تُقيم مؤسسة «مجراية» للثقافة والفنون بملوي في المنيا «أسبوع السينما للأفلام القصيرة» في الفترة من 23 إلى 27 فبراير الجاري، وهو أول أسبوع سينمائي في الصعيد يعرض ويناقش مجموعة من الأفلام القصيرة التي تتناول ذوي الهمم والقصص الذاتية وأيضا قضايا المرأة والشباب.
أول مرة
يقول مينا يسري، مخرج ومؤسس «مجراية»: “فكرة الأسبوع مطروحة منذ عامين. وشجعنا على تنفيذها زيارة صناع الأفلام إلى مدينة المنيا، أبرزهم المخرجة ماريان خوري، مديرة مهرجان الجونة”، مشيرا إلى أن الأسبوع يقام بالتعاون مع مهرجان “فيلم ماي ديزاين”، وجمعية نهضة المحروسة، ووكالة بنها.
وتابع: سيتم تنفيذ الأسبوع عبر عدة أقسام كالتالي: قسم لأفلام مخرجين من الصعيد. وهو هدفنا الأساسي لإبراز المواهب المحلية، وقسم آخر للأفلام القصيرة من الإسكندرية. كما سيتم عرض 4 أو 5 أفلام يوما من بين 22 فيلما. في اليوم الأول سيتم عرض فيلم “أمانه البحر” الذي حاز على جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان الجونة الأخير.
وعن سبب اختيار هذا الفيلم يقول يسري: “أعمال مجراية عرضت في أكثر من حدث، لذا قررنا أن يكون فيلم الافتتاح لم يعرض من قبل في الصعيد”. ويشير إلى أن هناك 6 من أفلام الصعيد، و4 أفلام من سلسلة برنامج “الرحلة كمهزلة”، و5 أفلام من مؤسسة وكالة بهنا، و5 أفلام من مهرجان “فيلم ماي ديزاين”. وعلى هامش الفعاليات، سيتم عقد ورشة صناعة أفلام للأطفال لتعليم الكتابة والمونتاج والتصوير. وأكد أنه سيتم مناقشة صناعة الأفلام قليلة التكلفة في المدن البعيدة. كما تتميز الأفلام المعروضة بالتنوع بين القصص الذاتية، والصناعات التقليدية والتراثية، وقضايا المرأة والشباب وذوي الهمم.
مؤسسة مجراية
أما عن مؤسسة مجراية فيقول مينا يسري: “مجراية هي مؤسسة ثقافية وفنية تأسست عام 2014م بملوي بمحافظة المنيا. وعن سبب تسميتها، فهي في لهجتنا تعني “المجرى” أو “القناة الصغيرة” التي من خلالها تصل المياه إلى الأرض الزراعية. وهذه هي رسالتنا، محاولة توصيل الثقافة والفنون إلى الصعيد بعيدا عن مركزية القاهرة. وجاءت فكرة مجراية من خلال صديقي وشريكي حمادة زيدان، كاتب وصحفي، حيث قمنا بتأسيس مجراية معا. في البداية، كان المكان محدودا، ولكننا تطورنا بمرور الوقت. يتكون فريق مجراية من 6 شباب وشابات من الصعيد، تجمعهم صداقة وعمل وحب الفن”.
ويضيف، في بداية فكرة تأسيس “مجراية”، كان هناك العديد من المؤسسات الكبيرة التي تقدم تدريبات للمبادرات الشبابية في إدارة الأعمال. فقررنا المشاركة بفكرتنا مع معهد جوته وجمعية نهضة المحروسة وجمعية الاختيار وغيرها. تم تدريبنا وحصلنا على تمويل جزئي لتأسيس مشروعنا. وأضاف أنه فيما بعد أصبح لدينا تعاون أكبر مع مؤسسات مثل الصندوق العربي للثقافة والفنون “آفاق”، وتمكنا من تكوين شراكات استراتيجية مع مؤسسات كبيرة مثل مركز الصورة المعاصر (cIc) ووكالة بهنا.
معرض ملوي للكتاب
أما عن أنشطة المؤسسة، يقول “يسري”: “تشمل محافظة المنيا وأسيوط وبعض الأماكن الأخرى في الصعيد. عملنا الأساسي هو الأدب والسينما. لذلك نقدم ورشا في الكتابة وصناعه الأفلام والتصوير والمونتاج وغيرها”، مشيرا إلى تنظيم معرض “ملوي للكتاب”. وهو المعرض الوحيد من نوعه في المنطقة، الذي استمر لـ6 دورات.
في هذا المعرض، أقمنا ندوات مع أهم الكتاب المصريين، وحفلات موسيقية، وعروض مسرحية. كما نسلط في كل دورة الضوء على أحد فناني الصعيد مثل عاطف الطيب والأديب محمد مستجاب وغيرهم. وقد أنتجنا بعض الأفلام القصيرة وعرضناها وناقشناها مع صناع الأفلام والجمهور، وذلك بسبب ندرة الفعاليات السينمائية في الصعيد باستثناء أحداث أسوان والأقصر.
تحديات وصعوبات
أما عن تحديات عمل المؤسسة يوضح “يسري” أنه في البداية كان التحدي متعلقا بالموارد بسبب عدم وجود دور عروض أو سينمات وقلة المؤسسات الداعمة للفن في الصعيد. ويقول: “لكننا اتبعنا سياسة الشاشات البديلة مثل نوادي السينما وتهيئة الظروف لاستضافة الحدث”. مشيرا إلى أن البيئة المحيطة لم تكن عائقا لنا، بل جمهور الصعيد متحفزا للفن ومتعطشا له.
ويذكر يسري أن “مجراية” لا تهتم بإنشاء فروع أخرى في أماكن متعددة، بل تركز على بشكل أكبر على تنفيذ الفعاليات والأنشطة في مدن أخرى بالتعاون مع المؤسسات المحلية. تم بالفعل تنفيذ فعاليات في مدينة المنيا والقوصية بأسيوط. هدفهم هو التوسع والاستمرارية.
ويختتم حديثه ويقول: “بعيدا عن مجراية قام فريق مجراية بعمل برنامج “يسري على القهوة| مرة واحد صعيدي”، الذي يحكي عن الفن والصعيد. كما شاركنا بأعمالنا في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. وعرضت أفلام من إنتاج مجراية في تونس وفلسطين والقاهرة. وآخرها المهرجان الدولي للفيلم في الداخلة بالمغرب في نسخته الـ 12، بفيلم قصير مأخوذ عن قصة الأديب محمد مستجاب من إخراج مينا يسري وتم تصويره بالكامل في المنيا.
أعلن مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة عن اكتشاف باستيتودون (Bastetodon) أو «باستيت»، أحدث الكائنات المنقرضة التي كانت تعيش على أرض منخفض الفيوم منذ 30 مليون عام. وتمكن عالم الحفريات المصري البروفيسور هشام سلام وفريقه من إعادة إحياء قصة هذا الكائن الذي عاش في زمن بعيد، حيث كانت الأرض مسرحًا لعجائب الطبيعة.. «باب مصر» يستعرض صورة كاملة لهذا الكائن المنقرض.
اكتشاف جديد
يقول الدكتور هشام سلام، مؤسس مركز الحفريات بكلية العلوم وعالم الحفريات بجامعة المنصورة والجامعة الأمريكية: “لعبت التغيرات المناخية دورًا كبيرًا في تشكيل النظام البيئي، الذي نراه الآن. الاكتشاف الجديد لحيوان مفترس كان يعيش في مصر، وتحديدًا في منخفض الفيوم، منذ 30 مليون عام. والذي أطلقنا عليه اسم باستيتودون (Bastetodon)، كما قمنا بإعادة تسمية نوع آخر من تلك الفصيلة الذي كان قد اكتشف منذ 120 عامًا وأطلقنا عليه اسم “سخمنت”.
ويعود الاكتشاف بحسب ما ذكر “سلام” إلى عام 2020 من خلال رحلة استكشافية إلى منخفض الفيوم قام بها فريق “سلام لاب”. ومن خلال التنقيب بين طبقات الصخور التي يرجع عمرها إلى 30 مليون عام. اكتشف أحد أعضاء الفريق “بلال سلام”، بعض الأسنان البارزة. ومن ثم بدأت عملية اكتشاف الحفرية واستخراجها. ظهرت حفرية لجمجمة ثلاثية الأبعاد بشكل كامل ومحفوظة بشكل استثنائي، وخالية من التشوهات. مما يجعلها اكتشافا نادرا وحلما للباحثين في مجال الحفريات. استمر العمل في هذا الاكتشاف لمدة 5 سنوات لكشف هوية صاحب تلك الجمجمة.
جنس جديد
وتقول الدكتورة شروق الأشقر، المؤلف الرئيسي للبحث المنشور في مجلة الحفريات الفقارية الدولية، في تصريح لها: “بناء على تحليلات الانحدار الإحصائية الدقيقة. يزن حيوان الباستيت حوالي 27 كيلو جرامًا. ويقارب حجمه حجم النمر أو الضبع الموجودين الآن. وتمتاز عضلات الرأس بأنها قوية. كما أن ما يتصل منها بالفك إضافة إلى الأسنان الحادة يصنفه ضمن الحيوانات المفترسة من الطراز الرفيع.
وبحسب ما نشره المركز، تبين من خلال الدراسات التشريحية والتحليلات الإحصائية والمورفولوجية أن الجمجمة المكتشفة تعود إلى جنس جديد من الحيوانات آكلات اللحوم المنقرضة، والمعروفة بالـ”هينودونتات”، التي كانت موجودة من زمن بعيد قبل ظهور الكلاب والقطط والضباع وبقية الحيوانات آكلي اللحوم التي تعيش اليوم بيننا. وقد سيطرت هذه الحيوانات كحيوانات مفترسة على بيئات القارة الأفرو-عربية، وخاصة بعد انقراض الديناصورات، ومن ثم انقرضت هي أيضا”.
وتابع سلام: “يوفر منخفض الفيوم حقبة زمنية كبيرة تقدر بـ15 مليون عام من التاريخ التطوري للكائنات، والتي كانت تمثل حلقة وصل بين الأنواع القديمة وأسلاف الثدييات الحديثة”. وأطلق الباحثون اسم باستيتودون (Bastetodon) على هذا النوع الجديد، نسبة إلى الإلهة المصرية القديمة “باستيت”، رمز الحماية على شكل رأس القطة. أما كلمة “أودون”، فتعني “سن” في اليونانية القديمة، حيث كان لدى باستيت أسنان حادة.
004b1cbd 1347 4448 ae41 1fc06ea0d229
d11006a4 01ad 4a6c 918d 613746cbfc5e
إعادة إحياء
ما يتم اكتشافه من الحيوانات المنقرضة يكون غالبا على شكل حفريات في الصخور أو بداخلها. ويتخيل العلماء والمتخصصون شكل الكائن الأصلي بمجرد روية العينة أو الحفرية. وفي هذا السياق، يأتي دور المتخصصين الذين يقومون بنقل ما يكتشفه العلماء إلى عامة الناس على صورة قريبة من الشكل الأصلي لها. من خلال إعادة إحياء شكل أي حيوان منقرض إلى شكله الطبيعي الذي كان عليه منذ ملايين السنين.
وفي تصريح خاص لـ«باب مصر» مع أحمد مرسي، أحد أعضاء فريق “سلام لاب” والذي قام بوضع التصور والشكل النهائي للاكتشاف الجديد “باستيت”. يقول مرسي: “باستيت هو نوع ينتمي لفصيلة الثدييات، وكان هناك الكثير من التحديات أمامنا. فهو حيوان منقرض من ملايين السنين، ينتمي إلى فصيلة “hyaenodonta”، وهي فصيلة شبيهة أو أقرب للدببة والكلاب والقطط. وتندرج تلك الفصائل تحت عائلة تسمى “Carnivora”، التي تشمل معظم الحيوانات آكلات اللحوم الحديثة. أما hyaenodonta فهي من فصيلة تسمى Creodonta، وجميعها من الثدييات”.
وتابع: “يتميز باستيت بأن لديه صفات متنوعة تتشابه مع صفات القطط في بعض الأحيان وصفات الدببة في أحيان أخرى، وهو ما وضعنا في حيرة. وكان هذا هو التحدي. عملي يعتمد على وضع التصور والشكل النهائي للحيوان المنقرض. بحيث يكون أقرب إلى الشكل الحقيقي بخاصية الـ3d وليس كشكل كارتوني. لذا أخذ مني ذلك وقتًا وجهدًا كبيرين”.
