باب مصر

الكاتب: إبراهيم البجلاتي

  • «كلب المعمل»: فصل من رواية إبراهيم البجلاتي الجديدة

    «كلب المعمل»: فصل من رواية إبراهيم البجلاتي الجديدة

    بعد قليل من البحث، اعتمادًا على الوصف الذي خلا -كالعادة- من اسم الشارع ورقم البيت، تمكَّنتُ من العثور على مكان السهرة: بيت قديم في حي الحسينية -عند تقاطع سور مدرسة “الملك الكامل” القديمة والشارع العمودي على سور محطة القطار- يعود إلى تلك الأيام التي نسمع عنها ونرى بقاياها المتآكلة في الأحياء العريقة. أيام أن كان للبيوت سقوف عالية وأبواب ضخمة من الخشب الثقيل، وعلى كل باب تاج محفور من الورود أو رأس أسدٍ مهيب.

    في منتصف الشارع المعتم وقفت أمام البيت المقصود، إطار خشبي ناحل بلا باب، كأنه إطار لفوهة الظلام المطلِّ من ورائه. رفعت عيني قليلًا فميَّزتُ تاجًا مكسورًا من الورود فوق الإطار الواسع، ودخلتُ. لم تُبدِّد الولَّاعة المشتعلة في يدي اليسرى سوى أقلِّ القليل من الظُّلمة المكثَّفة حولي، لكن شُعلَتها كانت كافية لكي أرى سُلَّمًا عريضًا في آخر المدخل الواسع. تحسَّستُ الدرابزين بيمناي، ومن ملمس الخشب العتيق تأكَّدتُ أن أحدًا لم يصعد هنا منذ عقود. كان منطقيًّا في هذه الظلمة المربكة ورخام الدرجات المنحول أن أتعثر نصف عثرة، وأن أقوم وأشعل الولَّاعة، التي لسعَت سخونتها أصابعي، من جديد. خشب كئيب متصالب على نافذة كبيرة تتوسَّط السُّلَّم، عالِقةٌ في مُربَّعاتها بقايا من زجاج ملوَّن. بالطابق الثاني باب شقة مُغلَق ولا أثر لأي ضوء بالداخل. بيت مهجور تمامًا. رأس سنة في بيت الأشباح، أم مجرد حرص على إخفاء بهجة معيبة؟ وواصلتُ صعودي المتحسِّس إلى الطابق الثالث.

    **

    في ردهة الشقة الواسعة والمهملة بجدارةٍ خَلقٌ منتشرون على كراسي ليس لها طراز مُحدَّد وكلها في حال أسوأ من بعضها. أعرف قِلَّةً منهم معرفة حميمة، وأعرف بعضهم معرفة سطحية، أما الغالبية فلم تكن من الطائفتين. البيرة في كل مكان، والسجائر المحشوة ملفوفة وجاهزة في مكان بارز على طاولة عريضة يتوسَّطها زجاجة كبيرة من الويسكي لم تُفتَح بعدُ. وقبل أن أجلس كان صاحب المكان -وهو مخرج مسرحي تربطني به صِلة قرابة بعيدة ومعرفة سطحية- قد فتح زجاجة بيرة مُثلَّجة وقدَّمها لي وهو يزيح واحدًا من مُمثِّليه ويُجلسني مكانه، والذي جاء بالمصادفة على يسار الأستاذ ياسين المالكي.

    كانت المرة الأولى التي أرى فيها الأستاذ ياسين في مكان آخر غير “مقهى المحطة” الذي اعتاد الجلوس عليه في أوقات محدَّدة من أيام مُعيَّنة كل أسبوع. وكانت المرة الأولى التي أرى في يده شرابًا غير فنجان القهوة، لكنه حتى في هذه الأجواء لم يتخلَّ عن بدلته الكاملة وربطة العنق المُحكَمَة، وفوق كل هذا معطف أسود غاية في الأناقة. ومثلما يخصِّص له النادل في المقهى كرسيًّا مميَّزًا خصَّص له المخرج المسرحي الفوتيه الوحيد الذي يبدو في حال جيدة.

    غلاف الرواية
    غلاف الرواية
    **

    أخذتُ جرعة طويلة من الزجاجة الخضراء مباشرة، فيما يقرع الآخرون الأكواب ويشفطون الرغوة الهشَّة. الحديث قد بدأ قبل وصولي، وكان جُلُّه يدور حول استقالة جورباتشوف التي لم يمرُّ على إعلانها سوى ستة أيام فقط. أحدهم يتكلم بحماس عن الخطايا السوڤييتية الكبرى، بدءًا بتصفية تروتسكي وديكتاتورية ستالين الغليظة، مرورًا بخليج الخنازير وانتهاء بالمستنقع الأفغاني الذي سبق نهاية الإمبراطورية بقليل، فيما يردُّ عليه أحدهم بأن التحليل الذي قدَّمه حزبه منذ منتصف السبعينات كان يؤكِّد على حتمية زوال الإمبراطورية السوڤييتية التي أضرَّت بوحدة اليسار العالمي وأساءت إلى سمعة الاشتراكية التي غدرها الجميع.

    كان نصف دماغي حاضِرًا ونصفه الغائب يلعن “علي طه” الذي أوقعنا في هذا الفخ في ليلة كهذه. ثم انبرى المخرج المسرحي ووضع كوب البيرة جانبًا وقام واقفًا، بشكل مسرحي ركيك، وبدأ -مستخدِمًا يديه وعينيه وشاربَه الاستاليني- خطبةً عميقة عن عبادة الماضي، مساويًا بين الفَرِحين والمحزونين. فكل فريق يعبد وهمه الخاص عن الدولة والتاريخ، وكلا الفريقين سَلفيٌّ بامتياز.

    **

    ثم ختم خطبته -التي حرمها انصراف الكثيرين عنها من سطرين إضافيين- بأنه علينا أن نجيب على سؤال اللحظة: هل العالم بدون الاتحاد السوڤييتي سيكون أفضل أم لا؟ بدا لي للحظة أن قريبي هذا قد جمع كل هذا الحشد خصيصًا ليلقي عليهم خطبته الغريبة هذه. توقَّعتُ أن يجلس لكي يحصل على ما يستحقُّ من تصفيقٍ يعفيني من شعور عابر بالخجل، لكنه وبنفس الأداء المسرحي سار خطوتين ودار إلى اليمين مترنِّحًا قبل أن يختفي لبعض الوقت في ممرٍّ مُظلِم يقود -فعلًا- إلى الكواليس.

    وأنا أبلع الكلام بجرعة أخرى طويلة من البيرة مال الأستاذ ياسين عليَّ هامسًا: مالَك؟ قلت مباشرة ودون تفكير أو تردُّد وأنا أعيد الزجاجة إلى الطاولة: هل العالم بدون كلاب سيكون أفضل أم أسوأ؟ اتَّسعَت عينا الأستاذ دهشة، فانتبهت واعتدلت في جلستي وأنا أشعل سيجارة وأقول: القافية حكمت. ثم قلت له: تصوَّرْ أنه في اللحظة التي كان جورباتشوف يدخل الكرملين للمرة الأخيرة ويُغيِّر وجه العالم، كنت أنا أدخل معمل التجارب الحيوانية للمرة الأولى وأدسُّ يدي في بطن كلب، ولديَّ إحساسٌ بأن أشياء كثيرة ستتغير في حياتي بعد هذه التجربة.

