باب مصر

الكاتب: يمنى أحمد

  • «حصة شبشير».. هنا يصنع عسل النحل بروح وذاكرة لا تزول

    «حصة شبشير».. هنا يصنع عسل النحل بروح وذاكرة لا تزول

    على أطراف مدينة السيد البدوي، وفي حضن الريف الأصيل، تقع قرية «حصة شبشير» التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية. تستكين المناحل فيها بهدوء، وتتراص بيوتها بين الحقول وعلى حواف الطرق، تنبض بحياة مختلفة عن قرى مصر، فهي تنتج 70% من عسل النحل على مستوى الجمهورية.

    ولا تقاس الحياة في شبشير بعدد السكان، بل بعدد الخلايا ونموها، ورغم أن الكثير من النحالين اعتزلوا المهنة في السنوات الأخيرة واتجهوا نحو السفر، إلا أن القرية لها طعم مختلف، ففي مثل هذا الشهر من كل عام، تزدهر الأجواء فيها استعدادًا لموسم الفرز، سواء كان يدويًا أم باستخدام الأدوات الحديثة.

    موسم جني العسل

    انطلقت في رحلة واسعة بين أرجاء القرية، شاهدت أبواب الكتاتيب المفتوحة على أرجائها. صدّقت على حديث العاملين بالمناحل بأن الرزق هذا العام وفير رغم ندرة البرسيم. تأكدت أن في هذه القرية روحا مختلفة، تجذب نحوها الآلاف من العمال ليتذوقوا عسلًا طبيعيًا غير مغشوش. وعندما تذوقته، كان له أثر طيب في نفسي، وشفاءً لتساؤلاتي المستمرة عن احتمالية العيش بجانبه.

    كان أبي يعمل في تربية النحل، ومنذ صغري وأنا أخاف القرب من منحلنا. أذكر يوم الفرز جيدًا واحتياطه باستدعاء خبراء من قرية «حصة شبشير». وأذكر أيضا قوله من ملامح طفولتي وهو يأمر أمي إكرام الضيوف لأنهم من «الحصة»، أشهر قرية على مستوى الغربية وقتها في عسل النحل. الآن أصبحت على مستوى الجمهورية وربما العالم العربي.

    حارس الخلية

    يشبه النحل في صمته وعمله، يدور حول البيوت يبيع إنتاج نحله من العسل في مثل هذا الوقت من كل عام. يدور بخفة وفرح، يشبهه في صبره على الناس لسداد مبالغ العسل والشمع، كما يصبر النحل على رحيقها. هذا هو أقل ما يوصف به عمّ عماد وهو يتحدث عن عشقه للمهنة.

    في أحد مناحل قرية حصة شبشير، يصحب عمّ عماد نحله، يطمئن على رحيقه ومجهود عمله. ويقول لـ«باب مصر ـ بحري»، إنه ورث عشقه للمهنة من جده، وبدأ فيها منذ أن كان في العشرين من عمره. وهو الآن يتم الستين، أقبل عليها بتشجيع صديقه أحمد. وافتتحا سويًا منحلهم الخاص والذي ينتج نحله الهجين الكثير من العسل الأصلي الطعم.

    ويضيف جميل: «زادي من صناديق الخشب كان ثلاثة فقط، سلمها والدي لي بيديه، أوصاني بالحفاظ عليهم، رغم عدم عمله في المهنة إلا أنه كان يعشق مواسم الفرز وخير الله الآتي. ومنذ لحظتها، وأنا أربت على كل خلية، أعاشرها بروحها الهادئة وأستهلم منها الكثير».

    عمّ عماد مربي عسل النحل في قرية حصة شبشير
    عمّ عماد مربي عسل النحل في قرية حصة شبشير
    مناحل قرية حصة شبشير

    بوجه مٌشرق يستعيد عماد ذكرياته مع النحل، والنظام الذي تعلمه من مراقبة خلاياه. القرية التي يوجد بها نحالون كثيرون ولكن يصبح لخلاياه معنى آخر حينما يطل عليها كل يوم، يعمل بالتربية والتعليم. يستقي من النحل قصصه ويعكسها قيمًا لطلابه. يدون في ذاكرته ملامح القرية منذ نشأته في حواريها وبين مناحلها وعذوبة أهلها كعذوبة عسلهم.

    ويتحسر جميل على الحال الذي وصلت له القرية ومهنة النحل فيها. يتحسر على اندثار المهنة بشكل متدرج بعد أن كانت القرية كلها تعمل كخلية نحل فعلًا. يؤكد أن الشباب اتجهوا للسفر للخارج والتعليم العالي بدلًا من نفع القرية وتطويرها والمحافظة على تراثها. يتحسس التغير الذي يحدث في منحله ببطء، يئن لتغيره. ولكنه يرى أنه حتى لو النحل تغير فلن يتغير عشقه له وصبره عليه.

    قرية متماسكة

    «منذ سبع سنوات صنفت قرية حصة شبشير أنها القرية الأولى على مستوى محافظة الغربية، التي لا يوجد بها عاطل واحد. كله يعمل في خلايا النحل ويتقاضى أجورها، في تصنيع العسل وإنتاجه حتى، الآن.. نهتم بالمناحل بنفس الروح ولكن الشباب لا يساعدون». هذه كانت أولى كلمات الحاج فؤاد بدران، عضو جمعية وادي النيل لتربية نحل العسل لـ«باب مصر – بحري».

    وأوضح أن السر في ذلك يعود لرجوع الشباب من العراق. فكان لا بد من إيجاد طريقة تساعدهم على كسب المال فكانت تربية النحل. مؤكدًا أن ما يميز هذه القرية عن باقي القرى المصرية التي تعمل في تربية نحل العسل: أنها نجحت في تصدير منتجات العسل بجانب العسل نفسه. فكان في القرية ورش لتصنيع الشمع، وورش لتصنيع ملابس النحالين، غير مصانع تعبئة عسل النحل وتصديره للخارج.

    عمّ عماد مربي عسل النحل في قرية حصة شبشير
    عمّ عماد مربي عسل النحل في قرية حصة شبشير
    اندثار مهنة جني العسل

    على عكس عم عماد، لا يخشى الحاج بدران من اندثار المهنة في القرية. بل يخاف من اندثار ذاكرة القرية في الأجيال الجديدة، لأنهم حتى لو كانوا يعملون، فإنهم يعملون بلا روح مثلهم. يخاف أن يختفي العسل من كل بيوت النحالين القدامى في القرية والذين اعتزلوا المهنة، يخاف من ضياع سيرة الخلية.

    يمتلك الحاج فؤاد مناحل كثيرة في الجبل، في البحيرة وكفر الشيخ. لكنه لم يعد يسافر كثيرًا كما كان من قبل. يؤكد أنه يحافظ على أهل القرية في الوقت الحالي في مواسم الفرز ولا يفرز فيها، يشرف على خلاياه من بعيد. يشجع أولاده على عدم تركة المهنة وتذكرها دومًا والسفر والانتشار بالعسل ومنتجاته.

    واختتم بدران حديثه قائلا: «ما يربط القرية ببعضها هو نحل العسل، لو توقفنا عن تربيته ستتوقف الحركة في القرية. هنا بدأت المهنة في القرية من خمسينات القرن الماضي. وبدأت حصر شبشير تعرف في جميع بلاد مصر، ويتغذى أبناؤها منه، دائمًا ما أقول إنه من يعرف شبشير فقد عرف العشرة الحسنة ومعنى الحياة والعمل بانتظام. كل من في القرية يدرك ذلك المعنى جيدًا».

    أنواع العسل في حصة شبشير

    يفتخر موسى الرفاعي بأنه سليل أربعة أجيال امتهنت النحل في قريته، يعبر لـ«باب مصر – بحري» عن امتنانه وشكره لله لأنه قضى عمره بين المناحل. توارث منها الصبر والحكمة، قدره أن رزقه يراه أمام عينيه كل عام، حتى ولو بذل مجهودًا أعلى والإنتاج قليل. فيكفيه أنه كان شاهدًا على قطرات العسل التي تنزل من الخلايا بكل حبٍ ورضا بتقسيم الخلاق.

    يحب الرفاعي أنواع العسل الذي تنتجه ملكات الخلايا في القرية. يحب عسل السدر والبرسيم والموالح، يحب فرز شهري يونيو ويوليو من كل عام. ويعشق السفر للجبل بعد ذلك لعيش قصة أخرى مع عسل السدر، يؤكد أن الملكة القوقازية هي أفصل أنواع الملكات في منحله، هذا بجانب الهجين والكورنيولي.

    ويشير إلى بداية المهنة في القرية منذ خمسينات القرن العشرين. حيث حمل رجل يدعى الحاج محجوب، خلاياه من قنا، وجاء للقرية ليستقر بها. يسمع أنه أعجب بهوائها الطلق ونمو الأزهار فيها، منذ لحظتها والنحل جزء أصيل من تفاصيل البيوت والحكايات.

    عمّ عماد مربي عسل النحل في قرية حصة شبشير

    إلى أين تمضي القرية؟

    بعد جولتي في القرية، لاحظت أن معظم البيوت تعيش على الترحال الموسمي بخلايا النحل. إذ تنطلق في الشتاء إلى الجنوب والأماكن الدافئة، وتعود إلى القرية لجني العسل الأبيض. هناك في القرية لهجة خاصة، مختلفة عن لهجة أهل الغربية، لهجة ذات نزعة حماسية، محفوفة بالصبر، وببشاشة وشغف للحديث عن كل ما يخص عسل النحل.

    وتجد في حصة شبشير مزيجًا نادرًا من التنوع الثقافي والزراعي، تدمج بين التراث والاقتصاد الشعبي والحداثة، لا تنتج العسل فقط. بل تركز على جعل رائحته الزاكية تصل إلى كل جوانب المحروسة، تحتفظ نساء القرية بمهارة تصنيع الشمع بأيديهن. ورغم أن الأسعار زادت فأصبح كيلو العسل بـ200 جنيه. إلا أنهم دومًا ما يحاولون الحفاظ على جودة العسل وعدم الالتفات لمن يغشونه.

    مشكلة تسويق العسل

    لا تخلو الحياة هناك من العقبات، ولكنهم يحاولون دومًا السيطرة عليها، خاصة أن التسويق للعسل أصبح مشكلة. حيث يقتصر على القرى المجاورة والزبائن القدامى كما يقول علي، أحد الشباب العاملين في المنحل. وأيضًا الذبذبات التي يتلقاها النحل إثر تعرضه لأعمدة الكهرباء في الحقول، تؤثر على جودة إنتاجه، التطوير الذي ينال القرية كل يوم يصبح عبئًا عليهم. ولكن الثبات على مبادئهم في عدم غش العسل يعتبر ما يميز القرية حتى الآن.

    وعلى إيقاع جناحي النحل، تبقى القرية تجاهد حتى الرمق الأخير كما يعبر أهلها. تحتفظ بسحرها رغم التحديات، ويتعلم أهلها من مناحلهم الصبر والانتظام والحكمة والعمل بجد والتنظيم. تمضي الحياة هناك بخفة لا يشعرها العابرون، ولكن الإثمار هو أعظم ما يمكن أن تداوى به القلوب والأبدان؛ هو «عسل النحل». قرية علمت أهلها أن كل ما هو جميل يبدأ من «الخلية».

    اقرأ أيضا:

    هل تُعوّض بدائل قرى الغربية غياب بيوت الثقافة المهددة بالإغلاق؟

  • «استدامة» الحلم.. نساء يعدن رواية التراث في الغربية

    «استدامة» الحلم.. نساء يعدن رواية التراث في الغربية

    على الطريق الريفي الرئيسي في قرية حنّون، بمركز زفتى بمحافظة الغربية، يتوارى مبنى بسيط بين الحقول، لكن جدرانه تحتضن أحلام نساء كثيرات. أحلام تحقق كل يوم بمزيدٍ من حكايات الصبر، والشغف بالتعلم، والإرادة للحفاظ على التراث، وإثبات الذات، ونبض مختلف للحياة على إيقاع رؤية النساء وضحكاتهن.

    هناك، في مركز «استدامة» تُنسج حياة جديدة كل يوم كما تنسج قطع الملابس والحرير بأيدي النساء. المركز الذي افتتح في أغسطس من العام الماضي، يهدف إلى تمكين المرأة اقتصاديًا، ويسعى لدعم طموحاتهن في إحياء التراث المنسي في الغربية وإعادة صياغته بروح معاصرة.

    مركز استدامة للحرف اليدوية والتراثية

    عند دخولي القرية، رأيتها لا تقل بساطةً عن قرى الغربية الأخرى. وحين دخلت المركز لم أقابل بأبوابٍ صامتة وجدران لا حياة بين ساكنيها، قابلتني اللافتات التعريفية، والأخبار الصحفية المنشورة عن المركز مؤطرة على الجدران، فيما التقط أنفي مزيج من روائح الخشب والنحاس المذاب. كما تداخلت أصوات النقر المختلفة على الخشب مع صوت ماكينات الخياطة في تناغم ساحر كأنه موسيقى أمل.

    أبصرت صالة طويلة، وأربع غرف على الجانبين: على اليسار غرفة للأشغال اليدوية الثقيلة، وأخرى للأشغال الخفيفة، أما اليمين غرفة للمنسوجات، وأخرى لتعليم الرسومات الإلكترونية الحديثة والجرافيك، ومشغل للخياطة والتطريز في الدور الذي يليه، ومعرض لعرض مخرجات المركز، ومسكن مخصص للمدربين والمتدربات من خارج المحافظة.