شكل الجمجمة
وبحسب مرسي، كان هناك تحدٍ آخر وهو شكل الجمجمة ووضع التصور لها. يقول: “لأنني الوحيد الذي أعمل كمصمم علمي مصري ولا يوجد لدي نسخة مسبقة لتقلديها، أخذ ذلك وقتًا طويلا في البحث والدراسات التشريحية وغيرها”. ويكمل: لقد وجدنا الجزء العلوي فقط من جمجمة “باستيتودون”. أما الجزء السفلي فغير معروف، وهو ما يثير الكثير من الأسئلة مثل: كيف كان يبدو؟ وما شكل الأسنان والأضراس؟ لأن كل نوع له شكل خاص لتلك الأسنان. ولكننا لكي نصل إلى شكله، ألقينا نظرة على ابن عمه من فصيلة “hyaenodonta” وهو “hyaenodon”، الذي يمتلك جمجمة كاملة تقريبا وهو مشابه له جدا. لذا كان مرجعًا جيدًا خاصة فيما يخص الفك السفلي.
ويستطرد حديثه: كنا محظوظين لأننا وجدنا له أسنانا علوية، مما مكننا من عمل تصميم وتصور منحنا شيئا قريبا من شكل الأسنان الحقيقي للباستيتوودون. وقد يكون قريبًا للواقع بنسبة كبيرة عن طريق وضع الأسنان بأسلوب خاص أسميه Carnassial way. لاحظنا أن الجمجمة تبدو مألوفة مثل جمجمة الذئب والدب.
34d85a51 d666 4507 8e99 a7a8cc16f6b8
c07cc696 da0e 4b89 a40b acbd2ca68382 1
شكل الأنف للباستيتودون
يشير مرسي إلى أنه كان هناك تصوران حول شكل أنف الباستيتودون، فبعض الناس كان يتصورون أنفا شبيها بأنف القطط الحادة، بينما تصوره آخرون على شكل أنف الدببة المنتفخة. ويضيف: “كان هذا تحديا آخر بالنسبة لي في كيفية وضع التصميم النهائي لها. لذا فكرت في الاستعانة بالشكل التشريحي وشكل الجمجمة”.
وبالنظر إلى جمجمة الباستيتودون وعضلات الوجه، وجدنا أن يمتلك عضلة رافعة للأنف levator nasolabialis، وهي توجد بشكل مختلف عن القطط. لذا كان شكل العضلات يشير إلى أن شكل الأنف كان الأقرب لأنف الدببة أو الكلاب. ويميل بشكل كبير إلى شكل أنف الدببة. كما كان لديه 5 أصابع تظهر بشكل مباشر في الأطراف الأمامية، مثل حيوان الـ”fossa” الحالي. وشارك في عملية نحت الكتل الأساسية لشكل حيوان الباستيتودون النهائي، علماء الحفريات: “الدكتور هشام سلام، والدكتورة شروق الأشقر، والدكتور ماثيو بورت”.
شكل الفراء
يشير مرسي إلى أن التحدي الأكبر كان في وضع تصور لشكل الفراء الذي يغطي باستيت. ويقول في هذا الشأن: “هناك بعض الصور التي تم نشرها تصور حيوان الباستيتودون. ويظهر الفراء الخاص به مع بعض البقع بلون آخر مثل الچاجواو. ولكنني أعتقد أن هذا الحيوان كان يميل إلى لون فرو أحادي، بدون بقع ملونة. هذا التصور غير علمي، فنحن لا نملك تصورا كاملا للبيئة التي كان يعيش فيها الحيوان، كما أن الحيوان منقرض. ولو كان لديه تلك البقع التي تعد من أنواع التمويه والحماية، لكانت لديه فرصة للبقاء بشكل أكبر. لذا أعتقد أن لون الفراء كان أحاديًا أو ذو درجات متشابهة. نظرًا لعدم وجود معلومات دقيقة. بالإضافة إلى أن تلك البقع تتواجد بشكل أكبر في فصيلة القطط، وهو لا ينتمي لتلك الفصيلة”.
26d0011c d1fd 4606 8700 090e0332dc33
480332791 1069145741912876 4473649571960147839 n
مركز الحفريات
يذكر أن مركز الحفريات بجامعة المنصورة يعد أول المراكز المتخصصة في الحفريات الفقارية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والذي قام بتأسيسه الدكتور هشام سلام. ويضم المركز الكثير من الحفريات التي يعود تاريخها لملايين السنين. مثل حفريات السلاحف والديناصورات والحيتان والأسماك والقردة والقوارض، والكائنات الفقرية المختلفة. فهو يهتم بدراسة التراث الطبيعي للحفريات على اختلافاتها.
حيث تُسمع الحكايات الشعبية مع نسمات المساء، وتنبت الأساطير بين النخيل والحقول، وسط هذه الأجواء، ولد الدكتور «محمد شحاتة العمدة» في إحدى قرى مركز البداري بمحافظة أسيوط. فأصبح باحثًا في التراث والأنثروبولوجيا، وشاعرًا وحكاءً بارعًا، يروي السير الشعبية كما لو أنها تنبض بالحياة. حاز الدكتور «شحاتة» على جائزة الشارقة للإبداع العربي، وصدر له مؤخرًا كتابه «دلالة الطير في التراث الشعبي». ويسرد لنا فصولا من مسيرته في هذا الحوار.
ما الذي جذبك لدراسة الأنثروبولوجيا الثقافية والتراث الشعبي؟
نشأتي في القرية الصغيرة. وفي هذه القرية تمثلت جميع عناصر التراث الشعبي المعروفة. وكنت أشارك في جميع الأنشطة في القرية، ومن أهمها الزراعة، التي تحتوي على الكثير من المعرفة والمعتقدات الشعبية.
وعندما كبرت، التحقت بالجامعة في القاهرة، وبدأت موهبتي في كتابة الشعر تتشكل بشكل كبير، ووجدت نفسي دون أن أعي، متأثرًا بتراث قريتي، والمتمثل في الأغاني الشعبية والعادات والتقاليد. وكان للشاعر الكبير الدكتور حسن طلب دور هام في اهتمامي بالتراث الشعبي. فقد كتب دراسة نقدية لديواني الأول، بعنوان (دفتر توفير الحب)، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2007، وذكر في دراسته لأشعار الديوان أنني متأثر كثيرًا بتراث الصعيد، خصوصا الأغاني الشعبية التي تغنيها النساء ومنها (العديد).
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، تقدمت للدراسة في المعهد العالي للفنون الشعبية، وبعدها حصلت على دكتوراه الأنثروبولوجيا الثقافية من جامعة القاهرة، ليكون اهتمامي بالتراث الشعبي مدعومًا بالمناهج العلمية في البحث والدراسة والجمع والتوثيق. وما حفزني على دراسة الأنثروبولوجيا أنها تختص بدراسة الإنسان وعاداته وتقاليده ومعتقداته وبيئته، كما أنها تعتمد على الدراسة الميدانية، التي أعتبرها من أصدق وأعمق الدراسات العلمية.
هل أثرت نشأتك في أسيوط على اهتماماتك البحثية؟
بلا شك، كان لنشأتي في الصعيد أثر كبير على اهتماماتي البحثية في مجال التراث الشعبي. فالقرية التي نشأت فيها تتبع مركز البداري الذي نشأت فيه أقدم الحضارات المصرية، وهي الحضارة البدارية، وتعد من أوائل الحضارات التي عرفت الزراعة وصناعة الفخار.
وكانت قرى البداري منذ زمن ليس ببعيد لا تزال بكرا بكل مكوناتها البشرية والمادية، فكان أهلها يحافظون على العادات والتقاليد الموروثة. وتنتشر بها الكثير من الحرف الشعبية المتعلقة بالزراعة والصيد وغيرها، مثل حرف أشغال الجريد والليف وسعف النخيل، وحرفة الفخار وصناعة الأواني من المعادن المتنوعة، وحرفة الصيد من نهر النيل، إضافة إلى حرفة الزراعة.
لذلك، كانت قريتي والقرى المجاورة هي وجهتي الأولى في جمع عناصر التراث الشعبي ميدانيا، فجمعت الأغاني الشعبية التي تغنيها النساء مثل أغاني الأعراس وأغاني الوفاة وأغاني الحج، ونشرتها في كتابي (أغاني النساء في صعيد مصر) الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2013.
ثم جمعت العمارة الشعبية المتمثلة في عمارة المنازل والمقابر وعمارة الماشية والطيور وغيرها، ونشرتها في كتابي (العمارة الشعبية والتغير الثقافي في صعيد مصر)، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2021. كما جمعت المعارف الشعبية المتعلقة بحرفة الزراعة في قريتي والقرى المجاورة، ونشرتها في كتابي (طرح الأرض: دراسة في الأنثروبولوجيا الزراعية)، إضافة إلى عشرات الأبحاث والمقالات عن العديد من عناصر التراث الشعبي في مركز البداري.
ما أبرز التحديات التي تواجه الباحثين في التراث الشعبي اليوم؟
التحديات كثيرة ومتنوعة، أهمها: عدم وجود دعم مادي لجمع عناصر التراث الشعبي من أقاليم مصر المتنوعة. إضافة إلى اندثار واختفاء بعض العناصر التراثية، ومنها الأدب الشفهي الذي يموت بموت الحفظة، ويحتاج إلى جهد كبير في البحث والجمع وسرعة كبيرة، لأن معظم الحفظة كبار السن.
كذلك التغير الثقافي والتكنولوجي الذي طال المناطق التقليدية في القرى والنجوع، وساهم بشكل كبير في اختفاء عناصر التراث الشعبي. وعدم وجود مؤسسات حقيقية ترعى البحث العلمي في مجال التراث الشعبي، وتدعم الباحثين في الجمع والتوثيق والدراسة. كما أن دخول غير المتخصصين والهواة إلى مجال التراث الشعبي، يهدد مصداقية البحث والدراسة ويشوه الكثير من الدراسات التي لا تستند إلى الأسلوب العلمي ومناهجه.
في كتابك “دلالة الطير في التراث الشعبي”، كيف ترى تعامل التراث المصري مع رمزية الطيور مقارنة بالتراث العربي أو العالمي؟
درست الموضوع من أكثر من زاوية، فعرضت دلالة الطير في الأغاني الشعبية والحكايات والسير الشعبية والأمثال الشعبية، وعرضت المعتقدات المتعلقة بالطير، ومكانة الطير في مصر القديمة، وأشرت إلى مقبرة الطير في منطقة تونا الجبل بمحافظة المنيا، ومدى اهتمام المصري القديم بالطير وتقديسه له.
ورمزية الطير بلا شك تختلف من بلد لآخر، حسب عادات ومعتقدات كل إقليم. فهناك بلدان مثلًا تتشائم من طائر الغراب، في حين تتفاءل به بلدان أخرى. وهناك بلدان تحتفي بطيور معينة، ترتبط عندها بمواسم مثل الزراعة والحصاد والصيد، ووجود دور لتلك الطيور في تلك المواسم يجعل الجماعة الشعبية تذكر تلك الطيور في أمثالها وأغانيها. كما يضرب البعض المثل في شجاعة بعض الطيور أو جبن بعضها، ويتغنى البعض بجمال طائر معين ويشبهونه بالفتاة الجميلة.
كما أن التنوع الجغرافي والبيئي في البلدان المختلفة له دور أيضًا في نظرة ورمزية الطير عند تلك المجتمعات، مما جعلنا نجمع الكثير من العناصر المتعلقة بالطير بشكل متنوع وجميل، يعبر عن توجه كل مجتمع وهويته.
thumbnail 6
thumbnail 5
ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الشعر في توثيق التراث الشعبي؟
إذا تحدثنا عن الشعر العامي، فهو أقرب الأصناف الأدبية تعبيرًا عن التراث إلى جانب القصص والروايات أيضًا. ولكن تركيزي ينصب على الشعر، لأن الأدب الشعبي معظمه أشعار، مثل: السيرة الهلالية، والقصص الشعبي، والمواويل، وأغاني الأعراس، والبكائيات، وأغاني تهنئة الأطفال، وأغاني العمل.