    قال كأنه يؤكِّد على كلامي إن حياة الأفراد لا تتأثر بالأحداث العظيمة في الحال، هذا يستغرق زمنًا حتى يبين أثره، أما بعض المصادفات التي تحدث للفرد مباشرة فتؤثِّر في حياته بشكل أسرع، وربما بشكل أعمق ممَّا كان يتصور. ثم حكيتُ له بشكل مختصر عن رعبي المزمن من الكلاب، وعن توزُّعي طوال الأسبوع الماضي بين جراحات البشر في العمليات التي فوق، والتجريب في الكلاب في المعمل الذي تحت، وأنني تقريبًا أُغرَمتُ بالنوع الثاني أكثر من النوع الأول.

    **

    أوشكت أن أقول له إن هذا ربما يكون غرامًا سطحيًّا بالجديد -كعادتي- لكنه سبقني قائلًا: إن موقفي هذا يشبه إلى حدٍّ بعيد الموقف العام من الكلب، هذا الموقف الموزَّع بين التبجيل والاحتقار، بين تقدير الكلب لوفائه والقرف من نجاسة لعابه. قبل أن أستوعب حدود التشابُه البعيدة بين حالتي وبين الموقف العام عاجلني هو: هل تعرف أنه رغم الحكايات الكثيرة جدًّا والقديمة جدًّا عن وفاء الكلاب هناك مَن يُشكِّك في حقيقة هذه الصفة الآن استنادًا إلى كلب “باڤلوڤ” نفسه.

    • – إزَّاي؟
    • – طبعًا إنت عارف تجربة باڤلوڤ التي أجراها على الكلاب واكتشف من خلالها قانون “رد الفعل المنعكس الشرطي”.
    • – عارف.
    • – وعارف الارتباط بين رنين الجرس وجريان لعاب الكلب؟
    • – عارف.
    • – هناك الآن من يرى أن ما نعتقد أنه “وفاء الكلب” ليس سوى ردِّ فِعلٍ منعكس شَرطيٍّ يربط الكلب بصاحبه؛ فلن يأكل الكلب أو يشرب أو ينام إلا في حضور صاحبه، فإذا غاب هذا الصاحب بالسَّفر أو الموت مثلًا، فالكلب لن يأكل ولن يشرب؛ وبالتالي يذبل، ورُبَّما يموت، ليس حزنًا على فراق صاحبه، ولكن عن عجز، عجز عن التعامُل مع الحياة في غياب المثير الشَّرطي، اللي هو صاحبه.
    **

    كنت قد بدأت أشعر بدوار خفيف لا أعرف إذا كان هذا من تأثير البيرة التي لم أُنهِ زجاجتي الأولى منها بعد، أم من تأثير الكلام الذي قاله الأستاذ. وقبل أن أشعل سيجارة جديدة مال حمدي طه -الجالس على يمين الأستاذ- علينا وهو يقدِّم سيجارتين ملفوفتين. رفض الأستاذ السيجارة الملفوفة بأنفه قائلًا إنه لا يدخن مثل هذه الأشياء، فاقترب حمدي مني أكثر وهو يقول: ولَّع دي أحسن. وأنا أشعل السيجارة الملفوفة قال حمدي بصوت عميق مبحوح، كأنه يعبِّئ الهواء في حلقه قبل أن يدفعه مع الحروف المتقطعة:

    • – وبعدين يا أستاذ الكلب عمل إيه؟
    • – مساء الخير يا حمدي… واضح إنك مِدِّيها جامد قبل ما تيجي!
    • – لا والله… لا جامد ولا حاجة، دول كلهم سيجارتين عُميْ، بس القعدة الحلوة دي مع الناس الجامدة دي، والكلام اللي حضرتك كنت بتقوله من شويه يلفُّوا دماغ الفيل.
    • – عامل إيه يا بني؟
    • – عامل نفسي مش واخد بالي.
    • – من إيه بالظبط؟
    • – من أي حد وأي حاجة… بس ده مش موضوعنا، موضوعنا الكلب اللي حضرتك كنت بتقول عليه من شويَّة، واللي طلع مش وَفي، وحضرتك عارف إن أهم حاجة في الدنيا دي الوفاء.
    • – طبعًا.
    • – يعني الواحد لازم يبقى عنده وفاء لأصحابه، لأفكاره، للي اتعلِّمه، فإذا كان الكلب حضرتك اللي مالوش غير الصفة دي طلع مش قد كده، يعيش بينَّا إزاي، واحنا كمان نعمل إيه؟
    • – في إيه؟
    • – حضرتك أنا كنت ناوي أربِّي كلب على أساس حكاية الوفاء دي، لكن أهوه طلع مش وفي، أربِّيه إزَّاي أنا بقى؟
    • – بسيطة بلاش تربِّي كلب.
    • – أُمَّال أرَبِّي إيه حضرتك؟
    • – ربِّي نفسك يا أخي.
    **

    أطلق حمدي قهقهة ممطوطةً وبعيدة المدى، ثم دعك عينيه الدامعتين وهو يقول:

    • – لأ حلوة وملعوبة يا أستاذ… يعني بعد ما تسحب الصفة من الكلب وتبوَّظ الخطة اللي كنت عاملها مفاجأة للعيال… تقول لي ربِّي نفسك يا حمدي؟
    • – إنت إيه حكايتك يا ابني أنت… فيه إيه؟ ما تلمّ نفسك شويَّة… وبعدين عيال إيه اللي كنت عامِلُّهم مفاجأة؟ إنت مش طلَّقت أمهم ورميت لها العيال وقاعد لوحدك؟
    • – طب ليه كده بقى… ولزومه إيه الكلام ده قدَّام الناس؟ وبعدين يا عم أنا كنت عاملها مفاجأة لنفسي، ارتحت، أهو الواحد يربِّي كلب يسلِّيه في وحدته بدل ما هو قاعد مع نفسه ياكل فيها، ويبقى فيه قصة في الحياة الممللة دي: الكلب راح الكلب جه، الكلب…. عَ السجادة، الكلب أكل المخدة، الكلب كبر وعاوز يتجوِّز، كده يعني…
    • – والله انت كان عندك فرصة تربِّي عيالك وتفرح بيهم… بس أنت اللي عملت في نفسك كده.
    • – أنا برضه؟

    ثم مال على الأستاذ أكثر وهو يقول بصوتٍ غير مسموع للآخرين: عمومًا الحال من بعضه يا أستاذ، وأنا تلميذك في كل حاجة، واللي حصل لي في الأول حصلك في الآخر. وقام واقفًا وهو يقول لأخيه بنبرة أعلى: إيه يا عم علي النكد اللي أنت جايبنا ليه ده؟ فجذبه أخوه من يده: هوَّ فيه إيه؟ اقعد يا ابني رايح فين؟ فقال حمدي وهو يحاول التماسُك: إيه يا عم أنت كمان… رايح الحمام واللَّا عندك مانع.

