامبراطورية الروسية” التي يحلم بها.

    معظم هؤلاء الذين أطلقوا صيحات تحذير أو اعتراض تعرضوا للسجن والقمع وأحيانا الموت، أو اضطروا للفرار بحياتهم إلى الخارج.

    مقاطعة أم مناطحة؟

    المفارقة المثيرة للسخرية أن السياسيين الذين كانوا حتى أيام مضت يراهنون على حكمة وديبلوماسية الرئيس الروسي أصيبوا بالدهشة والصدمة من عدوانه ضد أوكرانيا، وقرروا أن يردوا على هذا العدوان بمقاطعة الفنانين والمثقفين والمفكرين الروس، ومنهم هؤلاء الذين حذروا لسنوات طويلة من بطشه ونواياه العدوانية. هذه المقاطعة التي لا يمكنها إدراك الفارق بين الهدف والوسيلة، أو الفارق بين  “المقاطعة” و”المناطحة” بدون تمييز، أدت إلى اتخاذ كثير من القرارات المتعجلة، الطائشة، التي تسببت، وسوف تتسبب في ظلم وأذى كثير من الأبرياء والحلفاء، ولكنها أيضا تصب في صالح الخصم الروسي الذي بدأ في استخدامها كنوع من الدعاية المضادة ضد الديموقراطية وقيم “حقوق الانسان” و”حرية التعبير”..

    في خطاب مفتوح يقول صانع الأفلام الأوكراني المتميز سيرجي لوزينتسا، صاحب فيلم “دونباس” الحاصل على جوائز عالمية، والذي عرض في مهرجان القاهرة منذ ثلاث سنوات، والذي طالب مع زملاءه الأوكرانيين بفرض مقاطعة ثقافية على مؤسسات صناعة السينما في روسيا، أنه ضد مقاطعة الأفلام الروسية نفسها وضد الحكم على الأفراد بجوازات سفرهم: “عندما أسمع نداء مقاطعة صناع الأفلام الروس، أفكر في أصدقائي الروس- هؤلاء الشرفاء المحترمين. إنهم ضحايا لهذه الحرب مثلنا”.

    فوارق مهمة

    لوزينتسا، صاحب الفيلم الوثائقي “ميدان” الذي تناول بدايات ما يحدث الآن، مع اندلاع الثورة ضد الرئيس الأوكراني السابق في 2013، يقوم حاليا بالانتهاء من وثائقي جديد عن جرائم الاتحاد السوفيتي السابق في ليتوانيا بعنوان “التاريخ الطبيعي للدمار”. لوزينتسا كان قد أعلن استقالته من أكاديمية الفيلم الأوروبية مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا اعتراضا على صمت الأكاديمية، مما دفع المسئولين فيها إلى الاعتذار واصدار بيان إدانة للغزو واعلان المقاطعة الرسمية.

    مع ذلك، كما رأينا، يطالب لوزينتسا بالتمييز بين مقاطعة الحكومة المعتدية وعقاب الفنانين الذين قد يكونوا معارضين أو حتى ضحايا لسياسات حكومتهم.

    هذه الفوارق المهمة يمكن تتبعها في مواقف بعض المهرجانات السينمائية الدولية في أوروبا وأمريكا:

    بينما أعلن المسئولون في مهرجانات “لوكارنو” و”كان” و”فينيسيا” أنهم يرفضون مشاركة أي وفد حكومي أو رسمي يمثل صناعة السينما في روسيا، إلا أنهم لن يقاطعوا الأفلام الروسية، أعلن مهرجان جلاسجو في أيرلندا، باندفاع وحماقة غير محمودة، عن مقاطعة الأفلام الروسية، ومنها فيلم لصانع الأفلام الشاب كيريل سوكولوف، وهو معارض بقوة لسياسات بوتين، والأكثر من ذلك أنه متزوج من أوكرانية ونصف عائلته يعيشون في أوكرانيا!

    الفن تحت القصف

    استطرادا لحديثنا عن معنى الفن وعلاقته بالواقع ربما يمكن ضرب مثل بما يحدث في أوكرانيا لذكر بعض الملاحظات حول المسألة.

    ربما لدى السيد بوتين أسبابه “السياسية” وراء غزو أوكرانيا، ولكن هتلر أيضا كان لديه أسبابه “المنطقية”، فقد كان محاطا بجيران عدوانيين توسعيين يفرضون على ألمانيا حصارا وتجويعا، ولم يكن “يقصد” سوى أن يدافع عن حق ألمانيا في الوجود المشرف وسط امبراطوريات الاستعمار الكبرى بريطانيا وفرنسا. ولكن هذه المناقشات مجالها المنصات الاعلامية وساحات الحرب الدعائية، وليس مجال الفن.

    ينظر الفن إلى ما وراء “الأسباب” الخارجية، ليحلل الفعل ورد الفعل، ويتعمق وراء الدوافع الأصلية والغرائز الأساسية التي تحرك الجنس البشري نحو الدمار والشر. لا يهتم بالغاية بقدر ما يشرح الوسيلة التي تتحقق بها الغاية. يشفق على الضحايا والمهزومين أكثر مما يهتف للمنتصرين.

    وليس هناك أفضل من كلمات الأديب الأيرلندي جيمس جويس في روايته “صورة للفنان في شبابه” التي يميز فيها بين ما يطلق عليه “الفن الخالص” (  proper  أو المضبوط أو المناسب)، في مقابل “الفن غير الخالص (improper). الفن غير الخالص، كما يرى جويس، هو الذي “يحرك” الغرائز ومشاعر الرغبة أو النفور تجاه شئ ما، ومن الأمثلة على ذلك الأعمال الدعائية أو الإباحية، فكلاهما يسعى لتحريك القارئ أو المشاهد للقيام بعمل ما أو تبني موقف أو شعور ما بالقبول أو الرفض تجاه شئ ما.