إضافة إلى اللون الشعري الشعبي المنتشر في صعيد مصر، وهو فن الواو والمربعات والنميم. وهناك الكثير من شعراء الصعيد لا يزالون يكتبون هذا اللون الشعري الشعبي حتى الآن. ومن خلال الشعر، يمكن المحافظة على عناصر التراث، ومن أهمها اللهجة ومفردات المكان، وعرض العادات والتقاليد من خلال الأشعار.
هل توجد موضوعات تراثية ترى أنها تحتاج لمزيد من البحث والتوثيق؟
تتميز مصر بالتنوع الإقليمي، وكل مجتمع له خصوصيته وهويته الخاصة. هذه الخصوصية تحوي الكثير من عناصر التراث الشعبي التي تحتاج إلى دراسات متعمقة وجمع ميداني. وأعتقد أن الثقافة المادية المتمثلة في العمارة والحرف الشعبية تحتاج إلى جهد أكبر من الباحثين لجمعها وتوثيقها، وذلك لأنها تختفي بشكل كبير هذه الأيام بفعل التغير الثقافي والتكنولوجي، إضافة إلى عناصر التراث الشفاهي.
في رأيك، هل هناك وسائل يمكننا من خلالها المحافظة على التراث الشعبي في ظل العولمة؟
المحافظة على التراث تبدأ بالجمع الميداني له، ثم تصنيفه وتوثيقه ونشره، والاهتمام بحملة الموروث الشعبي من حفظة للتراث وحرفييه وغيرهم. بعد ذلك، يأتي دور المؤسسات في نشر الوعي بأهمية التراث كمعبر عن الهوية المصرية والعربية.
هل ترى أن هناك اهتمام من جانب المؤسسات الثقافية بالتراث الشعبي بشكل كاف؟
للأسف، دور المؤسسات يتراجع يومًا بعد يوم، وخاصة فيما يتعلق بالتراث الشعبي. فلا توجد منح بحثية لجمع وتوثيق التراث، ولا توجد مشروعات كبيرة يمكن أن يشارك فيها الباحثون لدعم التراث والحفاظ عليه. فوجود المؤسسات المعنية بالتراث يعد دعمَا كبيرًا للتراث وللباحثين، لأن العمل الجماعي المدعوم من المؤسسات، يؤتي ثماره أسرع من العمل الفردي لباحث أو باحثين اثنين.
هل لديك تصور لمشروع قومي يخدم التراث الشعبي بشكل أفضل؟
لا زلت أحلم بمدينة تراثية تتبع كل محافظة من محافظات مصر، خاصة مدن الصعيد والواحات والقناة والنوبة، تكون في الظهير الصحراوي لتلك المحافظات. تكون هذه المدينة متحفا مفتوحا يحوي جميع العناصر الثقافية التي تميز المحافظة.
فمباني المدينة تكون على غرار العمارة الشعبية القديمة، كما فعل حسن فتحي في مدينة القرنة. وتتمثل في المدينة الحرف الشعبية التي تشتهر بها المحافظة، وعاداتها وتقاليدها، ومسرح يعرض فيه فنونها الشعبية، ومكان لتقديم الأطعمة الشعبية التي تشتهر بها. وأعتقد أن هذه المدينة الملحقة بكل محافظة ستكون مدينة جذب سياحي، إضافة إلى أنها ستحافظ على هوية كل محافظة، وعلى تراثها الغني والمتنوع، وستكون دليلا للأجيال القديمة كي لا ينسوا تاريخ بلدهم وهويتهم.
thumbnail 3
thumbnail 2
بالإضافة إلى كونك شاعرا وباحثا في التراث الشعبي، تعد حكواتيًا بارعًا. متى بدأ شغفك بالسير الشعبية، وكيف كانت بدايتك كحكاء؟
منذ طفولتي، تعلقت برواة السيرة الهلالية الذين كانوا يحضرون إلى قريتي من آن لآخر. وبعد أن كبرت، مارست الحكي للأطفال في معرض الكتاب، ثم عرضت حكايات عن الصعيد وتراثه بمحطات مترو الأنفاق. وبعدها استمر مشروع الحكي على وسائل التواصل الاجتماعي، وقدمت أول رواية شفهية لسيرة الأميرة ذات الهمة، ولا زلت أشارك داخل وخارج مصر كباحث وكحكواتي.
والفضل يعود في هذا الأمر لدعم الوزيرة الدكتورة “نجيمة طاي طاي غزالي”، رئيس الأكاديمية الدولية مغرب الحكايات للتراث الثقافي اللامادي، ورئيس مهرجان مغرب الحكايات، التي دعمت موهبتي في الحكي بشكل كبير. وشاركت أكثر من مرة في المهرجان بالمملكة المغربية. وحتى لا يكون الأمر مجرد هواية. فقد كانت رسالة الدكتوراه خاصتي عن رواة الحكاية الشعبية في المغرب، وخاصة رواة ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش. حيث تواصلت مع الكثير من الرواة هناك وتعلمت منهم واستفدت من خبراتهم، وشاهدتهم وهم يحكون بشكل مباشر.
هل ترى أن فن الحكي ما زال يحتفظ بمكانته في الثقافة المعاصرة؟ وكيف تتعامل مع اختلاف الأجيال في تلقي الحكايات؟ وهل تضيف عناصر حديثة لجذب الشباب؟
أعتقد أن الحكي هو أسرع وسيلة للتعلم. فلو أن المدارس والجامعات اعتمدت عليه في عرض المادة العلمية، خصوصا المواد الأدبية، سيؤتي ثماره بشكل كبير. إضافة إلى أنه سيظهر مهارات الطلاب ويشجعهم على الكتابة أيضًا. كما أن التواصل مع الجدات للاستماع للحكايات منهن سيزيد أواصر العلاقات الاجتماعية في محيط الأسرة. فن الحكي في حد ذاته له قيمة ومكانة كبيرة ودور أكبر. غير أن إهماله من جانب الأفراد والمؤسسات هو الذي أثر على دوره. إضافة إلى تغير شكل العائلة من ممتدة إلى نواة. مما جعل دور الأسرة يتراجع فيما يتعلق بالحكي، فالجدة كانت هي مصدر الحكايات الأول.
أما بخصوص التعامل مع الأجيال المختلفة في عرض الحكايات، فكل جيل له ما يناسبه. فالأطفال مثلًا أحكي لهم من حكايات كليلة ودمنة، والكبار أحكي لهم حكايات وسيرا شعبية تناسب أعمارهم. وألاحظ حضورا كبيرا من الصغار والكبار، لاسيما أثناء العرض الحي والمباشر لحلقات الحكي في المعارض والساحات. فالحكي لم تؤثر عليه العولمة كما نعتقد، فقط ندرة الرواة وعدم وجود مهرجانات للحكي هو السبب في هذا التراجع. وأحاول جذب الشباب من خلال عرض الحكايات في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وعرض الحكايات بشكل مختصر يناسب عصر السرعة، فالشباب الآن يميلون إلى الريلز والمقاطع القصيرة.
هل تفكر في مشروع لتوثيق السيرة الشعبية بصوتك؟
بالفعل، أنا أعمل على هذا المشروع منذ سبعة أعوام. وأنجزت منه الكثير، خصوصا فيما يتعلق بمشروع سيرة الأميرة ذات الهمة، التي لم ترو من قبل. وبعد الانتهاء من ذات الهمة، سأتابع تسجيل باقي السير التي ليس لها رواية شفاهية، لتتاح للأجيال القادمة وليكون نوعا من التوثيق الشفاهي لها.
شغلت منصب مدير تحرير سلسلة الثقافة الشعبية التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب. هل هناك موضوعات قمتم بنشرها ترى أنها مساهمات استثنائية؟ وكيف ترى دور الصحافة في هذا الشأن؟
لا شك أن عشر سنوات من العمل في سلسلة الثقافة الشعبية كانت فرصة طيبة وهامة للمساهمة في نشر دراسات الباحثين في مجال التراث الشعبي. فقد كان اهتمامي منصبًا على نشر الدراسات الميدانية أكثر من الدراسات النظرية. لأن الدراسات الميدانية بها جهد كبير من الباحث وعناصر جديدة تم جمعها، والنشر سيساهم في حفظها وتوثيقها. إضافة إلى أننا كنا نركز على نشر أعمال شباب الباحثين إلى جانب الأعمال المحققة من أساتذة التراث الشعبي. والحمد لله، نشرنا أكثر من سبعين عنوانا في فترة عملي بالسلسلة، وجميعها موضوعات هامة ومتنوعة ومن مختلف أقاليم مصر.
وبخصوص دور الصحافة في نشر التراث الشعبي والحفاظ عليه. أرى أن دورها هام جدًا، لاسيما في هذه المرحلة الهامة من تاريخ العالم العربي، التي نحتاج فيها إلى الحفاظ على هويتنا. وتثبيت دعائمها في مواجهة العولمة وتطرفها التكنولوجي والثقافي، التي تحاول سرقة تراثنا وتاريخنا. فالصحافة بكافة أشكالها، وتحديدا الإلكترونية، تقوم بدور هام في إلقاء الضوء على الندوات والفعاليات المعنية بالتراث، والكتب والدراسات الجديدة. ويبقى عنصر التوعية للشباب الذي يحتاج جهدا كبيرا من الصحافة والإعلام.
حدثنا عن مشروعك القادم؟
أعمل حاليًا على عدة كتب بحثية خاصة بسيرة الأميرة ذات الهمة. ومقارنتها بالتاريخ الرسمي للدولتين الأموية والعباسية. وكذلك مقارنتها بالسيرة التركية (سي بطال غازي). إضافة إلى بعض الكتب التي ستصدر عن مؤسسات ثقافية كبيرة داخل وخارج مصر قريبًا بإذن الله.
في قلب الصعيد، حيث تمثل العادات والتقاليد قيودا على الفنون، ظهر فريق «sol» للرقص المعاصر، كأول فريق من نوعه في محافظة المنيا، متحديا الحواجز ومعبرا عن شغف الفن وحب الحركة. يسعى الفريق إلى بناء شكل جديد للرقص المعاصر وإيجاد مساحة للإبداع في صعيد مصر.
تأسيس «sol» للرقص المعاصر
كيرلس ملاك، ابن مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا، طالب في الفرقة الرابعة بكلية العلوم بجامعة المنيا، وهو مؤسس فريق “sol” للرقص المعاصر. بدأ في ممارسة الرقص في سن الثانية عشرة، حيث تدرب في جمعية الجزويت بالمنيا على أيدي محترفين. توقف عن ممارسة هذا الفن خلال فترة جائحة كورونا، لكنه عاد بعد حصوله على الثانوية العامة ليواصل مسيرته. انضم إلى ورش تدريبية مختلفة في محافظتي القاهرة والمنيا، ولشدة شغفه ورغبته في أن يصبح محترفا، التحق بمدرسة الرقص المعاصر بالقاهرة لمدة عام، وهو ما أسفر عن مشاركته في ثلاثة عروض فنية.
وحول تأسيس “sol” يقول كيرلس: “أحلامي للرقص بلا حدود. كنت أخرج بعض العروض الفنية وأساعد في تدريب الأطفال في جمعية الجزويت. أحببت أن أنقل خبرتي في مجال الرقص المعاصر وأن أكون فريقا في المنيا. كان لدي رغبة في تعليم أشخاص جدد، خاصة أولئك الذين لم يسبق لهم الرقص المعاصر”. وتابع: ظهرت أمامي فرصة للمشاركة في البرنامج الثقافي الأوروبي المصري، الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي واتحاد المعاهد الثقافية الأوروبية (يونيك). تقدمت بفكرتي لإنشاء مدرسة وفريق للرقص المعاصر في المنيا، ولاقت الفكرة إعجابا. قمت بالإعلان عن المشروع وعن ورش للتدريب.
يكمل حديثه: “تقدم للورش التدريبية عدد كبير من الشباب من الجنسين، وبدأت في تدريبهم أنا وبعض المدربين من القاهرة. من خلال الورش، اخترت أعضاء الفريق بناء على الجدية والالتزام بحضور الورش وحبهم للرقص المعاصر”.
ورش تدريبية
وهكذا تكون فريق “sol” الذي ليس لدى أعضائه الخبرة الكافية، لكن لديهم الشغف والموهبة، حتى وضعوا أقدامهم على أبواب الاحتراف. ومعنى sol هو النجم أو الشمس باللغة اللاتينية، ونشير من خلاله إلى الشيء الذي يلمع وسط الظلام أو العتمة، حيث إن وجود فريق للرقص المعاصر في إحدى محافظات الصعيد يعد شيئا مضيئا ولامعا.
