باب مصر

التصنيف: قبلي

باب مصر قبلي

  •  كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة

     كنائس المنيا الأثرية.. رحلة في قلب التاريخ على خطى العائلة المقدسة

    تعد محافظة المنيا واحدة من أبرز المحافظات التي تحتضن عددا كبيرا من الكنائس الأثرية ذات القيمة الدينية والتاريخية، خاصة الواقعة على مسار رحلة العائلة المقدسة، والتي تمثل مقصدا للسياحة الدينية في مصر، وتشهد هذه المواقع أعمال تطوير ورفع كفاءة مستمرة، بهدف الحفاظ على طابعها الأثري وتأهيلها لاستقبال الزائرين من مختلف دول العالم.

    كنيسة العذراء بجبل الطير

    على ضفاف النيل الساحر في المنيا، تقع كنيسة العذراء بجبل الطير. والتي تعد وجهة ساحرة تحمل في جنباتها عبق التاريخ وعظمة التصميم وجمال البناء الخلاب. فهي لا تستمد جمالها وهيبتها من قيمتها الدينية فقط، بل أيضا من مشهدها الإبداعي الذي يعكس فن وحضارة مرحلة تاريخية مقدسة. شاهدة على الحضارة وعظمة صامدة منذ آلاف السنين.

    يقول مجدي عبد الله زين، مدير منطقة آثار المنيا، إن كنيسة العذراء بجبل الطير تحظى بعشق كبير بين أهالي المحافظة. ويظهر ذلك من خلال احتفالات موسم العذراء كل عام في أواخر شهر مايو. حيث تستقبل المنطقة أكثر من مليوني زائر. ويقع دير السيدة العذراء في الجانب الغربي من قرية جبل الطير بمحافظة المنيا، فوق الجبل شرق النيل.

    وقد قامت الملكة هيلانة، أم الإمبراطور قسطنطين، ببناء الكنيسة الأثرية داخل الدير عام 328م. والكنيسة منحوتة في الصخر، وأطلق عليها اسم كنيسة العذراء. وهي عبارة عن صخرة واحدة تم تفريغها إلى أربعة حوائط صخرية، وبصحنها 10 أعمدة صخرية. وفي عام 1938 تم تجديد وبناء الطابقين الثاني والثالث بالكنيسة.

    دير السيدة العذراء بجبل الطير- سمالوط

    يضيف مجدي عبد الله زين أن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بدير جبل الطير بسمالوط، بمنطقة أثار شمال المنيا، تم تسجيلها بقرار رقم 10357 لسنة 1951. والمنشور بجريدة الوقائع المصرية في عدد نوفمبر 1951. ويتكون حرم الكنيسة كالتالي: الجهة الشمالية 8 أمتار، والجنوبية 11مترا، والشرقية 20 مترا،  والغربية 20مترا.

    وقد ارتحلت العائلة المقدسة من البهنسا إلى مدينة سنوبوليس بالقرب من سمالوط. ومنها عبرت النيل إلى الضفة الشرقية، حيث يقع الآن دير السيدة العذراء بجبل الطير. ويقع الدير على قمة الجبل الملاصق للنيل. ويعد من أهم مزارات العائلة المقدسة في مصر بعد دير المحرق.

    وسمي “جبل الطير” بهذا الاسم نسبة إلى الطيور الكثيرة التي كانت تتردد على المكان، ومنها طائر “البوقيوس الأبيض”. وفي عهد الأنبا ساويرس، مطران المنيا والأشمونين، تم ترميم بعض أجزاء الكنيسة، وإنشاء الدور الثاني لها عام 1938م.

    اقرأ أيضا: «كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور

    الوصف المعماري للكنيسة

    تحدث مدير منطقة آثار المنيا عن الوصف المعماري للكنيسة، قائلا: “الكنيسة منحوتة في الصخر الصلد، وغالبا ما كانت مدفنا فرعونيا أو رومانيا. ثم تحولت إلى كنيسة. وتبلغ مساحتها 20×25 مترا مربعا. يلي المدخل الغربي للكنيسة مساحة مستطيلة تقع المنارة في الجزء الشمالي منها. وتتكون من ثلاثة أجزاء: القاعدة، وبدن المنارة المربع الذي يعلوه أربعة عقود نصف دائرية. ثم منطقة القبة المقامة على ثمانية أعمدة، وبين كل عمودين عقد نصف دائري.

    وعلى يمين الداخل توجد المعمودية الأثرية المنفذة داخل أحد الأعمدة الحجرية الكبيرة بصحن الكنيسة. ويتوسط الصحن “اللقان” الذي يتخذ شكلا دائريا ولا يرتفع مستواه عن سطح الأرض، وهو مزين بزخارف منحوتة.

    وأضاف أن صحن الكنيسة يضم 12 عمودا منحوتا في الصخر. تحيط بها الأروقة البحرية والقبلية والغربية، أي أن الأعمدة تأتي على هيئة فناء مربع الأكتاف. وتتكون الأعمدة من ثلاثة أجزاء رئيسية: القاعدة، والبدن، والتاج، وتتصل ببعضها البعض. ما عدا العمودين الأماميين في آخر الصحن. كما أن الأعمدة أمام خورس الشمامسة تأخذ الشكل الدائري ولها تيجان مميزة.

    صحن الكنيسة

    يوضح مجدي عبد الله زين أنه توجد القبة في منتصف الصحن. وقد أنشئت عام 1938 بالتزامن مع إنشاء الدور الثاني للكنيسة. مشيرا إلى أن صحن الكنيسة يتقدمه خورس الشمامسة، وهو مرتفع عن الصحن بنحو 3 أقدام. يليه حجاب الهيكل (حامل الأيقونات) المصنوع من خشب الخرط، ويرجع تاريخه إلى عام 1938. أما الحجاب الأصلي الحجري فهو قطعة صخرية منحوتة تحمل نقوشا رومانية وزخارف نباتية وحيوانية، إلى جانب رمز مفتاح الحياة.

    ويتقدم حامل الأيقونات الهيكل، الذي يضم المذبح الذي تقام عليه الصلوات، ويتقدمه الحنية الشرقية “حضن الأب”. وهي تجويف في الجدار الشرقي. وفي الناحية الجنوبية من الهيكل تقع المغارة أو الكهف، الذي مكثت فيه العائلة المقدسة لمدة ثلاثة أيام. وأضاف أنه يوجد بالكنيسة ثلاث أيقونات أثرية هي: أيقونة السيدة العذراء مريم، وأيقونة القديس مار جرجس، وأيقونة القديسة دميانة.

    اقرأ أيضا: «أحد السعف».. طقوس دينية وبهجة شعبية في أسيوط والمنيا

     أعمال الترميم والتطوير

    عن أعمال الترميم والتطوير بدير السيدة العذراء، أوضح مجدي عبد الله زين، مدير منطقة آثار المنيا، أنه تم ترميم الأساسات ترميما إنشائيا ومعماريا، إلى جانب ترميم النارتكس القبلي. وتركيب لوحة موزاييك تجسد رحلة العائلة المقدسة. كما تم إزالة السقف الخرساني واستبداله بآخر من البراطيم الخشبية للنارتكسين القبلي والغربي والممرين.

    وشملت الأعمال أيضا ترميم الدور الثاني للممر القبلي، وإنشاء أسقف خشبية له. وترميم منطقة المغارة وتبليط أرضيتها، إضافة إلى ترميم المنارة ترميما إنشائيا ومعمارية. وأضاف أنه تم فك وإعادة بناء القبو الآجري بالدور الثاني، وكذلك قباب الهيكل وقبة الصحن الرئيسية. وإنشاء سور حديدي لحماية الكنيسة من عبث الزائرين. كما تم تصنيع مقصورات خشبية لحفظ الأيقونات الأثرية، وإنشاء فاترينات متحفية لعرض 16 قطعة أثرية حجرية.

    كما تم تنفيذ مشروع تكييف مركزي للكنيسة، وإنشاء أرضيات حجرية يتخللها زجاج لإظهار اللقان والأبيار. إلى جانب إنشاء مظلات خشبية تراثية أمام مدخل الكنيسة، وتبليط سطحها وعزله. مع تنفيذ مزاريب حجرية لتصريف مياه الأمطار خلال فصل الشتاء.

    الكنيسة الأثرية بدير أبو حنس

    تحفة معمارية وصرح عملاق يقف صامدا عبر مئات السنين، هي الكنيسة الأثرية بدير أبو حنس بمركز ملوي، والتي تعرف داخل البلدة باسم كنيسة “يحنس القصير”. وتنسب إلى القديس يحنس، المعروف باسم “يحنس القصير الايغومانس”. الذي ولد عام 349م، وتوفي عام 419م. وقد قام بتأسيس الكنيسة عام 386م، ويرجع تاريخ إنشائها إلى الربع الأول من القرن الخامس الميلادي.

    يقول الدكتور محمد غزالي، مدير منطقة آثار المنيا الجنوبية، إن الكنيسة سجلت في عداد الآثار الإسلامية والقبطية بالقرار الوزاري رقم 10351 لسنة 1951م. تحت مسمى “دير أبو حنس”. ويأتي تخطيط الكنيسة على الطراز القبطي،. حيث يتكون من صحن أوسط يفتح على جانبيه الشمالي والجنوبي جناحان عبر أعمدة ضخمة داخل دعامات، تتخللها فتحات مربعة صغيرة للتهوية والإضاءة.

    وأضاف أن كنيسة القديس يحنس تضم ثلاث أيقونات مهمة في تاريخ الفن القبطي. وهي: أيقونة “صلب السيد المسيح وحياته على الأرض” (القرن 15-16م)، وأيقونة القديس يوحنس القصير (القرن 16م)، وأيقونة القديس يوحنس القصير مع القديس مكاريوس (القرن 16م).

    قاعة المومياوات

    يوضح مدير منطقة آثار المنيا الجنوبية أن قاعة المومياوات تقع جنوب الكنيسة الأثرية. وهي عبارة عن حجرة مستطيلة تضم ثلاث مومياوات قبطية، تم العثور عليها خلال حفائر المجلس الأعلى للآثار بمدينة أنصنا الأثرية. حيث عثر على الأولى عام 1993- 1994م لطفل صغير. بينما تم العثور على المومياوين الآخريين خلال حفائر عام 2007.

    وأشار إلى أن القاعة مجهزة بشكل جيد للحفاظ على المومياوات. حيث توضع داخل فاترينات من الخشب والزجاج، مع إجراء أعمال المعالجة والفحص الدوري للحفاظ عليها.

    وأكد أن  الكنيسة الأثرية بدير أبو حنس صدرت لها  قرارات من اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية بشأن أعمال درء الخطورة والترميم. وقد تم بالفعل تنفيذ أعمال درء الخطورة، والتي تضمنت تنظيف الأسطح، وتقوية القباب وأنصاف القباب. وضبط ميول السطح، وصيانة مزاريب تصريف مياه الأمطار.