    أما الفن الخالص فهو الذي يتجاوز مشاعر الانجذاب أو النفور، التحريض ضد أو الترغيب في، ليصبح همه تحقيق وظيفة الفن الأساسية، وهي خلق حالة من الافتتان الجمالي الساكن، الانتشاء بالمتعة الذهنية والتأمل، فيما وراء الرغبة والنفور، في أسرار الوجود والحياة والموت.

    ولكن هل من الممكن انجاز هذ النوع من الفن، أو الدفاع عنه، عندما يكون العالم في حالة حرب؟

    ربما يمكن للوحة “جورنيكا” لبيكاسو، أو فيلم “كازابلانكا”، اللذين خرجا من رحم الحر ب العالمية الثانية، أن يجيبا على هذا السؤال!

    اقرا أيضا:

    عادل إمام… ثورة بهجت الأباصيري!

     

     

     

  • المخرج أيمن مكرم: «السوشيال ميديا» سوق سوداء تغتال الفن

    المخرج أيمن مكرم: «السوشيال ميديا» سوق سوداء تغتال الفن

    من الفلسفة إلى الفن، سلك المخرج المصري أيمن مكرم طريقه الخاص خلف الكاميرا، ليحقق نجاحات عديدة على مدار السنوات الماضية كان آخرها حصول فيلمه الأحدث “يوم وليلة” على خمسة جوائز ضمن فعاليات الدورة الـ47 و 48 لمهرجان جمعية الفيلم السنوي. بطريقة أو أخرى تأثر بكل المخرجين بداية من كمال الشيخ وهنري بركات وصلاح أبو سيف. حتى انفرد بمسار إبداعي ورؤية خاصة به.

    يوم وليلة

    كشف أيمن مكرم، في حوار خاص مع «باب مصر» كواليس تكريمه الأخير في مهرجان “جمعية الفيلم” الذي يتميز بأنه من المهرجانات القديمة في مصر وله نظام مختلف. إذ يختار المهرجان الأعمال وليس بمشاركة أصحابها. ويقول: ” تم إلغاء الدورة الماضية بسبب جائحة كورونا. لذا تكريم هذا العام كان لدورتين، والأعمال الفائزة يكون من خلال تصويت بين النقاد وأعضاء الجمعية وبعض السينمائيين على أفضل أفلام عُرضت على مدار العام”.

    عُرض فيلم “يوم وليلة” في عام 2020 وتم اختياره ضمن أفضل 5 أفلام في العام من بين حوالي 30 فيلما في العام نفسه. ناقش الفيلم قضية اجتماعية على خلاف الغالب للإنتاج التقليدي الكوميدي أو الأكشن الذي تتم معاملته باعتباره تجارة رابحة.

    ويقول مكرم لـ«باب مصر»: “عندما ينتمى الفيلم للدراما الاجتماعية يكون من الصعب تمريره لشركات الإنتاج لضعف الشق التجاري. وعادة لا يغامر منتج بمال في أفلام تناقش قضايا  اجتماعية”.

    الهدف الأساسي من “يوم وليلة” هو عرضه للجمهور، والإضافة للفيلم تتمثل في تقديره من خلال تكريمه في المهرجانات. وبدوره يدعم الفيلم والخط الذي اختاره المبدعين أو صناع الفيلم لتكريمه والترحيب به في المهرجانات. كما أوضح أن النجاح العالمي الذي شهده “يوم وليلة” يرجع إلى اختياره من قبل المهرجانات، ومنها العرض العالمي الأول للفيلم في مهرجان “مالمو” بالسويد، والمهرجان الدولي للسينما العربية، ومهرجان الدار البيضاء، والمهرجان القومي، ومهرجان “أونتاريو” في كندا، وأخيرا مهرجان جمعية الفيلم.

    تكريم المخرج أيمن مكرم في مهرجان جمعية الفيلم السنوي
    تكريم المخرج أيمن مكرم في مهرجان جمعية الفيلم السنوي  
    صناعة وتجارة وفن

    تحدث مكرم عن الفيلم بشكل عام بأنه «صناعة وتجارة وفن» بتغيير ترتيب الثلاثي بحسب كل فيلم، وعلى حد وصفه، فإن هذا الاتفاق العرفي يجعل أي فيلم مخصص للربح طالما أنه روائي طويل ويُعرض في دور السينما. ويتابع: “تاريخ السينما المصرية غني بالعديد من الأفلام الدرامية الاجتماعية التي تناقش قضايا وليست بالضرورة بطريقة مباشرة، وإنما تناقش قضايا أو ظواهر أو مشاعر معينة”.

    من بين القضايا في فيلم “يوم وليلة”، تجسيد “متلازمة داون” كشخصية محورية من أزمة أحد أبطال العمل، والذي كان له تأثير قوي في نقل الواقع بمعاناة أبطاله للتعامل مع ظاهرة موجودة مع تقديمها في الإطار العام.

    ويوضح: “تمت مناقشة متلازمة داون من فكرة وجودها في الأماكن العامة. وكيفية تعامل المحيطين معها خاصة لاحتياج طفل متلازمة داون إلى معاملة خاصة. ولكن الحاضنة الشعبية للمتلازمة في الواقع مُرحبة ومُطمئنة إلى حد ما”.