يقول كيرلس: “يتكون الفريق من 8 شباب، تتراوح أعمارهم من 21 إلى 35 عاما، وأرى أن أول عروضنا لاقى استحسان الجميع، وكانت ردود الأفعال عليه مرضية لنا بشكل كبير. فقد بدأنا الدعاية على السوشيال ميديا من خلال فيديو قمت فيه بالرقص على كورنيش النيل في المنيا، للإعلان عن المشروع وفكرته، وهو ما كان له صدى كبير، فلم أكن أتوقع الإقبال على الورش بهذا الشكل. ثم أكملنا المشوار بالعرض الفني ” الجانب المظلم من الشمس”، الذي تم عرضه على مسرح جزويت المنيا، وعلى سطح المركز الثقافي الايطالي بالزمالك في القاهرة”.
472444098 122132710226466036 344565820020830004 n
472533914 122132710274466036 5808110594563209710 n
472753801 122132710424466036 3767704226932555546 n
الرقص المعاصر
الرقص المعاصر هو تطور لأشكال الحركة التي بدأت من الرقص الكلاسيكي “البالية”، ومن بعده الرقص الحديث. يكسر هذا النوع من الرقص الحواجز المتعارف عليها في البالية من أوضاع وشكل الجسم، وحتى الأسماء والتقنيات المتعارف عليها. كان الهدف من الرقص المعاصر أن يعبر الراقصون من خلاله عن مواضيع جديدة ومختلفة من خلال الحركة والرقص.
يرى “كيرلس” أن الرقص هو لغة يستطيع الجميع التحدث بها، ولا تحتاج إلى ترجمة، إذ أنها تتخطى الحواجز، فالجسد لا يستطيع الكذب. الحركات صادقة وتصل إلى الجمهور بسهولة، كما أن هناك طاقة تنطلق في الفراغ مثل الصوت.
ويضيف: الرقص وسيلة للتعبير عما بداخلنا من أفكار أو مشاكل. منذ صغري، وأنا أرى أنني أستطيع التعبير عن نفسي بالحركة أسهل من الكلام. لم أكن أهتم بما يقال من تهكمات أو سخرية أحيانا على ممارستي للرقص أو مناداتي بـ”رقاص”. كنت مؤمنا بما أفعله بكل حب. أرى أن الرقص يتأثر بالمجتمعات وما يحدث لها من نكسات أو حروب ومشاكل السياسية.
تجربة ممتعة
شهاب الشريف، أحد أعضاء الفريق من المنيا في الثلاثينات من العمر، يعمل مهندس بترول في منطقة رأس غارب. كان ضمن فرق المسرح المدرسي والمسرح الجامعي وفرق الثقافة الجماهيرية، وشارك في بعض الفرق المستقلة. بعد تخرجه، قرر التركيز على مستقبله المهني وأصبح يعمل في إحدى محطات البترول.
فور أن شاهد الإعلان الترويجي عن ورش الرقص المعاصر في المنيا، تحركت بداخله الرغبة في العودة إلى عالم الفن الذي يعشقه منذ صغره، وهو ما جعله يقدم في الورش التدريبية التي أعلن عنها كيرلس، وكان يأمل في الانضمام إليها. ويقول شهاب عن تلك التجربة: “كنت متابعا جيدا للعروض التي كان يقدمها كيرو، كما نناديه، كراقص متميز، وكنت مقدر جدا أنه لم يحدد للقبول في الورش أن يكون السن أقل من الثلاثين، وهو ما شجعني على التقديم وحضور الورش لاحقا”.
وتابع: أفادتني الورش كثيرًا. فقد منحتنا فرصة للتعرف على ما هو الفن المعاصر، كما أن الورش الخاصة بالحركة ساعدتنا كثيًرا في التعرف على أجسادنا والمشاكل التي قد نعاني منها أو لا نلاحظها. وبشكل شخصي، اكتشفت بعض المشاكل لدي وساعدتني الورش على علاجها، وأصبح اهتمامي بلياقتي البدنية أكثر انتظاما. كما أن ورش الوعي الجسدي وتفادي الإصابات أفادتني كثيرًا، فضلاً عن أهمية العمل معًا كفريق متجانس من خلال الحركات الجسدية. تم اختياري ضمن فريق sol، وهو ما كانت سعادتي به غامرة.
تحدي كبير
وحول التجربة يقول شهاب: “التجربة هي من أمتع التجارب في حياتي. الفريق مختلف، فهو يضم شبابا من الجنسين لديهم اهتمامات مختلفة، كما أنهم يدرسون في كليات ومدارس مختلفة أيضًا. ورغم مشاغلنا جميعا سواء للعمل أو الدراسة، إلا أن جميعنا واظب على حضور البروفات. وكان هذا هو التحدي الأكبر بالنسبة لي نظرًا لظروف عملي. في البداية، كان لدي تخوف بشأن قدرتي على أداء الحركات الراقصة بعد فترة طويلة من الابتعاد عن الرقص. لكن مع الورش والتدريبات، ظهر العرض النهائي على أكمل وجه.
وقد أظهر العرض تفاعلنا مع الموضوع بشكل جيد، حيث كان يتناول ما نواجهه من تحديات وضغوط متباينة عن طريق الأداء الحركي الراقص. كان العرض يصف “الجانب المظلم من الشمس”، وأن بداخلنا جميعا مشاعر متناقضة، وقد نقوم في بعض الأحيان بفعل شيء عكس ما بداخلنا، مثل الذهاب إلى عمل ما لمجرد الحصول على عائد مادي، أو دراسة شيء عكس ما نرغب فيه، وهكذا. وأعتقد أن الموضوع وصل إلى الجمهور بشكل سلس”.
تساؤلات وتحديات
“ها رقصت النهاردة؟” كان هذا السؤال يردده أصدقاء شهاب على مسامعه بصيغة سخرية وأحيانًا بقصد المزاح، حيث كان البعض يقصد أن شهاب يهدر وقته فيما لا يفيد، وأنه كمهندس لا يحق له ذلك.
يقول شهاب: “لم يكن الموضوع سهلًا، بل كان غريبًا، وكانت لدي تساؤلات كثيرة وتحديات. هل سأقوم بدعوة الأصدقاء؟ أم سأشعر بالخجل؟ لكنني اكتشفت أن المشاركة في فريق للرقص المعاصر يستحق خوض التجربة، لاسيما أنني مقتنع بما أقوم به من إبداع. ولأننا كنا نضع خلال العرض ماسكات، تشجعت أن أدعو أصدقائي القريبين مني كي يقولوا لي رأيهم بكل صدق دون مجاملات. تفاجأت برد فعل الأصدقاء والجمهور، فقد كان إيجابيا للغاية. والأهم تقديرهم لشجاعتي ودخولي هذه التجربة الجديدة، واكتشافي لقدرات جديدة بداخلي، والعمل ضمن فريق متعاون”.
ويضيف: “أتمنى أن يكمل فريق sol، الذي أصبحت جزءا منه، مسيرته. وسأكون معه سواء كراقص أو كمساعد للفريق في أي شيء. وأتمنى أن يكون هناك تكرار لهذا المشروع مع أشخاص آخرين يحصلوا على نفس الاستفادة، كما أتمنى وجود مدارس أخرى للرقص في محافظة المنيا”.
22ac74fe 6cae 479f 8c92 2e346313f8dc
6e2f814a b68d 4cb7 ae80 bf35ef9df9a4
أحب الرقص جدا
جورجينا إيهاب، 21 عاما، طالبة بأكاديمية السادات، تتمتع بمواهب فنية متعددة مثل التمثيل والغناء والعزف على الجيتار. شاركت في العديد من العروض والفعاليات مع وزارة الشباب والرياضة في محافظة المنيا. كما أنها ضمن فريق “دوار الفنون”.
تقول عن مشاركتها في الفريق:” أحب الرقص جدا، لكني لم أرقص بشكل علني من قبل. وعندما علمت عن ورش الرقص المعاصر بالمنيا، تقدمت على الفور دون تردد. وبعد أن انضممت للورش، شعرت براحة داخلية غامرة. فقد كنت سعيدة للغاية، واكتشفت قدرات لم أكن أعلم عنها شيء في جسدي، ثم انضممت إلى الفريق من خلال الحركة تخرج مشاعر كثيرة بداخلنا، والرقص هو وسيلة لخروج تلك المشاعر وتلك الطاقة الكامنة”.
وحول التحديات التي واجهتها تقول جورجينا: “قمنا بالعرض لأول مرة في مقر الجزويت بالمنيا، ولأن هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها جمهور المنيا فريقا للرقص المعاصر، كان هذا هو التحدي الأكبر. وبالطبع، خرج الكثير يسأل عن فكرة العرض ولم يفهموه جيدا. كانت هناك تعليقات وانتقادات تحمل بعض السخرية والتهكم، لكنني لا أقف عندها لأنني مؤمنة بما أعمل وسعيدة به. استمتعت جدا بالتجربة وأتمنى انتشارها، وسأستمر في طريقي بشكل احترافي.
نحن نحاول من خلال فريق sol نشر نوع جديد من الفن وثقافة جديدة على جمهور المنيا، يستطيع فهمها وتقديرها مثل الفنون الأخرى من تمثيل وغناء وغيرها. وأتمنى نشره في محافظات الصعيد المختلفة. هذا الفن عبارة عن تجسيد لمشاعرنا من خلال الحركة، وهو ما حاولنا إيصاله في العرض. نحن كنا نجسد طاقة النجوم، حيث إن طاقة النجم، بعد أن تمتلئ بالشحنات، تنفجر، وهو ما يحدث للبشر على اختلافاتهم”.
نحتاج للدعم المادي
أما عن استمرارية الفريق يقول كيرلس: “الآن ليس لدينا الموارد الكافية لإنتاج عروض أخرى، ونحن لا نزال في البداية. أنا أيضًا أحتاج الكثير من الدراسة والتمارين لإثقال موهبتي، وأتمنى فعلا تكملة مشوار فريق sol”.
واختتم حديثه: “لن أتخلى عن حلمي في تأسيس مدرسة للرقص المعاصر بالمنيا، والحفاظ على فريق sol كأول فريق للرقص المعاصر بعيدا عن مركزية القاهرة. نريد أن نتجاوز التحديات حتى لا تموت فكرتنا، وأن يكون هناك استمرارية لما بدأناه”.
أعلن الاتحاد الإفريقي الآسيوي (AFASU) اختيار مدينة الأقصر للفوز بجائزة عاصمة الثقافة والتاريخ والتراث الأولى في العالم، إذ جاء هذا الاختيار بعد التصفية النهائية ومنافسة شرسة مع مدينة كيوتو باليابان. فازت مدينة الأقصر بإجماع اللجنة الدولية العليا لجوائز أفاسو الذهبية، وعدد أعضائها 42 عضوا وممثلا من مختلف المؤسسات والهيئات الدولية والعالمية، تقديرا لما تمثله مدينة الأقصر من مكانة عالمية كأيقونة للثقافة والحضارة الإنسانية.
تنوع تراثي
وتعليقا على هذا القرار، يقول الدكتور فكري حسن، العميد السابق للجامعة الفرنسية ومدير متحف حسن فتحي بالأقصر: “التنوع التراثي والثقافي الذي تحظى به الأقصر واستمراريته كان السبب في فوزها بلقب عاصمة الثقافة والتراث العالمية، متفوقة على مدينة كيوتو باليابان”.
وتابع: “الحرف التراثية، مثل صناعة الألباستر وغيرها من الحرف الفرعونية المستمرة حتى الآن. وكذلك الاحتفالات الشعبية التراثية مثل دورة أبو الحجاج الأقصري التي هي استمرار لعيد الأوبت الفرعوني. والتي كانت تخرج من معبد الكرنك إلى معبد الأقصر، وشاهدناها في احتفالية افتتاح طريق الكباش. وبعض المظاهر التقليدية التي تمارس في الموالد مثل لعبة التحطيب التي هي في الأساس فرعونية وجدت منقوشة على جدران المقابر والمعابد. وكذلك سباقات المرماح، كل ذلك ساهم في فوز الأقصر بهذه الجائزة”.