    وأضاف أنه جار حاليا التنسيق مع مطرانية ملوي، والإعداد اللازم لإنهاء الإجراءات الخاصة ببدء أعمال ترميم شامل للكنيسة الأثرية. وذلك بإشراف المنطقة الأثرية وقطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار، وعلى نفقة مطرانية ملوي، طبقا للمادة 30 من قانون حماية الآثار.

    اقرأ أيضا: الدقّة والعيش الناشف.. أكلة الأقباط في فترة التقشف

  •  الدقّة والعيش الناشف.. أكلة الأقباط في فترة التقشف

     الدقّة والعيش الناشف.. أكلة الأقباط في فترة التقشف

    «الدقّة» هي أكلة تراثية عرفها المصريون منذ قديم الأزل، وهي مصنوعة من السمسم المطحون. ومع مرور الوقت، اقتصر تناولها في محافظات الصعيد بشكل أكبر مقارنة بوجه بحري، كما تُعد الوجبة الرئيسية التي يتناولها الإخوة الأقباط خلال فترة الصيام الانقطاعي مع «العيش الناشف»، تعبيرًا عن التقشف والحزن خلال أسبوع الآلام الذي يسبق عيد القيامة المجيد.

    الدقّة والعيش الناشف

    يستهل الحديث ثابت زكي بأنه اعتاد، خلال فترة الصيام، تناول الدقة المصنوعة من السمسم والعيش الناشف منذ سنوات طويلة. ويشير إلى أن بعض الأشخاص يتناولون الدقة مضافا إليها بهارات بسيطة، بينما يفضل آخرون تناول البقوليات مثل الفول. حيث يكتفون بوجبة واحدة يوميا خلال فترة الصيام، باعتبارها نوعا من التقشف والنسك والحزن خلال أسبوع الآلام على السيد المسيح. وهي عادة كان يتبعها الرهبان قديمًا ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

    ويضيف: “يبدأ الصيام من يوم الإثنين عقب أحد الشعانين حتى يوم الجمعة العظيمة، وهو آخر أسبوع في الصوم. وخلال هذه الفترة، يمتنع الصائمون عن تناول الطعام من الساعة الثانية عشرة ظهرا وحتى التاسعة مساءً، أو حتى الحادية عشرة ليلًا. وذلك وفقا لقدرة كل شخص الجسدية على الصيام”.

    وتقول إيرين يوسف، ربة منزل، إنها ورثت طقس تناول الدقة والعيش الناشف خلال فترة الصيام عن والديها وأجدادها منذ سنوات. وتوضح أنها تقوم بتجهيز كمية الدقة التي تحتاجها أسرتها قبل الصيام بفترة وجيزة. حيث تشتري السمسم من البقالة أو من أحد العطارين في المنطقة. وتضيف أن أحد أبنائها لا يفضل تناول الدقة، سواء خلال الصيام أو بعد الإفطار، ويكتفي بالبقوليات. خاصة الفول مع العيش الناشف، وهي عادة ورثها عن خالته الكبرى.

    تجهيز السمسم.. تصوير: أماني خيري
    تجهيز السمسم.. تصوير: أماني خيري
    طريقة تجهيز الدقّة

    توضح مريم رمزي طريقتها في إعداد الدقة خلال فترة الصيام. حيث تقوم بشراء كمية السمسم المطلوبة من أحد العطارين قبل بدء الصيام. ثم تبدأ في تنقيته من الشوائب والحبوب غير الجيدة على صينية، قبل غسله جيدا وتركه ليجف تحت أشعة الشمس لفترة قصيرة. بعد ذلك، تجمع الكمية وتبدأ في تحميصها، سواء في الفرن البلدي أو فرن البوتاجاز.

    وتستكمل: بعد التحميص، يتم طحن السمسم  باستخدام الخلاط حتى يصبح ناعما. ثم يضاف إليه الملح وبعض البهارات البسيطة مثل الكمون والكزبرة، حتى لا يطغى طعم التوابل. وأحيانا يضاف القليل من الفلفل الحار لإضفاء نكهة خفيفة. وبعد ذلك تعبأ الدقة في علب مخصصة للتخزين، وتحفظ لحين تناولها خلال الصيام.

    المصري القديم أول من عرف العيش المخبوز

    يؤكد الطيب غريب، الباحث الأثري ومدير معابد الكرنك السابق، أن مائدة الطعام في مصر القديمة كانت متنوعة. وشملت مختلف أنواع الأطعمة من البقوليات والخضراوات والفواكه واللحوم والأسماك والطيور، وهو ما يعكس تنوع البيئة المصرية واختلاف طبقات المجتمع. وكانت البقوليات عنصرا غذائيا مهما، مثل الفول والعدس والحمص والترمس. إذ كانت تمد الجسم بالبروتين وتمنح الشعور بالشبع لفترات طويلة.

    ويتابع أن المصريين القدماء عرفوا صناعة الخبز “العيش”، وأبدعوا في إنتاجه بأشكال متعددة وصلت إلى نحو 40 نوعا، من القمح والشعير والذرة. ومنه “التاحج” (العيش الأبيض)، و”التاشعت” الذي يشبه الشكل المثلث. كما أن كلمة “باتاو” (الخبز) اشتقت منها الكلمة العامية “البتاو”، وكان يصنع من الشعير حتى وقت قريب في بعض القرى والنجوع المصرية. وأضاف أن بعض أنواع الخبز كان يزين بالسمسم أو يحشى. فضلا عن العيش الشمسي المستدير، الذي لا يزال منتشرا في صعيد مصر حتى اليوم.

    ولفت إلى أن كثيرا من الباحثين يروون أن العديد من الأكلات المصرية. خاصة المرتبطة بالعصر القبطي مثل “الشلولو” و”الفول” و”البصارة” لها جذور تعود إلى المصريين القدماء.

    العيش الناشف.. تصوير: أماني خيري
    العيش الناشف.. تصوير: أماني خيري
    عادات المصري القديم في الطعام

    يشير الدكتور عبد الغفار وجدي، مدير عام آثار الأقصر، إلى أن هناك عادات وتقاليد مصرية قديمة انتقلت إلى العصور اللاحقة، ومنها العصر القبطي. خاصة في الأطعمة المرتبطة بالأعياد والمناسبات، ولا تزال حاضرة حتى اليوم رغم مرور آلاف السنين. وأوضح أن لكل نوع من هذه الأطعمة دلالة رمزية قريبة من معناها القديم. سواء في عيد شم النسيم أو خلال الصيام الطويل الذي يسبق عيد القيامة المجيد، والذي يرمز له بالبيض.

    وأضاف أن استمرار تناول هذه الأطعمة يعكس تحولا ثقافيا. حيث تغير الإطار الديني الذي يمنحها معناها، وانتقلت الرموز من سياق مصري قديم إلى سياق مسيحي، دون فقدان جذورها الشعبية.

    الدقّة.. هل ظهرت عند المصري القديم؟

    يوضح وجدي أن هناك بعض الدلائل التي تشير إلى تناول ما يشبه الدقة المصنوعة من السمسم في العصور القديمة، حيث كان السمسم من المحاصيل المهمة لدى المصريين القدماء، خاصة خلال فترة الدولة الحديثة. وقد عثر على بقاياه في عدد من المواقع الأثرية، وكان يستخدم في صناعة الزيوت أو الطعام أو الخبز. ومع ذلك، لم يكن استخدامه شائعا مثل زيت الكتان أو الدهون الحيوانية، كما أن “الدقة” بمعناها الحالي لم تذكر في المصادر القديمة كطبق محدد معروف.

    اقرأ أيضا:

    70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه

    «فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد

    صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية

  • «أحد السعف».. طقوس دينية وبهجة شعبية في أسيوط والمنيا

    «أحد السعف».. طقوس دينية وبهجة شعبية في أسيوط والمنيا

    كتبت: جاسمين مهني وأسماء منتصر

    تتزين الكنائس وتعلو الترانيم في احتفالات الأقباط بـ«أحد السعف» في محافظتي أسيوط والمنيا، إذ يتوافد المواطنون من مختلف الفئات للمشاركة في قداسات الشعانين. وفي هذه المناسبة تمتلئ الكنائس والمنازل بسعف النخيل، إلى جانب صناعة الأشكال اليدوية من الصلبان والتيجان والقلوب، في مشهد يؤكد على عمق ارتباط الأهالي بهذه الذكرى التي تحيي دخول السيد المسيح إلى القدس.

    استقبال الأهالي للمسيح بالسعف

    يقول موريس بطرس، 50 عامًا، من أسيوط، إنهم يفرحون جدًا بالاحتفال بأحد السعف، مشيرا إلى أن الأجواء جميلة والجميع ينتظره حتى المسلمون. ويحرصون على الاحتفال به لما له من قدسية خاصة في القلوب. فقد تم استقبال السيد المسيح في مدينة القدس معبرين عن فرحتهم باستخدام أغصان الزيتون. وهو ما كان سببا في تسميته بأحد السعف أو أحد الشعانين، ويطلق عليه البعض أيضا عيد الزيتون.

    ويتابع بطرس أن الكنائس تحتفل بأحد الشعانين. وهو يسبق أسبوع الآلام، ويعد الأحد السابع من الصوم الكبير والأخير، كما يسبق عيد الفصح أو ما يعرف بعيد القيامة. وهو اليوم الذي دخل فيه المسيح إلى القدس، ويعد يوم فرح وسعادة وعيدا بالنسبة لهم.

    عادات وتقاليد خاصة

    توضح إيمان فريد، 45عامًا، ربة منزل، أن الاحتفال بأحد السعف أو أحد الشعانين يتم من خلال مجموعة من العادات والتقاليد الخاصة. حيث يتم تداول سعف النخيل خارج الكنيسة، ويستخدم في صنع الصلبان الصغيرة وأشكال متنوعة مثل التيجان التي توضع على الرأس. ويعد هذا اليوم مبهجا للجميع من الأقباط في أسيوط. خاصة الأطفال الذين يشاركون في تصنيع أشكال خاصة بهم. إلى جانب سرد قصة دخول المسيح إلى القدس وغناء الترانيم القبطية.

    وتضيف فريد أن الكنيسة تشهد في هذا اليوم صلوات خاصة تعرف بدورة الشعانين داخل الكنيسة. حيث يقوم الكهنة بالطواف مع المصليين حاملين سعف النخيل مرددين الترانيم. وهو مشهد له مكانة خاصة في القلوب، لأنه يسود الفرح والبهجة بهذه المناسبة العظيمة. كما يتم تلاوة بعض الفصول من الإنجيل وهو ما يعد رمزا روحيا لانتشار رسالة المسيح في العالم كله.

    وتشير إلى أن هذا يأتي بعد الصوم الكبير، وهو صوم من الدرجة الأولى، حيث يمتنع فيه عن أطعمة معينة. وقد سمحت الكنيسة بأكل السمك في هذه الفترة احتياجا للبروتين. كما يوجد صوم يونان، وصوم الأربعاء والجمعة، وصوم الميلاد والغطاس، وصوم السيدة العذراء. وتؤكد إيمان سعادتها بالاحتفال بهذه الأعياد التي تجمع الأسر على اقتناء السعف وارتدائه خلال قداس أحد الشعانين.