    نقل الواقع بما فيه حياة “أمين شرطة” في منطقة شعبية. كان سببا في مواجهة الفيلم عدد من الأزمات منذ تمرير السيناريو إلى الرقابة، بدون أسباب واضحة. وبعد مناقشات طويلة مع الرقيب اتضح أن الاعتراض من قبل جهات أخري ما  أدى إلى توقف التصوير لفترة لحين الوصول إلى حل وسط.

    رقابة غير ثقافية

    “هل اعتراض الرقابة على عمل بشكل عام دليل على قوته؟”. أجاب المخرج المصري: “الفكرة ليست في قوة أو ضعف العمل. ولكن الفكرة في أن الرقابة تفرض محاذير على العمل. وفي بعض الأحيان تتغاضى عن أشياء لها علاقة بالذوق العام أو الابتذال كان من المفترض أن يتم الالتفات إليها، برغم أنني ضد ممارسة الرقابة على النص”.

    وتابع: أزمات الرقابة على الأفلام ليست جديدة على السينما المصرية. وقديما طرح المخرج القدير داوود عبدالسيد فكرة أن الرقابة تكون على الشريط السينمائي فقط. لأن الرقابة تكون على النص والفيلم، مع وجود التصنيف العمري في دور السينما. وفي حالة مناقشة القضايا الاجتماعية تتعامل الرقابة مع العمل “بحساسية مفرطة” مع تدخل رقابة من جهات أخرى غير ثقافية.

    يصف مكرم الوضع بـ”الخلل المؤسسي” خاصة أن جهاز الرقابة التي تَرأسه في يوم من الأيام نجيب محفوظ، شادي عبدالسلام ومدكور ثابت وغيرهم من صانعي تاريخ السينما المصرية. إذ يتطلب دور الرقابة الحالي القدرة على التعامل مع النص فنيا، تجاوزا برغم أن الزمن والتطور الحالي يُنبئ بأن فكرة الرقابة ستصبح “متحفية” قريبا خاصة في ظل وجود منصات جديدة وعالمية تعرض كل الفنون.

    انسحاب أصحاب المواهب الحقيقية

    افتقرت الساحة الفنية للعديد من أصحاب المواهب الحقيقية. كان آخرها انسحاب المخرج داوود عبدالسيد. وهذا يرجع إلى العديد من المشاكل تتمثل في السوق أولا، والوضع العام. إذ اتجه الكثير للعمل وفقا لمقاييس لها علاقة بالتوزيع الخارجي، بسبب تزايد أسعار دور العرض. وهذا ما عبر عنه “عبدالسيد” بنفسه، وقال: “السينما أصبحت في مقدرة أكبر من الطبقة المتوسطة”.

    يستكمل مكرم: “بالتالي فإن الموزع الخارجي لا يهتم بنوعية الأفلام قدر اهتمامه بأنها تلبي ذوق المتفرج في الخليج. على سبيل المثال فيلم “الكيت كات” و”سواق الأتوبيس” و”موطن ومخبر وحرامي” قد تنال إعجاب مصري وليس مواطن خليجي. وهذه النوعية من الأفلام التي يصنعها داوود وجيل الثمانينات بحاجة إلى شروط لاستمرارها. دعم من الدولة أو انتعاش السوق الداخلي”.

    ويرى أن توفير مناخ عام لحرية التعبير الذي يحتاجه المبدع الحقيقي والدعم الموجه بشكل صحيح لصناع السينما. من أحد العوامل الهامة لنقل الحالة الفنية من مرحلة إلى أخرى.

    بالإضافة إلى أن أزمة استبعاد المخرجين المتميزين تكون أحيانا لحساب صناعة النجم. ويقول: “لا يمتلك كل النجوم في مصر رؤية تنفيذ رأي المخرج ذو الرؤية المتماسكة والمتكاملة. وفي النهاية يتم تهميش المخرجين من هذه الزاوية”. وعن دور الدولة يرى أن أي دولة تشعر بأهمية هذا النوع من الثقافة والفن تدعمه للوجود في أماكن أكبر من النظرة الضيقة للسوق المحلي، عبر الدعم الفني، مثل صندوق السينما في فرنسا.

    سوق «السوشيال ميديا» السوداء!

    لم يقتصر العرض في دور السينما فقط. حيث تمارس الرقابة دورها بمنتهى القوة. إذ يشهد التطور الحالي في العرض عبر المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي عدم الخضوع للسيطرة. من الممكن فرض كل القيود داخل مصر، “البعض لا يستطيع الخروج من الحالة البيوقراطية، نحتاج رقابة مرنة” كما قال.

    وبالحديث عن منصات العرض الإلكترونية، تطرق إلى مواقع التواصل الاجتماعي ودورها المستحدث كبُعد رابع لتقييم الأعمال الفنية. إذ يدور العمل الفني عبر ثلاث مراحل هي “الفيلم، النقد، الجمهور”، لينضم إليها تأثير “السوشيال ميديا” التي دائما ما تكون مدفوعة.

    ويقول: “التريند ومواقع التواصل تحولت إلى محاكم تفتيش وساحة لمطالب بالمنع والسجن وطلبات إحاطة. برغم أن ذلك ليس له علاقة بالعملية الفنية نفسها لأنه هجوم غير احترافي، ويمكن وصفه بـ”ركوب الموجة”.

    يصف مكرم الترويج للأفلام عبر المواقع بـ”السوق السوداء” عبر شراء متابعين تقدر أعدادهم بالملايين إما لدعم أو الهجوم على عمل ما. وبالتالي أصبحت المنافسة غير شريفة. ويقول: “لا نستطيع منعه ولكن يجب توعية الجمهور بمعرفة مستويات تلقي الفن، فالجمهور هو صاحب المسألة الأساسية”.