أطعمة شعبية
وأشار حسن إلى أن الأطعمة التراثية الشعبية التقليدية. التي تطهى في الموالد الشعبية تحديدا، والتي لها أصل فرعوني، ساهمت أيضا في تعزيز فوز الأقصر بهذه الجائزة. لافتا إلى أن هذه الجائزة سيكون لها تأثير إيجابي على السياحة. وأنه لابد من استغلال هذا الحدث في الترويج للمحافظة عبر إقامة احتفالات ومهرجانات ودعوة كافة المهتمين بالتراث العالمي. للمشاركة في هذا المشروع. وكذلك إقامة احتفالية الأوبت بشكل سنوي وتحديد تاريخ لها كل عام. كما نوه بأن المحافظة شكلت لجنة عليا للتراث والثقافة في المحافظة، والتي تشرف على رئاستها. وستساهم في تعزيز مكانة الأقصر السياحية والتراثية.
من جانبه، أكد الدكتور هشام أبو زيد، نائب محافظ الأقصر، أن المحافظة قررت تنظيم احتفالية كبرى خلال أيام 8 و9 و10 فبراير الجاري احتفالا بفوز الأقصر بهذه الجائزة. وأضاف، أننا شكلنا لجنة عليا للتراث ستكون مهمتها الأساسية تعزيز مكانة الأقصر سياحيا وتراثيا، وستتولى وضع أجندة الاحتفالية. منوها بأن هذا القرار يمثل فرصة ذهبية لإعادة النظر في محافظة الأقصر وترويجها سياحيا، وتسليط الضوء على أهم المعالم السياحية والتراثية في المحافظة، مشيرا إلى أن الأقصر تستحق أكثر وأكثر ولديها ما يجعلها عاصمة عالمية بحق.
وتابع أبو زيد: “هناك توجها لدعم السياحة الثقافية بعد فوز الأقصر بهذا اللقب. إذ وافق مجلس الوزراء الأسبوع الماضي على مشروع بناء القدرات واستدامة تنمية موارد السياحة الثقافية في مدينة الأقصر. وتنمية قدرات حفظ التراث. ويشمل ترميم صرح معبد الرامسيوم، بالإضافة إلى تزويد متحف الأقصر بالتقنيات التكنولوجية الحديثة. كما يهدف المشروع إلى وضع خطة لحفظ التراث الثقافي في الأقصر وتحسين موارد سياحة التراث الثقافي بها”.
في عالم تتقاطع فيه الحروف مع الضوء، يدمج الشاعر والمصور «محمد الكاشف» بين فني الكلمة المكتوبة والصورة الفوتوغرافية، اللذين يعتمدان على اقتناص اللحظة. إذ يرسم من خلال كلماته مشاهد تنبض بالحياة، ويصور بكاميرته الشارع والناس وحكاياتهم، موثقا تفاصيلها بكل صدق.. «باب مصر» أجرى معه الحوار التالي.
بدأت رحلتك الأدبية من نادي الأدب في بيت ثقافة إطسا، كيف أثرت هذه البداية على مسيرتك الشعرية أو الفنية؟
نادي الأدب في بيت ثقافة إطسا بالفيوم كان المكان الذي أكمل فيه بحثي عن هويتي، بل كان شاهدًا رئيسيًا على تجاربي في الكتابة الشعرية. هناك، وعلى طاولته مع التوجيه والمناقشة، أدركت أبعاد قلق المسؤولية عن خلق ذاتي واختيار طريقي في عالم مليء بالاحتمالات. إذ أن الشعر هو قفزتي الصغيرة للوجود، وهو اللحظة التي أخرج فيها نفسي من صمتها إلى ذلك الحيز الذي يسبق الماهية. فالكتابة ملاذ أحاول من خلاله تحديد هويتي في عالم خانق مليء بالصراعات.
من خلاله، عرفت أن الشاعر هو ذلك الفيلسوف الذي يستخدم اللغة ليكشف عن أعماق الوجود، وأن النص الأدبي هو حوار مفتوح بين الكاتب والمتلقي، وأن المعنى الحقيقي للنص يكمن في هذه الحوارية، وأن حب الذات دافع للإبداع.
كيف ترى موقع العامية المصرية في المشهد الأدبي العربي اليوم؟
العامية المصرية ليست مجرد لهجة، بل هي نظام لغوي كامل له قواعده وأساليبه الخاصة، فهي نص مفتوح يتجدد باستمرار ويتفاعل مع السياقات المجتمعية اليومية والثقافية المتغيرة. لذا، هي أداة عظيمة لكشف أعماق نفس الإنسان المعاصر، لما تحمله من تاريخ وحضارة عميقة. فهي لغة حية تتطور وتقاوم كل أشكال الهيمنة الثقافية.
إن موقع العامية في المشهد الأدبي العربي اليوم هو موقع النص المقاوم، الذي يرفض المركزية الأدبية التقليدية ويسعى إلى خلق فضاءات جديدة للتعبير عن حاجة الإنسان وعن ذاته الحقيقية. وأتمنى أن تحوز العامية مكانتها الطبيعية في المشهد الثقافي المصري، وربما يقع على عاتق الشعر وأدواته ذلك.
بمناسبة معرض الكتاب، كيف ترى تجربة النشر ودور النشر في مصر اليوم؟
معرض القاهرة الدولي للكتاب هو حدث ثقافي هام واحتفال سنوي باللغة والكلمة، فرصة للكاتب لإثبات وجوده في العالم وللقارئ لاكتشاف ذاته من خلال القراءة. من وجهة نظري، المعرض مرآة تعكس حالة الثقافة في المجتمع، يظهر التنوع والتعددية، ولكنه يظهر أيضاً التحديات التي تواجه الثقافة.
تجربة النشر مليئة بالصعاب، ولا شك في ذلك. ولعل أبرزها المتطلبات المادية لعملية النشر، إذ أن سوق النشر في مصر يشترط الآن الكفاءة المادية والشهرة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من القراء. في وقت أصبح الشعر، وخصوصًا شعر العامية المصرية، مهددًا بالتراجع بعدما شاع العزوف بين أغلب الدور عن نشره، والحجة المُصدرة في ذلك حاجة السوق وتراجع القراءة له بين الشرائح العمرية للقراء. اللهم إلا القليل النادر منهم الذي يعمل على مشروع ثقافي يرى أن اكتماله لا يتم إلى بوجود الشعر، ﻷنه خير معبر عن الذات والواقع.
المعرض فعلاً فرصة لتقييم تجربة النشر في مصر. وأرى أن دور النشر التي لا تستخدم تكنولوجيا اليوم وأدواتها المتغيرة والمتسارعة، التي بدأ أثرها واضحًا على صناعة النشر التقليدية، سيعفى عليها الزمن ولن تجد قارئ لإصداراتها.
ff20ac17 1a7d 49d6 b688 127d87261d64
752aefd7 de9f 4ea3 a63a 12eda2bc41a6
ae952e90 3f2d 4452 a4af 69487f1ae023
وما التحديات التي واجهتها في إصدار دواوينك؟
التحديات كانت تتمثل في البحث عن صوتي الخاص من خلال لغة قادرة على التعبير عن تجربتي الإنسانية، والتوفيق بين الرغبة في التعبير عن الذات وعدم التنازل عن رؤيتي الإبداعية. وشاء القدر أن يجمعني بالمحبة مع أصدقاء تحمسوا لنشرها وناشرين على قدر كبير من الوعي، حالمين مثلي، يحملون على كتفهم مشروعا ثقافيا ملهما. فكان ذلك الجمع ولادة لأعمالي الشعرية الأربعة والموجودة في الساحة الثقافية اليوم.
هل تعتقد أن الكتاب المطبوع لا يزال يحتفظ بجمهوره في ظل انتشار المحتوى الرقمي؟
أعتقد أن الكتاب المطبوع سيظل محتفظًا بجمهوره رغم التقدم التكنولوجي الهائل وانتشار المحتوى الرقمي. الكتاب الورقي يمثل تجربة قراءة فريدة، وهو أكثر من مجرد وسيلة لنقل المعلومات، فهو تراث ثقافي وهوية. بالطبع، القراءة الرقمية لها مزاياها، ولكنها لا تستطيع أن تحل محل متعة امتلاك كتاب ورقي وقراءته في أي وقت وأي مكان.
لكن وبسبب التضخم الحالي وتغير سعر صرف العملات الأجنبية أمام الجنيه المصري، وبالتالي تغير أسعار الخامات المستخدمة في صناعة الكتاب الورقي، تأثرت منظومة التسعير، وهو ما جعل قطاعا كبيرًا من رواد المعرض وأنا منهم يتحسرون على مشروعي “مكتبة الأسرة” و”مهرجان القراءة للجميع” اللذين أتيحت فيهما إصدارات المكتبة العربية بأسعار زهيدة على عكس ما نجده اليوم من أسعار مبالغ فيها.
في زمن وسائل التواصل، كيف أثرت المنصات الرقمية على تلقي الشعر والتصوير؟
في ظل التطور الرقمي المتسارع الذي نشهده، أتاحت المنصات الرقمية وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي للشعر الوصول إلى جمهور واسع وأكثر تنوعًا من أي وقت مضي، إذ مكنت الشعراء من نشر أعمالهم مباشرة دون الحاجة إلى دور النشر التقليدية، مما منحهم تفاعلا مباشرا مع الجمهور من خلال التعليقات والمشاركات، وهو ما يخلق حوارًا حيويًا حول الشعر. لكنها أدت أيضًا إلى انتشار محتوى شعري رديء.
ولا نغفل عن الدور الهام والخفي الذي تمارسه الخوارزميات، إذ أنها تحدد المحتوى الذي يظهر للمستخدمين، وهو ما يؤثر بالسلب على تنوع الآراء والأفكار التي يتعرضون لها. وبالمثل مع التصوير الفوتوغرافي، فقد جعلت المنصات الرقمية التصوير الفوتوغرافي متاحًا للجميع، بغض النظر عن الخبرة أو المعدات.
وهذا أدى إلى ازدهار المشهد الفوتوغرافي في الآونة الأخيرة، وهو ما شجع على تنوع الأساليب الفنية في التصوير وظهور تيارات جديدة، ومكن ممتهنيه من التسويق لأعمالهم بشكل مباشر والوصول إلى جمهور جديد، إلا أنه خلق ضغطا كبيرا على البعض بسبب المنافسة على الإعجابات والمتابعين، وهو ما قد يؤثر سلبًا على إبداع البعض.
بشكل عام، يمكن القول إن المنصات الرقمية قد أحدثت ثورة في عالم الشعر والتصوير الفوتوغرافي. مما فتح آفاقًا جديدة للإبداع والتواصل. ومع ذلك، فإن لهذه الثورة جوانب سلبية، لكنني أراهن على الموهبة والخبرة فهما الفيصل الرئيسي في ترجيح كفة الإبداع من عدمه، والأيام كفيلة بإثبات ذلك من خلال غربلتها المستمرة.
هل هناك تيمات معينة تناولتها في أعمالك الشعرية وتفضل التركيز عليها؟
ربما تيمة الواقعية أكثر التيمات التي استخدمتها في أعمالي الشعرية، فقد حاولت بها الوصول إلى أعماق النفس البشرية من خلال تجسيد الأفكار والمعاناة عن طريق لغة بسيطة ومفردات من قاموس الحياة اليومية بعيدًا عن التعقيدات اللغوية، بحيث يشعر القارئ وكأنه يعيش التجربة بنفسه.
هذا إلى جانب الذاتية والتشظي. فاستخدامي للذاتية نابع من تجاربي الخاصة ومدى تأثري بما يدور في محيطي ويؤثر في شخصيتي من صراعات داخلية وتساؤلات وجودية مستمرة. أما التشظي، فرغم كونه ظاهرة معقدة تتطلب تحليلاً دقيقاً، فإنه يساهم في خلق هوية شعرية جديدة لشعر العامية المصرية، تتميز بالتنوع والتجديد.
هل سبق أن التقطت صورة وألهمتك لكتابة قصيدة؟
بالتأكيد، هذا السؤال يفتح نافذة واسعة على العلاقة المتشابكة بين الصورة الفوتوغرافية والشعر. وكشاعر مهتم بالعامية، أجد نفسي في حالة تفاعل مستمر مع العالم المرئي. وأرى في الصورة الفوتوغرافية مرآة تعكس انعكاسات الواقع المعقد، تمامًا كما يرى المصور الفرنسي هنري كارتييه بريسون -رائد فن تصوير الشارع- أن الصورة لحظة حاسمة في تطور الأحداث.