    موسم بيع سعف النخيل

    يقول معوض لوقا، 49 عامًا، بائع سعف النخيل، إن أحد السعف موسما مهما لهم كبائعين. حيث يقومون بتجميع سعف النخيل وتصميم أشكال مختلفة منه وبيعه للناس في الشوارع وأمام الكنائس. وهي عادة متوارثة منذ عشرات السنين عن الأجداد. وتعد مصدر رزق لهم وإن كان مؤقتا. ويقبل على شراء السعف معظم الأهالي، بل حتى بعض المسلمين يشترونه لأطفالهم.

    ويضيف أنهم يسهرون ليلا لتصميم هذه الأشكال. إذ تتطلب دقة ومهارة خاصة، وأحيانا يأتي بعض الزبائن لتعلم طريقة التصنيع بأنفسهم، فيقومون بتعليمهم. كما أصبحت الأشكال التي يصممونها، مثل الطاقية والصليب والأسورة، متداولة عبر الإنترنت. ما يتيح للمشتري اختيار ما يناسبه من تصاميم متنوعة وجميلة. ويشير إلى أن الإقبال يتأثر بارتفاع الأسعار. حيث تبدأ أسعار المنتجات من نحو 20 جنيها وتختلف حسب الشكل والمجهود المبذول في تصنيعها.

    أحد السعف في المنيا

    في محافظة المنيا، تشهد ساحات الكنائس مظاهر احتفالية مميزة. حيث يفترش بائعو السعف الأرض في صفوف بسيطة، ممسكين بقطع السعف ويشكلونها في هدوء إلى تيجان وقلوب تضفي أجواء من البهجة. ويقبل المواطنون على شراء السعف وسنابل القمح لتزيين رؤوسهم وملابسهم بها، ووضعها على أبواب المنازل.

    ويتوافد الأقباط على الكنائس للاحتفال بأحد السعف، حيث تزين القاعات بسعف النخيل والورود. بينما يحمل الأطفال الصلبان والورود المصنوعة من السعف، ويؤدون ألحانا روحانية تعرف بلحن الشعانين.

    ويؤكد كل من كرولس وديفيد، وبجوارهم عبدالمسيح وسامح وشادي من بائعي السعف أمام الكنائس بمركز أبو قرقارص، أن المواطنين يقبلون على شراء منتجات السعف المصنوعة من “قلب النخيل الأبيض”. مثل التيجان والقلوب والأساور والصلبان، احتفالا بذكرى دخول المسيح إلى القدس. كما يحرص الأقباط خلال العيد على تزيين المنازل والكنائس بسعف النخيل، وارتداء التيجان المصنوعة منه، خاصة الأطفال.

    ويشيرون إلى أنهم ورثوا هذه المهنة عن أجدادهم، حتى أصبحت جزءا من يومهم قبل أن تكون مجرد وسيلة للرزق. حيث تتحرك أيديهم بخبرة وسرعة، بينما تتوقف أمامهم العائلات لاختيار قطع تحمل فرحة يوم مختلف. فهنا لا يباع السعف فقط، بل تصنع لحظات بسيطة من السعادة. يحملها الأطفال فوق رؤوسهم وتبقى في الذاكرة مع كل عام جديد.

    مهنة متوارثة من الجدود

    يقول سامح سمير، أحد بائعي السعف، إنهم ينتظرون هذه المناسبة كل عام لبيع السعف. وقد توارثوا هذه المهنة عن أجدادهم، حتى أبدعوا في تشكيل، ويتم عرض المنتجات أمام الكنائس. وتبدأ الأسعار من نحو 30 جنيها حسب الحجم والشكل، مع وجود طلب على تصميمات خاصة. خصوصا الأطفال الذي يحبون ارتداء التيجان المصنوعة من السعف.

    ويضيف أن سعف النخيل كان قديما يرمز إلى النصر، لذلك أصبح رمزا للاحتفال. ويتم تشكيله إلى العديد من الأشكال مثل التاج والصليب والورود وغيرها خلال أحد السعف الذي يسبق أسبوع الآلام.

    ويؤكد كرولس عيد، بائع سعف بأبوقرقاص في المنيا، أن أشكال السعف متعددة. منها الصليب بكل أحجامه، وميداليات الصليب الصغيرة، والتاج الذي تكتب عليه الأسماء، والسنابل. وجميعها تصنع من السعف فقط دون أي مواد أخرى. وعن طريقة تصنيع السعف، يقول إنها تمر بعدة مراحل، حيث أولا يتم تنشيف السعف. ثم ترطيبه بالماء ووضعه في الخيش حتى يلين. وبعدها يبدأ تشكيله إلى الأشكال المختلفة بمرونة. وهو ما يضمن استمرار السعف لأطول فترة ممكنة دون تلف.

    مشاركة في القداسات

    يشير ديفيد جرجس، بائع سعف آخر، إلى أن الرجال والنساء والأطفال يشاركون في هذه المناسبة بفرح، باعتبارها مناسبة مبهجة للجميع. حيث يتوجهون صباح أحد السعف مبكرا إلى الكنيسة حاملين مشغولات السعف لحضور زفة السعف، وسط فرحة الأطفال بحمل الأشكال المختلفة. ثم يشاركون في الصلاة بها، ويعودون بها إلى المنازل لتعليقها، لتظل ذكرى حتى العام التالي.

    ويقول شادي عماد، بائع آخر، إنه تعلم هواية تضفير السعف منذ الصغر في عمر 12 عاما من عائلته التي اشتهرت بهذه المهنة. وكان يكتسب كل عام أشكالا جديدة من تصميمات السعف. ويقوم بتشكيل أحجام مختلفة من التيجان والصلبان، إلى جانب ابتكار أشكال جديدة مثل “الجمل” المصنوع من سعف النخيل. فضلا عن صليب السنبلة المزين بالورود، وأشكال تحتوي على القربان، وكذلك سنابل القمح والشمعة الخضراء.

    ويشير عبد المسيح إبراهيم، بائع سعف، إلى أن الباعة يتمركزون بجوار الكنائس. حيث يختار كل صانع سعف موقعه لعرض منتجاته. كما يقوم البعض بإهداء هذه المشغولات لبعضهم البعض، ويتزينون بها. في حين يقبل كثير من المسلمين على شراء السعف لمشاركة الأقباط احتفالاتهم.

    اقرأ أيضا:

    أسبوع الآلام.. الموائد تستقبل «الفول النابت» و«ورق العنب» و«الخل»

  • «وفاء الشقيري» الفائزة بجائزة داود عبد السيد: «عاوزة صوتي يوصل للناس»

    «وفاء الشقيري» الفائزة بجائزة داود عبد السيد: «عاوزة صوتي يوصل للناس»

    حصدت الكاتبة «وفاء سعدي حسين الشقيري»، ابنة الكرنك نجع الملقطة بمحافظة الأقصر، المركز الأول في مسابقة «داود عبد السيد لسينما المؤلف»، من بين ثلاثين متسابقا، ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، وذلك عن سيناريو فيلمها «احتياج»، في أول مشاركة لها داخل مهرجان سينمائي، لتضع بذلك أولى خطواتها الجادة نحو عالم السينما.

     رحلة بدأت مبكرًا

    التقى «باب مصر» الكاتبة الشابة، التي أشارت إلى أن رحلتها مع الكتابة بدأت منذ الطفولة. حيث كانت تدون أفكارها ومشاعرها بشكل بسيط، قبل أن يتحول هذا الشغف إلى مشروع حقيقي تسعى إلى تطويره، معتمدة على القراءة المستمرة والتعلم الذاتي. خاصة في ظل عدم دراستها الأكاديمية لفن كتابة السيناريو، وهو ما لم يمنعها من السعي الجاد لفهم أدواته وبنيته.

    «احتياج».. صوت مسكوت عنه

    يطرح سيناريو “احتياج” قضايا إنسانية حساسة تتعلق بالمرأة، خاصة في مراحل عمرية تتجاوز فيها سن الزواج. حيث يتناول احتياجاتها النفسية والعاطفية والجسدية، إلى جانب رغبتها في الأمومة والشعور بالتقدير. وهي موضوعات غالبًا ما تُهمّش أو يُتحفّظ على مناقشتها في المجتمع.

    وأكدت الشقيري أن الهدف من العمل لم يكن إثارة الجدل بقدر ما هو محاولة لفتح مساحة للنقاش الصادق حول واقع تعيشه كثير من النساء، دون أن يجدن من يعبر عنه. مشيرة إلى أن الكتابة بالنسبة لها وسيلة لطرح الأسئلة قبل تقديم الإجابات.

    لحظة الفوز.. بداية التحول

    تتحدث الشقيري عن لحظة الفوز، وتقول: “شعوري كان مزيجا من الدهشة والفرح. حيث إن هذه اللحظة تمثل نقطة تحول في مسيرتي الفنية، خاصة مع إشادة عدد من صناع الدراما والسينما بعملي. من بينهم عبد الرحيم كمال وناصر عبد الرحمن، وهو ما عزز ثقتي بنفسي ودفعني للاستمرار في هذا الطريق”.

    وتتابع:“أنا بكتب من وأنا صغيرة، بس اللي فرق معايا إني موقفتش. كنت بحاول كل يوم أكتب حتى لو سطرين. لما لقيت تقدير من ناس كبيرة في المجال حسيت إن تعبي مراحش هدر. وإن ممكن فعلًا أكون ليّا مكان”.

    وتؤكد الشقيري أن طموحها يتجاوز حدود الجوائز. إذ تسعى لأن تكون صوتًا معبرًا عن قضايا المرأة والمجتمع، من خلال أعمال صادقة تنبع من واقعها وبيئتها، مشيرة إلى أن قدوتها هو الأديب يحيى الطاهر عبد الله، الذي استطاع أن يعبّر عن مجتمعه بصدق وبساطة. وتضيف: “أنا مش بكتب علشان الفلوس، أنا بكتب علشان عندي حاجة عاوزة أقولها. نفسي صوتي يوصل، ونفسي الناس تحس بالكلام اللي بكتبه”.

    وفاء الشقيري أثناء مشاركتها في معرض الكتاب بعملها الروائي كانسر.. الصورة بواسطة وفاء
    وفاء الشقيري أثناء مشاركتها في معرض الكتاب بعملها الروائي كانسر.. الصورة بواسطة وفاء
     من الأدب إلى السينما

    لا تتوقف تجربة وفاء الشقيري عند السيناريو، إذ أصدرت عددًا من الأعمال الأدبية. من بينها روايتا “سيسيليا” و“راندوم”، إلى جانب مجموعة قصصية بعنوان “كانسر”، مستلهمة جميعها من الواقع الاجتماعي. في محاولة لرصد التفاصيل اليومية للإنسان البسيط، وهو ما انعكس بوضوح على أسلوبها في كتابة السيناريو، الذي يتسم بالبساطة والصدق والاقتراب من التفاصيل الإنسانية.