    العمل الجيد يحتاج إلى نص جيد، ولكن يعاني الكُتاب حاليا بزيادة المحاذير والتي حَوّلت الكتابات لنصوص متشابهة. ويقول مكرم: “الكُتاب موجودين ولكن بسبب كثرة الكتابات السهلة والتي طغت بدأ الجميع يفكر في الكتابة لدرجة ثانية. ولكن لا يوجد أزمة كتابة الأزمة الحقيقية هي غياب حرية التفكير”. وعادة لم يتم الاستعانة بالأدب في السينما منذ فترة طويلة ولكن شهدت السينما مؤخرا الاستعانة بالروايات خاصة الأحدث، والتي تعطي للكاتب فرصة وأفق أكثر اتساعا.

    الدين والسينما

    رؤيته الواسعة تحققت بعد مرور 14 عاما من محاربتها. إذ يُنسب للمخرج أيمن مكرم أنه صاحب الخطوة الإخراجية الجريئة الأولى في تاريخ المملكة العربية السعودية. لأنه أخرج أول فيلم سعودي تجاري وهو فيلم “مناحي” في عام 2008.

    لم يستمر في العرض أكثر من 9 أيام فقط في مركز ثقافي في الطائف، الذي شهد حينها أول حضور عام للسيدات والرجال معا. ويقول لـ«باب مصر»:”التجربة كانت دراسة لأن الوليد بن طلال حينها أراد تدشين 500 دار عرض في المملكة لرواج السينما المصرية والسعودية، ولكن توقف بعد إصدار فتوى وفي 2021 الوضع اختلف تماما”.

    “الضوابط الدينية لا تمنع عمل فني جيد”.. كان هذا رأي مكرم في تجربة السعودية للصناعة السينمائية في ظل الضوابط الدينية. بدليل نجاح السينما الإيرانية برغم كل ضوابطها. ويقول: “موجودة وبقوة على الساحة العالمية رغم تحريم السينما في إيران”.

    ويرى أن السعودية تتمتع بفرصة لصنع تاريخ فني، عبر تناول العديد من الموضوعات الخاصة بالهوية تكون ذات بُعد ثقافي خاص بالدولة دون الاعتماد على قصص من ثقافات أخرى. وبالمقارنة فإن العديد من الموضوعات تم تناولها أكثر من مرة في السينما المصرية.

    ويفضل أن يُبنى نجاح السعودية الفني بيد أبناءه. وبرغم تحقيق السينما المصرية نجاحا كبيرا بوجود ثقافات أخرى مثل بدر لاما، وتوجو مزراحي. إلا أن السينما المصرية قامت بشكل أساسي على السينمائيين المصريين. وفي البدايات دخلت السينما مصر بعد فرنسا بعام واحد فقط.

    واختتم حديثه: “كان في مصر حينها أدب وروايات وحركة مسرح كبيرة. وقامت السينما على أكتاف المصريين الذين سافروا للتعلم مثل أحمد بدرخان ومحمد كريم وبيومي”.

    اقرأ أيضا

    تجارب من دول أخرى: كيف تحافظ الحكومات على تراث المدن؟

  • في معركة الريالستيك والرومانتيك: التاريخ المجهول للواقعية المصرية!

    في معركة الريالستيك والرومانتيك: التاريخ المجهول للواقعية المصرية!

    من أجل فهم أفضل لدلالات مصطلح “الواقعية” في اللغة والثقافة العربية يلزم الرجوع إلى الكتاب الرائد “في الثقافة المصرية” لمؤلفيه الأستاذين عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم، الذي صدر للمرة الأولى في بيروت 1955، ولكن فصوله نشرت كمقالات متفرقة قبل هذا التاريخ ببعض الوقت.

    يحمل الكتاب ومقالاته صرخة نداء باعتماد “الواقعية” منهجا في الفن والنقد، منطلقين من انتمائهما السياسي اليساري، ومن مفهوم “الواقعية الاجتماعية” (أو الاشتراكية) الذي تبناه الماركسيون في الاتحاد السوفيتي وخارجه منذ بداية القرن الماضي. وهو المفهوم الذي تبناه اليسار المصري بأطيافه ودرجات “يساريته” ، من الشيوعيين إلى الناصريين وما بينهما.

    **

    الدكتوران أنيس والعالم تم فصلهما من الجامعة في 1954 بسبب انتمائهما، وتم شن حملة هائلة ضدهما، كما تعرضا للسجن بعد ذلك، ولكن عندما تبنت دولة عبد الناصر النظام “الاشتراكي” أصبح لمصطلح “الواقعية” في الفن معنى إيجابي وراح النقاد والإعلام الرسمي يروجون للواقعية ويعتبرونها النموذج والمثل الأعلى في الفن حتى الآن، ولكن عندما نتأمل في مفهوم “الواقعية” عبر العقود المختلفة يمكن أن نلاحظ الفوارق الكبيرة بين معنى المصطلح في أدب نهاية القرن التاسع عشر، ومعنى “الواقعية الاشتراكية”، والمعنى الذي استخدم في عهد عبد الناصر، ثم في الثمانينيات، والمعنى المستخدم في وسائل الإعلام اليوم.