    مركز «استدامة» للحرف اليدوية والتراثية
    مركز «استدامة» للحرف اليدوية والتراثية
    نساء يعدن تعريف العمل

    في غرف مكيفة وبمقاعد بسيطة ومينة، تجلس النساء. أعمارهن متفاوتة من الثامنة عشرة فما فوق، تلمع أعينهن بشغف في ورشة الكروشية وورشة النحاس التي حضرتها. بينما ينهمك أخريات في التطريز والحفر على الخشب، وأخريات يصنعن الإكسسوارات وينسجن خيوط المكرمية، يتعلمن كل جديد بشغف حقيقي.

    نورا إيهاب، إحدى المشاركات في ورشة تصنيع الجلود، تقول لـ«باب مصر- بحري» إن المركز يمثل لها حياة مختلفة، فهو يأتي لهن بمدربات متميزات، تعلمت على أيديهن الأمانة والصبر قبل تعلم كل حرفة. مشيرة إلى أن هذه هي ثالث ورشة تحضرها، فقد حضرت معهن ورشة تعلم الكروشيه وورشة الجرافيك ديزاين. والآن تتعلم صناعة الحقائب الجلدية والأحذية والإكسسوارات.

    أما الحاجة صفاء حامد، إحدى رواد المركز، فتحكي أن تعلمها الخياطة والتطريز والتفصيل في المركز ساعدها على إيجاد فرص عمل في أحدى مصانع الملابس، رغم أنها تجاوزت الأربعين من عمرها.

    من حلم إلى واقع

    «لاحظت أن النساء هنا يمتلكن مهارات فطرية في الأشغال اليدوية. لكنها مهارات خاملة كانت تحتاج إلى من يعيد لها الروح، بكل عزم حاولت شحذ هممهن رغم الفروق الفردية وأعمارهن المختلفة. كان لدي حلم أن أعلم النساء في الأرياف وقد تحول هنا حلمي إلى واقع»، هذا ما قالته آية البحيري، مدربة الكورشيه، لـ«باب مصر- بحري».

    الحكاية تتكرر يوميا، فالمركز يحضر لهم الخامات المستخدمة، والنساء يتركن بصماتهن المختلفة عليها. حتى أنه هناك من يقمن مشروعات صغيرة في بيوتهم بعدها. وهذا هو هدف المركز، أن يكون المتخرجات منه قادرات على إعالة أنفسهن وأبنائهن.

    يعد مركز استدامة الأول من نوعه في الغربية لتعليم الحرف التراثية واليدوية للمرأة من أجل تمكينها اقتصاديًا. ويستقبل يوميا أكثر من 400 امرأة من 10 قرى مجاورة في زفتى والمحافظة من أجل تعلم المهارات والحرف. يستهدف النساء بين سن 18 إلى 45عاما، وكل ورشة لها مستويين مبتدئ ومتقدم. وفي الحصة الواحد تمنح كل امرأة 100 جنيه، بحسب سعاد إبراهيم، المشرف العام على الأنشطة والورش بالمركز.

    ويهدف المركز إلى توفير 400 فرصة عمل مباشرة سنويا لـ400 سيدة معيلة من أهالي قرية حنون والقرى المجاورة. وتوفير 1000 فرصة عمل غير مباشرة، ضمن رؤية مستدامة تراعي الحفاظ على البيئة.

    مركز «استدامة» للحرف اليدوية والتراثية
    مركز «استدامة» للحرف اليدوية والتراثية
    رغبة مستمرة في النجاح

    إسراء عبد الموجود، إحدى المتدربات في ورشة النحاس، تحرص دومًا على أن لا يخلو يومها منه. فهي تركز في التفاصيل البسيطة التي تجعل لحياتها معنى. وتؤكد لـ«باب مصر-بحري» أن «استدامة» جعل لحياتها معنى بعد تخرجها. لأنها تعمل فيما تحب وتؤمن وهو صنع الإكسسوارات من النحاس. ترى في المركز أملًا مختلفًا يتجدد كل صباح.

    وتضيف عبد الموجود أن عملها هنا وتدربها لا يؤثر على حياتها الشخصية أو الاجتماعية. فبالرغم من قضائها معظم اليوم هنا، من التاسعة حتى الخامسة، إلا أن حياتها الشخصية لم تتأثر. وتستطيع قضاء جميع الأنشطة بجانب تعلم الحرفة. وتشير إلى أن أملها أن تفتتح معرضًا يخصها قريبًا.

    حتى حارس المركز، يعتبر النساء مكافحات هنا، المرة الأولى التي يعتز فيها بنساء قريته، لأنهن بالطبع تغلبن على الخوف، ورغبن في التعلم. والطلب المتزايد على الورش كل يوم للتعلم، يعطيه أملًا مستمرًا في أن المركز سيؤدي دوره وأكثر. فهو يرى «شمس بلاده مشرقة» بنسائها المحفاظات على التراث.

    خيوط الأمل تمتد

    مع نهاية جولتي، أدركت أن الأمل بدأ بفكرة صغيرة لدى أهالي القرية في القضاء على البطالة. فما بين طموحات بتدشين خط إنتاج لبيع المنسوجات، وبين آمال أخرى بالنهضة بالقرى وعدم اندثار الحرف فيها. كانت خيوط الأمل تمتد لتغزل مستقبلًا كاملًا من الإرادة، يحافظ على استقلالية التراث وخصوصية الفنون المصرية. ويعمل بحرص من أجل ثبات الهوية.

    في هذه المساحة من الغربية، أيقنت أن قلوب النساء تتسع لأن يصبحن رواة للحكايات التراثية من جديد. ولكن بأصوات قوية لا روايات شعبية خيالية. وجدت أن في هذا المركز بداية جديدة لبناء ملامح وضحكات وأصوات ثقافية مختلفة.

    اقرأ أيضا:

    هل تُعوّض بدائل قرى الغربية غياب بيوت الثقافة المهددة بالإغلاق؟

    عندما يصبح الطرق على الحديد وسيلة للبقاء.. حكايات من قلب «تل الحدادين» في طنطا

    في عيدها القومي| المنوفية كما يراها فنانوها: قصائد تتلى وقرى تحكي وثقافة لا تغيب

  • حوار| د. شوكت المصري: الثقافة درع الهوية.. وبيوتها نقطة الانطلاق التي لا بديل عنها

    حوار| د. شوكت المصري: الثقافة درع الهوية.. وبيوتها نقطة الانطلاق التي لا بديل عنها

    نسجت المنوفية ملامح ثقافتها الخاصة منذ زمن بعيد، ففتحت ذراعيها للفن والحكايات والشعر والعلوم دون أن يعترضها أحد، مثلما فتحت الأرض فيها قلبها للزراعات الخصبة والفنون الشعبية والتراثية المختلفة، وتشابكت مع العاصمة في تناغم ساحر وجذاب.

    الدكتور شوكت المصري، أستاذ مساعد النقد الأدبي الحديث بأكاديمية الفنون بالقاهرة، ومثقف فاعل وأحد رموز المشهد الثقافي في مصر، لم يكن يوما ابنًا للمنوفية بالميلاد فقط، بل صار ابنها بالاختيار والتكوين الثقافي، منذ سنواته الأولى في كلية الآداب بشبين الكوم. وجد في قصر الثقافة بيتًا ثانيًا له، وفي نوادي الأدب وطنًا مصغرًا. تنقل بين الصوت والنص في إبداعه، حتى صار واحدًا من الأسماء التي تراهن على أن الثقافة ما زالت قادرة على إنقاذ الروح.

    وفي حواره لـ«باب مصر»، يفتح شوكت المصري دفتر ذكرياته، ويحدثنا عن علاقته بالمنوفية، وتكوينه الثقافي الأول، وسر الحنين الذي يجعل من الثقافة ضرورة لا ترفًا.

    • متى بدأت علاقتك بالمشهد الثقافي في المنوفية؟

    بدأت علاقتي بالمنوفية من الجامعة، من السنة الأولى بالكلية؛ لأنني من قبل كنت أعيش مع والدي ووالدتي. وحصلت على الثانوية العامة من السعودية فمكثت طفولتي هناك. لكن الاتصال بالوسط الثقافي بالمنوفية بدأ مع المرحلة الجامعية، وكانت زياراتي أو تعارفي مع المشهد الثقافي الموجود في المحافظة مع السنة الجامعية الأولى. حيث اتصلت بالمشهد الثقافي المصري عمومًا والموجود في المحافظة خصوصًا من خلال نادي أدب شبين الكوم في قصر ثقافة شبين الكوم.

    • تعرفت في هذه البدايات على شخصيات ثقافية بارزة.. مَن يلفت نظرك منهم؟

    نعم، تعرفت على مجموعة من الأسماء الذين أصبحوا أعلامًا فيما بعد؛ مثل الدكتور أحمد نصار، وهو واحد من الناس المهمين جدًا في العمل السياسي والاجتماعي، وكذلك هيثم الحاج علي، كان لا يزال معيدًا في كلية الآداب بحلوان، والشاعر وسام جلال الدويك، ومحمد دغيدي، والشاعر أحمد الصعيدي، وعبد الرحمن البجاوي، وغيرهم كثير.

    • ما الدور الذي لعبته بيوت الثقافة في صقل وعيك الثقافي؟

    كانت أنشطة نادي الأدب وقصر الثقافة هي الأساس الرئيسي في الاتصال بالوسط الأدبي على مستوى المحافظة. وبدأت أتحرك إلى نوادي الأدب الفرعية بعدها: كنادي أدب وبيت ثقافة سرس الليان، وبيت ثقافة منوف، وبيت ثقافة قويسنا في بعض الفعاليات وغيرها من الأنشطة المختلفة. فبدأ هذا التعارف من خلال القصر في الجزء الأدبي.

    الكاتب د. شوكت المصري
    الكاتب د. شوكت المصري

     

    • حدثنا عن علاقتك بالموسيقى خلال دراستك؟

    في قصر شبين، بدأت أعزف على العود وأنا في السنة الأولى بكلية الآداب قسم اللغة العربية. فمن العزف على العود في فرقة الجامعة، إلى الفرقة القومية للموسيقى العربية، التي كان فيها أكابر الفنانين مثل المايسترو مدحت العالم، وسعيد الرباط، ومحمد عامر، وربيع عازف الناي. ومن خلال المشاركات في الفرقة القومية للموسيقى العربية، حصلنا على مراكز أولى على مستوى الجمهورية ثلاث مرات. ومثلت مصر في الخارج في العزف على العود ضمن فعاليات قصور الثقافة. هذه كانت بداية علاقاتي التي تمت داخل القصر.

    • متى تكونت علاقتك مع مبدعي المنوفية؟

    في نفس التوقيت تقريبًا، كانت علاقتنا بمبدعي المحافظة الأكبر. وتحديدًا الشاعر محمد عفيفي مطر، ثم الشاعر فتحي عبد الله، وكلاهما كانا يأتيان إلى القرية كل فترة. فكنا ننظم لقاءات للجلوس إليهم والحديث معهم، أنا والشاعر عادل سميح، والروائي والشاعر صبحي موسى.

    وهذه اللقاءات كونت المعارف الأولى التي ظلت مستمرة في علاقتي بمحافظة المنوفية على مستوى المؤسسات والمواقع الثقافية الموجودة في المحافظة. كان هناك أيضًا الاستعارة من مكتبة القصر، وحضور نوادي الأدب، ومناقشة الأعمال القصصية، تعرفت على الشريف رزق، والناقد والشاعر الدكتور عادل بدر، وهيثم شرابي أيضًا كان كاتب قصة مهم.

    وعلى الجانب الآخر، تمثلت علاقتي بالمنوفية في كلية الآداب بالجامعة التي قضيت فيها ثماني سنوات لأنني أكملت دراستي العليا. وهذه أيضًا كانت مرحلة مهمة، وكانت متبادلة مع القصر. إذ كانت بينهما تبادلات وتقاطعات من خلال الأساتذة، مثل الدكتور عيد بلبع والدكتور محمد فكري الجزار، والدكتور بسيم عبد العظيم، والدكتور أسامة موسى.

    •  اشرح لنا ارتباطك الشخصي بالمكان وإبداعك فيه؟

    بلا شك، كان هناك جزء كبير جدًا من العلاقة بالمكان، وارتباطي به، فجمعتني بالمنوفية علاقة كان فيها التكوين للمَعارف الأولى. نشرنا وشاركنا في مجلة اسمها «تواصل»، كما أسسنا مجلة كلية الآداب، أو جريدة كلية الآداب أيام الدكتور فتحي مصيلحي. وكانت هذه هي الأشياء الأولى التي حققنا فيها تواصلا إبداعيا بالمنوفية.

    • كيف أكسبت علاقتك بالقاهرة بعدًا ثقافيًا أوسع؟

    من المنوفية انطلقنا إلى القاهرة، لحضور جلسات أتيليه القاهرة، ومقهى زهرة البستان الذي كان كل يوم ثلاثاء. يتواجد فيه أعلام ومبدعين كبار منهم محمد مستجاب، وخيري شلبي، ويوسف القعيد، ومحمد سليمان وفريد أبو سعدة.

    كانت جلساتهم ممتعة، ومعظم الكتاب كانوا يتواجدون في وسط البلد أو في زهرة البستان وأتيليه القاهرة يوم الثلاثاء. ينهون جلستهم في «الزهرة». ثم يكملونها في الأتيليه، فكان هذا طوال الوقت هو الحكاية الأساسية التي جعلتني أتوسع في علاقاتي ومعارفي الثقافية بالعاصمة.