    وتلفت إلى أن الفوز المادي أو المعنوي لم يكن مهما بقدر أهمية فتح آفاقً جديدة للتواصل مع صناع السينما، حيث أتاحت لها المشاركة في المهرجان فرصة الاحتكاك المباشر بكتاب ومخرجين ومنتجين، ما منحها فهمًا أعمق لطبيعة السوق السينمائي ومتطلباته، إلى جانب التعرف على تجارب مختلفة من دول إفريقية متعددة، وهو ما قد يسهم في تطوير أدواتها خلال الفترة المقبلة.

    مهرجان الأقصر.. منصة للسينما الإفريقية

    انطلقت فعاليات الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، مساء الأحد الماضي، بمشاركة واسعة من صناع السينما من مصر ودول القارة السمراء، في دورة حملت طابعًا خاصًا، حيث احتفت بمئوية المخرج السينمائي العالمي يوسف شاهين تحت شعار “يوسف شاهين.. حدوتة مصرية”، تكريمًا لمسيرته الفنية وتأثيره في السينما العربية والعالمية.

    وشهدت الدورة حضور عدد من نجوم الفن، من بينهم ريهام عبد الغفور وخالد الصاوي، إلى جانب نخبة من السينمائيين والنقاد والمخرجين والسيناريست من مختلف الدول الإفريقية، كما حلت دولة جنوب إفريقيا ضيف شرف هذه الدورة، تأكيدا على عمق الروابط الثقافية والفنية بين مصر ودول القارة.

    اقرأ أيضا:

    إسنا تفقد جزءا من تراثها.. إزالة منزل عمره أكثر من 100 عام

    «جداريات الملقطة».. مشروع فني يحول جدران الأقصر إلى متحف مفتوح

    غضب في الأقصر بعد هدم منزل «حسن فتحي» وإعادة بنائه بشكل مخالف للتصميم الأصلي

  • «الوادي الأسيوطي».. تجربة علاجية وترفيهية في الكثبان الرملية

    «الوادي الأسيوطي».. تجربة علاجية وترفيهية في الكثبان الرملية

    ربما لا يعلم الكثير أن أسيوط تمتلك واحدة من أكبر المحميات الطبيعية في مصر، فهي في الحقيقة لوحة فنية تمتزج فيها جماليات الطبيعة من الجبال والرمال والنباتات والحيوانات البرية التي يتميز بها «الوادي الأسيوطي». ويضم الوادي مجموعة مميزة من الأماكن التي يقصدها الزوار من مختلف المحافظات.

    الصحراء الشرقية

    يقول الدكتور إبراهيم محمود أحمد نفادي، مدير محمية الوادي الأسيوطي وأستاذ قسم النباتات والميكروبيولوجي بكلية  العلوم جامعة أسيوط، إن الوادي يقع في الجزء الغربي من الصحراء الشرقية بأسيوط. ويضم 79 نوعا من الحيوانات البرية المهددة بالانقراض، إلى جانب نباتات طبية فريدة تستخدم في العلاج. ما يجعله بمثابة صيدلية طبيعية لأهالي أسيوط.

    وفي قلب صحراء أسيوط، وتحديدًا بمركز ساحل سليم، يختبئ عالم مختلف لا يشبه أي مكان آخر. حيث تمتزج الطبيعة بسحر خفي بين الكثبان الرملية التي يستخدمها الزوار كوسيلة للعلاج النفسي الاستجمام.

    وتعد محمية الوادي الأسيوطي واحدة من أهم المحميات الطبيعية في مصر. إذ تبلغ مساحتها 35 كم، وهي محمية لإكثار للحيوانات البرية مثل الغزال المصري والماعز الجبلي والنعام، إلى جانب العديد من الزواحف. كما تهدف إلى الحفاظ على الأصول الوراثية النباتية المهددة بالانقراض. خاصة النخيل والنباتات الطبية وبعض نباتات الزينة.

    الكثبان الرملية العلاجية بوادي إيمو.. تصوير: جاسمين مهني
    الكثبان الرملية العلاجية بوادي إيمو.. تصوير: جاسمين مهني
    الإعلان عن المحمية

    يضيف نفادي أنه في عام 1989 تم إعلان الوادي الأسيوطي محمية طبيعية، عقب دراسة بحثية أجرتها جامعة أريزونا الأمريكية استمرت نحو 8 سنوات. بمشاركة عدد من أساتذة كليتي العلوم والزارعة بجامعة أسيوط، وانتهت الدراسة إلى توصيات هامة. أبرزها ضرورة إعلان الوادي محمية طبيعية لاحتوائه على أنواع نادرة من الكائنات. وقد تقدم الدكتور عبد المنعم ماهر بالمقترح إلى وزارة شؤون البيئة، وتمت الموافقة عليه رسميا.

    ويشير إلى وجود باحثين زراعيين داخل المحمية يعملون على الحفاظ على مواردها الطبيعية والنباتات التي تعتمد عليها الحيوانات النادرة. ما يجري العمل على مقترح لإنشاء حديقة حيوانات على غرار “أفريكانو” داخل الوادي على مساحة 100 فدان. لتكون نقلة نوعية سياحيا لمحافظة أسيوط وصعيد مصر. وتضم أنواعا نادرة من الحيوانات المهددة بالانقراض.

    رحلات تعليمية وبحثية

    يستقبل الوادي عشرات الرحلات المدرسية والجامعية، إلى جانب الباحثين الذين يجرون دراسات ميدانية داخله. ويتم التنسيق مع إدارة المحمية مسبقا. حيث تبدأ الزيارة من قاعة المحاضرات التي يتم فيها تعريف الزوار بمكونات الوادي. وتشمل الجولة زيارة المنحل الفرعوني، ومتحف التحنيط، والكهوف التي تأوي الحيوانات النادرة. بالإضافة إلى منطقة “وادي إيمو” التي تتميز بكثبانها الرملية المستخدمة في العلاج.

    وادي إيمو.. رمال للعلاج والاستجمام

    يوضح نفادي أن منطقة وادي إيمو تعد من أبرز المناطق جذبا للزوار. حيث تتميز برمال ناعمة ونقية للغاية، لا تحتوي على شوائب، ولا تلتصق بالملابس. وتتميز هذه الرمال بوجود طبقة سوداء يعتقد أنها تمتلك خصائص مغناطيسية تستخدم في العلاج.

    ويضيف أن كثيرا من الزوار حاولوا نقل هذه الرمال، لكنها فقدت خصائصها خارج موقعها الطبيعي. وتكمن فائدتها في قدرتها على تفريغ الشحنات الكهربية السلبية من الجسم عند المشي عليها حافي القدمين أو الجلوس لفترة. ما يمنح شعورا بالراحة والاسترخاء. كما تستخدم الكثبان الرملية في أنشطة ترفيهية. أبرزها التزحلق على الرمال باستخدام ألواح خشبية، وهي تجربة مميزة تجذب الشباب وطلاب الرحلات.

    ظاهرة طبيعية فريدة

    يكمل نفادي: “تتميز الرمال الموجودة بالمنطقة بحركتها الأفقية. إذ تعيد تشكيل نفسها تلقائيا دون أي تدخل بشري، لتعود إلى طبيعتها كما كانت قبل التزحلق أو السير عليها. فعقب لعب الزوار وانزلاقهم على الرمال، تتغير ملامحها وتظهر  آثار الأقدام وألواح التزحلق الخشبية. لكن خلال يوم واحد فقط، تعود الرمال إلى حالتها الأولى، مستوية وكأن شيئا لم يكن. ويرجع ذلك إلى خفة حبيباتها التي تحملها الرياح بسهولة، فتعمل على تسويتها من جديد. في مشهد طبيعي مدهش يعكس خصوصية هذه المنطقة، خاصة في وادي إيمو.

    ولا تقتصر زيارة الكثبان المحيطة بوادي إيمو داخل محمية الوادي الأسيوطي على مجرد جولة عابرة. بل تتحول إلى تجربة استثنائية متكاملة يعيشها الزائر بكل حواسه. فالرمال ناعمة كأنها لم تمس من قبل، ونظيفة بشكل لافت، وتحيط بها حالة من الجمال والغموض. خاصة مع استخدامها في العلاج النفسي واستعادة التوازن الجسدي. لذلك يشعر الزائر بمزيج من المتعة والمغامرة ودهشة الاكتشاف. ما جعل المنطقة مقصدا سياحيا مميزا، حيث يندمج الزائر مع المكان ويشعر وكأنه جزء منه”.

    اقرأ أيضا:

    «ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟

    المسرح في الأقصر.. فن حي يواجه الغياب الجماهيري

    المسرح في أسيوط.. حضور قائم وتحديات مستمرة

  • في دورته الـ15.. «مهرجان الأقصر السينمائي» يجمع نجوم وصناع السينما

    في دورته الـ15.. «مهرجان الأقصر السينمائي» يجمع نجوم وصناع السينما

    كتب: أماني خيري وأبوالحسن عبدالستار

    في معبد الأقصر، افُتتحت الدورة الـ15 من «مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية»، بحضور عدد من نجوم الفن من مصر وبعض الدول الإفريقية، إلى جانب عدد من المخرجين والكتاب. وخصصت هذه الدورة لإهداء روح عدد من صناع السينما الذين رحلوا مؤخرا، من بينهم الناقد فاروق عبد الخالق، والمخرج داود عبد السيد، والمخرج الجزائري محمد الأخضر حمينة، والمالي سليمان سيسيه.

    فيلم تسجيلي لـ«يوسف شاهين»

    شهد حفل الافتتاح عرض فيلم تسجيلي عن المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين. استعرض مسيرته الفنية، متضمنا شهادات لعدد من الفنانين الذين عاصروه، وكان أبرزهم محمود حميدة. كما تم الاحتفاء بالمخرج الراحل داود عبد السيد، حيث أعلنت إدارة المهرجان عن إطلاق مسابقة جديدة تحمل اسمه في مجالي السيناريو وسينما المؤلف. وتضم لجنة تحكيم تضم مكونة من وسام سليمان، وعبد الرحيم كمال، وناصر عبد الرحمن.

    وفي كلمته خلال حفل الافتتاح، أكد رئيس المهرجان السيناريست سيد فؤاد إن إقامة هذه الدورة واجهت العديد من التحديات. مشيرا إلى أن استمرار المهرجان جاء بدافع حب السينما. فضلا عن إيمان القائمين عليه بأهميته كمشروع ثقافي. موضحا أنه يمثل نموذجا للتكامل بين المؤسسات الثقافية والمجتمع.

    كما أعربت الفنانة يسرا عن سعادتها بالمشاركة في المهرجان الذي يحمل اسم الراحل يوسف شاهين. مؤكدة أن علاقتها به تمثل جزءا مهما من مسيرتها الفنية التي امتدت لنحو 50عاما، وقالت: “أنا جاية مخصوص علشانه”. كما وجهت الفنانة ريهام عبد الغفور الشكر لإدارة المهرجان على تكريمها هذا العام.