    .. لكن أقدم استخدام لمصطلح “الواقعية” في اللغة العربية، حسب بحثي، هو ما صكه الأديب والمؤرخ ورجل القانون البارز محمد لطفي جمعة في مقدمة روايته “في وادي الهموم” الصادرة 1905 (قبل رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل التي يقال إنها أول رواية مصرية المضمون بثماني سنوات كاملة)، والطريف أن جمعة، الذي لم يكن قد بلغ العشرين بعد عند كتابة روايته ومقدمتها، يستخدم التعبير بلغته الأجنبية، ويترجمه “حقيقية”، لأن كلمة “واقعية” بالمعنى المقصود لم تكن قد ظهرت بعد في اللغة العربية.

    **

    في هذه المقدمة الأشبه بالمانيفستو يكتب محمد لطفي جمعة أنه قضى أربعة أشهر يفكر قبل الشروع في كتابة روايته في نوع القصة التي يكتبها، رافضا أن يسير على منوال من سبقوه في كتابة قصة غرام طاهر وحب نقي وقلوب طيبة ووعود وزواج قبل أن يستطرد:

    “ولكن أي رجل الآن شجاع كريم صادق الوعد، وأي امرأة عفيفة نقية حافظة للعهد؟ اقلب كلامك، وضع يدك على

    من شئت، آن الأوان لأن نترك الخيال جانبًا، ونقف على الحقيقة، إذن فلنكتب قصة عن الناس الذين حولنا الذين نعيش بينهم ويعيشون بيننا.

    نعم، إنني أعلم أني بذلك أحرك الماء الراكد الآسن، وأفضح معايب الهيئة الاجتماعية، ولكن أرى أن تصوير البشر كما هم أفضل بكثير من بكثير من تصويرهم كما يجب أن يكونوا، إن جمهور القرَّاء يطلب قصة عن أميرة فتاة جميلة غنية تقع في ورطة؛ فينجيها من الموت شاب جميل فقير شجاع فيتزوجها، ولكن أنا لا أطلب ذلك، أنا أطلب أن أنزل بالقرَّاء إلى ميدان الحياة الواسع، أرغب أن أنزل بهم إلى ملعب الحياة الذي يمثلون فيه أدوارهم وهم لا يحسون. أرغب أن أصور لهم صورة يرون فيها معايبهم؛ فيصلحونها، ولا أرغب أن أغشهم بتصوير الناس صورة جميلة، ولكنها مخالفة للحقيقة. وليعلم القارئ الكريم، أن فن الروايات منقسم إلى قسمين؛ القسم الأول يسمونه “رومانتيك” ، أي روايات خيالية، والقسم الثاني يسمونه “ريالستيك” ، أي روايات حقيقية. ”

    **

    ويوضح جمعة الفارق بين الرومانتيك والريالستيك بقوله:

    “الأولى هي التي تصور البشر كما يجب أن يكونوا، لا كما هم في الحقيقة. والثانية تمثل البشر كما هم بنقائصهم ومعايبهم ومخازيهم”.. “وطريقة كتاب القصص الخيالية هي أن يجلس الكاتب في غرفته، ويتخيل الحقول الخضراء، والحدائق الغنَّاء، وغدران الماء، والطيور المغردة، والليالي المُقمرة، والأبطال الشجعان، والنساء الجميلات، والغزل والغرام، والشكوى والجفاء واللقاء، ثم يكتب قصته. وأما طريقة كتابة الروايات الحقيقية هي أن يلبس الكاتب ملابسه أو يَتَزَيَّا بغير زيه، ويتجول في الطرق والأزقة، ويدخل المجتمعات والمحطات، ويرقب حركات الناس في ملاعب القمار والحانات والحدائق العمومية، ويبقى طول ليلته هائمًا في الطرق؛ يدرس الأخلاق والطبائع والعادات، وهو فيما بين تلك الأشياء يقيد ما يراه ويسمعه ويدرسه، ثم يجلس ويكتب قصته ويسبك فيها كلا ما رآه وسمعه. ”

    ويشير محمد لطفي جمعة إلى أن القراء عادة ما ينفرون من الروايات “الحقيقية، كمثل القبيح يقف أمام المرآة ويرى قبح وجهه فيكذب المرآة ويطلب غيرها تريه نفسه جميلًا. ”

    **

    تكشف مقدمة محمد لطفي جمعة عن ثقافة واسعة بالأدب الغربي والشرقي، وهو يستشهد بأعمال والتر سكوت الإنجليزي وفيكتور هوجو وبلزاك الفرنسيين وتولستوي الروسي، ليبين أهمية الروايات الريالستيك، وما تلقاه عادة من اتهامات بخدش الحياء وترويج الإباحية، ثم يستشهد بقصص “حقيقية” من التي نشرتها الصحف، ومقالات بعض الكتاب ومشاهداته الشخصية، ليبين مدى انتشار الدعارة ولعب القمار والمخدرات وغيرها من الموبقات في شوارع القاهرة والإسكندرية (لاحظ أننا نتحدث عن نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين!)، قبل أن يؤكد أن نشر الحقائق والروايات “الحقيقية” عن مثل هذه الأشياء إنما هدفها الإصلاح وعلاج الهيئات الاجتماعية.

    لا ينبغي أن أترك الحديث عن محمد لطفي جمعة دون أن أشير إلى أنه أول من نبه إلى أهمية رواية “يوليسيس” لجيمس جويس، الصادرة 1922. وأنه أول من حاول ترجمتها وانتهى بالفعل من ترجمة حوالي ثلثها قبل أن يتوفى في 1953. ورواية “يوليسيس”، كما هو معروف، واحدة من أهم روايات القرن العشرين، وقد تعرضت للمحاكمة والمنع واتهام مؤلفها بالإباحية والقذارة والخيانة، بسبب “واقعيتها”.