    **

    مال علي طه على الأستاذ مُعتذِرًا نيابة عن أخيه وملمِّحًا -في أدب جم- إلى خطأ الأستاذ في تذكير حمدي بمأساة طلاقه والتي لم يستطع تجاوزها حتى الآن. لم يعتذر الأستاذ -الذي صار وجهه قريبًا من لون معطفه- عن تجاوُزه، لكنه عبَّر عن صدمته في أستاذ الرياضيات الذي يتكلَّم ويتصرَّف كأنه سائق تاكسي أو ميكروباص. ولَفَّنا صمتٌ كئيب حتى عاد حمدي من الحمام وحشر نفسه مرة ثانية بين أخيه وبين الأستاذ، وحين استقرَّ في موضعه أشعل سيجارة ملفوفة وسحب منها نَفَسًا عميقًا وكتمه في صدره حتى دمعت عيناه. في هذه اللحظة التفت إليَّ الأستاذ مستأنِفًا ما كان بيننا من حديث ظنَنتُ أنه قد انتهى: سمعت عن رواية اسمها قلب كلب“. لم أرد عليه بالسَّلب أو بالإيجاب، وراح هو يحكي عن الرواية دون أن أسمع ممَّا قاله حرفًا واحدًا.

    كنتُ مشغولًا تمامًا بـ”قلب طفل” أغلق عينيه على الكثير من الطيبة المفرطة والدخان، وغرق في “علم جمال الضحية”، حتى أصبحت عودته مستحيلة. رُحتُ أكرِّر داخلي قلب طفل… قلب طفل كأنه اكتشاف، وهو ليس كذلك؛ لأن حمدي منذ تعرَّفتُ عليه عن طريق أخيه علي وهو على هذه الحال. حتى في المرات التي قابلته فيها دون أن يكون “مُحلِّقًا” كان أيضًا هكذا، كأنه مُحلِّق أبَديٌّ في حزن بلا قرار. وهذا ما جناه من ارتباط مرضي بأشخاص خذلوه، وفق رواية أخيه، ويبدو أن هذا هو سِرُّ غضبته من الأستاذ الذي سحب من الكلب صفة الوفاء فكشف -بغير قصدٍ- عن قلبٍ باڤلوڤيٍّ بامتياز.

    **

    لا أعرف متى انتهى الأستاذ من حكايته، لكني فوجِئتُ بحمدي يعتدل في جلسته ويقترب من الأستاذ، وبنفس اللسان الثقيل والجفون المكسورة يسأله: تعرف يا أستاذ الكلاب بتشم في…. بعضها ليه؟ كدتُ أنقلب على قفاي من الضحك؛ فالموقف برُمَّته لم يكن يُحتَمل. لكن الأستاذ تمالك نفسه ورَدَّ بنبرةِ مَن يحاول كشط التوتُّر السابق:

    • – ما ينفعش يا حمدي وأنت قاعد وسط الناس كده تستخدم الألفاظ دي.

    نظر له حمدي بتركيزٍ كأنه يحاول أن يفهم، ثم، وكأنه أدار الكلام في رأسه الثقيل، واكتشف ما يقصده الأستاذ فقال وهو يلتفًُّ على نفسه وينظر إلى مؤخِّرته هو شخصيًّا:

    • – آه… قصدك…
    • – أيوه.
    • – أمَّال أقول إيه؟
    • – مؤخِّرة يا حمدي… اسمها مؤخِّرة… وأنت عارف، بس الظاهر إن دماغك تِقلِت زيادة عن اللزوم.
    • – الظاهر كده برضه… عمومًا حضرتك عارف كل حاجة وفهمت قصدي… جاوِب على السؤال بقى.
    • – فيه أسباب كثير… بعضها كيميائي، وبعضها اجتماعي، بس لو تعرف أنت حاجة جديدة قولها.
    • – يعني هيَّه مش إجابة، دي حكاية مش عارف قريتها فين ولا سمعتها من مين، بس عَجباني. تسمع؟
    • – احكي.
    • – بيقولَّك يا سيدي الكلاب نوعين: بلدي ورومي.. صح؟
    • – كمِّل.
    • – قالَّك الرومي مدَّلَّع ع الآخر في بيوت الأغنيا، ياكل لحمة طازه، ويدخل الحمام زي البني آدمين وينام في بيوت مخصوصة. قالَّك والبلدي ضايعة في الشوارع، تنام في الطَّلّ، وتاكل من الزبالة، وإذا فكَّرت في لقمة حلوة وقرَّبِت من بيوت الأغنيا يكون نصيبها علقة سُخنة، وفين يوجعك. المهم الكلاب البلدي اتجمَّعِت في خرابة كبيرة وعملت مؤتمر لدراسة الموقف ده. واستقر الرأي على إنهم يبعتوا رسالة لملك فلسطينهتقول لي اشمعنى فلسطين هاقول لك ما اعرفشهيَّ الحكاية كدهويكتبوا في الرسالة دي الشكوى بتاعتهم جايز يكون عند الملك ده حل ينصفهم. واتَّفقوا إنهم يبعتوا المظلمة بتاعتهم دي مع كلب كبير وجامد من جماعتهم. وغلب حمارهم يشيِّلوه الرسالة دي إزاي، ويخبُّوها فين؟ أخيرًا اكتشفوا إن أحسن حل هو إنهم يخبُّوا الرسالة في مؤخرة الكلب ده. وطلعوا كده جماعة لغاية سينا، ووصَّلوا الكلب المرسال لأول الطريق. وقعدوا يستنُّواكتير؟ سنين. لا الكلب رجع، ولا الرد وصل. فتفرَّقوا في البلاد بحثًا عن المرسال الذي يمكن أن يكون قد ضلَّ الطريق. (حلوة الفصحى برضهبس ليها ناسها) المهموكل ما واحد منهم يلمح كلب غريب يروح يشم في مؤخرته، ولما ما يلاقيش رد الملك في مؤخِّرة الكلب ده يقوم يهوهو ويهيج الجماعة كلها عَ الغريب. وتقوم معركة شرسة تنتهي بطرد الغريب اللي جاي يشاركهم كوم الزبالة بتاعهم. بس خلاص.
     **

    يبدو أن الأستاذ لم يفطن إلى أن حمدي ورغم غياب ثلاثة أرباع دماغه قد عاد من الحمَّام وفي الربع الصاحي من دماغه هدفٌ واحد: هو استفزازه، وقد كان. بدأ الأستاذ يتكلم بنبرة حادة منتقدًا تقسيم حمدي للكلاب إلى نوعين بلدي ورومي، مشدِّدًا على أن الكلاب أنواع كثيرة جدًّا، ليس من بينها الرومي أصلًا، ولا هذا البلدي الهجين. وأن الأنواع المصرية المعتمدة من قِبَل الأندية العالمية هي السلوقي والأرمنت. وبينما كان الأستاذ يتكلَّم بغاية الجدية والحِدَّة كان حمدي غارقًا في الضحك، وقد نال مراده، ثم وضع وجهه في الأرض وهو يقول:

    • – إنت واخد الموضوع بجد كده ليه؟ يا عم دي كلها طِلعِت ولا نِزلِت كلاب، وماتستاهلش الحمأة دي كلها. قلبك أبيض، والليلة سهرة، رأس سنة مفترجة علينا كلنا بإذنه، وبدل ما نيجي نشرب كوبَّايتين بيرة وندخَّن سيجارتين حلوين وننبسط نقوم نقعد كده نشم في…. بعض. هوَّ مين بن دين… اللي فتح موضوع الكلاب ده؟
    • – أنا.
    • – ليه كده يا دوك… حرام عليك اللي بتعمله فينا ده والله. ما تقوم تروح الحمَّام أحسن.

    قمت من فوري إلى الحمام، كأنني كنت في انتظار هذا “الأمر” من حمدي، وفعلًا كانت مثانتي على وشك الانفجار.