    تفاصيل الدورة

    كشف السيناريست سيد فؤاد عن تفاصيل الدورة الحالية، موضحا مشاركة 34 دولة من خلال كُتّاب سيناريو ومخرجين وصنّاع أفلام ونقاد وصحفيين. بالإضافة إلى لجان التحكيم والمكرمين، مشيرا إلى أن فعاليات المهرجان تتضمن 65 فيلما و12 ندوة. وتقام جميعها مجانا للجمهور من الساعة العاشرة صباحا حتى التاسعة مساء، ومفتوحة لجمهور الأقصر والصعيد.

    وأضاف أن جنوب إفريقيا ضيف شرف الجمهور هذا العام. لما تتميز به من تاريخ سينمائي يمتد لأكثر من 130 عاما، مشيرا إلى أن صناعة السينما فيها مرت بمراحل تطور مهمة حتى أصبحت تعكس هوية أصحابها الأصليين.

    الفنان خالد الصاوي.. الصورة من إدارة المهرجان
    الفنان خالد الصاوي.. الصورة من إدارة المهرجان
    إطلالة صعيدية

    في لفتة خلال حفل الافتتاح، ظهر خالد الصاوي، بإطلالة صعيدية مرتديا الجلباب والشال. مؤكدا أن ذلك يأتي تعبيرا عن الهوية المصرية الصعيدية. خاصة في ظل تنوع المشاركات الإفريقية التي يعبر كل منها عن ثقافته بزيه التقليدي، داعيا إلى احترام حرية الأفراد في اختيار ما يرتدونه دون تقييد.

    وتحدث الصاوي عن إمكانية تجسيده لشخصية تاريخية في السينما، مشيرا إلى أنه يفضل الملك رمسيس الثاني لما يتمتع به من قوة وذكاء وإنجازات تاريخية. كما أشار إلى تحتمس الثالث كأحد الشخصيات التي يراها جديرة بالتجسيد. كما أوضح أنه خضع لعملية تكميم المعدة نجح من خلالها في خسارة نحو 40 كيلوجراما، معتبرا أنها كانت الحل الأنسب له صحيا.

    من جانبه، أعرب الفنان محسن منصور عن سعادته بالمشاركة في المهرجان، موجها الشكر لإدارته ولوزير الثقافة. مشيرا إلى اختياره عضوا بلجنة تحكيم في مهرجان أفلام الصعيد القصيرة للمرة الأولى. ومؤكدا أهمية دعم المواهب الشابة باعتبارها نواة لأعمال فنية مميزة. كما أشاد بتنظيم المهرجان واعتبره رسالة تؤكد أن مصر بلد الأمن والأمان رغم ما يشهده العالم من أحداث.

    وأبدى الفنان أحمد فتحي سعادته بالمشاركة، معبرا عن حبه لمدينة الأقصر. مؤكدا أن المهرجان أصبح من أهم المهرجانات السينمائية في مصر وخارجها، نظرا لاهتمامه بالسينما الإفريقية. وأضاف أن الكوميديا لا تزال حاضرة في السينما المصرية. لكنها تشهد تطورا في شكلها وجودة الإفيهات بما يتناسب مع طبيعة العصر.

    مسلسل نرجس

    على هامش تكريمها في حفل الافتتاح، نظمت إدارة المهرجان ندوة للفنانة ريهام عبد الغفور بمشاركة الفنان خالد الصاوي، داخل معبد الأقصر وسط المدينة.

    تحدثت عبد الغفور عن دورها في مسلسل “نرجس” الذي عرض خلال شهر رمضان. وقالت إن اختيارها لأداء هذا الدور جاء عقب حديثها مع منتج العمل محمد مشيش حول فكرة المسلسل قبل قراءة السيناريو. مشيرة إلى أنها تحمست كثيرا لما يحمله الدور من تحد كبير بالنسبة لها. سواء على مستوى الشكل أو طبيعة الشخصية وما قد يتوقعه الجمهور عنها.

    وأضافت أنها تابعت لقاءات سابقة على الإنترنت تتعلق بالشخصية الحقيقية التي استلهم منها العمل. ونجحت في استحضار بعض تفاصيلها، لافتة إلى أنها تميزت بقدر من المراوغة في الردود.

    وقالت: “تحمست جدا للمشروع، لدرجة أنني كنت أشعر بنوبات قلق إذا لم يتم التواصل معي لمدة ثلاثة أيام. وكنت أظن أن المشروع قد توقف، من شدة تعلقي وحبي له، والحمد لله حققنا نجاحا أكبر مما توقعنا. وسعيدة وفخورة بكوني جزءا من هذا العمل. أنا محظوظة هذا العام بـ”حكاية نرجس” وبعتبره دور عمري”.

    من ندوة الفنانة ريهام عبد الغفور.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    من ندوة الفنانة ريهام عبد الغفور.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    رغبة في التغيير

    تابعت عبد الغفور أنها بعد قراءة السيناريو ومتابعة بعض اللقاءات عن الشخصية، قررت الفصل تماما بين شخصيتها الحقيقية والدور. والتركيز على الأداء وفق رؤية المخرج. خاصة أنه كان حريصا على تقديم الشخصية بشكل يكتسب تعاطف الجمهور، ويبرز تأثير الضغوط المجتمعية والكلام السلبي على الإنسان.

    وأوضحت أن رغبتها في التغيير الفني بدأت منذ مشاركتها في مسلسل “الريان” عام 2011. حيث سعت إلى الخروج من المناطق الآمنة وأداء أدوار مختلفة عما اعتاده الجمهور. وهو ما استمر معها حتى عام 2021، من خلال تجارب فنية متنوعة، حتى وإن حملت بعض المخاطرة، إلا أن ثقتها بالله دفعتها لاتخاذ هذه القرارات.

    حمزة العيلي: ريهام متواضعة وتحترم الجميع

    في كلمته خلال الندوة، أعرب الفنان حمزة العيلي عن سعادته بتكريم ريهام عبد الغفور في حفل الافتتاح. وكذلك بمشاركتها البطولة في مسلسل “حكاية نرجس”، مؤكدا أن أجواء العمل اتسمت بروح المحبة والرقي والتواضع بين جميع فريق العمل.

    وقال: “ريهام دائما متواضعة وتحب الجميع، وتقول إننا نتعلم من كل الناس، لكن الحقيقة أننا نتعلم منها الكثير جدا”. مشيرا إلى أنها حققت تطورا ملحوظا في مسيرتها الدرامية خلال السنوات الماضية، ووصلت إلى مرحلة متقدمة فنيا. وأضاف أن السينما تحتاج إلى أعمال قوية تحمل رسائل مؤثرة وتحدث تغييرا في المجتمع. مؤكدا أن وجود ريهام يمثل إضافة مهمة لأي عمل فني.

    الفنان صبري فواز.. الصورة من إدارة المهرجان
    الفنان صبري فواز.. الصورة من إدارة المهرجان
    صبري فواز: فنانة صادقة وتعيش أدوارها

    من جانبه، تحدث الفنان صبري فواز عن مميزات ريهام عبد الغفور، مؤكدا أنها تتمتع بقلب يسع الجميع. وشخصية صادقة لا تحمل أي حساسيات تجاه السوشيال ميديا. وتتعامل مع فريق العمل بروح واحدة سواء مع النجوم أو المبتدئين أو الأطفال.

    وأشار إلى تميزها في أداء أدوار متنوعة دون التقيد بنمط ثابت، موضحا: “من أهم مميزاتها أنها لا تنشغل بصورة ريهام أثناء العمل. بل تترك شخصيتها جانبا وتندمج تماما في الدور، وتنتقل إلى شخصية أخرى بسلاسة وهدوء نفسي. وهي قدرة يخشى كثيرون من خوضها”.

    خالد الصاوي: جانب مظلم قاده للتصالح مع نفسه

    تحدث الفنان خالد الصاوي خلال الندوة عن رحلته الشخصية، موضحا أنه مر بمرحلة صعبة في صغره. حيث تعرض لحادث تسبب في إصابته في ساقه، ما أصابه بصدمة كبيرة، خاصة مع اعتقاده السابق بأنه لن يتعرض لأي أذي.

    وأشار إلى تكرار حالات الفشل في المدرسة الثانوية دفعه للتفكير في التغيير وإعادة تقييم أهدافه. فقرر الالتحاق بكلية الحقوق، وحصل على لقب الطالب المثالي. وأضاف أنه حياته شهدت العديد من الصراعات بين تجارب ناجحة وأخرى صعبة. إلى جانب إصابته بفيروس “سي” وتعافيه منه. مؤكدا أن كل هذه المراحل ساعدته في النهاية على التصالح مع ذاته وفهم الحياة بشكل أعمق.

    اقرأ أيضا:

    على هامش مهرجان “كان”.. “الأقصر للسينما الإفريقية” يعلن ملامح دورته التاسعة

  • 70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه

    70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه

    بين لهيب النيران، وارتفاع درجات الحرارة، والحديد الساخن، وأعين أنهكها الإرهاق، يجلس «عم عبده»، ابن محافظة الأقصر، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الكبر، بينما يمسك بقطعة حديد يضعها على نيران مشتعلة، ليتمكن من تصنيع أدوات حديدية متنوعة تُستخدم في الأراضي الزراعية، أو داخل المنازل والأحواش، أو لإصلاح قطع قديمة يطلبها الزبائن مقابل أجر زهيد، لكنه اعتاد العمل والشقاء بدلا من الفراغ.

    تسخين الحديد بلهيب النيران

    عم عبده حسن، البالغ من العمر 80 عامًا، يعمل في مهنة الحدادة منذ أن كان في العاشرة من عمره. حيث ورثها عن والده، الذي كان يعد من أشهر الحدادين في أرمنت جنوب محافظة الأقصر. ويعمل في تصنيع المناجل والفؤوس، والمقصات، وحلقات الحديد التي تستخدم لربط المواشي في الأحواش.

    يقول عم عبده: “أقوم بتصنيع الآلات الحديدة المتنوعة. وأحيانا أصلح الأجزاء التالفة باستخدام طريقة تسخين الحديد بلهيب النار، لتشكيل وتحديد الشكل المطلوب للآلة. سواء كان مقصا أو منجلا يستخدمه المزارعون وغيرها من الأدوات الحديدية”.

    المناجل والفؤوس

    يعمل عم عبده بكثافة خلال مواسم الزراعة. حيث يزداد الطلب على المناجل والفؤوس، إضافة إلى الحلقات الحديدية الصغيرة الخاصة بالمواشي، التي يستخدمها الأهالي لربط أرجلها ومنعها من الهروب. كما يزداد الطلب في موسم حصاد القمح على أدوات حديدية معينة وفق احتياجات المزارعين. إذ أنه يلتزم بتنفيذ ما يطلبه الزبائن”.

    يستيقظ مبكرًا مع بداية ضوء النهار، ويبدأ في تشغيل الكور لفترة قصيرة لرفع درجة حرارته، قبل وضع الحديد عليه لتشكيله. ثم ينهي عمله في وقت الظهيرة، خاصة مع تراجع قدرته على العمل لساعات طويلة بسبب تقدمه في العمر. فيستريح من حرارة النيران ويتناول طعام الغداء.