    **

    في السينما المصرية ظل النقاد والصحفيون يستخدمون كلمة “حقيقيا” التي استخدمها جمعة حتى بداية الخمسينيات. وكان الناقد والمؤرخ الفرنسي جورج سادول أول من تحدث عن الواقعية في السينما المصرية في فصل إضافي عن السينما العربية ضمنه كتابه الموسوعي “تاريخ السينما في العالم” (الطبعة الأولى 1949، والطبعة العربية 1966) عندما اختار فيلم “العزيمة” (1939) لكمال سليم ضمن أفضل 100 فيلم في العالم، ووصفه بـ “الواقعي” .  وسار وراءه النقاد المصريون معتبرين أن “العزيمة” دشن مولد “الواقعية” في السينما المصرية، رغم أن البعض يرى أن فيلم “السوق السوداء” (1945) لكامل التلمساني هو أول فيلم مصري “واقعي” بالفعل (من منظور “الواقعية الاشتراكية” ) وهو رأي يحتاج إلى مناقشة، كما يحتاج مفهوم الواقعية في السينما المصرية إلى إعادة نظر.

    اقرأ أيضا:

    قراصنة وأدعياء فضيلة: فن يكبله الحياء في مجتمع بلا حياء؟!

     

     

  • من محمد صبحي وتركي إلى سقراط: الترفيه vs الملاهي.. والواقع vs الأخلاق

    من محمد صبحي وتركي إلى سقراط: الترفيه vs الملاهي.. والواقع vs الأخلاق

    في المعركة الأخيرة الدائرة بين أنصار “الترفيه” ودعاة الفن “الهادف” التي اندلعت عقب “شجار” الممثل والمخرج المسرحي محمد صبحي ورئيس هيئة الترفيه السعودية تركي آل الشيخ، وبعيدا عن الادعاءات والمبالغات اللفظية التي تفوح من الشجار، لم يتوقف أحد ليسأل، كما يقول شوقي: “إلام الخلف بينكم إلاما، وهذه الضجة الكبرى علاما؟”.

    **

    لقد بدأت المعركة بتصريح لصبحي يزعم فيه أنه رفض عرضا بملايين الدولارات لتقديم مسرحية في السعودية، لأنه اعترض على كلمة “الترفيه” التي تطلق على أكبر هيئة لدعم الفن في المملكة، وأنه عرض أن يقدم المسرحية تحت أي مسمى آخر غير الترفيه!

    الاعتراض مضحك، بقدر ما هو مثير للشفقة، ويبدو أن محمد صبحي لم يفكر وهو يكتب هذه الكلمات في أنه يسدد طوال حياته الفنية ما يطلق عليه “ضريبة الملاهي” التي تطلق على السينما والمسرح والموسيقى في مصر!!

    السعوديون عربوا كلمة “ترفيه” عن Entertainment الإنجليزية، التي تطلق في أمريكا على الفنون الجماهيرية الثلاثة. لأن الهيئة معنية بالأساس بتقديم السينما والمسرح والموسيقى للجمهور، بعد عقود من تحريم الفن ومنع ممارسته في المملكة. وكلمة “ترفيه”، مثل أي كلمة، ليس لها معنى في حد ذاتها، ولكن المعنى يتحدد بالسياق وبما يفهمه المتلقي منها، وقد تستخدم الكلمة نفسها بمعان متناقضة أو مختلفة تماما باختلاف الزمان والمكان. ومن يختلطون باللهجات العربية أو الإنجليزية المختلفة يدركون هذه المشكلة جيدا.

    **

    ومثل كلمة “ترفيه” تبدو كلمات مثل “نظيف”، “هادف”، “واقعي” التي توصف بها الأعمال الفنية مضحكة وفارغة حين نناقش ما يقصد بالفعل من وراء هذه الكلمات.

    محمد صبحي في مشهد من مسرحية الجوكر

    محمد صبحي في مشهد من مسرحية الجوكرولست أرغب في تضييع الوقت في مناقشة كلمة “ترفيه” أو “نظيف” بحد ذاتها. ولكن أذكرهما كمثال للتأكيد على أهمية التساؤل عن المعنى المقصود من وراء كلمات نستخدمها كالببغاء دون تفكير.. مثل الواقعية، الأخلاق، الجمال والفن الهادف.

    منذ ما يقرب من خمسة قرون تساءل شكسبير في مسرحية “روميو وجولييت” : “ما الذي يهم في اسم الشيء؟ هل تكف الوردة عن أن تكون وردة إذا غيرنا اسمها؟” مدركا أن الناس تتعلق أحيانا باسم الشيء دون أن تدرك جوهره.

     

    وقبل شكسبير بألفية وخمسة قرون راح سقراط يتساءل في شوارع أثينا عن معنى كل كلمة، ويحث مريديه على إعادة التساؤل والشك في الكلمات التي يستخدمونها، حتى يمكنهم بناء العقل والعالم بشكل واضح، بدلا من التخبط في فوضى وغموض الكلمات.

    معظم الناس يتفقون على أن الفن يجب أن يكون صادقا، أخلاقيا وجميلا، ولكنهم يختلفون على المقصود بهذه الكلمات.

    **

    ما هو الحق، والخير، والجمال؟ تساءل سقراط وكل فيلسوف جاء بعده، وكل منهم أعاد تعريف الكلمات وفقا لرؤيته وزمنه ومكانه. ربما يعتقد القارئ أن هؤلاء الفلاسفة وكتاباتهم مجرد كلمات مملة، ولكنني أرجو من هذا القارئ أن يجرب على الأقل قراءة رواية “عالم صوفي” للكاتب يوستن جاردر التي تلخص تاريخ الفلسفة بشكل درامي بسيط وممتع، ولا أجد كلمات لتزكيتها أفضل من تقديم مؤلفها الذي اقتبس فيه كلمات الشاعر الألماني جوتة: “من لم ينتفع بدروس ثلاثة آلاف عام لم يتجاوز زاده خبرة يوم بيوم”.. كلمات تبدو وكأنها موجهة مباشرة إلينا!