    • ما الذي يميز المنوفية كمكان جغرافي وثقافي؟

    من وجهة نظري، هناك مجموعة سمات في المنوفية عمومًا كمكان جغرافي ومحافظة ليست موجودة في أي محافظة أخرى، فمثلًا ضيق المساحة يجعل العلاقات أكثر اقترابًا، فالقرى ليس بينها فواصل، وبالتالي لا توجد مسافات فاصلة بين الناس، فالمرء يشعر أن المحافظة كلها متصلة ببعضها، فيما عدا منطقة السادات طبعًا، لأنها مضافة على المحافظة وفيها ظهير صحراوي، لكن المنوفية محافظة أكثر حميمية.

    • برأيك.. كيف تنعكس طبيعة الأرض والزراعة على الشخصية الثقافية في المحافظة؟

    طبيعة الأرض وارتباط المحافظة بالزراعة أو الفلاحة يعكس فكرة أن الإنسان يأخذ من أخلاقيات أو من جينات الفلاحين التي يتوارثها من جدوده، فكرة أن يرمي البذرة ويجلس بجانبها، ثم يسقيها، ثم تكبر ويخاف عليها، وينتظر الثمار بعد أشهر، هذه الطبيعة تختلف عن طبيعة محافظات أخرى قائمة مثلًا على الصيد، أو حركة التجارة أو الزراعات الشجرية الموسمية.

    والمنوفية من النوع الذي يتميز بفكرة علاقة الإنسان بطبيعة الزراعة وجيناتها، خصوبة الأرض، النيل ومساحته في المحافظة، حجمه الصغير في المحافظة وتفرعه لفروع كثيرة جدًا. ووجود جزر كثيرة صغيرة داخل المحافظة نفسها. فطبيعة البلد نفسها مهمة.

    كما أن المنوفية محافظة متاخمة للعاصمة. وبالتالي القاهرة ليست مهجرًا بالنسبة للمنايفة؛ فالقاهرة فعل يومي، الناس تتحرك منها إلى القاهرة بسهولة. لكن محافظات أخرى لا تستطيع فعل ذلك. وهذا الاقتراب جعل سكان المنوفية كثيري التحرك إلى العاصمة. وجعلهم ليسوا بعيدين عن المشهد الثقافي وغيره في العاصمة، إنه مشهد واحد، أو امتداد.

    • في ظل الحديث عن أزمة إغلاق بيوت الثقافة.. ما رؤيتك للمستقبل الثقافي في مصر وأهمية إعادة فتح هذه البيوت؟

    غلق بيوت الثقافة مرفوض شكلًا وموضوعًا، والتراجع عنه حتمية. وبيوت الثقافة ومكتباتها تؤدي دورًا رئيسيًا وجوهريًا حتى وهي خاوية على عروشها. والحتمية تقول إن فتحها وتطويرها ضرورة. وفي رأيي أن هذا الموضوع منتهٍ. لا تراجع عنه بالنسبة لنا نحن. لأننا لو أغلقناها الآن وأردنا فتحها ثانية، ستتكبد الدولة ملايين الجنيهات. وسنخسر رافدًا رئيسيًا من روافد الثقافة في المدن والقرى والمحافظات.

    ودائمًا ما أردد: الثقافة ليست فقط في دار الأوبرا. الثقافة في طنطا وقنا وشبرا. إنها ليست جزيرة الزمالك فقط بما تحتويه من مواقع ثقافية. فبيوت الثقافة تقدم دورًا كبيرًا؛ بيت الثقافة الذي يعمل يقوم بفعاليات داخل البيت وخارج البيت. هو ليس مجرد مكان مساحته 60 مترًا. إنه نقطة انطلاق وتجمع وتحرك، ليس هناك بديل ولا يمكن طرح الإغلاق كحل. البديل هو تشغيل البيوت والقصور، بكامل طاقتها وزيادة مخصصاتها المالية. ليس البديل «الغلق والحديث عن خسارة مادية»، الثقافة الحقيقية لا مكان فيها للخسارة والمكسب المالي المباشر.

    • في ضوء الحديث عن فجوة بين الوزارة والمثقفين.. ما الحلول التي تراها؟

    الحلول موجودة وكثيرة ويعرفها أهل الحل والعقد. مثلًا هناك خطة تم اقتراحها أيام رئاسة الدكتور سيد خطاب لقصور الثقافة وقام عليها مجموعة من المثقفين. وهناك ما تم طرحه في مؤتمر عقده الدكتور جابر عصفور. وأيضًا ما قُدم من خطط لوزراء سابقين، مثل الخطة التي قدمها الأستاذ أحمد فوزي للدكتور نيفين الكيلاني عن قصر الثقافة الاستثماري. 600 فكرة موجودة في الأدراج قابلة للتنفيذ، تحتاج إلى أشخاص تريد أن تعمل.

    والأمر لا يحتاج حوارًا جديدًا ولا محاولات للالتفاف. في رأيي أن بيوت الثقافة لا يمكن إغلاقها، وهذا ما تعهد به الوزير أمام البرلمان. والمقرات لا تعمل نظرًا لأن السياسات التي وضعتها الوزارة سيئة. ولأن توزيع المجهود على البيوت والمواقع فيه خلل. العجز موجود أيضًا في التربية والتعليم وقطاعات أخرى كالصحة والأوقاف. فهل أغلقت الدولة المدارس والمؤسسات والمستشفيات؟ أرى أن الثقافة ضرورة كالماء والهواء وهي الدرع الواقي للمجتمع وهويته.

    اقرأ أيضا:

    هل تُعوّض بدائل قرى الغربية غياب بيوت الثقافة المهددة بالإغلاق؟

  • هل تُعوّض بدائل قرى الغربية غياب بيوت الثقافة المهددة بالإغلاق؟

    هل تُعوّض بدائل قرى الغربية غياب بيوت الثقافة المهددة بالإغلاق؟

    حين يغلق باب، تلتفت الأنظار إلى أبواب أخرى كانت موجودة لكنها لم تكن مرئية من قبل. وفي بيوت الثقافة، دومًا هناك مساحة صغيرة لحلم كبير تنتظر الجماهير ظهوره. ربما لم تكن تفعل بيوت الثقافة المهددة بالغلق في محافظة الغربية شيئًا أثمن من تصديقها بمواهب صغارها.

    ففي قرى الغربية، وبين زوايا أندية وزارة الشباب والرياضة، والجمعيات الأهلية، والمكتبات، تنمو أحلام الصغار، كبديل مؤقت عن بيوت الثقافة المقرر إغلاقها، والتي يبلغ عددها سبعة بيوت ثقافة وثلاث مكتبات. في هذه القرى، ثمة أصوات تريد أن تصدح بالغناء، وقلوب تتنفس هواء المسرح، وربما أيادٍ تبعث بالأوراق لتحولها إلى رسوم من أبهى ما رأته أعيننا. هناك دائمًا فرصة، ولكن مهما تعددت البدائل، لا شيء يغني عن «بيوت ثقافة وزارة الثقافة في مصر».

    ولادة الحلم في بيت الثقافة

    لا تصدق أن بيت ثقافة كفر الزيات من الممكن إغلاقه. فرغم أنه لم يقدم نشاطًا مختلفًا في السنوات الأخيرة، إلا أنه كان يصدق موهبة “نور سامي” في التمثيل، ويرشحها القائمون عليه دائمًا في مسابقات المحافظة.

    نور سامي، طفلة في العاشرة من عمرها، من قرية كفر مشلة مركز كفر الزيات، تهتم  بالفن، ومحاولاتها لأن تكون ممثلة مسرحية قادرة على التعبير عن شيء «جميل ومش موجود» في المسرح المعاصر. حزنت جدًا لفكرة إغلاق بيت الثقافة الذي يؤوي موهبتها ويرويها، وإن كان ذلك خلال الإجازة الصيفية فقط.

    نوادي الشباب علامة فارقة في الثقافة
    نوادي الشباب علامة فارقة في الثقافة
    نوادي الشباب: علامة فارقة في الثقافة

    تعتبر نوادي الشباب في الأرياف بديلًا رئيسيًا لبيوت الثقافة حال إغلاقها. فهي تقدم جميع الأنشطة التي تساعد على شغل الوقت ومتابعة الهوايات وغيرها. كما تنظم الكثير من المسابقات التي تنمي المواهب وتساعد على اكتشافها، إلى غير الرياضات المنتظمة.

    وفي قرية القرشية، مركز السنطة، يقف نادي شباب القرشية سدًا منيعًا أمام سقوط الشباب في فراغ وسائل التواصل الاجتماعي والانغماس فيها. ويقدم عدة أنشطة مثل الكاراتيه، كرة القدم، التنس، الرياضات القتالية، وتحفيظ القرآن الكريم. كما يعقد تدريبات دورية لتعليم الخط العربي، بحسب مرتضى واجد، المشرف العام على الأنشطة الثقافية بالمركز.

    أما نادي الشباب بقرية أشناواي، فيقدم ورشا لتعليم الأشغال اليدوية كالكروشيه والتطريز والتريكو. وأيضًا مسابقات القصة القصيرة والشعر وتنمية المهارات الأدبية وحب القراءة في الصيف. فضلا عن تنظيم رحلات بأسعار رمزية إلى الأماكن التراثية والتاريخية في مختلف المحافظات، حسبما ذكر فؤاد رحمي لـ«باب مصر».

    وفي قرية كتامة، مركز بسيون، يمثل نادي الشباب نقطة التقاء مركزية لأطفال وشباب القرية والقرى المجاورة. خاصةً في الصيف. ويذكر عبد الرؤوف السيد لـ«باب مصر» أن النادي يقدم أنشطة تثقيفية وفنية عدة مثل ورش التلوين والرسم على الجدران. إلى جانب اللقاءات التثقيفية التي تعقد مع جمعيات أهلية لمناقشة الأوضاع الاجتماعية والأفكار المختلفة.

    مكتبات المدارس: نقطة التقاء ثقافي

    تلعب مكتبات المدارس والمعاهد الأزهرية دورا تثقيفيا مميزا في ظل غياب بيوت الثقافة. إذ تعزز عادة القراءة وتغرسها في عقول النشء. يقول محمد عبد الله، أمين مكتبة معهد أبو حمر الإعدادي بمركز بسيون، إن المكتبة تفتح أبوابها لكل الطلاب في الإجازة الصيفية وكذلك بقية المعاهد. وهذا تحت إشراف المنطقة الأزهرية، كنشاط يحفزهم على مواصلة الدراسة في العام المقبل بشغف.

    وتؤكد أميرة خيرت، أمينة مكتبة مدرسة جمال نصار الابتدائية بقرية ميت حواي، أن المكتبة تذخر بجميع الكتب التي تنمي القيم في النشء وتعليمهم المهارات المختلفة. وهي مفتوحة طوال العام أمام كل الطلبة مجانًا، سواء الطلبة من داخل المدرسة أو من خارجها.

    نوادي الشباب علامة فارقة في الثقافة
    نوادي الشباب علامة فارقة في الثقافة
    مركز استدامة لتعليم الأشغال اليدوية

    في قرية حنون، مركز زفتى، يقع “مركز استدامة” لتعليم الأشغال اليدوية مثل التريكو، والتطريز، والكروشيه، وصناعة العرائس، الإكسسوارات، المكرمية، وصناعة الجلود وغيرها. يعتني المركز بتعليم الأطفال هذه الفنون أكثر نظرًا للطلب عليها في المحافظة، ولتمكينهم ودمجهم في المجتمع، بما يجعلهم يحافظون على تراثه، كما توضح سناء محمد، إحدى العاملات بالمركز.

    كما تشكل الجمعيات الأهلية في الغربية دورًا مهمًا من أجل ترسيخ ثقافة الاختلاف، وتطوير المهارات، وتشجيع المواهب. كما أن هناك بعض الجمعيات التي تهتم بالشأن الثقافي والفني بشكل دوري وفعّال؛ مثل جمعية صوت شباب مصر بالغربية، وجمعية نهضة شباب مصر بطنطا.

    يقول أحمد عبد الستار، منسق عام أنشطة جمعية “صوت شباب مصر” لـ«باب مصر»، إن الجمعية تهتم بالشأن الثقافي، وتنمية المواهب للأطفال والشباب في قرى الغربية وعزبها. فضلا عن أنها تعقد ورش ودورات تدريبية وقوافل ثقافية لهذه القرى مثل القافلة الأخيرة لقرية حصة شبشير التابعة لمركز طنطا.

    المساحات الآمنة الفن والثقافة
    المساحات الآمنة الفن والثقافة
    المساحات الآمنة: الفن والثقافة

    أما جمعية “نهضة شباب مصر”، فتركز أنشطتها الثقافية في الكتابة ودعم الموهوبين. كذلك تعلمهم الفنون المختلفة من الشعر، والقصص، وتفتح لهم المجال للقراءة بشكل أكبر من عامهم الخامس، وتكثف أنشطتها في الإجازات الصيفية. بالإضافة إلى الفنون الترفيهية الأخرى من الرسم والتلوين والتصوير الفوتوغرافي، بحسب إيمان جميل، إحدى المتدربات.

    وفي زمن تتضاءل فيه المساحات الآمنة للفن والثقافة، وبين بيت ثقافة مهدد بالغلق وموهبة تريد أن تنتشر. تفتح نوادي الشباب أبوابها، وتستقبل المكاتب أطفالًا شغوفين بالقراءة. وتظل الثقافة في قرى محافظة الغربية تتنفس رغم ضيق الإمكانات. فليس المهم عدد الأنشطة أو كثرة الورش. بل الأهم هو فعاليتها، والإيمان بحقوق الأطفال في التعبير عن أنفسهم.