    عم عبده الحداد.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    عم عبده الحداد.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    طريقة تصنيع الآلات الحديدية

    يوضح عم عبده أن تصنيع الأدوات الحديدية تبدأ بشراء الحديد الخام بالكيلو. ثم تسخينه باستخدام ما يعرف بـ”الكور” أو “الموتور”. حيث يتم دفع الهواء وإشعال الفحم حتى تصل درجة الحرارة إلى مستوى عال يسمح بتشكيل الحديد. وبعد تسخينه، يتم طرقه بالشاكوش للوصول إلى الشكل المطلوب.

    ويشير إلى أن مدة تصنيع الأداة تختلف من قطعة لأخرى، فبعضها يستغرق نحو ساعة ونصف أو ساعة إلا ربع. مثل المقص أو “الطورية”، بينما تحتاج الأدوات الأكبر حجما إلى وقت أطول.

    العمل وسط لهيب النيران

    رغم بلوغه الثمانين من عمره وظهور علامات التقدم في السن عليه. إلا أن عم عبده يفضل مواصلة العمل وسط النيران والحديد على الجلوس دون عمل، قائلا: “دي تسلية أحسن ما أنام جنب الحيط”.

    وقد تسبب الدخان الكثيف الناتج عن عملية تسخين الحديد في إصابته بإجهاد شديد في العينين واحمرار وتورم، إلى جانب تدهور حالته الصحية. حتى إنه خضع لعدة عمليات في عينيه، لكن دون تحسن يذكر، قائلا: “عيني وجعاني والله.. رحت كشفت وعملت 4 عمليات، لكن مفيش فايدة”.

    وعن عدم ارتدائه نظارة واقية أثناء العمل، أوضح: “أنا اتعودت أشتغل كده، ماعرفش ألبس نظار.، ما اتعودتش عليها، والنهارده أو بكرة هموت خلاص، ما يهمش، ربنا يقضيها على خير إن شاء الله”.

    عم عبده الحداد.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    عم عبده الحداد.. تصوير: أبوالحسن عبدالستار
    أمنية عم عبده.. أداء العمرة

    تظل أمنية عم عبده الوحيدة هي زيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك العمرة أو الحج. إلا أن عقبات تتعلق بأوراق التجنيد حالت دون تمكنه من السفر. رغم محاولاته المتكررة، يعبر بعينين دامعتين: “حاولت أقدم للسفر لأداء العمرة أو الحج، لكن معرفش.. الزيارة نصيب وقسمة، لو لينا نصيب كان جابها ربنا. في مشكلة في الورق بتاعي”، مناشدا المسؤولين مساعدته في تحقيق أمنيته قبل أن يلقى ربه في ظل كبر سنه.

    ويؤكد محمد، نجل عم عبده، معاناة والده في استخراج أوراق السفر. موضحا أن إدارة الجوازات بمحافظة الأقصر رفضت استخراج جواز سفر له منذ نحو ثلاث سنوات، بسبب ضرورة تقديم ما يثبت موقفه من الخدمة العسكرية.

    وأشار إلى أنه تم التوجه إلى محافظة قنا للحصول على شهادة تحديد الموقف من التجنيد، إلا أن محاولات البحث في السجلات القديمة لم تسفر عن أي بيانات. خاصة أن بطاقة والده كانت قديمة ولم يثبت بها موقفه من التجنيد، ومع تحديثها بالنظام الحديث ظلت البيانات على وضعها السابق. ما أدى إلى استمرار تعثر استخراج جواز السفر، وبالتالي عدم تمكنه من السفر لأداء مناسك الحج أو العمرة في السعودية.

    اقرأ ايضا:

    «فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد

    صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية

    «الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه

  • المسرح في أسيوط.. حضور قائم وتحديات مستمرة

    المسرح في أسيوط.. حضور قائم وتحديات مستمرة

    لا يزال المسرح في محافظة أسيوط ساحة تُعرض من خلالها قضايا المجتمع، وينعكس فيها نبض الشارع على خشبة العرض، إلا أنه يواجه تحديات مرتبطة بغياب خطة واضحة وضعف الدعاية، ما يؤثر على انتشاره وحضوره الجماهيري. كما يواجه المسرح تحديات إدارية وإنتاجية تنعكس على انتظام العروض وجودتها.

    المسرح أبو الفنون

    يقول المخرج المسرحي الكبير، أحمد الشريف، إن المسرح هو “أبو الفنون”. إذ يحمل على خشبته مجموعة متمازجة من فنون الأداء والتأليف والنحت والتشكيل والموسيقى والاستعراض. ليقدم وجبة دسمة من الفكر في إطار من المتعة والجمال البصري والصوتي، بهدف إيصال رسالة للجمهور.

    ويؤكد أن الأقاليم، خاصة في الصعيد، تعاني من غياب المسارح الكبرى والاستديوهات وغيرها من وسائل الترفيه. ما يمنح مسرح الأقاليم أهمية مضاعفة.

    يضيف الشريف أن وزارة الثقافة حملت على عاتقها دعم مسرح الأقاليم، من خلال نش قصور الثقافة في مختلف أنحاء الجمهورية، لا سيما في الصعيد. وأصبحت هناك فرق مسرحية في كبرى مراكز المحافظات. يتراوح عددها بين 3 و9 فرق في المحافظة الواحدة، تقدم عروضها لجمهور القرى والنجوع.

    وتشير الصور التوثيقية ومقاطع الفيديو إلى حضور جماهيري كبير. قد يتجاوز في بعض المواقع الثقافية ما بين 400 إلى 3000 متفرج يوميا، على مدار 7 إلى 10 أيام عرض، وهو ما يعكس قوة جذب المسرح.

    عرض مسرحي للممثلة دميانه سمير.. الصورة من الممثلة
    عرض مسرحي للممثلة دميانه سمير.. الصورة من الممثلة
    مصنع للمواهب

    يوضح الشريف أن هذه الفرق احتوت مواهب القرى والنجوع من مؤلفين وشعراء ومهندسي ديكور وممثلين ومخرجين، إلى جانب الراقصين والمطربين والملحنين.

    كما نظمت قصور الثقافة العديد من الورش لصقل هذه المواهب. ما أسهم في ظهور طموحات لدى الشباب للانطلاق نحو الاحتراف. وقد أفرزت هذه التجربة أسماء بارزة على الساحة، مثل إيهاب محفوظ، وعبد الله سعد، وعماد صابر، ومصطفى عماد، وغيرهم ممن التحقوا بالمعاهد المسرحية المتخصصة.

    ووجه الشريف رسالة للمسؤولين، مطالبا بإنقاذ المسرح من تعقيدات الإجراءات الإدارية وتأخر صرف ميزانيات الإنتاج، مؤكدا أن البيروقراطية تقتل الإبداع. وأشار إلى أن مسارح أسيوط تحتاج إلى صيانة عاجلة، مع غياب واضح للدعاية بسبب تقليص الميزانيات، متسائلا: ما جدوى إنتاج عرض مسرحي دون وجود دعاية أو حتى “أفيش”؟

    حال المسرح في أسيوط

    من جانبه، يقول عمرو حمزة، ممثل ومخرج مسرحي، إن حال المسرح في أسيوط قد يكون أفضل من محافظات أخرى. لكنه لا يزال دون المستوى المطلوب، بسبب التكرار والرتابة في بعض العناصر. ويضيف أن المشكلة الحالية لا تكمن في الجانب الفني، بل في التعقيدات الإدارية والمالية، وتأخر صرف الميزانيات. ما يؤدي إلى تقديم العروض في غير مواعيدها وبجمهور محدود. وأحيانا يتم التعجل في إنهائها دون الاهتمام بجودة التنفيذ.

    وأشار حمزة إلى أهمية الورش المسرحية في اكتشاف المواهب، مستشهدا بتجربة الفنان مصطفى عماد، أحد أبطال مسلسل “سيد الناس”. والذي بدأ من مسرح أسيوط قبل التحاقه بالمعهد القومي للفنون المسرحية. كما أكد أن هناك عشرات الممثلين والمخرجين المتميزين من خريجي مسرح أسيوط، الذين لهم حضور قوي على مسارح مصر. سواء في مسرح الطفل أو الكبار، حتى وإن لم يظهروا على شاشات التلفزيون.

    وذكر أن من بين هذه الأسماء: عماد صابر، وإيهاب محفوظ، ومدونة هاني، وعبد الله سعد، وأميرة حسني، وغيرهم، ممن يواصلون مسيرتهم الفنية. بل ويستكمل بعضهم دراسات عليا في معهد الفنون المسرحية.

    أحد العروض المسرحية في أسيوط.. الصورة من الممثلة دميانه سمير
    أحد العروض المسرحية في أسيوط.. الصورة من الممثلة دميانه سمير
    دعوة لتنظيم العمل المسرحي

    يطالب حمزة بوضع خطة واضحة لتنظيم العمل المسرحي، تشمل مواعيد البروفات والعروض، إلى جانب تطوير آليات الدعاية لجذب الجمهور. وأشار إلى وجود فجوة أحيانا بين توفر الجمهور وغياب العروض، أو العكس. وهو ما يتطلب دراسة جادة.

    وأكد أن المسرح في أسيوط قد خرج عشرات الفنانين والمخرجين ومساعدي المخرجين الذين يؤدون دورا مهما في الحركة المسرحية، مشددا على ضرورة دعم هذا القطاع. كما وجه رسالة للجمهور بمتابعة العروض المسرحية، لأن المسرح لا يكتمل دون جمهوره.

    المسرح مرآة للعقل

    توضح دميانه سمير عبده، ممثلة من أسيوط، أن المسرح يلعب دورا قويا في التوعية، لما يمتلكه من قدرة على جذب الجمهور، سواء من الأطفال أو الكبار. وأضافت أنها بدأت مشوارها في قصور الثقافة عام 2018. وشاركت في أعمال عالمية مثل “هاملت”، إلى جانب عروض أخرى تحمل رؤى فكرية وكوميدية مختلفة. وأكدت أن أهمية المسرح تكمن في قدرته على تقديم رسالة، تختلف قراءتها من مشاهد لآخر حسب إدراكه.

    وتشير إلى أن جملة واحدة في عرض مسرحي قد تترك أثرا عميقا لدى المتلقي. لافتة إلى تجربتها في إخراج عروض للأطفال، والتي لاقت تفاعلا كبيرا، ولا يزال الجمهور يتذكر أغانيها وتفاصيلها حتى الآن.

    وأكدت أن المسرح هو مرآة يرى فيها الإنسان نفسه وحياته، ويعيد التفكير في قراراته. وناشدت المسؤولين بضرورة الاهتمام بالمسرح، نظرا لما يعانيه من إهمال فني وإداري. كما أشارت إلى أن جمهور المسرح غالبا ما يقتصر على الأصدقاء والمهتمين. في حين يحتاج إلى الوصول إلى فئات أوسع من المجتمع. وهو ما يتطلب دعاية قوية وفعالة للعروض المسرحية داخل قصور الثقافة. 