    رجعت من الحمام فوجدت شريف الألماني يحتلُّ مكاني، فحشرت نفسي على الكنبة إلى جوار حمدي وفاصلًا بينه وبين الأستاذ. كان شريف يتكلم بحماس عن كلب حمويه الأبيض بنقط سوداء، وأن حمويه يصحبان الكلب مرة كل شهر إلى سوبر ماركت متخصص في بيع أكل الكلاب، وأنهما يشتريان من هذا الماركت كميات من الطعام لزوم الكلب ويرتِّبانها بنظام مُعيَّن في “الديب فريزر” الخاص بالكلب. أما الكلب نفسه -واسمه كاتو، كما هو مدوَّن في جواز سفره الخاص- فله بيطري مخصوص يتابعه دَوريًّا، ويسجِّل مواعيد التطعيم في شهادة خاصة بالكلب لزوم السفر إلى أماكن التزلُّج على الجليد، وهو ما يحبه الكلب ويجيده، على عكس شريف نفسه الذي كُسِرَت ذراعه العام الماضي إثر محاولة فاشلة لتعلُّم ما يتقنه الكلب.

           **

    مال حمدي على أذني القريبة منه هامسًا: يا ريتني كاتو، ثم رفع صوته بدرجة محسوبة: شُفت الكلاب يا عم الأستاذ، وأنت عَمَّال تقول لي أرمنت وسبع الليل وبيجيبوه من الصحرا يحرس الغنم. ثم فتح عينيه قليلًا ورفع صوته بدرجة أكبر موجِّهًا كلامه إلى شريف:

    • – ما قولتليش يا خواجة… الأخ كاتو ده وفي؟
    • – يعني إيه؟ مش فاهم؟
    • – عنده وفاء لأصحابه يعني؟
    • – آه طبعا… دي صفة أساسية في الكلاب كلها.
    • – طيب قول بقى للأستاذ اللي بيقول إن ده مش وفاء… ده رد فعل باڤلوڤ ومش عارف إيه.
    • – ده كلام مُغرِض… وَرَاه ناس عاوزة تلاقي مبرِّر للتخلُّص من الكلاب، لقوا مش كفاية إنهم يقولوا إن الكلاب نجسة، وبتمنع دخول الملايكة البيوت، فحَبُّوا يعطوا الكلام شكل علمي ويسحبوا منها أهم صفاتها عشان نكرهها ونتخلص منها زي ما همه عايزين.

    قام حمدي مُتَّكِئًا على فخذي من ناحية وعلى فخذ أخيه من الناحية الأخرى ووقف مترنِّحًا ثم مال على شريف وقبَّل خديه وهو يقول: ينصر دينك يا خواجة، هو ده الكلام. ثم عاد إلى مكانه مسندًا رأسه إلى ظهر الكنبة وهو يقول: خد راحتك يا دوك.

    **

    استغلَّ علي طه الحركة التي أحدثها أخوه، وتمكَّن من الإفلات من لسان الجار الذي استولى على أذنيه منذ بدء السهرة، ومال تجاهي مُتَّكِئًا على فخذ أخيه الجالس بيننا:

    • – ينفع كده؟ دماغي اتخرمت من الناحيتين. ده إيه الليلة دي؟ تصدق ما فهمتش ولا كلمة، وما فتحتش بُقِّي من ساعة ما جيت، ما تيجي نقوم نروح حتة تانية نعرف نشرب فيها على رواقة وجايز نعرف نقول كلمتين قبل الليلة ما تعدِّي.
    • – ما عدِّت خلاص… الساعة اتنين ونص.
    • – يا راجل… الواد ده ماله؟
    • – مين؟
    • – حمدي.
    • – زي الفل.
    • – وَلَه… وَلَه يا حمدي فوق كده وخليك جدع.
    • – أنا فايق جدًّا… ودماغي توزن بلد، بس الأستاذ صاحبك ده هو اللي مزعَّلني.
    • – وَلَه… احترم نفسك… الأستاذ ده أستاذنا كلنا وعمره ما زَعَّل ناموسة… يبقى هيزعَّلَك أنت… إزَّاي؟
    • – الدكتور صاحبك الله يجازيه بقى مطرح ما هو قاعد جنبي كده فتح موضوع الكلاب معرفش ليه… قام الأستاذ صاحبك رَدّ عليه وقاله خُد بالك الكلب طلع مش وَفي… ده طلع باڤلوڤ.
    • – الواد ده بيخرَّف بيقول إيه يا دكتر؟
    • – والدَّكتَر ماله؟ الدَّكتَر فتح الموضوع وسكت، والأستاذ هو اللي قال، وأهو عندك أهوه اسأله…
    • – إيه الكلام اللي بيقوله الواد يا أستاذنا؟
    • – كلام إيه؟
    • – (وهو يهزُّ حمدي وفي صوته وأدائه نبرة غير بريئة) قول يا ابني الكلام اللي أنت قولته دلوقتي كده خلِّينا نفهم إيه العبارة بالظبط.
    • – (ملتقطًا خيط المؤامرة) خُد بالك الكلب طلع مَكَّار… كُنَّا فاكرينه “وَفي” بس هو في الحقيقة باڤلوڤ…
    • – فهِّمني بقى يا أستاذنا إيه الحكاية عشان أنا متأكِّد إنَّك ما قلتش كده والواد ده باين عليه مش مرَكِّز.
    • – (بِزَهق) أخوك ده دماغه بايظة خالص… أنا قلت إن فيه ناس بتقول على الكلاب إنها مش وَفيَّة لأصاحبها، وبتفسَّر الصفة اللي طول عمرها لصيقة بالكلاب اللي هِيَّه الوفاء بقانون رد الفعل المنعكس الشرطي بتاع باڤلوڤ.
    • – ما الكلام واضح أَهُه يا بني. الأستاذ ما قالش دا ناس تانية هي اللي بتقول.
    • – وأنت يرضيك الكلام ده برضه يا عم علي؟
    • – لا طبعًا… يرضيني إزاي؟
    • – يعني ليَّ حق أزعل واللَّا ما أزعلش؟
    • – طبعًا تزعل… بس مِن اللي قال مش من الأستاذ، عشان الأستاذ ما قالش… خلِّيك حَقَّاني… الحشيش ده حلو قوي ياد يا حمدي، إنت جايبه منين؟
    • – المعلم نحَّاس.
    **
    • – عشان كده (وهو يكتم نَفَسًا عميقًا من الدخان) نحَّاس طول عمره حشيشه حلو. اسمع يا أستاذنا: أنت عارف إني لسه راجع من اليابان من أسبوعين، قعدت هناك شهرين زي ما أنت عارف، وخلال المدة دي كان المشرف اللي بيدرَّبني على جهاز الأشِعَّة الجديد، المهندس المحترم “واو”، ياخُدني في الويك إند ويلِفّ بيَّ طوكيو كلها، وبعد أمَّا نرجع من اللَّفَّة دي يفضل يشرب الساكي بتاعهم ده لغاية ما يبقى عامل زي الواد حمدي كده وأنيل كمان. وأنا أقعد أطبطب عليه لغاية ما ينام عندي ع الأرض وأصحى الصبح ما لقيهوش. المهم في مرة ركبنا المترو ونزلنا في محطة اسمها شي..شي.. شي إيه.. “شيبويا”، أيوه شيبويا، هي كده بالضبط. الحشيش ده حلو قوي يا حمدي. المهم طلعنا من المحطة لقيت قُدَّامي تمثال كلب جامد جدًّا، رابض في الميدان اللي قُدَّام المحطة على قاعدة رخام عالية وآخر أُبَّهة. قام الأخ واو خدني ووَقَّفني قرب التمثال وقال لي إن الكلب ده له حكاية مشهورة في اليابان جدًّا. قال لي إنه من فصيلة يابانية لونها أصفر في أبيض أو أبيض ثلجي ناصع والكلب كان اسمه هيتاشي.
    • – هيتاشي دي مكنسة يا علي.
    • – هو أنت لسَّه صاحي؟
    • – آه.
    • – وآه كمان… وبعدين هيتاشي إيه ومكنسة إيه؟ هو أنت اللي كنت في اليابان واللَّا أنا؟
    • – إنت.
    • – خلاص… يبقى تسمع وأنت ساكت، هيتاشي… هاتشي، اللي أقول عليه تسمعه، الناس كلها خرمت دماغي وأنا قاعد ساكت، وساعة ما أجي أتكلِّم تطلع لي أنت في النُّص… أنا قلت اسمه إيه دلوقتي؟
    • – هاتشي.
    • – أيوه كده الكلب كان اسمه هاتشي… خلِّيك صاحي معايا وفوق كده يا حمدي ما تسبنيش… هه… عشان دي كانت المقدمة والحكاية لسه هتبدأ أهوه.
    **