    اقرأ أيضا:

    عندما يصبح الطرق على الحديد وسيلة للبقاء.. حكايات من قلب «تل الحدادين» في طنطا

  • عندما يصبح الطرق على الحديد وسيلة للبقاء.. حكايات من قلب «تل الحدادين» في طنطا

    عندما يصبح الطرق على الحديد وسيلة للبقاء.. حكايات من قلب «تل الحدادين» في طنطا

    في جزء من الحي الثاني بمدينة طنطا، وقبل أن تطال الشوارع يد التطوير والحداثة، يقف «تل الحدادين» صامدًا أمام طرقات الزمن، كأثر حي ينبض بحكايات الصبر والأنين، مخلفًا تراثًا يصعب تكراره في ظل التحولات التي تشهدها المدينة.

    في جولتي بين شوارعه وطرقه، لم تخطئ أذني صوت التل العتيق، الذي تنبض به الورش، ويعتاد عليه أكثر من 3000 عامل يوميًا، من أبناء التل والوافدين للعمل فيه. كما أن الطرقات لم تكن ممهدة بشكل كافي للسير عليها، ما أوضح لي مدى معاناة أهل التل.

    في التل، ذاكرة من نار وحديد تمتد لأكثر من مائتي عام، ومساحة إنسانية أرهقها الزمن، وأهلها ما زالوا يعملون في هذه الشوارع الضيقة، يتوارثون المجال أبًا عن جدٍ منذ أسسها الحاج نادي السباعي والحاج حسين السباعي. ورغم الإرهاق البادي على وجوههم، إلا أنهم يقاومون حبهم وحاجتهم وما فرضته التقاليد عليهم.

    ورش الحدادة.. بيوت ثانية

    سرت في شوارع التل الضيقة، وشعرت أنني داخل حكاية قديمة مختلفة تمامًا عن حكايات طنطا التي عهدتها. لم أشعر أني غريبة على المكان، رغم علمي التام بأن يد الحداثة لم تطله قط. التقطت أنفي رائحة الدخان والفحم وصدأ الحديد وعرق الشقيانين، وكذلك رائحة القمامة التي تستقبلك بها المنطقة للأسف.

    وعندما سألت أحد الرواد عن هذه الرائحة، وماذا تفعل الحكومة حيالها، أجابني بأن الأهالي هم السبب، وأن الحكومة لا تتوانى عن إزالتها يوميا تقريبًا، لكنها تتزايد مع كل صباح، مما أزعج الباعة هنا بشكل لا يوصف.

    في أحد الورش، يجلس عم جميل، 65 عامًا، يمسك بيده مصحفًا يقرأ فيه وينتظر عودة الحركة إلى الشارع بعد إجازة عيد الأضحى. قال إنه لم يأخذ إجازة أصلًا، فهو يعتبر ورشته أهله وحياته، حتى وإن توقف فيها عن العمل أسبوعا.

    ورث جميل الورشة عن أبيه الحاج إسماعيل، ولم تغلق أبدًا إلا يوم وفاة والده، تنفيذا لوصيته، أما بقية وصاياه فكانت الحفاظ على صلاة الفجر، والعمل بالحديد المستعمل فقط، والوقوف بجانب عمال اليومية في ورش التل دون أن يبخل عليهم بتقديم المساعدة المادية أو المعنوية.

    الحديد.. لغة التل

    «الحديد هو اللغة التي أستطيع الحديث بها»، قالها يوسف، الشاب ذو الـ28 عامًا بقلبه، قبل أن ينطقها لسانه. يعمل في التل منذ كان في العاشرة من عمره، تضحك عيناه رغم التعب، ويربت على قطع الخردة كأنها جزء منه، لم يخل عالمه يوما من الحديد، حتى في بيته الصغير بشارع الجلاء، لكنه حزين لتراجع حركة البيع والشراء.

    يعزو يوسف هذا التراجع إلى غلاء أسعار الحديد، والقوانين التي فرضت على الأهالي عدم البناء إلا بتصاريح تأخذ شهورًا، ما تسبب في إغلاق بعض الورش لعجزها عن إنتاج ما يباع أو ما «يملي عين الشاري».

    في الورشة التي يعمل بها يوسف، لا يتمنى أبدًا أن تغلق حتى لو خلت من الزبائن، فصاحبها رجل طيب وقوي، وذكاءه يجعله يسوق لنفسه في المحافظات المجاورة، خاصة المنوفية، فأكثر رواده منها، وأحيانًا من البحيرة. أما داخل المحافظة فيعتبر خطا السنطة وزفتى من أهم خطوط التوريد.

    رجال التل لم يتغيروا كثيرًا، مثل التل نفسه. وجوههم السمراء المحروقة بالشمس، وملابسهم المتسخة بالرماد والعرق، تخبرك أنهم يعرفون قيمتهم، وأنهم باقون هنا باختيارهم، وكأنهم يقولون: “نحن من يشعلون النار لتسير الحياة، لا من يطفئونها”.

    المطرقة التي علمت أبناءها الشرف

    أهل تل الحدادين لا يرون مهنتهم مجرد صنعة. يقول أحمد لـ«باب مصر»: “الطرق على الحديد ليس مجرد صوت، بل بداية جديدة لليوم”، وهو ما علمه احترام لقمة العيش، وخوفه من فراغ البطالة.

    يؤكد بوجع دفين أن الزبائن باتوا يهجرون التل ويسمعهم في كل مرة يستنكرون غلاء الأسعار والرائحة الكريهة. هذا ما يقلقه في كل يوم: أن يقضي نهاره خارج هذا التل. أو أن تأتي عليه لحظة تخونه فيها صحته ولا يستطيع الحركة والعمل.

    التاريخ المنسي في قلب طنطا

    يقول الحاج عبد المهيمن لـ«باب مصر – بحري» إن تل الحدادين كان شاهدا على بداية صورة صناعية صغيرة في وسط الدلتا. فلم تكن المصانع الكبرى بنيت بعد. كان يصلح فيه كل شيء ويباع الحديد بالجديد، وتصنع أدوات الزراعة. وإصلاح عجلات العربات وقطع السيارات، واللحام، والخردة المختلفة، وحديد التسليح. وما كان يحفر على بوابات البيوت الحديدية من أسماء عائلاتها.

    ويؤكد أن التل كان مدرسة حرفية ثقيلة، خاصةً في الستينيات كما حكى له والده. كثير من الصنايعية الكبار في الإسكندرية والقاهرة ومدن الصعيد، بدأوا من هنا.

    ورش تل الحدادين
    ورش تل الحدادين
    بداية حكاية التل

    كانت المنطقة في بدايتها مجرد تجمع لورش الحدادة. استقر فيها الحدادون وصناع النحاس والنحاس الأصفر. وأسسوا ورشهم جنبا إلى جنب، لتظهر بعد ذلك معالم سوق كبير للخردة والحديد، أضيف إليه بيع الحديد الجديد.

    وكان أول من خط أساس ورشته في التل المعلم نادي السباعي، الذي بدأ بجمع الخردة من الشوارع وبيعها بأسعار زهيدة. إلى أن صار “معلم السوق” وكبيره، بحسب حديث مجدي راشد، أحد كبار السوق.

    يقع تل الحدادين في قلب طنطا، بالقرب من أسواقها الرئيسية التي تضم حلقة السمك، وحلقة القطن، وشارع الخضار. كما يقع خلف سوق الذهب، وضريح السيد البدوي، ومحطة القطار. هذا الموقع الاستراتيجي ساعده على الانتشار في جميع المحافظات، خاصة أنه السوق الوحيد في طنطا المتخصص في تصنيع الحديد وبيعه، بنوعيه الجديد والمستعمل.</p>

    وقد تميزت المنطقة منذ نشأتها بعمالها المهرة وتنوع المنتجات. حتى صنفت قطع الغيار التي تباع فيها ضمن أفضل قطع في الدلتا. واستمر التل في الازدهار حتى الربع الأخير من القرن العشرين. قبل أن يتراجع بسبب التحديات المتزايدة، وفي مقدمتها منافسة المنتجات المستوردة، بحسب شهادة الحاج عبد العزيز العتيبي لـ«باب مصر».

    حين يتحول التراث إلى مقاومة يومية

    اليوم، يقاوم سكان تل الحدادين كل يوم: يقاومون الإهمال، والتهميش، وغلاء الأسعار وإغلاق الورش. لكنهم يقاومون بأسلوب شاعري، يمثل حياتهم التي يعانون فيها ويصمدون بكل حب. يقاومون بالطرق! فكل مطرقة على الحديد تثبت وجودهم، تعلن صوتهم، وتؤكد حقهم وإصرارهم على البقاء. إنهم يقاومون بكل ما أُوتوا من إخلاص.

    وفي زمن يركض كل شيء نحو الربح السريع والتكنولوجيا، تجمد تل الحدادين وسط طنطا كأنه خارج الزمن. لكن الحياة فيه تعلمنا أن كل الصور، وإن بدأت بسيطة وتألقت، ستظل كما هي بسيطة.. لأنها حقيقية جدًا.

    اقرأ أيضا:

    في عيدها القومي| المنوفية كما يراها فنانوها: قصائد تتلى وقرى تحكي وثقافة لا تغيب

  • في عيدها القومي| المنوفية كما يراها فنانوها: قصائد تتلى وقرى تحكي وثقافة لا تغيب

    في عيدها القومي| المنوفية كما يراها فنانوها: قصائد تتلى وقرى تحكي وثقافة لا تغيب

    في عيدها القومي الـ120، يحتفل «باب مصر» مع المنوفية بتاريخها المجيد، ويصغي إلى شهادات من عاشوا في قراها وأحبوها، ومن استلهموا من بيئتها أعمالهم الإبداعية من مسرح وشعر وقصص وروايات. هؤلاء الذين حملوا المنوفية في قلوبهم حتى بعد الرحيل عنها، يؤمنون بأن ثقافتها تنبع من كونها أرضا تنبض بالحكايات.

    في كل شبرٍ من أرضها حكاية، وعلى أسطح قراها هناك دائمًا روايات نابضة بالحنين عن بطولاتها وشجاعة أهلها وقوة صبرهم. فالمنوفية لا تسكن الخريطة فقط، بل تسكن القلوب، إذ يرويها أهلها بالذكريات والمواويل الجميلة، في ليالي الحصاد، وتفاصيل المدن، وعلى الأرض التي تحتضن الجميع بحبٍ وإخلاص.

    الحياة في قرى المنوفية

    تحدث الكاتب قطب حبيب، رئيس نادي الأدب المركزي بالمنوفية ورئيس نادي أدب قصر ثقافة شبين الكوم، عن حبه لقريته وقرى محافظته. فقد عشق “القرية الفرعونية” بمركز أشمون منذ انتقاله إليها في المرحلة الابتدائية. وأكثر ما لفت انتباهه فيها هو بساطتها وطبيعتها المختلفة.

    وأكد أنه شهد تحول القرية من جمودها وجهلها إلى رونق مختلف بفضل احتضانها للمهاجرين من مدن القناة خلال فترة التهجير من 1967 إلى 1973. وقد تجلى ذلك في الحياة اليومية، إذ اندمجت ثقافة أهالي بورسعيد- بما في ذلك من الصيد الانفتاح- مع خصوبة أرض أشمون وثقافة الزراعة.

    احتضان المهاجرين

    أشار حبيب في حديثه لـ«باب مصر – بحري» إلى أن هذه التجربة أثّرت في نشأته وطباعه، وعززت حبه للمنوفية. حيث ألف رواية «في قريتي مهاجرين» التي لاقت حفاوة واستقبالًا من الجمهور خاصةً من بورسعيد، وفيها عبر عن طبيعة الحياة بعد انتقال المهاجرين إلى قريته. وكيف اختلفت العادات مع الحفاظ على طابع أهل الأرض.

    واستعرض أيضا مظاهر الحياة الريفية في قريته، معتبرا أن ريف المنوفية أكثر ثراء من مدنها، ولها طابع تراثي مميز من العادات والتقاليد الأصيلة التي بالطبع اختلفت الآن. ولكنها لا زالت تحتفظ ببعض الأصالة، وما تحتفظ به الآن من صفات متوارثة مثل الكرم والشجاعة والبسالة في المواجهة والمصادقة والوفاء.

    واسترجع ذكرى حادثة دنشواي التي سمعها مرارا في طفولته. مؤكدا أن تكرار الرواية أضاف لكل مرة خيطا جديدا حتى اكتملت لديه الحكاية التي تكشف بسالة فلاحي المنوفية.

    مادة الإبداع في براح المنوفية

    أما الشاعر أحمد عايد، فاسترجع ذكريات طفولته في قرية “ميت الكرام” بمركز تلا، والتي أثرت في شخصيته وساهمت في ولعه بالشعر منذ صغره. فهو ولد في بيت أجداده لأمه وبين أخواله، إذ كان والده كثير السفر للعمل في البحر. ما أتاح له فرصة التلاقي العميق مع الأرض في صورتها البكر.

    وصف عايد بيت طفولته قائلًا: «كان أول بيت في القرية، يشبه السرايات، له بوابة حديدية، وفيها ممر يستظل بتكعيبة عنب. وعلى الجانبين توجد أشجار فواكه، ومن فوق سطحه أرى القرية كاملة في ضوء النهار. وفي المساء على وقع حكايات أخوالي، كما توجد تفريعة من الترعة قريبة منه».

    تشكيل الفكر والوجدان

    يؤكد عايد أن هذا البراح هو ما غذى روحه الشاعرة، فقد شكلت المساحة والهدوء والأفق والصمت وتيرة الحياة البطيئة أساسا لتأملاته وأفكاره. وهو ما لم يجده لاحقا في القرى الأخرى. وأشار في حديثه لـ«باب مصر» إلى أنه انتقل لاحقا إلى مدينة السويس، لكنه لا ينسى صوت الريف المنوفي أبدًا. حيث كانت بداياته التعليمية والثقافية في الكُتَّاب، الذي لم يكن مجرد مكان لتلقي العلم بل لتعلم أصول الأرض وعاداتها.