عندما ألتقط صورة، أسعى إلى تجاوز السطحية، والوصول إلى العمق الإنساني الكامن وراء كل لقطة. هذه اللحظة الحاسمة هي التي تثير فيَّ شرارة الإلهام، وتدفعني إلى تحويلها إلى نص شعري قد يتطور إلى قصيدة.
الصورة الفوتوغرافية هي لغة بحد ذاتها، قادرة على سرد القصص وإثارة المشاعر. وهي وسيلة للتعبير عن الذات، وتشكيل رؤيتي للعالم. عندما ألتقط الصورة، أجد نفسي أركز على التفاصيل الصغيرة، على الألوان والأشكال، وعلى العلاقات بين العناصر المختلفة في الصورة. هذه التفاصيل تترسب في ذاكرتي، وتعود إلى الظهور فيما أكتب من قصائد، مستخدمًا اللغة العامية البسيطة لوصف هذه التفاصيل، محاولاً نقل المشاعر والأحاسيس التي أثارتها الصورة في نفسي.
لذا قلت ذات مرة: «الصورة هي الشعر الذي رأيته ولم أكتبه». كيف ترى العلاقة بين التصوير الفوتوغرافي والشعر في تجربتك؟
إن القول بأن “الصورة الفوتوغرافية هي الشعر الذي رأيته ولم أكتبه” هو محاولة لتلخيص علاقة عميقة ومعقدة بين هذين الفنّين اللذين يغذيان روحي ببعضهما البعض حتى أستمر في العيش.
الصورة، بتجميدها للحظة الزمنية، تقدم لي شرارة الإلهام التي تتحرك منها كلمات نصوصي الشعرية. هي بمثابة حجر أقذفه في الماء الآسن لأطلق العنان لعالم من المعاني والمشاعر. الصورة الفوتوغرافية لغة قوية قادرة على إيصال المعنى بشكل مباشر. وأنا أرى في ذلك تشابهاً كبيراً مع الشعر. فالشعر أيضًا لغة، ولكنها لغة تحمل في طياتها دلالات أعمق وأكثر تعقيدًا. وأسعى من خلاله إلى إعطاء هذه اللغة التي بالصورة صوتًا، فأنا استلهم من الصورة أفكارًا جديدة، واستخدم الشعر للتعبير عن هذه الأفكار بعمق أكبر.
ما الذي يجذبك أكثر عند التقاط صورة؟ اللحظة أم القصة التي تحملها الصورة؟
أعتقد أن الجواب على هذا السؤال ليس إما/أو، بل إن الأمر يتعلق بتكامل العناصر. فاللحظة هي البذرة التي تنمو منها القصة. هي الانطباع الأول الذي يترك أثراً عميقاً في النفس، وهي التي تدفعني إلى التقاط الصورة. لكن هذه اللحظة لا تكفي وحدها، فهي تحتاج إلى سياق، إلى قصة تحكيها وتجعلها ذات معنى.
أجد أن اللحظة والقصة وجهان لعملة واحدة. اللحظة هي البداية، والقصة هي النهاية. وكشاعر مصور، أسعى دائمًا إلى تحقيق التوازن بينهما، لإنتاج صور تحمل في طياتها لحظة حقيقية وقصة مؤثرة.
هل أثّر التصوير على أسلوبك الشعري أو العكس؟
علاقتي بالتصوير والشعر علاقة تكاملية متبادلة، حيث يؤثر كل منهما على الآخر بشكل عميق. فالتركيز على التفاصيل، وبناء القصة سواء في الصورة الفوتوغرافية أو القصيدة، إلى جانب التجريب والتجديد، علمني أن أرى العالم من زوايا مختلفة، وأن أكتشف الجمال في الأشياء العادية.
وباختصار، التصوير والشعر بالنسبة لي وجهان لعملة واحدة. كلاهما يعبران عن رؤيتي للعالم، وكلاهما يساهم في تطوير إبداعي.
895c6394 f3db 4855 91fe 1892f83cd23d
128a013f 7bff 4ef0 bcbe b2444a6d87d6
b99f4b1e 07de 4a63 b0f7 c6cfd65e870d
لديك 4 مشاريع فنية هامة هي: (الشقيانين، الفاعل، نوت، الآخرون). هل ترى نفسك مصورا فنيا أم وثائقيا أكثر؟ وهل لديك مشروع تعمل عليه حاليًا؟
هذا السؤال يشبه إلى حد كبير سؤال “هل أنت شاعر أم قاص؟” فكلاهما يحاول حصر المبدع في خانة واحدة، بينما الحقيقة هي أن الإبداع لا يعترف بالحدود. بالنسبة لمشاريعي المصورة المذكورة، أجد أنني أتحرك بحرية بين هذين المجالين، التقطت صورًا واقعية لشخصيات أبطالها الذين اضطروا جميعًا تحت وطأة الفقر إلى الالتحاق بسوق العمل كعمالة غير منتظمة وبأجر يومي. مع تسليط الضوء على جزء من حياتهم. لكنني في الوقت نفسه أضفت إليها لمسة شخصية. حاولت أن أكشف عن الجانب الإنساني فيهم وتعرية الواقع الذي اضطرهم للجوء إلى ما يفعلونه. وبالتالي، يمكن اعتبار هذه المشاريع وثائقية وفنية في نفس الوقت.
أرى أن التصنيفات هي مجرد أدوات لمساعدتنا على فهم الفن، ولكنها لا يجب أن تكون قيودًا. أنا مصور، نعم، وأدعي أنني مصور شارع، ولكنني مصور يبحث عن الحقيقة والجمال والمعنى في العالم من حوله. وحاليًا، أعمل على استكمال بعض مشاريع التصوير المفتوحة التي أتمنى الانتهاء منها وطرحها للنشر في القريب العاجل.
هل تفكر في إصدار كتاب يجمع بين صورك ونصوصك الشعرية؟
فكرة دمج الصورة والشعر في كتاب واحد تثير اهتمامي بشدة وأفكر فيها منذ مدة ليست بالقليلة. فدمج الصورة والشعر في كتاب واحد هو بمثابة إكمال لدائرة الإبداع. وكلاهما يكمل الآخر، ويضيف عمقًا جديدًا للتجربة الفنية.
وربما يكون هذا الكتاب بمثابة وثيقة تسجل مرحلة معينة من مسيرتي الإبداعية، ويمكن أن يكون مرجعًا للأجيال القادمة. رغم التحديات تواجهني لإتمام ذلك، إلا أنها فكرة مثيرة للاهتمام، وأنا متحمس لتنفيذها.
هل لديك خطط لمعارض فوتوغرافية قادمة؟
نعم، لدي خطط طموحة لعرض أعمالي الفوتوغرافية في معارض فردية لو بالتعاون مع الجهات الثقافية والمؤسسات الفنية لدعم مشاريعي، إذ إن المعرض الفني يوفر تجربة مشاهدة غامرة للقارئ والمشاهد. ومنذ سنوات وأنا أريد أن أساهم في إثراء المشهد الفني الحالي، إلا أن ذلك يتطلب ميزانية كبيرة.
نشأ في مدينة أسيوط، فتأثر بما عاصره بها من مغامرات حقيقية مع أبطال أشهر القصص في الصعيد، مثل «الخط» و«شفيقة ومتولي»، والجماعات المتطرفة. على مدار عام كامل من المرض والمعاناة، عاش الكاتب والصحفي «عادل سعد» تجربة استثنائية مليئة بالصمت والتأمل. ورغم ثقل الآلام، وجد في الكتابة ملاذا وحياة، أثمر ذلك عن عدد من الأعمال الأدبية التي تضاف إلى مسيرته الإبداعية، وتوجت بفوزه بجائزة «الطيب صالح».. في هذا الحوار يفتح لنا سعد قلبه للتعرف على تجربته الإنسانية والأدبية والصحفية.
كيف أثرت نشأتك في أسيوط على رؤيتك الإبداعية سواء في الأدب أو الصحافة؟
قضيت طفولتي وحتى مرحلة الشباب في أسيوط. كان لدي مواهب عديدة، مثل الرسم حيث كنت أزين جدران مدرستي، وكنت لاعب تنس طاولة شهير. كنا فقراء وقتها، لكني كنت أشعر أنني أمتلك العالم كله.
عاصرت وكنت شاهدًا على الكثير من الأحداث هنا في الصعيد بالذات. قابلت وتعاملت مع العديد من الشخصيات، وأحزن كثيًرا عند رؤية تزييف تاريخ بعضهم أو السخرية منه، كما فعل الفنان عادل أمام عندما جسد شخصية “خط الصعيد” الشهيرة، والذي بالمناسبة كان “هاشم” نجله أحد أصدقائي، وهو الآن تاجر فاكهة شهير. وأتذكر نواح “فضة” والدته في جنازة الخط وهي تقول: “يا حليوة يا أشقر.. يا أبو عيون زرق”. فقد كانت هذه ملامحه الحقيقة. لذا فقد كتبت تاريخ الشخصيات وسجلتها كما هي، مثل قصص الجماعات المتطرفة سواء الإسلامية أو المسيحية، كما رأيتها في الحقيقة. وأعتقد أن هذا كان بسبب تأثير البيئة على تكوين شخصيتي وإقامتي في محافظة أسيوط.
يظهر في ثلاثية «الأسايطة» ميل واضح لما يعرف بالكتابة التاريخية. كيف ترى ذلك؟
تتحدث رواية “الأسايطة” عن مدينة تضم بداخلها خمسة ملايين من البشر، عبر 200 سنة. وهي تأريخ للمدينة منذ حكم محمد علي باشا الكبير، وحتى ثورة يناير. فهي بمثابة تاريخ غير رسمي لمدينة أسيوط، وقصدت أن أسجل خلالها التاريخ الشعبي للمدينة، لذلك كان أبطالها سكان المدينة الشعبيين مثل “خالتي بطة الحشاشة، وعم عقروبة، وأبو مسلم الحرامي”. أما الحكام مثل فاروق وعبد الناصر والسادات، فقد كانوا على الهامش.
مررت بعام صعب، إذ تعرضت لأزمة صحية كبيرة، ما الذي حدث؟
بالفعل، كان عام 2024 هو الأسوأ في حياتي، فقد تعرضت لأربعة جلطات قاتلة وخلل في العصب السابع، وقد تعجب طبيبي من أنني ما زلت أقف على قدمي. مكثت شهورا أصارع الموت في غرف الإنعاش، وأصبت بشلل نصفي، حتى أن الرؤية أصابها الخلل وعدم الاتزان وفقدت السمع، والتواء الفم الذي أصابني بصعوبة في التحدث وتناول الطعام.
في كثير من الأوقات كنت أتمنى الموت، لكن الأجل لم يحن بعد. بعدها جاء التعافي ولله الحمد، وغمرتني محبة الأصدقاء في هذه المحنة، الذين زاروني من داخل مصر وخارجها. والحمد لله أنا اليوم أقرأ وأكتب وأجري.
كيف قاومت هذه الحالة بالكتابة؟
عشت عاما كاملا من الصمت، كنت أكتب حتى لا أموت، وأنجزت حتى لا أصاب بالجنون أربع روايات جديدة وهي: رواية بعنوان “سفر الموتى” تدور أحداثها عن قرية يهاجمها مجموعة من الأموات، ورواية عن سيرة حياة زعيم التكفير والهجرة “شكري مصطفى” الذي مر على إعدامه الآن 50 عامًا.
أما المفاجأة، فهي روايتي التي تناولت فيها قصة صديقنا الشاعر والقصاص الراحل “كمال سليم” الذي تم اعتقاله وسجنه سنوات طويلة، قضاها ما بين المعتقل ومستشفى الأمراض العقلية. فقد عثرت على أوراقه عن السجن والمستشفى. أما الرواية الأخيرة، فقد تناولت التقلبات في عالم الصحافة، وهي بعنوان “موت الورقة”. هذا بجانب مجموعة قصصية.