    الأستاذأونووده كان بروفيسور في الجامعة الإمبراطورية في طوكيو اشترى الكلب هاتشي وهو لسَّه جرو ابن شهرين. ولمَّا الجرو كبر وبقى كلب محترم كده ابتدا كل يوم يوصَّل الأستاذأونولمحطة القطر الصبح ويرجع لوحده، وبعدين يروح يقابله في المحطة الساعة خمسة بالظبط ويرجعوا البيت سَوَا. كل يوم كده يوصله ويرجعوا سَوَا وفضلوا على الحال ده سنتين تقريبًا وفق رواية السيد المحترمواو“.

    وفي يوم أخونا الكلب هاتشي وَصَّل أخونا الأستاذ أونو المحطة الصبح ورجع عشان يقابله بالليل لكن أونو ما جاش في الميعاد. قعد يستنَّى القطر اللي بعده ما جاش، واللي بعده مفيش. رجع البيت يدوَّر على الأستاذ أونو لَيكون رجع البيت لوحدهمفيش، قام راجع المحطة تاني يدور على الأستاذ. وفضل رايح جاي من المحطة للبيت وبالعكس لغاية ما استوعب إن الأستاذ ما رجعش من الجامعة أصلًا. وفضل مستنِّي ع الرصيف يبحلق في اللي نازلين من القطورات كلها وبرضه مفيش.

    المهم فضل رابض في مكانه في المحطة كتير: عشر سنين يا أستاذنا، تَصوَّر عشر سنين مستنِّي على رصيف المحطة. والناس اللي شافوه مع صاحبه قبل كده عارفين الحكاية من أول يوم، وعارفين إن الأستاذ أونو أصيب بأزمة قلبية وهو في الجامعة ومات ومش راجع. طبعًا كناس محترمين قَدَّروا إخلاص الكلب ووفاؤه لصاحبه اللي مش موجودين عند البني آدمين، وبقوا يقدِّموا له الأكل والشرب ويطبطبوا عليه. وطبعًا الكلب في العشر سنين دول استحمل البرد ورزالة الصِّيَّع والمتشرِّدينما هو برضه اليابان فيها صِيَّع ومتشردين، مش كله يعني بولايت بيبول زي الكتاب ما بيقول.

    **

    المهم أخونا هاتشي فضل مستنِّي لغاية ما مات مكانه ع الرصيف. وأولاد الحلال في اليابان كتير برضهقاموا بالواجب ودفنوه جنب صاحبه الأستاذ أونو. لكن القصة نفسها خرجت من المحطة إلى طوكيو، ومن طوكيو ذاعت في اليابان كلها، وبقى أخونا هاتشي رمز للوفاء. والرمز ده ألهم واحد نحَّات ياباني محترم قام عامل تمثال كبير للكلب هاتشي. وحطُّوا التمثال في الميدان اللي قُدَّام المحطة. ده قبل الحرب العالمية التانية، فلما قامت الحرب، سيَّحوا التمثال وعملوه بنادق.

    وبعد ما الحرب خلصت جه ابن النَّحَّات الأوَّلاني وكان نَحَّات برضه زي أبوه وعمل تمثال جديد للكلب هاتشي والتمثال ده هو اللِّي موجود في المحطة دلوقتي. المهم يا أستاذنا واحنا واقفين قُدَّام التمثال لقينا واحد عجوز جدًّا ماشي على عُكَّاز وقف ومسح بإيده على ظهر التمثال، ووقف يتكلِّم مع الأخ واو ييجي نص ساعة. سألت واو الراجل ده كان بيقول لك إيه؟ قال بيقول إنه كان يعرف هاتشي كويس جدًّا، وإنه وهو عيِّل صغير كان بييجي المحطة ويجيب له أكل.

    **

    بعد قليل من الصمت الذي بدا ضروريًّا قال الأستاذ:

    • – حكاية ظريفة… لكن فيه زيِّها كتير في كتب التراث.
    • – زي إيه يا أستاذنا؟
    • زي حكاية التاجر الذي خرج إلى المقابر ينتظر قافلة، وتَبِعَه كلبٌ كان له، فضرب الكلبَ، وكَرِهَ أن يتبعه، إلَّا أن الكلب أصرَّ على أن يذهب معه. فلمَّا وصل إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار ربَضَ الكلبُ قريبًا منه. فبينما هو كذلك إذ أتاه أعداء له يطالبونه بطائلة لهم عنده. وكان معه جارٌ، وأخٌ له، أسلماه وهَرَبَا عنه. فجُرِحَ ورُمِيَ في بئرٍ غير عميقة، وحَثَوْا عليه التراب حتى غطَّى رأسَه. والكلب في كل هذا يزمجر ويُهَمهِمُ، فلمَّا انصرفوا أتى رأسَ البئر، فما زال يعوي وينبش عنه التُّراب حتى أظهر رأسه فتنفَّس ورُدَّت إليه الرُّوح وقد كاد يموت. وبينما هو كذلك إذ مَرَّ أُناسٌ فأنكروا مكانَ الكلب، ورأوا كأنه ينبش قَبرًا، فنظروا فإذا هم بالرَّجُل على هذه الحال، فشالوه وأخرجوه حيًّا ورَدُّوه إلى أهله.
    • – بس الحكاية دي مش في المعنى المقصود بالظبط.
    • – آه تَخصُّصَك بقى يا عم شريف.
    • – جايز يكون فيها شيء من الوفاء لكنها تشبه حكاية چنكيز خان والنَّبع المسموم. حكاية تدخل في باب الذَّكاء الغريزي، أو الحدس البوليسي بلُغَة العصر، أكثر منها في الوفاء.
    • – جايز، لكن كتب التراث كلها بتحطَّها تحت عنوان وفاء الكلاب.
    • – وأنت قريت الحكاية دي فين يا أستاذ؟
    • – موجودة في كتب كثير بتنقل من بعضها، لكن أفتكر إني قريتها في كتاب الحيوان للجاحظ.
    • – حتى وإن كانت حكاية الجاحظ تدور حول وفاء الكلب إلا أن الفرق المهم بين الحكايتين إنه في حكاية الجاحظ وفاء من طرف واحد، وحب من طرف واحد اللي هو الكلب وفي نفس الوقت بتنفي أي ارتباط شرطي في هذا الحب. أما حكاية هاتشي فهي في وفاء جميع الأطراف لبعضهم البعض، إضافة إلى تقدير القيمة التي يُمثِّلها سلوك الكلب تجاه صاحبه.
    • – أتَّفق معكم في تأويل الحكاية اليابانية وأختلف معكم فيما تقولون حول حكاية الجاحظ. أكثر من كده حكاية الجاحظ أوقع بالنسبة للفكرة اللي في دماغكم عن الوفاء؛ لأنه من طرف واحد، وده بيدُلّ على إن الوفاء عند الكلاب بدون مقابل، وفاء غريزي وأصيل.
    • – بس ده عكس كلامك الأوَّلاني.
    • – يا شريف قلت من الأول إن ده مش كلامي.
    **