    واختتم حديثه قائلًا: «لا شك عندي أن ثقافة أخوالي وحبهم للأدب والثقافة والتطور وأكثر ساعد في تكوين الشاعر داخلي. وأن اللغة، التي سمعتها من القرآن في الكتاب وأشعار وخطب أخوالي، منحت للغتي أصالة. وفي روحي وقصائدي، مساحات كبيرة تنتمي للطفل الذي وُلد ونشأ في قرية ميت الكرام. قبل أن ينتقل إلى محافظة السويس حيث استقر».

    ساعة عصارى وقطن بلدنا.. تابلوهات الريف لفرقة المنوفية
    ساعة عصارى وقطن بلدنا.. تابلوهات الريف لفرقة المنوفية
    ثقافة أصيلة وحكايات لم تندثر

    فسر الشاعر أحمد الصعيدي حالة العشق التي تعتريه عند الحديث عن بلدته «الماي» التابعة لمركز شبين الكوم. تلك القرية التي اشتهرت بـ«فن العديد». وهو طقس جنائزي كانت تستأجر فيه المعددات، ويقترب من عرض مسرحي متكامل العناصر. حيث النص والإيقاعات والملابس والإضاءة والمكياج.

    ومن أبرز ذكرياته عن هذا الفن ما قاله: « كانت المعددة تجلس على ركبتيها، ترتدي هدمتها السوداء بالمقلوب، وتمسك طرفي طرحتها السوداء المشدودة على رقبتها. وقد دهنت وجهها بطين النيلة المأخوذ من طمي الترعة. وعلى الشجرة فوقها يتطوح الكلوب القديم نتيجة هواء الشتاء، فتروح وتجيء الإضاءة في صورة مفزعة. ومن حولها النساء يجلسن في دائرة ويكررن الفعل».

    وأكد الصعيدي أن هذه النشأة كان لها الأثر الكبير على عالمه الشعري والمسرحي. كما كانت ليالي الحصاد والغناء والحوادث الطريفة، وأغاني جمع القطن والياسمين وليالي المنشدين والراوي الشعبي وحكاياتها عن “موال زهران” و”حادثة دنشواي”. والتي ظل يردد بدايتها:«دنشواي حمامة بترفرف.. الإنجليز قطعوها بالحتة». لقد كانت المنوفية والموروث الثقافي بها وما زالت تمثل رقمًا كبيرًا في حياته الأدبية والفنية والعملية.

    في مدن المنوفية شيءٌ لا يموت

    يعشق المخرج المسرحي أحمد عباس مدينة شبين الكوم، ويعبر عن هذا الحب في كل محفل. فهو لا يفوته أن هذه المدينة هي التي خرجت عظماء سجلوا بصماتهم في التاريخ المصري. يحبها للحد الذي جعله يخرج لها فيلمًا مثل فيه مع حفيده.

    يروي في الفيلم قصة عشقه لهذه المدينة، وتحولاتها من الطابع القديم للحديث. مع تركيزه على أن تطويرها وحداثتها لا تنفي احتضانها للكثير من ذكرياته البسيطة مع أسرته، والتي أثرت حياته الإخراجية والإبداعية. وقال لـ«باب مصر»: “مسرح القصر كان شاهدًا على العديد من مسرحياته التي ركزت على إبراز الهوية الوطنية للمنوفية. والتأكيد على أصالة أهلها وتمركز الزراعة في صورتها النقية والخصبة فيها”. مشيرًا إلى أنه برغم عدم عودة المدينة إلى «أيام زمان» لكنها لا زالت جميلة جدًا.

    ويختتم عباس رؤيته قائلًا: «في شبين الكوم روح حلوة تدفعك للعودة مجددًا إليها كلما خرجت منها. تخبرك وقتها أنها جميلة وقادرة على إبهارك، وندائها لك من أجل وجودك. وهو ما يدعوه كل مرة للعودة إليها، وكأنه يعتبرها مدينته الفاضلة».

    الموروثات الثقافية كعلامة على الهوية

    أما الروائي والقاصّ حسين منصور، فيرى أن نشأة الإنسان لها أثر كبير في تكوينه. ويصف المنوفية بأنها مكان حي، وأهلها بحكم نشاطهم الزراعي يملكون مقومات البيئة الملهمة. حيث تتراكم الحكايات والمواويل وأمثال الأجداد.

    ويضيف أن تراث المنوفية كان له أثر واضح على كتابته القصصية. خاصةً الكتابات البكر؛ حيث ترد الأساطير وحكايات عن الجنيات وعرائس البحر. كما استلهم التراث الفرعوني لإنتاج قصص معاصرة تعبر عن رؤيته للواقع. واختتم حديثه قائلا: “المنوفية اختارت تاريخ حادثة دنشواي كيوم قومي لها. وهو اختيار موفق، ولو لم تختره، لاختارت تاريخ مقاومة أهالي قرية «غمرين» للحملة الفرنسية. حيث تصدى الأهالي لها معبرين عن رفضهم الاحتلال والاستضعاف ونهب أقوات الناس.

    الحب والحرب في المنوفية

    يقول الشاعر أحمد مرسال لـ«باب مصر – بحري» إن المنوفية تجلت في إبداعه العاميّ. فهي تبقى مكثفةً في قريته “شرانيس” بكل مفرداتها، مشيرا إلى أن تلك القرية الرائعة ما زالت باقيةً فيه، والحنين إليها لم ينقطع، فهي تختزل معاني الطفولة وخصوبة الذاكرة.

    ويؤكد مرسال أنه “منوفيته” تتجلى أيضا في مدينة “قويسنا”، مدينة الحلم لكل طفل للالتحاق بالتعليم الإعدادي بها. كما تبرز المنوفية في قيادتها لانتصاراتنا المدوية والعظيمة في السادس من أكتوبر، ويصفها بأنها أرض الزعماء والرؤساء. ويضيف أن المنوفية هي مجاذيبب سيدي خميس، واحتضانات سيدي الخضري في “شرانيس”. كما تتجذر في ذاكرته منذ نضالاتها المبكرة، وخاصة في 13 يونيو 1906م، حينما هبت قرية دنشواي ضد المحتل الإنجليزي.

    ويختتم حديثه مؤكدا أن المنوفية باقية، وبقاؤها جزء من بقاء مصر بكل مفاخرها الثقافية، التي كانت ميراث أبيه الذي ورثه عنه. هذا الميراث الذي ظهر في قصيدته الأخيرة «حتى إذا بلغت الحلقوم»، والتي كتبها بعد ما شهده هذا العام من قرارات مؤلمة بإغلاق بعض بيوت ومكتبات وقصور الثقافة. معتبرا إياها هجمة على روح مصر الثقافية.

    قصر ثقافة دنشواي
    قصر ثقافة دنشواي
    المنوفية.. ذاكرة وطن 

    في الثالث عشر يونيو من كل عام يحل العيد القومي للمحافظة، إذ لا يكون يومًا عابرًا على أهل المحافظة، فهم يحتفون بشجاعتهم في الوقوف أمام الإنجليز في معركة دنشواي عام 1906، حيث أدت الاشتباكات بين الضباط الإنجليز والفلاحين المصريين في دنشواي إلى مقتل عدد من المصريين بالنار، ما أدى إلى رد فعل أصعب من الإنجليز وتطور الأمر.

    وفي النهاية، تم عزل اللورد كرومر، صاحب السلطة البريطاني في مصر. وكتب الفلاحون في المنوفية سطور كرامة وعزة في سجلاتهم. وأصبحت المحافظة تحتفل به كل عام وقد تركت علامة على هذه الحادثة أيضًا في شعارها على هيئة نار من الجانبين.

    خريطة ثقافية مميزة

    المنوفية من المحافظات التي تنبض فيها الثقافة من كل حقل وبيت. في قراها ومدنها تنتشر الحكايات الشعبية، وتروى الأساطير، وتحفظ الحرف، ويورث الغناء والفلكلور الشعبي. وتتميز المحافظة بخريطة ثقافية متنوعة، حيث ينفرد كل مركز بطابع خاص.

    فمركزي منوف والباجور يتميزان بالصناعات الحرفية مثل الفخار والأشغال اليدوية والبيوت التراثية القديمة. وينفرد الباجوز بصناعة الأثاث الخشبي وزوايا المساجد. بينما يمتاز مركزي الشهداء وأشمون بالطابع الثقافي الديني القوي، الذي يضم عددًا من الأضرحة والمقامات الصوفية الشعبية. بالإضافة إلى التراث القروي والحكايات الشعبية.

    وتتركز الصناعات في مركزي قويسنا والسادات. حيث يتوسعان في الثقافة الصناعية باستمرار، مما يضيف لهم طابعًا تراثيًا بيئًيا مختلفًا وخاصًا. كما تنتشر في السادات عدة مراكز ثقافية ومكتبات تخدم محبي الثقافة. وتتمحور ثقافة مركزي بركة السبع وتلا في إحياء التراث الشعبي الفلاحي الأصيل، ويعرفان بمهرجانات الحصاد والاحتمالات الزراعية التقليدية في المواسم. وهما مسقط رأس بعض مشاهير الفن الشعبي. كما هناك جمعيات أهلية تهتم بإحياء الفن الشعبي الأصيل.

    ويهتم مركز سرس الليان بالأنشطة الثقافية المختلفة للأطفال والنشء. وتعقد فيه مسابقات أدبية كثيرة وفعاليات أدبية مستمرة بشكل دوري. فهو صغير في المساحة لكنه نشط ثقافيًا، ويوجد به قصر ثقافة. أما الحياة الثقافية الأصيلة فتتمركز في شبين الكوم. وهو مركز تجمع بين أهله والثقافات المتطورة مع دمجها بالتاريخ الأصلي للمدينة. ويوجد به قصر ثقافة بالإضافة إلى مكتبة مصر العامة، وهو العاصمة الإدارية والثقافية للمنوفية.

    رموز مبدعة

    في كل زاوية من المنوفية حكاية مختلفة تستحق أن تروى، وتفاصيل يكتبونها دومًا بإصرارهم على احتلال المراكز الأولى وأفضلها. فكانت قصور الثقافة علامة على هذا التنوع الثقافي، بشهادة مثقفيها وفنانيها في كل المحافل. فقصور الثقافة هناك تعلم الأطفال كيف يحرسون التراث وينمّون أنفسهم باستمرار.

    في عيدها القومي، لا تحتفل المنوفية بانتصاراتها السياسية فقط، بل تحتفي بتخريج مثقفين وأدباء وشعراء تحيي ذكراهم. فقد خرّجت رجال دولة ورؤساء مثل الرئيس محمد أنور السادات والرئيس حسني مبارك، وعلماء مثل الطبيب والأديب الدكتور مصطفى محمود، والشاعر إبراهيم عبد القادر المازني.

    كما خرجت عددًا من قراء القرآن الكريم منهم الشيح محمود علي البنا، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ شعبان الصياد. وممثلون وفنانون منهم ممدوح عبد العليم، وماجدة الخطيب، وسعيد صالح، وفاروق الفيشاوي، وتوفيق الدقن وصلاح ذو الفقار.

    تراث تاريخي مختلف

    تحتل المنوفية مكانة تاريخية عميقة أكسبتها شهرة تراثية. حيث اشتهرت في العصور الفرعونية باسم “باثنون”، وضمت مناطق أثرية كثيرة منها قويسنا وأشمون التي استخرج من باطنها تماثيل بأسماء ملوك محليين. كما تشتهر الكنائس والمساجد في عصور الدولة الإسلامية، والعائلة النقدية التي سكنت أرضها. مما جسد ملتقى للثقافات والأديان.

    وفي مشهد ثقافي حي، تقع في المنوفية عدة قصور ثقافة، منها قصر ثقافة شبين الكوم والباجور ودنشواي والسادات وسرس الليان. وأيضًا متاحف مختلفة مثل متحف السادات بميت الكوم الذي يحمل مقتنيات الرئيس الراحل، ومتحف دنشواي وهو عبارة عن ذاكرة بصرية للأحداث الواقعة في دنشواي.

    تستضيف هذه القصور والمتاحف أمسيات شعرية وأدبية، وحلقات نقاشية ومؤتمرات تراثية احتفاءً بالعيد القومي للمنوفية. هذا إلى جانب العروض المسرحية وعروض الفلكلور الشعبي الفلاحي الأصيل الذي تختص به المحافظة.

    توثيق القرى الفرعونية والرومانية

    كما تسعى المؤسسات الثقافية المحلية إلى تأسيس ورش تدريبية للأفراد من نسج السجاد الحريري والتطعيم بالصدف وتعليم الكروشية والتطريز. وتحمل قصور ثقافة الطفل هذه المسؤولية على عاتقها حتى لا ينسى تراث الأرض وهويتها. وفي جامعة المنوفية هناك عدة جهود لتوثيق القرى الفرعونية والرومانية بالمنوفية. كما تعد فيها دفاتر بحثية مكثفة من أجل نقل إرث المحافظة إلى الأجيال وحفظه.

    في النهاية؛ تستحضر المنوفية الروح الأصيلة للشعب المصري،.فعلى ضفاف النيل نشأت الحكايات وتجلت الأمنيات، وهي اليوم تحفظ التراث بكل ما أوتيت من قوة. صمود أهلها يتمركز حوله ازدهار الأرض نفسها. فتكون تراثًا دلتاويًا مختلفًا بجمع بين الحرف اليدوية والبيوت الزراعية وتجارب الموسيقى والسعر والغناء. إضافة إلى مواقع الموالد والطقوس الشعبية في الأعراس.