    اختلف الناس على المقصود بالحق منذ زمن سقراط، وكان رأيه أن الإنسان لن يكون سعيدا أبدا إذا تصرف بما يخالف قناعاته. وأن عليه أن يتبع صوت الحق داخله، وليس خارجه. ليس من الأخلاق، إذن، أن يتبع المرء شيئا يعتقد داخله أنه غير حقيقي أو عادل، وسوف تتشوه نفسيته وسلوكياته بسبب ذلك، ولو كان “فنانا” فسوف تخرج هذه الأعمال قبيحة وكاذبة.

    الحق والخير والجمال مفاهيم مرتبطة ببعضها تماما ولا يمكن الفصل بينها، في الحياة كما الفن.

    عندما نطالب من الفنان أن يكون صادقا، حقيقيا، واقعيا، فهذا يعني أن نطالبه باتباع صوت الحق داخله، وليس ما نزعم نحن أنه حق. ربما يرى فنان ما أن كل ما حوله كذب ونفاق ودمار قادم لا محالة، ولو قال ذلك علانية فسوف نتهمه بالخيانة والتخريب والخبل.. فهل هو المحق، أم نحن؟

    **

    عندما يشعر فنان ما بحاجة ملحة داخله على رفض الجمال الظاهري للأشياء وحاجة ملحة لوصف القبح والتحلل والعفن الذي يختفي وراء هذه المظاهر، فهل يعني ذلك أن عمله غير جميل؟ ألا يكمن الجمال في الصدق نفسه. وأليس الصدق هو أفضل الأخلاق؟

    إننا نطالب الفنان بأن يتبع رؤيتنا وهوانا وأكاذيبنا نحن عن الواقع والأخلاق والجمال. ولو أطاعنا فسوف يكون عمله الفني كاذبا، عديم الأخلاق، قبيحا. فأي حق أو خير أو جمال نطالب به؟ ما نعتقده نحن، أم ما يعتقده الفنان؟

    عند هذه النقطة ينبغي نقل المناقشة إلى مستوى آخر. ما هي المعايير التي تحدد صدق وأخلاقية وجمال عمل ما؟ وما هي حدود حرية التعبير وحرية الفنان في أن يتبع رؤياه الداخلية مهما شطت وبدت مخالفة لما يراه المجتمع؟

    نواصل الأسئلة في المقال القادم.

    أقرأ أيضا:

    3 بديهيات غير بديهية: العلاقة «المشبوهة» بين الفن والواقع!

  • بورتريهات متخيلة (16): سعيد صالح.. صعلوك وسلطان

    بورتريهات متخيلة (16): سعيد صالح.. صعلوك وسلطان

    أين النجاح وأين الفشل؟ إن كنت نلت حقا كل ما أردت، لم تخن كنه روحك كما أدركتها، لم تؤذ أحدا، لم تعلق سواك بأمل، لم تعد أحدا بشيء سوى أن تكون أنسا مصاحبا، ليلة سلطنة ونكتة ترج القلب والبدن، تعلق خالدة بالأذهان، دون أن يسعى صاحبها لشيء، سوى أن تقال.

    دون سلطة أو ملك، الأرض كلها سماؤه، السماء كلها بساط قدميه، هو طفلها وصعلوكها، لأن السلاطين وهم في العمق أطفال، في سعيهم المحموم الذي يملك سوط القدرة كي يتشكل العالم على صورتهم، لا يجعلون من الطفولة إلا وحشا تافها قبيحا، يدمرون كل ما تقع عليه أبصارهم، ملعونة أناملهم إذا ما لمست واشتهت. لا يعرف الأنس طاغية، لا يلتذ بكل ذرة في العالم من تسلط عليه، أما الصعلوك فهو أبدا ودائما، سلطان نفسه.

    لم يهزم، لم يبدد حياته.  بل ارتد إليه حلم أن يتشبث بالعالم كما تبدى له طفلا، مزحة طويلة وساعة حظ أبدية، حفلة ألعاب لا تنتهي. عندما تخيفه السماء بالصاعقة، لا يتراجع، بل يردها كلها عبر نكتة كالعاصفة. هكذا لم ينجح الثعبان الذي يتلوى داخلنا في أن ينهشه، ولم ينل منه جلاده ذو السوط الذي غمسه طويلا في زيت الندم.

    **

    لم يهزم، وكذلك لم ينتصر، علام ينتصر؟ المعارك لا تخصه، نصره ليس إلا قهر ذاته، وفي هزيمته لم يطارد أحدا بلعنات قلب غضوب. طارده الحمقى، بمقارنات لا تليق بعابر مثله لا يرغب لأظافره أن تتشبث بشيء، لأن في نشب أظافره جرح ونار، وهو لم يخلق ليجرح أو ليحرق، بل ليُمتع، يستمتع، يغني، لا رغبة لمثله أن يربط خلود اسمه بالقدرة على الكي، بالعنف، بما نتركه من ندوب في ذاكرة الآخرين.