    هَبَّ حمدي واقفًا بشكل مفاجئ وهو يكلِّم نفسه: ولمَّا هوَّه مش كلامك قلبت بيه دماغنا من أول الليلة ليه؟ نقول وَفي يقول لك منعكس شرطي، نقول له الحكاية دي مش في الوفاء يقول لك لا ده وفاء غريزي…. حاول علي أن يجذب أخاه من يده ليجلسه لكنه جذب يده من يد أخيه بعُنفٍ مُتَّجِهًا صوب الباب: هوَّ خالِف تُعرَف واللَّا إيه؟ يَلَّا يا عم علي نروَّح، الفجر قرَّب يطلع.

    قام علي من مكانه كأنه مُضطَرٌّ للقيام، وانحنى على الأستاذ الجالس وقَبَّل وجنتيه: كل سنة وأنت طيب يا عمنا، وحقَّك عليَّ أنا، ده واد مسطول. ثم التفت لي: يلَّا يا دكتور عشان أوصَّلَك، ما أنا عارف… هتخاف تروَّح لوحدك.

    فصل من رواية «كلب المعمل» الصادرة مؤخرا عن دار المحروسة

    اقرأ أيضا

    «طب وثقافة وناس»: فصل المقال فيما بين الطب والعزبة من اتصال

  • «طب وثقافة وناس»: فصل المقال فيما بين الطب والعزبة من اتصال

    «طب وثقافة وناس»: فصل المقال فيما بين الطب والعزبة من اتصال

    لم أخطط لكتابة المقال السابق: أسماء وحيوات كثيرة لشخص واحد، عن فركاو/فرشو (Virchow). ما حدث هو أنني وأنا اقرأ على مهل كتاب امبراطور الأمراض لـ“سيدهارتا موكرانجي”، لم يكن مفاجئا أن يأتي على ذكر فركاو/فرشو، فهو مؤسس علم الباثولوجيا الإكلينيكية، وهو من أعطى الكثير من السرطانات أسماءها، فهذا موقعه وتلك مكانته التي لن ينازعه عليها أحد. أما المفاجأة فكانت في ذكره لاسم عالم آخر، مجهول تماما بالنسبة لي: آرثر أوف ديرهايد (Arthur Aufderheide)، أمريكي من مينيسوتا، لكن اسمه يوحي بأصل ألماني مثل سلفه فركاو.

    كان طموح موكرانجي أن يكتب سيرة ذاتية للسرطان. وكما قال في كتابه لا يمكن كتابة سيرة ذاتية دون معرفة تاريخ ميلاد الشخص أو الموضوع. وأوف ديرهايد هو واحد ممن كتبوا، أو حاولوا العثور على تاريخ ميلاد هذا الامبراطور المميت. أثار ذكر أوف ديرهايد فضولي، وهذا غرض أساسي لكل كتابة أصيلة: أن تثير الفضول.

    سألت عنه جوجل، فلم أجد الكثير، لكنني وجدت ما يكفي لإثارة المزيد من الفضول، ليس في البحث عنه لكن فيما ورائه. فخططت لكتابة مقال يجمع بين فركاو وأوف ديرهارد. فبينهما مشتركات كثيرة: كان كلاهما مختصا بالباثولوجيا الإكلينيكية، وكلاهما شارك بشكل فعال في تأسيس علم من العلوم الطبية، كلاهما كان مفتونا بالآثار وما قبل التاريخ.

    **

    وكان الموضوع يدور حول ما يفعله المعمل في العقول. بل واخترت عنوان المقال نفسه (من المعمل إلى حديقة المومياوات): هل هناك علاقة ما بين تحويل الأنسجة المريضة إلى رقائق دقيقة جدا، والتحديق الطويل في عدسة الميكروسكوب. من أجل الوصف الدقيق للمرض وتصنيفه وربما معرفة أسبابه. وبين التنقيب عن الآثار وحفريات ما قبل التاريخ؟ هل يتشابه التنقيب في الأورام والأنسجة المريضة مع التنقيب عن الآثار؟ أم أن العمل في المعمل والتركيز على العيون الضيقة للمجهر يوسع العالم. ويثير ما يكفي من الفضول لطرح أسئلة جديدة عن السيرة الذاتية للأمراض، بتعبير موكرانجي، أو التاريخ الطبيعي للأسلاف. كيف عاش السابقون، وماهي أمراضهم، وكيف كانوا يتعاملون مع هذه الأمراض؟ استأثر فركاو بالمقال السابق منفردا، وبقيت الأسئلة كما هي، لكن العودة لها وللمعلومات القليلة المتاحة عن أوف ديرهارد، قلبت الموضوع رأسا على عقب.

    في تأبين أوف ديرهارد (2013) كتب أحدهم مقالا بدأه باقتباس من أقوال الراحل الكبير: كل معرفة مربوطة بمعرفة أخرى والمتعة كلها في اكتشاف هذا الرابط. كأنه كان يردد قول فركاو: كل خلية تولد من خلية أخرى. لم يكن ينتظر أوف ديرهارد المولود سنة 1922 في منيسوتا، والذي عمل بعد تخرجه في كلية الطب كطبيب في معمل الباثولوجيا الإكلينيكية لسنوات طويلة سوي التحديق في الميكروسكوب بضجر، يشخص الأمراض ويحصي الأيام المملة في انتظار تقاعد مبكر كمديكور بائس يجتر الذكريات على مقعد هزاز أمام بيت ريفي يطل على نهر المسيسيبي يكلم الرياح ويرمي حصى الحكمة في قاع النهر! لكنه في الخامسة والخمسين من عمره.

    أوراق الواحة
    أوراق الواحة
    **

    وفي حركة مفاجئة وبحماس شاب حديث التخرج، غير حياته تماما، وانطلق في رحلة طويلة إلى القطب الشمالي. حيث قضى ثلاثة شتاءات بصحبة أسرة من سكان الاسكيمو، ومن برد القطب الشمالي، إلى الجنوب، إلى الأنديز في البيرو، ومنها إلى جنوب شرق آسيا، ومصر. يجمع المومياوات، ويعيد اكتشاف الأمراض القديمة المحفوظة منذ آلاف السنين في الثلوج والرمال والطين.