فازت روايتك «الكحكح» بجائزة الطيب صالح. كان أبطالها سيدات بعمر الـ85، هل حبك للحياة وتمسكك بها هو السبب لكتابة تلك الرواية التي تدعو إلى حب الحياة؟
«الكحكح» هي باكورة عودتي للحياة، ويطلق على المرأة إذا تجاوزت الـ58 عاما ووفقا للسان العرب “الكحكح”. وتتناول الرواية حياة 6 سيدات مما يطلق عليهن “الكحكح”، بسبب تجاهل العالم لوجودهن. يقررن مقاطعة العالم، ومواصلة الحياة لكن بشروطهن. وجاءت الأبلة أنعام، مدرسة المسرح والغناء، بفكرة الاجتماع اليومي. حيث اقترحت أن تستضيف كل واحدة منهن الأخريات يومًا في الأسبوع. هي أيضًا من أخبرتهن بفكرة العلاج والتداوي بالمسرح.
تمزج الرواية ما بين المسرح والسرد، لا أحد يختار في الحياة، لكنهن اكتشفن أنفسهن. “على الخشبة، ممكن أن تصير الممثلة مومسا أو ملكة أو رجلا”، وفي السنوات الأخيرة من العمر يبدو العالم بلا جدوى، لكن إحداهن توافق على الزواج وعمرها 95 عاما وحبيبها 97 عاما. وهناك أخرى تجرب أن تكون متسولة في الشارع، حتى تجرب مشاعر المتسولات، لكنها لم تكن تتخيل أن متسولات الشارع اللائي قابلتهن من المحترفات يعرفنها من زمان.
لماذا قلت إن الاتكاء على التاريخ وأحداثه «إفلاس»؟
هل نترك ما يجري في غزة ونحاسب المماليك؟ أم نغمض أعيننا عما جرى في سوريا من حكم عائلة الأسد، ونعيش في زمن أحمد بن طولون؟ هل سننتظر ثلاثمائة سنة لتناقش الروايات مشاكلنا؟
وما الذي ينقص حياتنا الأدبية من وجهة نظرك؟
ينقصنا طه حسين آخر، وسلامة موسى جديد، كما ينقصنا الناقد الواعي القادر على الفرز، في ظل فوضى الانفجار الروائي الذي تشهده الساحة الأدبية في مصر، حيث أصبح معظم النقاد الآن أساتذة جامعات. وهم منشغلون أكثر من النقد بترقياتهم أو بالسفر إلى دول الخليج. وأصبحت الكتابة عن أي عمل بشكل نقدي تعتمد بشكل كبير على الصداقات. وكانت هناك محاولة جادة من قبل الدكتور “مصطفى الضبع”، لكنه سافر للسعودية قبل أن تكتمل، والباقي اجتهادات فردية، وظهرت مؤخرا مراكز عديدة للسرد وصالونات أدبية، أرجو أن تقوم بدورها.
f96ad106 2e88 411b a5b5 7c85010c06ea 1
96416db8 b496 4267 a8b3 0a9ae1472cce
كيف ترى تجربتك كرئيس لمركز الهلال للتراث؟
مع الأسف كانت تجربة محزنة، فقد ختمت عملي في مجال الصحافة بإنشاء مركز الهلال للتراث، ومن خلاله حققت دار الهلال أرباحًا هائلة، وفشلت جهات كثيرة خارج مصر وداخلها في تقليده، حتى فوجئت بقرار إبعادي. ووافقت مجبرا وحزينا. وأتذكر حين صعد لي مسؤول الأمن بالدار كي يتسلم مفتاح المكتب، أعطيته 200 مفتاح لكافة مكاتب دار الهلال بكل هدوء وانصرفت.
بعد رحيلي، تكبدت الدار خسائر كبيرة، وحاولوا إصدار عدد أو اثنين واستبدلوا الرؤساء، لكن دون جدوى. وأعتقد أنه تم إغلاق هذه الإصدارات اليوم. لكني أشعر بالحزن كلما مررت بجوار دار الهلال.
هل أنت نادم على هذه التجربة، وهل أفادك العمل بالصحافة في رؤيتك الأدبية؟
لا داعي للندم، فقد قررت بعدها أن أتفرغ لنفسي. الصحافة كمهنة ساعدتني للتعرف على مناطق خفية من حياة الناس وأحوال الوطن، وتلك ذخيرة عامرة، وعرف الأدب كثيرا تجارب للصحفيين مثل (سومرست موم كان صحافيا وهيمنجواي)، لكن لغة الأدب موضوع مختلف تماما عن لغة الكتابة للصحافة.
تقريبا أنا لا أكتب من الخيال، لا بد من الاستناد إلى الواقع. قديما كتب علاء الديب رحمه الله أن روايتي “رمضان المسيحي”، التي تناقش قضية المصريين الذين يغيرون ديانتهم للحصول على الجنسية، “هذا تحقيق صحفي كبير”. وقلت أن نصف الرواية حقيقي والنصف الآخر خيال، لكنه لم يستطع التفرقة بين الاثنين.
إذا طُلب منك سيرة ذاتية، أي مراحل العمر تحب التركيز عليها؟ وما هي نصيحتك للمبدعين الشبان في الرواية؟
سنوات التشرد في الشوارع استفدت منها كثيرا، ونصيحتي للشباب أن يكتبوا أنفسهم بلا خجل.
هل تخطط لأعمال قادمة؟
رأسي الآن فارغ، بعد عام من صراعات المرض، وعدم القدرة على القراءة، أقوم حاليا باستكمال أعمال بدأتها منذ فترة طويلة.
من قلب الصعيد، وعلى ارتفاعات البالون الطائر، تظهر لوحة فنية تعبر عن حلم مشترك بين الأطفال من مختلف أنحاء العالم «السلام». جدارية ملونة بأحلام بريئة ورسائل أمل، تعلو سهل الأقصر الشاسع، هنا تتلاقى الألوان والأحلام مع رسالة إنسانية تهدف إلى نشر السلام.
الحرب لا مكان لها في قلوبنا
محمود هواري، مصور فوتوغرافي، استطاع بالتعاون مع ليانا زانين، سويسرية تقيم في الأقصر، أن يحول سطح مدرسة صغيرة تملكها زانين إلى منصة عالمية للحب والسلام. حيث اجتمع أطفال من سبع دول مختلفة ليقولوا للعالم بصوت واحد: “الحرب لا مكان لها في قلوبنا”.
المشروع الذي جاء تحت عنوان “سلام”، يستهدف بشكل أساسي راكبي البالون الطائر، الذي يحمل يوميا جنسيات من كل دول العالم. فالمدرسة الصغيرة تقع بالقرب من تمثالي ممنون، والتي يمر من فوقها أكثر من 60% من رحلات البالون لوجودها بالقرب من مطار البالون.
IMG 20250111 WA0097
IMG 20250111 WA0095
حرب غزة
يقول هواري: “حرب غزة دفعتني إلى تحويل فكرتي القديمة عن مخاطبة راكبي البالونات إلى عمل فني يحمل رسالة سلام. وقد وجدت في تصميم جدارية تجمع صور أطفال من مختلف الدول، ينظرون إلى السماء بفرح، وسيلة قوية للتعبير عن هذه الرسالة. فكانت الجدارية بمثابة جسر يربط بين الأطفال في كل مكان، يحملون في قلوبهم أمنية واحدة: السلام”.
ويضيف، أنه بعد أن نضجت فكرته، توجه إلى ليانا، مؤسسة مدرسة “هب سكول”، التي أبدت إعجابها بالفكرة ودعمتها بشكل كبير. فقد وفرت سطح المدرسة لتنفيذ الجدارية، كما أشركت طلاب المدرسة في عملية التركيب. وبعد ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، تم الانتهاء من الجدارية بنجاح.
IMG 20250111 WA0089
IMG 20250111 WA0091
ردود فعل إيجابية للغاية
أوضح الهواري وليانا أنهما تعاونا مع عدد من طياري البالون الطائر لشرح هذا العمل الفني للسائحين. وتوضيح رسالته النبيلة الداعية للسلام. وقد لاقى هذا المشروع استجابة كبيرة من قبل الطيارين الذين بدؤوا بتعريف السائحين بالجدارية وأهدافها. مما أدى إلى ردود فعل إيجابية للغاية. مؤكدا أن التعاون مع ليانا “وهب سكول” مستمر وسيكون هناك العديد من المشاريع الفنية خلال الفترة المقبلة.
كنت شاهدا على آخر أيام مجدها. كانت اللمبات النيون البيضاء والملونة تضيء المدخل وتعتلي الواجهة، وإعلانات الأفلام المعروضة في فتارينها الزجاجية. كان كل عرض يتضمن فيلمين، أحدهما عربي وآخر هندي. كان ذلك في مدينة ملوي العريقة وحتى بداية تسعينيات القرن الماضي. ومن بعدها أصاب السينما ما أصاب المدينة من إهمال. ما خلف الفوضى في المدينة وحول واحدة من أقدم دور العرض السينمائية في الصعيد إلى مأوى للقوارض. طوال أربعين عاما، أغلقت فيها السينما وحتى اليوم، قبل أن يحصل ملاكها مؤخرا على تصريح رسمي بهدمها، ليسدل الستار على تاريخ طويل لعبته «سينما ملوي» في حياة سكان المدينة.
تاريخ سينما ملوي
أغلقت سينما بالاس بملوي بقوة سلاح الجماعات المتطرفة التي سيطرت على المدينة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. بعد أكثر من نصف قرن من إمتاع جمهور المدينة وقرى مركز ملوي العديدة، فقد شيدت السينما في أربعينيات القرن الماضي. وكنت محظوظا بتجربة دخولها ومشاهدة أحد الأفلام بها في بداية التسعينيات، وكان فيلم “أبي فوق الشجرة” لا يزال يُعرض في دور عرض الأقاليم. بينما كان آخر أفيش رأيته على واجهتها هو فيلم “الراعي والنساء” لأحمد زكي وسعاد حسني. وظل الأفيش معلقا حتى اهترأ وأكلته الشمس والتراب.
سينما بالاس بملوي
“ناس وتراث” لإعادة إحياء المكان
حسب الباحث والمترجم محمد رمضان، فإن “سينما بالاس” بملوي هي ملكية خاصة تتبع عائلة “لاوندي”، وقد توارثتها أجيال متعاقبة، والورثة اليوم عددهم كبير. وقد حصلوا مؤخرا على رخصة لهدم السينما من الحي التابع له المبنى.
ويشير رمضان إلى مبادرة “ناس وتراث” التي أعادت الروح للسينما في سنوات سابقة، قائلا: “المبادرة كانت تهدف إلى خلق حراك يربط بين الفاعلين والمثقفين والعاملين على قضايا التراث وبين سكان المناطق التراثية، وعمل إضاءة للمواطنين بأهمية الحفاظ على التراث، لأن “محدش يحمي التراث سوى أهالي التراث نفسه”.
ويضيف: “كنا قد عملنا على إعادة تصور دور مختلف للمكان وإعادة استخدامه لأعمال أخرى. في مبادرة “ناس وتراث” قدمنا خلالها في المكان “السيرة الهلالية” وعروض تحطيب بالعصا لفرقة ملوي وعروض حكي لفرقة الورشة. نظمنا ندوات وأمسيات للكتاب من المدينة الذين عاصروا عروض الأفلام في سينما ملوي وكتبوا عنها، بالإضافة إلى المشاهير الذين حضروا عروضا خاصة في السينما في أوج تألقها”.
ويوضح رمضان: “استمرت أنشطة وفعاليات “ناس وتراث” حتى عام 2019. واستمرت فرقة مدحت فوزي للتحطيب في عمل بروفاتها في المكان حتى وقت قريب. لكن بعد حصول أصحاب دار العرض على تصريح بهدمها، فلن يوقفهم أحد أو يعارضهم، ومن المؤكد أنهم يريدون بيع الأرض، والحصول على ثمنها، ولا تشغلهم فكرة إن كان ذلك تراثا أم لا”.
مدينة بلا سينما
كان رمضان قد أطلق مبادرة “ناس وتراث” عام 2015 لإعادة إحياء الأماكن التراثية والتاريخية بمحافظة المنيا، بمشاركة المعهد الدنماركي المصري، وبرعاية وزارة الآثار المصرية. استمرت المبادرة لمدة أربعة أعوام، وكان من ضمن المبادرة محاولة إعادة إحياء سينما بالاس بملوي وتقديم بعض العروض الفنية والندوات.
يذكر أن مدينة ملوي في محافظة المنيا لا يوجد بها دور عرض سينمائي منذ إغلاق سينما بالاس في التسعينيات، كما تفتقد المدينة الكبيرة أي مساحة فنية أو ثقافية بخلاف نادي ناصر الاجتماعي الواقع على أطراف المدينة، الذي يستخدم كقاعة أفراح فقط.