    اقرأ أيضا:

    «ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟

    المسرح في الأقصر.. فن حي يواجه الغياب الجماهيري

  • «ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟

    «ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟

    مع الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، يبرز نموذج مدينة سفاجا كواحد من أبرز تجارب الحضور المسرحي الفاعل. إذ شهد خلال الفترة من 2000 إلى 2010 نشاطا لافتا بعروض متنوعة جمعت بين الكوميديا السياسية والاجتماعية والأعمال الجادة. واستضافت مخرجين من مختلف المحافظات. ما أسهم في صقل المواهب وتعزيز التفاعل الجماهيري، حتى أطلق عليها «ليالي الأنس في سفاجا». غير أن هذا الحراك تلاشى اليوم، وتوقفت العروض، ليبقى المسرح مجرد ذكرى بعد أن كان منارة للوعي والقيم الفنية.

    فترة ازدهار المسرح

    يستعرض شاذلي عبد العزيز، شاعر وممثل بفرقة سفاجا المسرحية التابعة لقصور الثقافة وإقليم جنوب الصعيد، فترة ازدهار المسرح في مدينة سفاجا. مؤكدا أنها كانت مرحلة استثنائية شهدت حراكا فنيا وثقافيا واسعا. قدمت الفرقة خلالها عددا كبيرا من العروض المسرحية التي تنوعت موضوعاتها ولامست قضايا المجتمع. من بينها مسرحيات: بكرة  وطاقة شوف، العجوز والظابط والمليونير، رحلة حنضل المسيري، والطاغية.

    وتابع أن فرقة مسرح قصر ثقافة سفاجا شاركت في مهرجان المسرح الذي أقيم بالمدينة عام 2004 بمشاركة عشرات الفرق من مختلف المحافظات. حيث استضافت سفاجا أكثر من عشرين فرقة على مدار أسبوع كامل في تظاهرة فنية غير مسبوقة. لاقت صدى واسعا حتى أطلقت الصحف على تلك الفترة لقب “ليالي الأنس في سفاجا”، في إشارة إلى حالة الزخم والإقبال الجماهيري الكبير.

    تكريم كمال الشناوي

    يشير عبد العزيز إلى أن ختام المهرجان أقيم بمسرح قصر ثقافة سفاجا. وشهد لحظة فارقة تمثلت في تكريم المبدعين وتوزيع الجوائز على يد الفنان القدير كمال الشناوي. وهو ما منح الحدث قيمة فنية كبيرة ورسخ في ذاكرة أبناء المدينة كواحد من أهم المحطات المسرحية.

    ويؤكد أن الفرقة كانت تضم نحو عشرين ممثلا وحققت نجاحات لافتة. حيث حصل أحد ممثلي عرض تراحيل على جائزة أفضل ممثل في العروض المسرحية على مستوى الجمهورية. وهو إنجاز يعكس قوة الفرقة وتميزها الفني خلال تلك الفترة، التي مثلت العصر الذهبي للمسرح في سفاجا من عام 2000 إلى 2010. لما شهدته من دعم وتفاعل جماهيري واهتمام رسمي.

    إغلاق المسرح: ضربة قاسية أنهت الحلم الثقافي

    ينتقد شاذلي عبد العزيز تراجع الحركة المسرحية في الوقت الحالي ويقول: “اختفاء هذا النشاط جاء نتيجة غلق مسرح قصر ثقافة سفاجا بقرار من الحماية المدنية. بسبب تهالكه وعدم مطابقته لاشتراطات السلامة. ما جعله يشكل خطورة على الجمهور والممثلين. وهو ما أدى إلى غياب مكان رسمي للعروض وحرمان الشباب من منصة يقدمون من خلالها مواهبهم”.

    ويلفت إلى أن محاولات استعادة النشاط المسرحي ما زالت قائمة من خلال جهود فردية وبعض العروض المحدودة. إلا أنها تظل غير كافية في ظل غياب البنية التحتية والدعم المؤسسي. مؤكدا أن عودة المسرح في سفاجا تحتاج إلى رؤية حقيقية تعيد لهذا الفن دوره التنويري وتأثيره في المجتمع

    إهمال لا نقص مواهب

    تؤكد سوسن عبد الرازق، معلمة لغة عربية بمدينة سفاجا وممثلة سابقة بقصر ثقافة سفاجا خلال الفترة من 2000 إلى 2010، أن المسرح كان يمثل حالة فنية وثقافية متكاملة. حيث كانت العروض المسرحية تجمع بين السينما والمسرح في أجواء حيوية تشهد حضور مخرجين من مختلف المحافظات للعمل لفترات تمتد لشهور. ما أتاح حالة من الزخم الفني والتجارب المتنوعة التي أسهمت في صقل مهارات الممثلين. وخلق حالة من الشغف الحقيقي تجاه المسرح.

    وتتابع: “شاركت في عدد من العروض المسرحية التي كانت تقدم على مدار ثلاثة إلى أربعة أيام متتالية. وتتنوع موضوعاتها بين الكوميديا السياسية والاجتماعية. تلك العروض كانت تلقى إقبالا جماهيريا كبيرا رغم بساطة المدينة. وهو ما يعكس وعي الجمهور وارتباطه بالفن الجاد وقدرته على التفاعل مع قضايا مجتمعه من خلال المسرح”.

    وتشير سوسن إلى أن المسرح لعب دورا مهما في توعية المجتمع. حيث كان يقدم رسائل مباشرة وغير مباشرة تمس القضايا اليومية للمواطنين وتساهم في تشكيل الوعي العام. مؤكدة أن المسرح لم يكن مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة فعالة في بناء الفكر وتعزيز القيم داخل المجتمع.

    أحد العروض على مسرح سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    أحد العروض على مسرح سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    دور المسرح حاليا

    تنتقد عبد الرازق تراجع دور المسرح في الوقت الحالي، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في الممثلين. بقدر ما ترتبط بضعف الاهتمام من القائمين على المنظومة الثقافية وإهمال المسرح في العديد من المدن. ما أدى إلى غياب هذا التأثير القوي الذي كان يلمسه الجمهور سابقا.

    وتنوه بأن الدولة كانت تولي اهتماما كبيرا بالأنشطة الثقافية في السابق. حيث كانت ترسل مدربين ومتخصصين لدعم الفرق المسرحية وتنمية المواهب. وهو ما ساهم في ازدهار الحركة الفنية على مستوى بيوت الثقافة، التي تحولت الآن في بعض الأماكن إلى مساحات مهملة تفتقد لدورها الحقيقي.

    وتطالب عبد الرازق بضرورة إعادة إحياء المسرح من خلال توفير أماكن رسمية مخصصة للعروض. بدلا من الاعتماد على الجهود الفردية فقط. مؤكدة أن الجمهور يثق بشكل أكبر في الكيانات الرسمية، وأن عودة المسرح بشكل منظم ومدعوم من الدولة سيعيد له بريقه ودوره المؤثر في المجتمع.

    دعم الدولة يصنع مسرح متكامل الأركان

    يؤكد إبراهيم خليل، مدير قصر الثقافة السابق، أن المسرح كان يحظى بدعم مؤسسي واضح من الدولة. حيث كانت تخصص له ميزانية سنوية لتشكيل الفرق المسرحية. واعتماد مخرجين محترفين لتدريب الأفراد واختيار النصوص والعمل عليها لعدة شهور في إطار منظم، يهدف إلى تقديم عروض مكتملة العناصر

    ويوضح أن تلك العروض كانت تخضع لتقييم شامل من لجان متخصصة تابعة للمسرح أو وزارة الثقافة. حيث يتم فحص جميع التفاصيل من ديكور وصوتيات وملابس. وعلى أساس هذا التقييم يتم إقرار زيادة الميزانية أو تسجيل الملاحظات لتفاديها في المواسم التالية. وهو ما كان يمثل دافعا حقيقيا لتقديم أعمال قوية ومؤثرة تنبع من واقع المجتمع وتناقش قضاياه الحساسة بشكل مباشر.

    عزوف المشاركين وراء انحسار المسرح

    يرى خليل أن تراجع المسرح والذوق الثقافي في مدن البحر الأحمر يعود إلى عدة أسباب. أبرزها انخفاض إقبال العناصر الفنية على المشاركة في العروض. بعدما كانت الفرق تضم مختلف فئات المجتمع من الموظف إلى المدرس والعامل ورجل الشارع. إلا أن تسارع وتيرة الحياة اليومية وتراجع الحالة الثقافية العامة ساهما في عزوف الكثيرين عن المشاركة. إلى جانب ضعف الاهتمام من القائمين على المنظومة الثقافية.

    ويشير إلى أن مدن البحر الأحمر كانت تشهد حالة من الحراك الثقافي الملحوظ. حيث كان لكل بيت ثقافة أو قصر ثقافة فرقة مسرحية مدربة، وفرقة للأطفال، إلى جانب فرق للإنشاد والغناء الشعبي. وهو ما خلق حالة من التفاعل المجتمعي الواسع مع الأنشطة الثقافية.

    كما أكد أن المسرح كان يترك بصمة واضحة في حياة الناس. حيث كان الجمهور يحفظ عبارات من المسرحيات ويتداولها في أحاديثه اليومية، ويناقش القضايا التي تطرحها العروض. بما يعكس مدى تأثير الفن في تشكيل الوعي الجمعي. لافتا أن المسرح، إلى جانب الموسيقى والشعر، يعد من أهم أدوات بناء الإنسان وتعزيز السلام الروحي داخل المجتمع.

    أحد عروض مسرح قصر ثقافة سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    أحد عروض مسرح قصر ثقافة سفاجا.. الصورة من ألبوم القصر
    تجربة مسرح الشلاتين

    يروي إبراهيم خليل تجربته خلال فترة عمله في الشلاتين. حيث نجح في تكوين فرقة مسرحية حرص من خلالها على تقديم عروض تناقش العادات والتقاليد القبلية وقضايا الزواج والتعارف بين القبائل. وقد لاقت هذه الموضوعات تفاعلا كبيرا من الجمهور رغم بساطة المجتمع.

    ويستعيد خليل مظاهر ازدهار الحياة الثقافية في الماضي، مؤكدا أن الأنشطة لم تكن مرتبطة بمواسم محددة بل كانت ممتدة طوال العام. فخلال شهر رمضان كانت تقام مسابقات فنية وعروض يومية. كما كانت تنظم عروض مسرحية وإنشاد ديني خلال موسم الحج في سفاجا سواء للحجاج أو المودعين بشكل منتظم. وهو ما اختفى تدريجيا دون أسباب واضحة، رغم أهميته في دعم الوعي المجتمعي.

    تراجع الدور المؤسسي

    يؤكد محمود سعد، ممثل سابق بقصر ثقافة سفاجا، أن تجربة المسرح شكلت مرحلة مهمة في حياته الفنية. حيث شارك في عدد من العروض مثل هب النسيم، الطاغية، ومولد سيدي شيكا مارا. قبل أن يتجه للعمل كمساعد مخرج.