    وكدس في معمله الجديد في الجامعة أكبر عدد ممكن من العينات القديمة: 5000-6000 عينة فأصبح لقبة المعتمد (طبيب المومياوات). نتج عن هذا الجهد والترحال المنظم عددا من الكتب الأساسية: موسوعة كمبريدج لأمراض ما قبل التاريخ، الدراسة العلمية للمومياوات، وغيرها. وكتب أكثر من مائة ورقة بحثيه وأصبحت هذه الأبحاث والكتب بمثابة التأسيس الثاني، أو إعادة تأسيس علم الباليوباثولجي (أمراض ما قبل التاريخ). فما هو هذا العلم الجديد؟ متى كان التأسيس الأول ومن هو، أو من هم المؤسسون الأوائل؟

    الباليوباثولوجي هو علم بيني، يجمع بين البالثولوجي (دراسة الأمراض)، والأركيولوجي (الآثار)، والأنثروبوجيا (دراسة الإنسان). ولا يعتمد فقط على فحص المومياوات وبقايا الهياكل العظمية والأنسجة التي لم تتحلل. بل وأيضا فحص وقراءة المخطوطات والبرديات القديمة التي يتم العثور عليها. وهذا ما يفوق قدرة شخص واحد، بل يحتاج إلى فريق عمل كامل يتشكل من مختصين في هذه المجموعة من المعارف والعلوم.

    **

    وتخبرنا ويكيبيديا أن الرواد الأوائل لهذا العلم الجديد والذي ظهر في السنوات الأولى للقرن العشرين هم ثلاثة من الأطباء، جراحون غالبا، ومختصون بالتشريح والباثولوجيا الإكلينيكية. لكن المدهش في الأمر أنهم جميعا عبروا من هنا، من مصر. الأول هو مارك أرمان روفر (Mark Armand Ruffer)، إنجليزي-سويسري، بعد تخرجه وعمله في لندن ومعهد باستور في ليون الفرنسية. انتقل لأسباب صحية إلى القاهرة حيث عمل أستاذا لمادة الباكتريولوجي بقصر العيني. ونشر بعض الأبحاث في دراسة أنسجة المومياوات. حصل على الكثير من الأوسمة من إنجلترا ومن الدولة العثمانية.

    أثناء الحرب العالمية الأولى غادر القاهرة إلى اليونان كمسؤول عن الصليب الأحمر الإنجليزي من أجل تحسين الأوضاع الصحية للجنود أثناء الحرب. في سنة 1917 استقل السفينة إس إس أركاديان المتجهة إلى الإسكندرية، لكن غواصة ألمانية دمرتها بصاروخ بحري، وأغرقت السفينة بكل من عليها.

    ويقال إنه بعد القصف ظهر روفر مرتين: مرة واقفا رافعا يديه وهو يطلب النجدة، ومرة طافيا على السطح، ثم اختفت جثته، ولم يعثر عليها قط. وكما يقول أوف ديرهارد: منذ وفاة روفر سنة 1917 وحتى سنة 1970 لم تظهر أي ورقة بحثية جديدة في علم أمراض ما قبل التاريخ.

    الثاني هو جرفتون إليوت سميث (Grafton Elliot smith). وهو طبيب إنجليزي-أسترالي، مختص بالتشريح وعلم المصريات!! ومن الأنصار المتحمسين لنظرية الانتشار الثقافي التي ترى أن الثقافة أو الحضارة ظهرت في مكان واحد وانتشرت منه إلى سائر بقاع الأرض، ويرى أن مصر هي هذا المكان الأول الذي ظهرت فيه الثقافة ومنه انتشرت إلى العالم. في سنة 1900 حصل على وظيفة هنا في القاهرة، وكان أول من أجرى تصويرا بالأشعة لأحد المومياوات كوسيلة أساسية في دراسة أمراض ما قبل التاريخ. وعمل كخبير في بلاد النوبة المصرية لدراسة المكان كجزء من الإجراءات التي سبقت بناء سد أسوان سنة 1906.

    اقرأ أيضا| «طب وثقافة وناس»: الأبطال ليسوا دائما في الواجهة

    **

    الثالث هو صامويل چورچ شاتوك (Samuel Georg Shattock)، الذي كان طبيبا لامعا في لندن، ورئيسا لقسم الباثولوجيا الإكلينيكية بالجمعية الملكية الإنجليزية. في الخامس من إبريل سنة 1905 أعطى محاضرة في الوصف التفصيلي لحصوة مثانة وجدها اليوت سميث في أحد المومياوات المصرية تعود إلى ما قبل عصر الأسرات. وفي سنة 1909 أعطى محاضرة أخرى عن الوصف النسيجي التشريحي لقطاع من شريان الأورطى للملك المصري مرنبتاح.

    لا نستطيع أن نقول إن نشأة البايوباثولجي هي عمل مصري، لكن العلم الذي يقوم على دراسة أمراض الإنسان القديم من خلال دراسة الحفريات، وبقايا الأنسجة التي حفظتها الطبيعة. لن يجد وفرة من المادة البحثية في مكان ما من العالم مثل التي يعثر عليها في حديقة المومياوات المصرية القديمة. ومنذ وقت قريب كانت جرائد العالم ووسائل إعلامه تحتفل بوصول رمسيس الثاني إلى باريس لإجراء أشعة مقطعية جديدة للمومياء الخالدة.

    من بين الأعمال المدهشة والمحزنة في الوقت نفسه أن أوف ديرهاد كان مشاركا ومساهما فيما يعرف بـ”أوراق الواحة“. والمقصود بالواحة هو واحة الدخلة في الصحراء المصرية، المؤتمر نفسه عقد في ملبورن بأستراليا سنة (2000). احتوى كتاب المؤتمر على 25 ورقة بحثية لباحثين من مختلف دول العالم. لم يكن من بينهم باحث واحد مصري!! المكان موضوع البحث في الواحة هو المنطقة المعروفة الآن بـ”إسمنت الخراب” والتي كان اسمها القديم “كلس” والتي تعني في اللغة القبطية “مخزن الغلال”!!

    كليس أو إسمنت الخراب من واحة الداخلة
    كليس أو إسمنت الخراب من واحة الداخلة
    **

    وأنا مستغرق في المعلومات القليلة المتاحة عن آرثر أوف ديرهارد، الرجل الذي أنفق مكافأة التقاعد على أبحاثه وسفرياته ونشر كتبه التي أعادت تأسيس علم جديد، الرجل الذي كان يعطي محاضرات إضافية في صباحات الأحد. لم يكن في بالي سوى أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية الذي كان يدرس لنا في السنة الثالثة بكلية طب المنصورة.

    كان الأستاذ خفيف الظل يدخل المحاضرة بعكاز أو عصا، لا يتوكأ عليها، ولا يهش بها على أغنامه الضالة. فقط يلوح أو يشير بها ضاحكا كأنه يلعب دور “خوجة” في فيلم هزلي.كانت له عيادة بالطبع. لكن ما كان يميزه حقا هو أنه، وفي هذه السنوات الأولي من ثمانينات القرن العشرين، كان يمتلك تقسيما مشهورا للأراضي. وأعتقد أن المكان الذي كان أرضا زراعية في يوم الأيام، والذي تحول إلى حي سكني كبير ما زال يحمل اسمه إلى اليوم. لم يكن صعبا على العين والعقل أن يدركا ما يحدث من ترييف للمدينة الصغيرة. وليس صعبا على الواحد الآن أن يدرك ما كان يجري طوال الوقت من ترييف للعلم نفسه.