من قلب محافظة الوادي الجديد، وتحديدًا في قرية «القصر» التابعة لواحة الداخلة، ينبض منتدى «مصطفى ضبع الثقافي» بروح الفن والإبداع، حيث يظهر الأطفال والشباب بعض ما لديهم من طاقات واعدة، ويتعلمون التمثيل، ويعيشون تجربة العروض المسرحية التي تضيء ليالي الصيف. يلعب المنتدى دورا محوريًا في تحويل القرية إلى مركز ثقافي وفني، هنا نستعرض قصة المنتدى وتأثيره في حياة الأطفال والشباب بالقرية.
العمل الثقافي المرن
يقول مصطفى ضبع، مؤسس المنتدى والصالون الثقافي: “على الرغم من وجود أنشطة وزارة الثقافة في منطقة الداخلة بالواحات، إلا أننا نحتاج إلى الكثير منها. فنحن من المحافظات النائية، وقرية القصر التي أسكنها تبعد عن مسرح قصر ثقافة الداخلة مسافة 30 كيلو مترا. وهذا سبب مباشر في عدم تمكن الكثير من أبناء القرية، خاصة الأطفال، من الذهاب بشكل مستمر لحضور أنشطة بيت الثقافة”.
وتابع: في الكثير من الأحيان نحتاج إلى العمل الثقافي المرن، المتجاوز روتين العمل الثقافي الحكومي وخططه المرسومة وميزانياته المحدودة. وبصفتي مهتما بالشأن الثقافي والأدبي، كان الكثير من أطفال القرية من الموهوبين يأتون إلى منزلي كي يطلعوني على كتاباتهم سواء القصصية أو الشعرية. ووجدت نفسي مسْؤولا عن رعاية تلك المواهب.
وكان من نتيجة تكرار اللقاءات بيني وبين الموهوبين من الأطفال والشباب الموهوبين، التي كانت تتم في بيتي أو في حديقة عامة أو بيت الثقافة أو قاعة للمناسبات، إلى أن ظهر ما يمكن أن نطلق عليه حراك ثقافي. لاسيما أن عدد الحضور في تلك اللقاءات كان يتزايد بشكل مستمر. وهو ما يشير إلى أن هناك من يحتاج بشكل ضروري إلى تقديم للخدمات والتنمية الثقافية.
بداية المنتدى وأهدافه
يكمل ضبع: “في عام 2007 فكرت أن يكون هناك مسمى أو نشاط يجمع هؤلاء الشباب، وبالتعاون مع النشطاء والفنانين المحليين تم تأسيس هذه المبادرة. ولأني لست تابعًا لأي مؤسسة ثقافية، ولا أريد الدخول في دوامة الأوراق والتصاريح الرسمية والعمل المؤسسي، قررنا أن نقدم الخدمة الثقافية من خلال ملتقى ثقافي، استنادًا لكوني كاتبا، على أن يكون الصالون هو المظلة التي تدعم المواهب وتقدم لهم الخدمة الثقافية. وضعنا خطة استراتيجية لأهداف هذا الصالون”.
وأردف: “لم يأخذ الملتقى شكلاً محددا، بل خرج إلى أهالي القرية في الميادين، وتم توسيع قاعدة المشاركة، ودخل ضمن ما يقدمه فقرات للحكي والفن الشعبي والفنون الأدائية المحلية، كما تم التعرف على الخبرات الثقافية المحلية والاستفادة منها. وأصبح المنتدى حلقة وصل بين أفراد القرية من الموهوبين وبين الأماكن الثقافية الرسمية بقصد إدماجهم فيها”.
وبحسب ما وضعه ضبع ومن معه، تتلخص أهداف المنتدى في العمل على اكتشاف وتشجيع المواهب الأدبية ودمجهم في الحياة الثقافية، دعم المفكرين ودمجهم في الحركة الفكرية والأدبية، تشجيع ثقافة الحوار والتواصل الفكري وتقبل الرأي والرأي الآخر، بناء الإنسان المفكر المثقف الواعي الذي ينفع نفسه ووطنه، وتعميق الشعور بالانتماء للوطن. كما يهدف المنتدى إلى بناء جيل قوي ومثقف وواعي. يستطيع التفكير بشكل سليم ولا تجذبه الأفكار المتطرفة، قادر على التفكير بشكل سليم. بحيث يشكل حائط صد ودفاع قوي يحمي مجتمعه ويشكل وعيه ووجدانه ويحافظ على مقدراته.
أنشطة وورش مسرحية
ينظم المنتدى الورش لتعليم التمثيل والفنون المسرحية وإلقاء الشعر وغيرها من المهارات الفنية. وينضم العديد من الأطفال والشباب لتلك الورش فترة الإجازة الصيفية.
وعن هذا النشاط الصيفي، يقول ضبع: “فترة الإجازة الصيفية هي فترة نشاط المنتدى، حيث ننظم الفعاليات والأمسيات الثقافية، والورش الفنية. وتختتم الفترة بحفلة وعرض مسرحي ضمن المسرحيات الناتجة عن ورش الصيف. ومنذ ثلاث سنوات انضم إلينا بعض الفنانين والأدباء الذين اهتموا بالتجربة، وبدأنا في ورشة لتنمية مهارات الطفل”.
وتابع: نقوم بتنمية مواهب الطفل سواء فنيًا وسلوكيًا وعقليًا وحركيا وثقافيا، من خلال العروض المسرحية. ونقوم بتعليمهم الإلقاء والتمثيل والأداء الحركي، وإجراء الحوارات الصحفية، والتقديم الإذاعي، والرسم، وتنمية المهارات القيادية وغيرها من المهارات. في البداية كنا نقدم كل هذه الأعمال بشكل مجاني حيث كنا ننفذها بجهود ذاتية، والآن نقدمها مقابل مبلغ رمزي يذهب لإيجار القاعات التي نقوم بتدريب الأطفال بها. كما نقوم بالتعاون مع جمعيات المجتمع المدني وخاصة مؤسسة النهار الثقافية، في تنظيم وإقامة المهرجانات. فقد نظمنا مهرجان الفنون الأدائية الذي انصب تركيزه على الفنون الشعبية وخاصة في قرية القصر.
ويختتم ضبع حديثه قائلا: “الآن اكتسب المنتدى ثقة أهل القرية وأبنائها، وأصبح أولياء الأمور يأتون إليه قبل بداية الصيف لحجز أماكن لأبنائهم في النشاط الصيفي”.
مسرح الطفل
ويقول ليد مراد، رئيس نوادي مسرح الطفل بالداخلة ومخرج العروض المسرحية بالمنتدى: “لدي خبرة في مجال التدريس والتعامل مع الأطفال على مدار 25 عامًا. ومنذ عام 2000 أقوم بعمل مسرحيات للأطفال. وقد كنت أعمل في منطقة الفرافرة، وأرى مواهب عديدة لدى الكثير من الأطفال الذين لا يجدون ما يشغلون به أوقات فراغهم. ومن هنا بدأت في تنفيذ العروض المسرحية والاسكتشات والحفلات المدرسية. ورأيت كيف تغير الأطفال للأحسن وكيف استطاعوا إشباع هواياتهم وخروج بعض ما لديهم من طاقات وقدرات كامنة”.
ويكمل مراد: “من خلال تلك التجربة السابقة، أصبحت مشغولًا كثيرا بالطفل. ولأني كنت مسؤولا عن نوادي المسرح للكبار في قصر ثقافة الداخلة، ولم أتمكن من التعامل مع مشاكل تلك الفئة. غيرت مساري وأصبحت مسؤولا عن نوادي مسرح الطفل بالداخلة، وهو ما أسعدني كثيرًا. حيث أجد متعة في التعامل مع الأطفال، على الرغم من صعوبة التعامل معهم. وقد نجحت في أن يكون لدي نوادي مسرح الطفل في الداخلة أطفال بعمر 4 سنوات. وقد جاء هذا النجاح نتيجة جهد وصبر، حيث كنت أقوم بتجميع الأطفال من منازل أسرهم، وأذهب معهم في سيارتي إلى المسرح”.
المسرح وسيلة وليس غاية
وتابع مراد: تربطني صلة صداقة بمصطفى ضبع، وبدأت التعاون معه منذ عام 2007. وقمنا بتنفيذ مسرحية “قرص عسل بدون كسل”، وقمنا بعمل أول ورشة لنوادي مسرح الطفل. وقد شارك الأطفال في اختيار النص المسرحي، ثم توالت العروض المسرحية بمشاركة الأطفال، كما نقوم بتدريب الأطفال على العديد من الفنون الأدائية.
ويضيف: “المسرح بالنسبة لنا وسيلة وليس غاية، فمن خلاله نقوم بتنمية مهارات الأطفال وتنمية شخصياتهم. ونقوم من خلال التمثيل بعلاج المشاكل لدى بعضهم، والتي من أبرزها مشكلة الانطواء. حيث جعلت مجموعات العمل الأطفال أكثر جرأة وثقة. أحد أسباب نجاحنا هو ندرة الأنشطة الثقافية والفنية في مجتمعنا، فنحن في مكان نائي. وأغلب ما يقدم فيه هو الأنشطة الرياضية التي تتمثل في لعبتي كرة القدم والكاراتيه فقط. ونحن نقدم خدمة متميزة وجديدة، وخاصة للبنات، وأصبح أطفالنا خريجي ورش التمثيل والشعر والإلقاء هم من يقدمون الأنشطة في المدارس الآن، وأصبحوا كمدربين لزملائهم بالمدارس”.
ويقول: “نقوم بدمج الأطفال الموهوبين والمتميزين في الورش، في أنشطة الثقافة، ونقدم لهم فرصا للمشاركة بشكل أكبر من خلال الوقوف على خشبة مسرح قصر الثقافة، وهو عمل كبير كان الطفل محرومًا منه، وتجربة مثيرة لن ينساها”.
فتيات القصر
«أنا بحب التمثيل قوي وناوية أكمل لحد أما أكبر» هكذا قالت زينب أبو بكر، طالبة في الصف الثالث الإعدادي وإحدى المشتركات في ورش منتدى مصطفى ضبع الثقافي.
وتضيف زينب: “بدأت الاشتراك في الورشة منذ عامين عندما قرأت منشورا عن الورشة لدى الأستاذ مصطفى. وكنت أرغب في المشاركة في نشاط صيفي. في أول عام شاركت في مسرحية “مزرعة الخير” وبعدها شاركت في العديد من الأعمال المسرحية وقمت بالتمثيل وأداء أدوار كثيرة أحببتها، منها دور الأراجوز في مسرحية الصغيرين. وقد استفدت كثيرا من الورش وأصبحت الآن أكثر جرأة في الوقوف على خشبة المسرح”.
أما ريتاج أمجد، طالبة بالمرحلة الإعدادية وإحدى المتدربات، فتقول: “أشعر بسعادة كبيرة منذ انضمامي لهذه الورش. وقد عرفت عنها عن طريق إحدى صديقاتي، وانضممت لها منذ ثلاث سنوات. كنت قبلها أشارك في الإذاعة المدرسية لكن على استحياء، فقد كنت أشعر بالخجل من التحدث أمام أعداد كبيرة. الآن أتدرب على كيفية الإلقاء الشعري، وأحاول كتابة الشعر والقصة، وأقوم بالتمثيل المسرحي”.
وتتفق آية صلاح، 12 عامًا، مع زميلاتها في الورش في أنها تشعر بسعادة لانضمامها لورش المنتدى. وتقول: “بكون فرحانة وأنا وسط أصحابي في الورشة، ولا أتخيل نفسي من غيرها. وقبل انضمامي للورشة كنت أشعر بالملل طوال فترة الإجازة الصيفية”. الآن أمثل وأغني وألقي الشعر، وأتلقى التشجيع والدعم من أسرتي حتى أكمل. والممتع أنه أصبح لدي أصدقاء في أماكن كثيرة من الواحات”.
عن قرية القصر
تقع قرية القصر في مركز الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، وتبعد حوالي 32 كم شمال مدينة موط، عاصمة المركز. ويعود تأسيسها للقرن الأول الهجري. فقد كانت أولى محطات استقبال القبائل العربية عام 50هـ، وازدهرت خلال العصر الأيوبي وكانت عاصمة الواحات آنذاك. كما أنها تحتوي على آثار رومانية مما يدل على تعاقب الحضارات في تلك المنطقة.