    اقرأ أيضا:

    «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

  • «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

    «الطريق».. رحلة فلسفية تطرح تساؤلات الوجود

    «عاشق وصوتي في الفضا حايم.. طال الطريق وأنا غريق هايم» كانت هذه أولى الكلمات التي بدأ بها العرض المسرحي «الطريق» على مسرح المركز الثقافي بطنطا، معبرة عن جوهره باختصار، وعن أصل العلاقة بين المحبين في بعض الأحيان.

    جلست في «بنوار 7»، ومن أمامي مسرح المركز الثقافي، أركز في الإضاءة التي أدهشتني، وتُتلى على مسامعي ترانيم أشعار مسعود شومان، وتتأهب عيناي لظهور عناصر أكثر في العرض، حتى يزول الغموض واللبس.

    العرض المسرحي «الطريق»

    كانت المشاهد الأولى معبرة عن الحالة التي ينخرط فيها كل مجتمع لا يتفق على حاكمه، من محاولات السيطرة على الحكم، والوشاية بأعوان الحاكم، وترقب أخطائهم. وفي صورة موازية، برزت الألحان الصوفية وإتباع الطريقة كعنصر أساسي من عناصر المسرحية.

    يكشف العرض عن طبيعة علاقة الولي والسلطان، متشابكًا مع التيمة الثقافية الأبرز لمدينة طنطا. وهي تميزها بمسجد الولي السيد البدوي. فقد كشف العرض عن علاقة السيد البدوي بالسلطان الظاهر بيبرس، سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية.

    السير في الطريق

    بدأ العرض بإلقاء أشعار صوفية من تأليف الشاعر مسعود شومان، مع إبراز مريدي الولي وتابعيه كملمح أساسي من ملامح “السير في الطريق”. وهم لا يحيدون عن طريقة الولي. وتلا هذا المشهد الرئيسي مشاهد اتفاق الخونة، ومحاولات الشيعة لخلخة حكم السلطان وإثارة المشكلات. وهو ما يعكس بالفعل الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر في تلك الفترة، وما بلغ السلطان لاحقا من أخبار هذه المؤامرات.

    حاول بيبرس تأكيد دعائم حكمه، ومحاسبة هؤلاء الخونة وصدهم، فاستشار أعوانه في الحكم. وتعددت الآراء بين المحارب بالسيف أو بالحكمة أو حتى بالدعاء؛ وهو ما اتجه إليه بيبرس في نهاية حياته، من خلال مناجاته السيد البدوي في المنام.

    السير في طريق الوهم

    ينتمي العرض المسرحي «الطريق» إلى التصنيف التاريخي -الاجتماعي- الصوفي، ويعبر عن الحالة التي يلتبس فيها التابع للطريقة الصوفية، ومناقشته للولي حتى يتم عليه علمه، ويمنحه المعرفة. حتى وإن لم يصل إلى أي إجابات، كما حدث تمامًا في الحوار الذي دار بين السلطان بيبرس والسيد البدوي.

    شعرت أن كل كلمة موجهة في العرض إليَّ، ليس كرسالة فقط أو نصيحة، بل كحالة شعورية انخرطت بها يوما ما مع نفسي. إذ أجابني العرض عن تساؤلات عدة دارت في خلدي: عن الحلم والواقع، وأيهما أكثر إنصافًا لي؟ عن الأفكار التي لم أزرها يومًا إلا في أحلامي. وأيضا نهاية طريق لا أدرى أكانت بدايته صحيحة أم لم تكن هناك بداية أصلًا؟ وماهية هذا الطريق. والطريقة التي تجعلني أسير فيه بهدوء، دون صدامات فكرية واسعة؟ عن العلاقات التي تتشكل حولي وتجذبني نحوها دون إرادة مني أو وعي؟

    إجابة على التساؤلات

    أجابني العرض عن كل تلك التساؤلات. وقدم لي رؤية وجودية مختلفة، لم أظن أن المسرح قادر على التعبير عنها يومًا بهذه البساطةٍ والجمال. عن كل تلك الأفكار التي تسكنني وتشككني أحيانا في وجود عالم موازٍ لما نعيشه في واقعنا.

    وفي اللحظات التي اختارت الأميرة عائشة زوجا للظاهر بيبرس من ابنة أعدائه، لأجل إمكانية التحالف. تيقنت أنه لا بد من تضافر الجهود دومًا للمصلحة العليا. لا سيما إن كانت مصلحة الوطن. مع عدم إغفال الجانب النفسي في هذه العلاقات المتشابكة، التي أبرزها الكاتب طارق عمار ببراعة في مؤلفته «الطريق».

    سيرة مستمرة في الوجدان المصري

    أكد الكاتب طارق عمار، مؤلف العرض، في حديثه لـ«باب مصر»، أن «الطريق» نص ينتمي إلى حد بعيد للمسرح التاريخي. حيث يستعرض واقعة تاريخية شهيرة، وهي الوقيعة التي حدثت بين العارف بالله «أحمد البدوي» والسلطان الظاهر بيبرس. وانتهت بتبرئة البدوي من تهمة محاولة استعادة الخلافة الفاطمية على حساب الدولة في ذلك الوقت.

    وأضاف أن النص هو نتاج جهد بحثي شاق استمر نحو عشر سنوات. وما لفت نظره إلى هذه الواقعة هو أنها حدثت بين شخصيتين متجذرتين في الوجدان الشعبي المصري، فبيبرس له سيرة شعبية تحمل اسمه. والبدوي يحتل مكانة روحية بارزة، بدليل الأعداد الغفيرة التي تحضر إلى مولده كل عام. وتأثيرهما ظاهرة جديرة بالتأمل.

    وأشار المؤلف إلى أن اللمسات الصوفية في العرض ضرورية، بحكم أن البدوي من كبار أقطاب التصوف في مصر والعالم الإسلامي. لكن الحالة الصوفية التي غلفت العرض، كانت نتيجة لاختيارات المخرج في تناول النص كعرض مسرحي. وتوظيفه للكوادر العاملة معه، كالأشعار التي صاغها بنفحة صوفية الشاعر مسعود شومان، ولحنها الموسيقار عبدلله رجال. بالإضافة إلى مجهود طاقم التمثيل.

    العرض المسرحي «الطريق»
    العرض المسرحي «الطريق»
    الطريق والطريقة

    وألمح قائلا: «العلاقة بسيطة بين ثنائية «الطريق والطريقة» في العرض. ما أرت قوله هو إن الدولة- أي دولة- لا يمكن أن تسير وتنمو وتحقق رفاهية شعبها دون عقل حاسم يستطيع مواجهة الأخطار في التوقيت وبالأسلوب المناسبين. لكن، في ذات الوقت، فإن الجانب الروحي هو غذاء الوجدان. ولكي تستقيم الأمور، يجب أن يمتزج العنصران معا لتحقيق حالة من التناغم بين العقل والروح».

    كما أوضح أن الطريق هو رحلة إنسانية داخل النفس، والنص قائم على تفكيك ما يعتري الشخصيات من حالات انفعالية متباينة تدفعها لاتخاذ قرارات حاسمة في توقيتات حاسمة. وتأثير تلك القرارات على الشخصيات الأخرى، والعكس.

    وفسر التحام الأشعار بالنص بقوله: “البنية الكلاسيكية للنص المسرحي لا تنطبق على نص «الطريق». والإحساس بأن العرض ذو طابع شعري، هو نتيجة حتمية لاستخدام البنية التعبيرية في الكتابة. سواء على مستوى البناء العام للنص المسرحي، أو على مستوى اللغة. وبالتالي، فإن اللغة كانت أكثر ميلاً لاستخدام المجاز منها للغة السرد التقليدي”.

    رحلة داخلية للنفس بوسيلة سوية

    كما عبر عن كتابته للشخصيات ومدى دلالتها على رموز لأفكار ومفاهيم. حيث إن كل شخصية تحمل رمزيتها الخاصة داخل الإطار التعبيري العام للعمل، وهو أمر محتم مع استخدام هذا المنهج في الكتابة. والرسالة التي يأمل إيصالها هي أن الإنسان هو صانع مصيره من خلال اختياراته الفردية الخالصة، وأن التناغم بين العقل والروح هو ما يمكن الإنسان من اتخاذ الخيار السليم في التوقيت المناسب.

    واختتم حديثه بالتعبير عن إيمانه العميق بالمسرح، قائلًا: «أنا مؤمن بأن المسرح قادر على فعل أي شيء. بما في ذلك طرح التساؤلات الوجودية في عصر يشوبه الكثير من انعدام اليقين والتشكك في كل شيء. بل إنه قادر على الوصول إلى إجابات شافية لمثل تلك التساؤلات».

    عرض فلسفي وتأملي

    يعرِّف المخرج المسرحي أسامة شفيق، مخرج العرض، «الطريق» بأنه عرض مسرحي فلسفي وتأملي، يتناول رحلة الإنسان في البحث عن المعنى والحقيقة. ويمزج بين الفلسفة والصوفية، ويطرح تساؤلات حول الوجود والإنسانية.

    ويوضح أن التحدي الأكبر الذي واجهه أثناء الإعداد للعرض، كان كيفية تقديم أفكار فلسفية معقدة بطريقة مبتكرة ومشوقة للجمهور. مع الحفاظ على عمق الفكرة والمعنى. ويضيف أنه تدخل بشكل كبير في إعادة بناء النص. دون المساس بالسياق الأصلي لكتابة طارق عمار، ليناسب الرؤية الإخراجية والتصميم المسرحي. بما يضمن انسجام العناصر وجعل العرض أكثر تأثيرًا وتماسًا مع الجمهور.

    كما يفسر ثنائية «الطريق والطريقة» التي وصف بها العمل، بأن الطريق يمثل الرحلة الداخلية للإنسان. بينما الطريقة تمثل الوسيلة أو النهج الذي يسلكه الإنسان في هذه الرحلة. موضحا أن العرض يطرح تساؤلات حول الطريق الصحيح والطريقة المثلى لتحقيق هدف سام من شأنه الرقي بالأمة.

    العرض المسرحي «الطريق»
    العرض المسرحي «الطريق»
    التأمل الصوفي والنقد لحالة الإنسان المعاصر

    أشار شفيق إلى أنه أراد أن يمتزج العرض بين التأمل الصوفي والنقد لحالة الإنسان المعاصر. حيث يبحث الإنسان عن المعنى في عالم سريع التغير. معللًا ذلك بأن العرض يقترب كثيرًا من مسرح الوجدان والمسرح الصوفي، كونه يخاطب الروح والعواطف، ويحفز الجمهور على التفكير العميق وإعادة تقييم مواقفهم الفكرية.

    واختتم حديثه مع «باب مصر» متمنيا أن يخرج المتلقي من العرض وهو يحمل أسئلة حول معنى الحياة والوجود. ودوره في فهم قضايا وطنه، مشيرا إلى أن مشروعه القادم سيتناول موضوعات مشابهة. وسيستكشف جوانب أخرى من التجربة الإنسانية.

    فريق العمل

    «الطريق» من تأليف: د. طارق عمار، وإخراج: أسامة شفيق، أشعار: د. مسعود شومان، موسيقى وألحان: عبد الله رجال، مخرج منفذ: حسن خليل، كريوجرافيا: أحمد جمال، سينوجرافيا: محمد محسن، تصميم إضاءة: أحمد راضي، مكياج: نسرين نصر.

    بطولة العرض

    يشارك في العرض عدد من أعضاء فرقة الغربية القومية المسرحية، منهم: سمير يوسف، محمد عبد العزيز، أحمد راضي، سمر مسعد، منار السيد، مارينا أمير، محمد جمعة، حسن عطية، أحمد الشريف، محمد السايس، محمد علاء، محمود قناوي، محمد هشام، ماجد صلاح، مصطفى فحل، ياسين أمجد، عبد الرحمن سمير، صلاح زكريا.

    وتضم هيئة الإخراج كلا من: هاني رمضان، مروة فريد، حنان عامر، ورامي الشناوي. العمل من إنتاج الإدارة العامة للمسرح برئاسة سمر الوزير، وبالتعاون مع إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي برئاسة أحمد درويش، وفرع ثقافة الغربية برئاسة وائل شاهين.

    اقرأ أيضا:

    «هدى سلطان».. صوت الغربية الدافئ الذي لم يغًب

  • «هدى سلطان».. صوت الغربية الدافئ الذي لم يغًب

    «هدى سلطان».. صوت الغربية الدافئ الذي لم يغًب

    من بيتٍ كبير بقرية «كفر أبو جندي» التابعة لمركز «قطور» بمحافظة الغربية، إلى قصرٍ أكبر في قاهرة المعز، من شدوها الخفي في حمام منزلها وتمثيلها أمام المرآة، إلى نجمة تصدح بصوتها عاليًا بـ«لاموني» وغيرها. إنها الفنانة «هدى سلطان» التي رحلت عن عالمنا في مثل هذا اليوم، الخامس من يونيو عام 2006، ابنة الغربية التي تربت على الكفاح بصوتها، وعلى بساطة ظهرت في تمثيلها وقوة شخصيتها، وعلى ثورية تمردت بها على الأفكار والتقاليد وعاشت للفن.