    ربما بسذاجة حلم أن يعيد ابتكار نفسه كصوت شعب، لأن من فاتتهم الفرص ودهسهم قطار قهر طويل مشحون بالفرص الضائعة، اللذين لم يتبق لهم أكثر من الحلم بيوم خال من كدر السلاطين ولقمة طيبة وستر سقف ونكتة جبارة، يحتاجون أيضا إلى مثال. صعلوك لم يتبق له سوى أن يضرب أوتار عود ويدندن بصوت أجش.

    ربما عندما طأطأت رأسه لمرة أمام مقولات تخترع له حياة أخرى وتلومه أنه لم يعشها، تلقى هزيمته الأولى.

    **

    ترشقه الكوة التي تنبعث منها الشمس، يرتطم ضوء النهار بوجهه معنفا، لا يستيقظ، بل يقيم في المسافة الغائمة بين الحلم والظن، يعانق أشباح مخيلته، شاحذا إياها حتى يأتي الليل، حينها يدعك عيناه الغائمتان بحثا عن رؤى ومكان حميم تتسع منه اللحظات كلها، فقط في الساعات العميقة لليل، تستيقظ النار، ينسكب الجسد كفيضان نهر.

    في أنس سهراته يحيل الظلمة بروح هي بين حدود الجنون وخواطر الهيجان إلى نور، يلمس جبهة الفجر، بذهن منتش بالدهشة، كصعلوك وسلطان يلقي لصحبته عبر كل لفتة نثار من عطايا البهجة، وعندما تصحو الشمس عائدة وسط حشود عمياء مضطربة بحثا عن معجزة، يرطم وجهها بضياء كوة قلبه المرصعة بالبهجة، كي تعود إلى النوم.

    ها هو على فراشه، بدلا من أن يلعن أو يبكي، يعيد دموعه إلى غمدها، متحسسا برباطة جأش، الندبة الكبيرة.

    اقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (15): معالي زايد.. كأغنية تصعد من الدم

    بورتريهات متخيلة (14): محمود الجندي.. على جبينه الأنوار

  • بورتريهات متخيلة (15): معالي زايد.. كأغنية تصعد من الدم

    بورتريهات متخيلة (15): معالي زايد.. كأغنية تصعد من الدم

    هي مشتهاة كأغنية تصعد من الدم. كجلد تذوب فيه القنابل وتحيل الأصابع إلى مشاعل من نار، بخور اللذات حبيس جذعها، بشرتها مكسوة بالعسل ونداوة الفجر وسيلان شموع، شفتاها رياح في قمقم الأرض تغذي بركانا.

    لا، ليس لكل هذا هي مشتهاة، بل لأنها تشتهي أولا، هي سيدة رغبتها، حيث فعل الحب موطن راحة لأقدام قد لُعنت، لأنه لا هروب من قيد نحمله معنا أينما ارتحلنا، وتُشد إليه أعناقنا، لأن الهواء يحملنا كعبء، ستنهك أجنحته في اللحظة الخطأ.

    **

    يا حلوة، كنت حمراء كتفاحة، يا حلوة، ثم رنت أجراس، ففر من قبو عينيك سرب حمام أعمى، وتساقطت عن جلدك غراميات ميتة، وهرول فزعا لصوص لم يعودوا عشاقا، لم يكونوا. البخور والعطر، سُربلا بالعار. السكرة النشوانة بنفسها نُكل بها، الزيوت والمسك جردا من الفرح، وفي لحظة أخفق كل شيء.

    لا تأس عليها، كل من ظن بخسة أنه صياد، كان في حقيقته فريسة. كل من ظن أنه يتسلى كان الدمية.

    **

    زح الغنج، والضحكة اللعوب، ألقمها لعنكبوت نسيان، ستجد نظرة لامرأة صلابتها راسخة. ذات جذع يصد ألف ريح، أما الابتسامة فحقيقية، كأنها روح العالم وقد اختمرت، كأن الأرض فوق كتفيها. إنها تعرف أن كل هذا الهزل جد، وأن الهموم لم تكن وضيعة، وأن لذات الليل تركت حروقا لا أمل في شفائها.

    زح الغنج والضحكة اللعوب، ستجد وجها منحوتا بإزميل الزمن، روحا لم تقهرها ألغاز الطريق، نخلة عالية إلى وتدها تطمئن وتستند ويُخيم قلبك، واثقا تنام.

    **

    سأستسلم، قالت لنفسها، فلربما في الهاوية الملعونة نعيم غامض. انغمسي بكلك دون عودة، فلربما في عمق تلك الفتنة صلاة.

    **

    ما الذي انتظرها كل ليلة على وسادة الشوك، وهي تسقط مثقلة في قاع النوم؟

    يا حلوة، يا وجه ذائب في غيوم الزمن. ما الذي كان عليك أن تحمليه لصق قلبك حتى الممات؟ هل بالموت عرفت الحقيقة التي أخفاها عنا أسر الليل والجسد؟ هل الحياة حقا كانت محض حلم، والموت هو أن نستيقظ أم العكس؟ أم أن الحب بضوءه الضئيل كان المصباح الوحيد الممكن، كأن القبلات كانت تلطف من وطأة حقد غامض يكتوي بقلب دمرته النيران.

    **

    لا شهوة دون مخيلة. بعناق الأشباح تكتسي أوهامنا لحما وعظاما. كأن في الحب تنسكبين من إناء إلى إناء، يعاد تشكيلك بأنامل لها شهوة النحات، تفعلينها بنفسك، لأن أصابع اللصوص لا تحفل إلا بغنائم الهروب، ولا تدهشها الخبيئة.

    أقرأ أيضا:

    بورتريهات متخيلة (14): محمود الجندي.. على جبينه الأنوار

    بورتريهات متخيلة (13): سناء جميل.. اختراع الطريق

     

باب مصر