    ويوضح أن العمل المسرحي في تلك الفترة كان يعتمد على عناصر متكاملة تبدأ من جودة خشبة المسرح وقوة النصوص. مرورا بتدريب الممثلين على أيدي مخرجين متخصصين. والاستعانة بمهندسي ديكور، وتنظيم ورش عمل مستمرة داخل قصور الثقافة. وهو ما كان يخلق حالة فنية حقيقية قائمة على الاحتراف، رغم أن المشاركين كانوا من الهواة.

    ويشير سعد أن هذا الاهتمام تراجع تدريجيا مع إهمال المؤسسات الثقافية. حيث أصبح قصر الثقافة مكانا مهملا بعد أن كان منارة فنية. ويضيف أن المبررات التي كانت تطرح لغلق المسرح دائما ما تدور حول ضعف الاعتمادات المالية، في الوقت الذي ظهرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي كمنافس قوي. جذب اهتمام الشباب دون أن يقدم بديلا حقيقيا يحمل نفس القيمة الثقافية.

    من أنشطة المسرح في السابق.. الصورة من ألبوم قصر الثقافة
    من أنشطة المسرح في السابق.. الصورة من ألبوم قصر الثقافة
    المسرح مدرسة القيم

    ينتقد سعد غياب الدعم الموجه للكتابة المسرحية، مؤكدا أن هناك تراجعا واضحا في تشجيع المؤلفين على إنتاج نصوص قوية. أو تنظيم مسابقات في التأليف المسرحي أو الرواية، على غرار مسابقات الشعر. وهو ما أدى إلى ضعف الإنتاج الفني واختفاء الحافز لدى الهواة الذين لم يعد لهم مكان حقيقي داخل المنظومة الثقافية.

    ويرى أن اختفاء المسرح لم يكن مجرد غياب لنشاط فني. بل كان له تأثير مباشر على وعي الأجيال الجديدة. حيث نشأ الشباب بعيدا عن القيم التي كان يغرسها المسرح من خلال مناقشة القضايا الإنسانية والاجتماعية بشكل واع ومنظم. ويؤكد أن المسرح كان يخضع لرقابة وتقييم يضمن تقديم محتوى هادف يرسخ المبادئ الأخلاقية.

    السوشيال ميديا تملأ الفراغ بلا ضوابط

    يحذر محمود سعد من ترك الشباب تحت تأثير منصات التواصل الاجتماعي دون توجيه حقيقي. موضحا أن هذه المنصات تقدم محتوى متنوعا لا يمكن السيطرة عليه أو ضبطه، ولا يخضع لمعايير واضحة. وهو ما أسهم في ظهور أجيال أقل وعيا وثقافة. وأبعد عن القيم الأصيلة للمجتمع المصري مقارنة بما كان يقدمه المسرح من دور تربوي وتثقيفي منظم.

    وشدد على ضرورة إعادة بناء منظومة ثقافية متكاملة تعيد الربط بين الفنون المختلفة من مسرح وتمثيل وكتابة وإخراج. وتدعم تكوين روابط فنية تجمع المبدعين وتتيح لهم عرض أعمالهم بشكل منظم. سواء على خشبة المسرح أو عبر وسائل حديثة بشكل احترافي. مؤكدا أن عودة المسرح تمثل خطوة أساسية لاستعادة الوعي الثقافي والهوية المجتمعية.

    اقرأ أيضا:

    من قلب الأعماق.. «هيبكا» تقود مهمة بحرية لحماية كنوز البحر الأحمر

    سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟

    «باحة الفنون للتراث والتنمية».. أول مساحة آمنة للكتابة والإبداع في القصير

  • المسرح في الأقصر.. فن حي يواجه الغياب الجماهيري

    المسرح في الأقصر.. فن حي يواجه الغياب الجماهيري

    على الرغم من اهتمام الهيئة العامة لقصور الثقافة بإنشاء مسارح في مختلف المحافظات لتقديم عروض فنية تعكس بيئة وتراث كل إقليم، إلا أن محافظة الأقصر لم تنل الاهتمام الكافي، رغم ثراء موضوعاتها وتعدد مواهبها. إذ تعاني الفرقة القومية للمسرح من ضعف الإمكانيات وتراجع المشاركة في العروض المركزية.

    الثأر والصراع الطبقي

    يقول جاسر المصري، مخرج وممثل مسرحي، إنه عمل لسنوات في مجالات الإعداد والتمثيل والإخراج، ما أكسبه خبرة جعلته من أبرز مخرجي الصعيد. وأوضح أن المسرح بالنسبة له وسيلة تجمع بين المتعة والفكر، وتعبر عن قضايا المجتمع. خاصة في الصعيد، الذي يتميز بهوية خاصة، وهو ما دفعه لتقدين تجارب متنوعة برؤى مختلفة.

    وأضاف أن الفرقة القومية للمسرح بالأقصر تعد من الفرق المهمة التابعة لهيئة قصور الثقافة. وتُقدم عروضا تجمع بين الكلاسيكي والمعاصر، مع التركيز على إبراز الطابع الصعيدي والتراث المحلي. سواء على مسارح المحافظة أو من خلال المشاركة في مهرجانات داخل وخارج الإقليم.

    وأشار إلى أن الموضوعات المطروحة تعكس قضايا المجتمع الصعيدي. مثل الثأر والعدالة والصراع الطبقي، مع توظيف التراث الشعبي بشكل معاصر يخاطب الجمهور الحالي.

    من عروض الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري

    انخفاض الدعم المالي

    يؤكد المصري أن أبرز التحديات تتمثل في ضعف الدعم المالي والإمكانات. ما يؤثر على جودة الإنتاج من ديكور وملابس وتقنيات، مشددا على ضرورة زيادة الدعم، وتطوير البنية التحتية، وتكثيف التدريب، وإتاحة فرص الاحتكاك الدولي.

    وأضاف أن ضعف التسويق وصعوبة الوصول إلى الجمهور من أبرز الأزمات. رغم دعم هيئة قصور الثقافة لاستمرار الحركة المسرحية، إلا أن هذا الدعم يظل محدودا مقارنة بحجم الطموحات. ما يتطلب مرونة أكبر في الإنتاج وزيادة الميزانيات والاهتمام بالتدريب والترويج.

    وبمناسبة اليوم العالمي للمسرح، وجه المصري رسالة للجمهور قائلا: “المسرح مش رفاهية، المسرح ضرورة. هو المكان الوحيد اللي بنشوف فيه نفسنا بصدق، بكل تناقضاتنا وأحلامنا. وجودكم في القاعة مش مجرد حضور، ده دعم حقيقي للفن والفكرة وللإنسان. ادعموا المسرح لأنه يحكي عنكم وليكم، وهناك دايمًا مساحة حرة للتعبير”.

    كما طالب مسؤولي هيئة قصور الثقافة بزيادة الدعم المادي. وتوفير تدريبات مستمرة، ومساحات عرض تليق بالفنان والجمهور.

    أحد عروض الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    أحد عروض الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    المسرح.. أفضل طريقة للوصول للناس

    ريموندا عماد، رغم دراستها للقانون، إلا أن شغفها بالمسرح دفعها للاستمرار في تقديم العروض الفنية في الأقصر. حيث بدأت من مسرح المدرسة والكنيسة منذ الصغر، وتوضح، صاحبة الـ22عامًا، أنها شاركت في تقديم العديد من المسرحيات داخل قصور الثقافة والفرق الحرة. منها فرقة “نواة” منذ انضمامها لقصر الثقافة عام 2020. وقدمت 7 مسرحيات تناولت قضايا مثل ختان الإناث والهجرة غير الشرعية وزواج القاصرات.

    وتضيف أن أبرز أعمالها جسد معاناة فتاة تزوجت عرفيًا، وعانت لإثبات زواجها ونسب طفلها بعد هروب الزوج. مشيرة إلى مشاركتها في عروض بمحافظات وجه بحري مثل القاهرة والإسكندرية.

    وترى أن المسرح من أكثر الوسائل تأثيرا، لأنه يعرض القضايا بكل أبعادها. ما يساعد الجمهور على إدراك عواقبها وتجنبها، داعية الأهالي إلى تشجيع أبنائهم على حضور العروض. ومطالبة بزيادة الاهتمام بمسرح الصعيد وإتاحة فرص أكبر للمواهب.

    انخفاض الجمهور بسبب السوشيال ميديا

    يقول رامز ثابت، 41 عامًا، إنه بدأ مشواره في المسرح الكنسي عام 1995. ثم انتقل إلى المسرح الثقافي عام 2014، وشارك في عروض بعدة مواقع ثقافية. منها قصور ثقافة أرمنت والطارق وحوض الرمال، قبل انضمامه للفرقة القومية بالأقصر منذ نحو 4 سنوات.

    وأضاف أن من أبرز أعماله مسرحية جسدت حكاية شاب هرب من الصعيد بسبب الثأر. ووثق رحلته من خلال فن النحت، وتميزت بمناقشتها لقضايا مجتمعية تمس واقع الصعيد.

    وأشار إلى أن جمهور المسرح لم يعد كما كان. حيث تراجع الإقبال بشكل ملحوظ في مناطق مثل القرنة وأرمنت والمدينة. إذ انخفض عدد الحضور من أكثر من 100 إلى نحو 50 مشاهدا. مرجعا ذلك إلى تغير اهتمامات الجمهور وانشغالهم بالتلفزيون والسينما والإنترنت.

    الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    الفرقة القومية للمسرح بالأقصر.. الصورة من المخرج جاسر المصري
    “مش متشافين”.. والدعم المالي منخفض

    يوضح ثابت أن أبرز التحديات التي تواجه فناني المسرح في الأقاليم تتمثل في ضعف الدعم المادي. مؤكدا أن الممثل المسرحي لا يسعى للربح بقدر ما يبحث عن تقديم فن حقيقي، إلا أن الأجور تظل رمزية ولم تشهد زيادة تذكر. حيث لا تتجاوز أعلى فئة نحو 700 جنيه، ويتم توزيعها وفقا للأقدمية.

    وأضاف أن هناك تفضيلا لبعض المحافظات على حساب الصعيد في العروض والمسابقات. رغم امتلاك فرق الصعيد لكفاءات متميزة، قائلا: “إحنا مش متشافين.. وجايزتنا الحقيقية هي تصفيق الجمهور وليس المراكز”.

    وناشد الأهالي في اليوم العالمي للمسرح بضرورة دعم هذا الفن وتشجيع أبنائهم على حضور العروض الهادفة بدلا من الانشغال بالسوشيال ميديا. كما طالب مسؤولي الثقافة بالأقصر بالاهتمام بمسرح الطفل وتنمية المواهب وتوفير مساحات عرض مناسبة.

    اقرأ أيضا:

    «فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد

    صيادو الأقصر يواجهون أزمة.. اختفاء الزريعة والتغيرات المناخية تقلص الثروة السمكية

    «الغابة الشجرية» في الحبيل.. استثمار بيئي يحمي المناخ ويوفر المياه

باب مصر