    نجومية هدى سلطان

    لم يكن الفن بالنسبة لهدى سلطان رفاهية، بل امتدادا طبيعيا لما عاشت عليه في بلدها كفر أبو جندي. حيث كانت تستمع لحكايات مختلفة في الدوار. ويتشارك إخوتها حب الفن، حتى لو بشكل مستتر. كان إحساس هدى سلطان عالٍ، تمامًا كما كان دومًا في بلدتها، فقد ولدت في عام 1925 لعائلة إقطاعية، لأبٍ كان فلاحًا، وأمٍ لم لا تعمل، حسب قولها في حوارها مع مجلة “الكواكب.”

    وذلك الإحساس هو ما أبقى حب الريف في قلبها، رغم انتقالها إلى العاصمة، ورغم نجوميتها في السينما والدراما. إلا أنها لا زالت تتمتع بنغمة حياة الريف الصادقة حتى رحيلها. وعاش حب الغناء في قلبها حتى بعد اعتزاله.

    نشأة هدى سلطان

    تربت هدى سلطان على سماع التواشيح والمواويل الشعبية في مولد السيد البدوي في طنطا. وكانت تقلد المداحين بعد عودتها من الموالد، وهذا ما أثرى صوتها وجعلها تكتشف جماله.

    نشأت في بيتٍ محافظ، يلتزم بتعاليم الدين وتقاليد العُرف، ولم يسمح لها بممارسة الغناء إلا خفية. أما شقيقها الفنان محمد فوزي. فقد سبقها وتمرد على عالم الخفاء والمحافظة، وراح يمارس هوايته في الغناء بعيدًا. إلى أن أختار اللجوء للعاصمة.

    «كان أبي محافظًا جدًا، حريصًا على تعليمنا أمور ديننا. حتى إنني حفظت القرآن الكريم كاملًا في كتَّاب بقرية أبو جندي»، هكذا قالت هدى سلطان في حوارها مع المجلة.

    وفي حوارها مع الصحفية فاطمة شعراوي في عدد “الأهرام” الصادر في 24 مايو عام 1997، قالت هدى سلطان إنها لم تشعر بلحظة ندم واحدة على خوضها معركة ضد التقاليد. التي تربت عليها في بيتها في طنطا ولا على اتجاهها للفن في العموم. وأضافت أنها، على النقيض تمامًا تشعر دائمًا بأنها لا تستطيع العيش دون الفن. هذا لأنها هاوية وليست مجرد محترفة. فقد التحقت بالفن، وأنفقت من مالها وأرضها عليه. لأنها أحبته وتحملت الكثير حتى تصل لهدفها الذي طالما تمنته.

    الفنانة هدى سلطان
    الفنانة هدى سلطان
    كيف التقطها الفن من قلب بيتها المحافظ؟

    في حفلة من حفلات مدرستها بطنطا، تجرأت بهيجة عبد العال “هدى سلطان” بالبوح بموهبتها الغنائية في رائعة أم كلثوم «أنت فاكراني ولا ناسياني»، وكان هذا سببًا كافيًا لتزويجها دون الرابعة عشر عامًا.

    ولم يعلم أبيها أن زواجها من محمد نجيب سيساعدها في الحصول على فرصتها للجوء للعاصمة. حيث اكتشفها نجوم الفن والطرب. وغيرت اسمها من بهيجة عبد العال إلى هدى سلطان. واعتمدت بالإذاعة المصرية رسميًا كمطربة عام 1949.

    كان صوتها مميزًا دافئًا، فيه شجن معبِّر عن نقائها وإخلاصها لما تفعل. عبر عن ذلك أول أغنياتها بالإذاعة «حبيبي ملقيتش مثاله»، وهي من تأليف علي سليمان، وألحان أحمد عبد القادر.

    لماذا منع محمد فوزي شقيته هدى سلطان من الغناء؟

    في لقاءٍ لها على قناة “ماسبيرو زمان”، أكدت هدى أن غناءها لم يكن على هوى زوجها فتم تطليقها. ولم يكن أيضا على هوى شقيقها محمد فوزي، والسبب في ذلك أنها فتاة، وأنها ابنة الريف والبيت المحافظ.

    «كان خايف عليا، البنت غير الولد، وطنطا غير مصر، والفن له تضحيات». هكذا بررت سلطان سبب منع محمد فوزي لها من الغناء. مؤكدة أن تمردها هذا لم يكن إلا له، لأن أهلها في طنطا لم يعرفوا شيئًا عنها تقريبًا بعد موت الأب والأم.

    واختلف فوزي وهدى خمسة أعوام بسبب الغناء وأيضًا التمثيل. ثم ارتضت حديثه في الوقت الذي مرض فيه بشدة، ودعتها زوجته مديحة يسري إلى بيته لزيارته. وهناك اعترف بها محمد فوزي حينها بين أحضانه، ولحن لها العديد من الأغاني بعدها.

    وجوه الريف في ملامح أدوارها

    قبعت ملامح الريف في تكوين هدى سلطان الفني، وظهر هذا جليًا في لعبها أدوارا عديدة، من الأم الحنون والمحكمة في مسلسل «الوتد». والأم التي تخاف على ابنيها حق الخوف في مسلسل «أرابيسك». والأنثى اللعوب في «امرأة في الطريق»، وكذا بنت البلد الجدعة، والمرأة المكافحة،

    وكأن كل الشخصيات التي مثلتها ساكنة بداخلها، رأتها بعينها في بيئتها الريفية البسيطة قبل أن تنتقل من طنطا. هي وجوهٌ مكررة ولكن لم يعلم أحد عنها شيء إلا بإخراج سلطان لها من ثنايا روحها وتمثيلها بشغف.

    أكدت في حواراتها الصحفية المختلفة أن دور الأم متنوع في جميع أدوارها. فهي مثلت الأم الأرستقراطية والشعبية والريفية والحنون. وكل هذا متأصل في شخصيتها ونشأتها في ريف طنطا.

    أحبت هدى سلطان التفصيل والخياطة منذ طفولتها، نما هذا الشيء معها في كل مرة تمثل فيلمًا جديدًا. فكانت تخيط أزياء هذا الفيلم بنفسها، حتى فساتين زفافها وزفاف بناتها حاكتها بنفسها. ما يفسر ارتباطها الشديد بالبيئة التي خرجت منها وسكنت فيها.

    الفنانة هدى سلطان
    الفنانة هدى سلطان
    هدى سلطان بين الفن والحجاب

    ارتدت هدي سلطان الحجاب في منتصف حياتها المهنية، ولم تتوقف عن الفن ولا اعتزاله، لأنها بذلك رأت أن الفن يمنعها. أكدت على أن الفن هو روحها وأنها لن تعتزله، لكنها تنتقي أدوارًا مناسبة للحجاب، مشيرة إلى أن كل السيدات مررن بمرحلة التباهي بأجسادهن وصباهن.

    في النهاية؛ يمكننا القول إن هدى سلطان حملت طنطا في صوتها، في هدوئها الحالم، في قوتها وشجاعتها، وبهجتها المفرحة. لم تغادرها أبدًا، وفي دورها كفنانة، أيقنت أن الفن الحقيقي لا يصنعه الاستوديو وحده؛ بل الجذور.

    اقرأ أيضا:

    «القضية 68»: هل يمكننا تخطي الهزيمة؟

  • على رائحة الشاي والأنفاس الصوفية الحية.. يوم في رحاب «القهوة الأحمدية» بطنطا

    على رائحة الشاي والأنفاس الصوفية الحية.. يوم في رحاب «القهوة الأحمدية» بطنطا

    «ما لذة العيش لولا صحبة الفقرا، هم السلاطين والسادات والأمرا».. كانت هذه أولى الدندنات التي سمعتها وأنا جالسة في مقعدي بـ«القهوة الأحمدية» بساحة مسجد السيد البدوي بطنطا. قالها السيد عبد التواب، وهو رجل قَدِم من أسيوط لينعم بصحبة الراحة في مسجد السيد البدوي.

    ورحب السيد بالحديث إلى «باب مصر» معللًا بأنه لا يحب الحديث إلى الصحافة ولا الظهور فيها، لكن ما دام الأمر يتعلق بالقهوة الأحمدية فسيختلف رأيه بالطبع؛ القهوة التي رأتها عيناه لأول مرة منذ 65 عامًا مع أبيه في زيارته الأولى للسيد البدوي، حيث ضمهم المكان بعد سفر طويل، بعدما تفاجأوا بإغلاق المسجد لأعمال الصيانة في ذلك اليوم.

    ذاكرة القهوة الأحمدية

    يقول عبد التواب: «منذ ذلك اليوم وأنا أعشق الجلوس في هذه القهوة، مُنحت يومها ألذ كوب شاي كشري شربته في حياتي. ولا يزال هذا طلبي إلى الآن رغم تغير الجودة. هنا في القهوة كانت حكاياتي مع رواد مسجد سيدي البدوي، تعلمت على أيديهم الكثير من أصول الفقه والحديث والتفاسير والتسابيح، التي لا تخلو من صيغ الصوفية. وهو ما جذبني للمجيء إلى هنا 6 مرات في العام، بين كل شهرين مرة».

    وذكر أنه يعمل مقاولًا، وارثًا مهنته عن أبيه مثل وراثته لحب القهوة والمسجد. مؤكدًا أنه شهد تجديد القهوة خمسة مرات حتى الآن. قائلًا إنها تغيرت جدًا، لكن هناك روحا فيها لا تغادره، روح ترتبط بتاريخ جلوس الأولياء فيها، واسمها وصل إلى الرؤساء والوزراء في يوم من الأيام.

    السر في السيد البدوي

    أوضح عبد التواب أن القهوة تعاقبت عليها أجيال كثيرة لأنها تخطت القرن من الزمان. لكنه ما زال يندهش في كل مرة تطرح عليه أفكاره حول ترك الدنيا والعمل في هذه القهوة. المكان الوحيد الذي يتمنى قضاء باقي عمره فيه، والسر يرجع إلى السيد البدوي.

    ويقول: «يجذبني الأحمدي نحوه جذبًا، لا أصدق في السحر بقدر ما أصدق في قوة الجذب. آتي إلى هنا فأشعر أنني مجذوب. لا أعد نفسي من المتصوفة لأنهم أعلم مني، ولا أعد نفسي من الأولياء رغم تحقق رؤاي. لكني أعد نفسي من عاشقي هذا المكان أكثر من الأماكن الأخرى مثل مسجد الشاذلي في المنوفية والقنائي في قنا. هنا فقدت ووجدت غايتي على أعتاب القهوة».

    وحكى عبد التواب عن مصادفة تكررت أكثر من أربع مرات متتالية، عندما يدخل القهوة وهي فارغة. يدخل ورائه الزبائن كأنه يفتح لهم الباب! حتى أن عادل، نادل في القهوة، لاحظ القصة وطلب منه مباركة المكان. فكان رد السيد وقتها عنيفًا على نفسه، حيث ترك القهوة دون زيارة المسجد، وتسوق من طنطا لأبنائه وعاد إلى بلدته مرة أخرى.

    ذاكرة تاريخية خالدة

    وأشار إلى أن ارتباطه بالقهوة رسالة يريد الله أن يعرفها، وهي أنه مهما تقرب من الأولياء، فلن يرتقي إلى منازلهم إلا بأمر الله. لذا كان غضبه متصاعدًا وحرم نفسه من الزيارة في المرة التي هيأ له الشيطان فيها أنه «عبدٌ مطاعٌ ووليٌ آمر». عاد بعدها بشهرين ليستغفر الله يومه كله في كل جزء من القهوة كي يكون شاهدًا له يوم القيامة.

    شكلت القهوة الأحمدية بطنطا، الواقعة في ساحة مسجد السيد البدوي، نسيجًا ثقافيًا واجتماعيًا مختلفًا. تأثرت بها ذاكرة المدينة، حيث افتتحت في العام 1902. وضمت بين جدرانها أعلاما بارزة، من رؤساء ووزراء وأئمة وسياسيين ومشايخ وقراء وفنانين. وكانت في وقت من الأوقات منبرًا بديلًا للمهمشين الذين لا تصل أصواتهم إلى الإعلام الرسمي.

    من يجلس على القهوة الأحمدية؟

    كانت القهوة ملاذًا من الرئيس أنور السادات وحتى الشيخ محمد متولي الشعراوي، مرورًا بعمالقة التلاوة المصرية والإنشاد، على رأسهم الشيخ محمود خليل الحصري، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ سيد النقشبندي. وحتى فنانو مصر، مثل عبد السلام النابلسي، وكرم مطاوع، وشكري سرحان.

    قضيتُ يومًا كاملًا في القهوة أراقبها عن قرب. وكان السؤال الثائر في عقلي طوال الوقت هو: لماذا الشعور العميق بالسكون هنا؟ وتعددت الإجابات في نفسي، هل لأن المكان تاريخي وأنا أنجذب للأماكن العتيقة؟ أو أن ذكر الله فيها هو الغالب. لذا كان السكون؟ إذًا، هل لا يجلس على القهوة سوى الصالحون فقط والأولياء؟

    راقبت الجدران الصامدة وبها تشققات يخفيها الطلاء، والسور الحديدي الذي يلفها ويبرق متأثرًا بعوامل الزمن. تأملت المشربيات الطويلة، والصور الفوتوغرافية المعلقة، والآيات المكتوبة بالخط العثماني والأذكار. دققتُ أكثر في وجوه القهوة المختلفة، كراسيها، طاولاتها، ووجوه الناس وأُنسهم!

    حكايات القهوة الأحمدية

    لم يجذبني حكايات الناس بقدر ما جذبني تأملاتهم في المسجد. كانت أحاديثهم تدور بين الانتخابات البرلمانية المقبلة. وغلاء أسعار الحلويات في محيط السيد البدوي. والزبائن الذين «خفّت رجلها عن القهوة»، وطقوس المولد القادم وأمنياتهم في حضوره.

    وفي زاويةٍ من زوايا القهوة رأيته، يذكر الله بصوت خفيضٍ ويرفع يديه إلى السماء، ممسكًا بيده سبحة، وبالأخرى يقلب الشاي بالنعناع، قد تجده إنسانًا عاديًا في حاله. لكنه سرعان ما ترك مقعده وراح يساعد نادل القهوة في تنظيفه ومسحه للأرض، وذكر الله يعلو، يمسح طاولة وينظر للمسجد. ويقول: «ارض عني يا رب»، يرش الماء ويقول: «عدت للقهوة يا رب».

    وظننته من المجاذيب حتى طمأنني عامل في القهوة أنه ترك العمل بها منذ عامين، لسبب لا أحد يعلمه، واختفى. هذه أول زيارة له. حاولت الحديث معه ولكنه رفض، فعلمت أن في القهوة سرا لا يعلمه إلا الله.

    القهوة الأحمدية: مؤسسة اقتصادية مصغرة

    تعمل القهوة الأحمدية كمؤسسة اقتصادية مصغرة. إذ تعد مصدرًا لرزق العديد من الأفراد، من القهوجي والصبي والعاملين بها، إلى بائعي السجائر والسبح والأذكار والتمائم. وتدور فيها دورة رأس مال يومية صغيرة تعتمد على العلاقات الاجتماعية والثقة، ويكسوها الرفق والسكون. أما أسعار المشروبات، فهي معقولة، لا مغالاة فيها رغم شهرة القهوة. وتناسب مختلف الفئات المترددة عليها.

    ولاحظتُ تنوعًا كبيرًا في مرتادي القهوة، رغم أن اليوم كان هادئا. هناك نساء يعملن بجوارها، ومشايخ زائرون للضريح. وأزواج وخُطَّاب، وبائعون متجولون، وأسر صغيرة تأكل على طاولاتها وتتأمل في المسجد. معتبرين القهوة محطة لفسحتهم القصيرة.

    وتحتضن القهوة حكايات شعبية تمثلت في روادها. حيث ارتادها العديد من المشايخ الحاملين للسبح، وآخرون يرتدون أزياء خضراء، يتحدثون عن الأوراد، وطرق القرب من الله، وصيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالطرق الصوفية. إلى جانب حديث جاد جدًا عن الأحداث الأخيرة في الإفتاء. وأحاديث جامعة أخرى عن العيد وموعد الأضحية، وصمت مطبق في بعض الأحيان إلا من ساحة المسجد.

    منبر هامشي يطل على المسجد الأحمدي

    يتغير الزمان ويدور، وتبقى حركة القهوة كما هي. بطرازهاٍ الإسلاميٍ الآسر، لا يتغير ديكورها حتى في أيام المولد والمواسم المختلفة، ما عدا رمضان. تطل القهوة على المسجد الأحمدي بواجهة أنيقة. ويتفرع منها ممر طويل تحيط به طاولات متعددة ودكك خشبية، تحافظ على تراثها الأصيل بنقوش بارزة على جدرانها الخارجية.

    ولا توجد شاشة داخل القهوة، ولا صوت عال لقرآن أو موسيقى. فقط أحاديث الناس وتفاعلاتهم هي الخلفية، مع تأملات عميقة في مسجد له تاريخ. هكذا كانت القهوة منذ البداية، وستظل. يقول محمد فتحي، أحد العاملين بها، إن جده كان يعمل في القهوة منذ عام 1946، وكانت تموج آنذاك بأخبار البلاد. وبعدها أخبار حرب فلسطين وغيرها، وكان الناس يعبرون عن آرائهم بمنتهى الحرية دون خوف.

    وأشار فتحي إلى أن القهوة حافظت على دورها خلال ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو. فلم تغن وسائل التواصل الاجتماعي الناس عن التعبير عن ألمهم حيال البلد وحبهم تجاهها. فكانت القهوة منبرًا هامشيًا في طنطا لحديث الناس، ولكن أثره عميق.

    ذاكرة حية

    في النهاية، تبقى القهوة الأحمدية أكثر من مجرد مقهى؛ إنها ذاكرة حية لمدينة طنطا، تحفظ بين جدرانها قصصًا وحكايات لأجيال تعاقبت على الجلوس فيها. كانت مكانًا تلتقي فيه الأرواح الطيبة قبل كلماتها، وكانت ملاذًا لي أيضًا بين أيامٍ عصيبة.

    اقرأ أيضا:

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

  • ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

    ملف| «متحف آثار طنطا».. هنا حكايات التاريخ تُروى في صمتٍ

    هل جربت يومًا أن تغرد داخل السرب باختلاف؟ أن تتخلص من أفكارك القلقة عبر تأمل جميل لماضٍ عتيق؟ أن تعبِّر عن حبك لوطنك بتفردك في حب الأشياء التي يضمها: متاحفه، آثاره، قدماؤه، بيوته الأثرية ومبانيه؟ ربما حان الوقت لنأخذك معنا في رحلة لأهم متحف إقليمي في الدلتا؛ يضمك بين طرقاته وأضوائه الخافتة والزاهية في آنٍ معا، لتتعلم معه الركض عبر الزمن ببساطة، وتخشع لماضٍ يخرجك من قسوة الحاضر؛ إنه «متحف آثار طنطا» بمحافظة الغربية.

    في اليوم العالمي للمتاحف، قررنا أن نبرز جمالا من نوعٍ خاص في متحف آثار طنطا، فهو يدعوك للتأمل بمجرد أن تطل عليك واجهته، حيث يقع بجوار كلية التربية – جامعة طنطا، تحديدًا عند تقاطع شارعي البحر ومحب. يضم المتحف ثلاثة طوابق للمعروضات الأثرية، وطابقين لهيئة الإدارة والأمن.

    متحف آثار طنطا يبرز جمال الدلتا

    يجذبك الطابق الأول بحديث معروضاته الأنيقة عن المعبود “حابي” إله النيل والفيضان في مصر القديمة. حيث يضم تماثيل ولوحة تعريفية تبرز دوره في حياة المصريين القدماء. كذلك تطالعك لوحة للسيدة العذراء وتراتيل مسيحية. وفي المنتصف خريطة المواقع الأثرية في مصر تعطيك نبذة عن جمال التراث المصري القديم والحديث. كما يدخلك جو الطابق في روح العصر الحجري رغم أنها تنتمي للعصر المتأخر، فقد نحتت التماثيل من الجرانيت كما شهدت البرديات المكتشفة معها.

    يعكس الطابق الثاني خصوصية منطقة الدلتا. حيث يضم قطعا أثرية من مناطق متعددة، من تل الفراعين في دسوق (كفر الشيخ) إلى منطقة قويسنا (المنوفية). كما يعرض آثارا من صا الحجر (الغربية)، على بعد 7 كيلومترات من مدينة بسيون، وتضم ثلاثة تماثيل لـ”إيزيس أفروديت”، آلهة الحب والجمال، المصنوعة من البرونز وتعود للعصر اليوناني.

    كما تأخذ التماثيل الأخرى المعروضة الطابع الجنائزي، وهو طابع خاص بمنطقة صا الحجر، التي احتفظت بأهميتها التاريخية بعد سقوط سياستها القوية على يد الرومان. في الطابق أيضًا عرض لتماثيل من منطقة صان الحجر بمركز الحسينية (الشرقية)، التي كانت مركزا مهما في الأسرتين 21 و22، واهتم بها الملك رمسيس الثاني حتى أنه شيد بها معبدا لآمون.

    وتضم الفتارين المعروضة أدوات زينة للملكات، أواني تطهير برونزية،  وعقودا ومرايا وأواني من مختلف الأشكال والأحجام. أما قرية “بهبيت الحجارة” (سمنود – الغربية)، فعرضت منها أحجار من الجرانيت الوردي منقوشة بنقوش دقيقة تظهر عظمة الفن المصري.

    تحنيط الحكايات داخل متحف آثار طنطا

    في الطابق الثالث، أدركت أن من يتأمل تاريخ مصر لا يدرك عظمته إلا من خلال رؤية آثاره، رغم أن بعض التماثيل متكسرة، فإن جمالها يكمن في نقصانها، كتمثال فيلسوف يوناني، وأدوات طهي ومائدة من الدولة الحديثة، ومراكب خشبية دقيقة الصنع.

    وفي زاوية مع ضوء خافت، كانت هناك مومياء حقيقية لطفل، وتابوت مرسوم عليه عيون مصرية ساحرة، وأدوات تحنيط تثير الفضول عن سر تخليد الأجساد كما خلدت الحضارات. أكد لي المشرف أن كثيرا من هذه الآثار اكتشفت خصيصا لهذا المتحف.

    ويضم الطابق أيضا نماذج لمهن مارسها المصريون: من الكتابة والزخرفة الإسلامية، إلى فن الغزل وتجميع الفخار، وكذلك تماثيل المصارعة، ومقتنيات من العقود والخواتم، وأدوات الخياطة، وقميص منسوج لطفل، وعملات متنوعة استخدمها المصريون القدماء في تجارتهم.

    دهشة ومرارة للغياب

    رغم انتهاء جولتي، لم ينته إحساسي بعبقرية المكان. التقيت بزوار، منهم عزة محمد، 19 عامًا، التي قالت إنها لم تكن تعلم بوجود متحف آثار في طنطا حتى أخبرتها صديقتها بعد الامتحان. وأضافت: “رأيته كلوحة ضخمة رسمت بإتقان لتاريخ مصر، شعرت بقداسة في تفاصيله”.

    أما رؤيا خالد، 25 عامًا، أكدت أن جولتها كانت رائعة، وأشادت بتعاون العاملين لكنها أعربت عن حزنها لقلة الزوار، مشيرة إلى أن المشكلة ليست في إدارة المتحف، بل في قلة وعي الناس بجماله وأهميته.

    لم يكن غريبًا عليَّ الشعور بالقداسة، تماما كما شعرت عزة، فقد أحسست بها هناك، بين زوايا المتحف التي كشفت لي جوانب مجهولة من تاريخ هذه الأرض العظيمة. جولتي، التي بدأت بقطع تذكرة قيمتها عشرين جنيها للفرد العادي، وعشرة جنيهات للطلاب، لم تقف عند حدود التأمل داخل المتحف فقط، بل امتدت لاكتشاف محيطه الخارجي. حيث يمتزج القديم بالحديث في تناغم يليق بمدينة مثل طنطا.

    المتحف الذي يطل على شارع محب لم يتوانَ عن هدفه النبيل يومًا وهو تثقيف الزوار وطمأنتهم أنه ثمة معالم لا تبتلعها العاصمة في جوفها كما تبتلع جماهير الأقاليم. هذه الجدران لا تزال قادرة على بث الثقة في الأرض وجذورها الأصيلة. إن طنطا عاصمة الدلتا قديمًا وحديثًا، ولا تيأس في جذب الكثير من الزوار لها، حتى ولو كان المتحف متغيبًا عن الظهور إعلاميًا.

    برتوكول تعاون لزيارة المتحف

    تقول “م.ح” إحدى المسؤولات بالمتحف: «في الدراسة تكثر الزيارات المدرسية والرحلات ضمن بروتوكول مبرم بين الوزارات لزيارة المتحف. الذي يضم أكثر من 500 قطعة أثرية موجودة كما هي منذ اكتشافها. ولأن طنطا تعد عاصمة الأقاليم في الدلتا. فقد عرض المتحف آثارًا من الأقاليم المجاورة مثل آثار تل الفراعين وقويسنا وصان الحجر».

    أما أحد حرَّاس المتحف، فيقول إنه أصبح المتحف بيتًا ثانيًا له، يدخله من بوابة سحرية. ويتأكد له هذا المعنى في نفسه عندما يستقبل الكثير من الأجانب الذين يأتون خصيصًا لزيارة مسجد السيد البدوي. فهم عندما يدخلون المتحف يندهشون بمعالمه وجوه الرائع. رغم أنه يشبه في تقديري مقتنيات من متاحف مكتبة الإسكندرية إلا أنه يتفرد بعبقرية وخصوصية شديدة عنه.

    نهاية الرحلة

    في النهاية؛ كانت جولتي شغوفة داخل المتحف. قابلت حيًا تارخيًا عتيقًا يمشي على أطرافه، صامت، جليل. تأملت الوجوه القديمة المنحوتة داخل قوالب الجرانيت المختلفة. وسمعت أصواتًا تناديني تحكي لي عن الحب والحرب والقتال والكتابة والغزل في تاريخ مصر. ورغم أن قلة الزوار أعيتني، فإن روح المتحف تنبض بحنين لا يشيخ، يكفي أن تنظر إلى عيون التماثيل ولو كانت مكسورة لتتأكد من بريق لم ولن تفقده الحضارة المصرية.

    هذا المتحف هو ذاكرة دلتاوية خالدة، تحتضنها طنطا في أعماقها، تناديك أروقته مع كل خطوة: هنا التاريخ.. هنا حضارة أعوام لا عدد لها.

    في اليوم العالمي للمتاحف، بينما يحتفل العالم بالآثار، نحن نؤكد لك: لا تعرض عن تأمل حضارتك وتاريخك وماضيك في كل منطقة تعيشها.

    اقرأ أيضا:

    «متحف السويس القومي».. كنوز تُجسد عبقرية المصري القديم

    من أعماق البحر إلى صفحات العلم.. قصة معهد علوم البحار ومتحفه العريق بالسويس

    «متحف النصر للفن الحديث».. ذاكرة بورسعيد في لوحات ومنحوتات

    «متحف قناة السويس».. تاريخ من سخرة الحفر إلى إرادة التأميم والتطوير

باب مصر