    ليس في المعمل ما يغري بالبحث، وعيون الميكروسكوب الضيقة لا توسع العالم، أو ربما توسعه في مكان آخر، وليس هنا. كان النقد الأساسي الذي وجهه سيسل آلبورت في كتابه (ساعة عدل واحدة: الكتاب الأسود للمستشفيات المصرية) والذي صدر في الأربعينيات من القرن العشرين. هو أن الأساتذة المصريون يهتمون بعياداتهم الخاصة أكثر من اهتمامهم بعملهم في المستشفى الجامعي (كان يقصد قصر العيني تحديدا). وأنهم يحولون أرباحهم من العيادات إلى عزب وأطيان، وأموال في البورصة.

    **

    لسنا ضد أن يكون الأطباء من الأغنياء، لكننا سنعود إلى السؤال الأول: لماذا يريد الواحد منا أن يكون طبيبا؟ ولماذا تنحصر معايير نجاح الطبيب في المكاسب المادية المباشرة؟ هل هو الفارق بين ثقافة الحرمان وثقافة الوفرة؟ أم الفارق بين ثقافة الاستبداد وثقافة الديموقراطية؟

    هناك نماذج مصرية أفلتت من هذا التراث الثقيل. من بينها بالطبع نجيب باشا محفوظ، أستاذ أمراض النساء والتوليد الذي أسس متحفا لأمراض النساء بقصر العيني. ووضع كتابا مهما عن تطور التعليم الطبي في مصر في القرن التاسع عشر. لكن هذه النماذج القليلة تحتاج إلى حديث آخر.

  • «طب وثقافة وناس»: أسماء وحيوات كثيرة لرجل واحد

    «طب وثقافة وناس»: أسماء وحيوات كثيرة لرجل واحد

    في السنة النهائية لكلية الطب، وفي امتحان العملي للجراحة العامة، انهيت فحصي لحالة أورام، وانتظرت، واقفا على يمين المريض الممدد في سريره، في العنبر الطويل المليء بالمرضى، تغطي رائحة التوتر الخفيف على رائحة الديتول الرديء.

    أنهى واحد من الأساتذة امتحان زميل في آخر العنبر. ثم اتجه ناحيتي يصفر مرتاحا، ويضرب بورقة مطوية على فخذه، بخطى ثقيلة واثقة، ووجه تعلوه ابتسامة ساخرة. جلس على مقعد صغير إلى جوار السرير، وضع ساقا فوق ساق، وبدأ طرح الأسئلة.

    تعلق واحد من هذه الأسئلة بغدة ليمفاوية كبيرة في عنق المريض من الناحية اليسرى. أجبت بأن هذه الغدة بحالتها هذه تسمى: غدة ڤركاو (Virchow)، وهي علامة على سرطان متقدم بالمعدة. طلب مني الممتحن أن أعيد اسم الغدة مرة أخرى. فقلت: ڤركاو، فردد ورائي هازئا: فركاو، هه، هذا يعني أنك لم تكن تحضر المحاضرات، لأنك لو كنت تحضر لقلتها كما ينطقها أستاذك: اسمه فرشوف، هذا هو النطق الصحيح. من أجل هذا ستنقص درجاتك خمس درجات. تركني، وعلى وجهه ابتسامة المنتصر، ومشى يصفر، بنفس الخطى الثقيلة الواثقة.

    **

    من النادر أن تجد طبيبا لا يتذكر ما جرى معه في الامتحانات الشفوية والعملية، أو على الأقل يتذكر موقفا محددا، مطبوعا في الذاكرة. وفي حالتي هذا ليس من الصواب مجادلة الممتحن والتأكيد أنني سمعتها هكذا من أستاذي في المحاضرة.

    بعد سنوات قليلة وأثناء مناقشة علمية ما، ذكر واحد من الزملاء الأكبر عملية جراحية تنسب لاثنين من الجراحين هما مارشال ومارشيتي. فصحح له زميل أكبر منه النطق، قائلا بسخرية أيضا: ماركيتي وليس مارشيتي (Marchitte). فرد عليه الزميل لكن مارشال مارشيتي –على بعضها- لها وقع موسيقي أجمل، فقال لهch في اللاتينية تنطق كاف وليس شين.

    تذكرت غدة فركاو أو فرشوف فسألته: هل هي غدة فركاو أم فرشوف. فقال، لا هذه ولا تلك بل: فرشاو!! وأضاف الـch في الألمانية تنطق شين وليس كاف. وعليكم أن تتعلموا النطق الصحيح لأسماء الأجانب: لسنا بحاجة إلى مزيد من الفضائح في المؤتمرات العلمية. بعد أعوام كثيرة وأثناء عملي على ترجمة كتاب “تاريخ الطب” من الفرنسية إلى العربية ظهر اسم Virchow كواحد من مؤسسي الطب الحديث في القرن التاسع عشر فاخترت كتابته بالعربية “فرشاو” كما علمني زميلي الأكبر.

    وأثناء عملي على هذا المقال، ورغبة في مزيد من الدقة. أرسلت إلى الصديق العزيز المترجم المصري القدير الأستاذ سمير جريس، المقيم في برلين رسالة قصيرة على الماسينجر أسأله هل هو فركاو أم فرشوف أم فرشاو؟ فجاءني الرد السريع: فرشو. قلت: فرشو! فقال مؤكدا نعم، وأنا أعبر ميدانَ باسمه في برلين كل يوم!

    اقرأ أيضا| «طب وثقافة وناس»: الأبطال ليسوا دائما في الواجهة

    **

    ڤركاو، فرشوڤ، ڤرشاو، فرشو. تحول نطق اسم شخص واحد شهير في وسط الأطباء إلى لعبة. قررت اختبارها مع الأجيال الأحدث من الأطباء، خريجي الألفية الجديدة، ومن جامعات مصرية مختلفة: ما اسم الغدة الليمفاوية التي تتضخم في الرقبة عند الإصابة بسرطان المعدة؟ وكانت الإجابة واحدة: ڤركاو!! من بين “الڤركاويين” ظهر الدكتور أسامة الشاذلي، أستاذ جراحة العظام، والروائي الذي حلم أن يكون مؤرخا، ويجيد الألمانية أيضا.

    فبعد أن تعجب من الطرق الثلاثة الأخرى، وراجع لغته الألمانية اعتبر النطق الصحيح للاسم فرشو، كما قال سمير جريس. لكنه لم يتوقف عند هذا الحد، بل أضاف أن صديقه وزميله الألماني شتيڤن، صار ينطق اسمه هو نفسه ستيف، أو ستيفان: فرشو هو النطق الألماني الصحيح، وڤركاو هو النطق الأمريكي المعولم.

    جدد الشاذلي حزني على الدرجات الخمس المفقودة، دون حق، في امتحان الجراحة العامة. وقبل أن أعتبر نفسي ضحية للتعالي، أو للجهل المعولم، تذكرت كيف كان معلقو كرة القدامى ينطقون أسماء اللاعبين الأجانب. وكيف كان كل واحد منهم ينتقد الآخرين معتبرا أن نطقه هو النطق الوحيد الصحيح.

    لكن من هو ڤركاو/فرشو؟
    ***

    لو كتبت اسمه على جوجل ستخبرك الويكيبيديا في السطر الأول أنه: طبيب، وعالم اناسة، ومؤرخ، وبيولوجي، وكاتب، ورئيس تحرير، وسياسي. مؤسس علم الباثولوجي، ومؤسس ما يعرف بالطب الاجتماعي، وخلع عليه معاصروه لقب: البابا.

    أي الأسماء أختار من بين هذه الأسماء الأربعة؟ ولأي من هذه الحيوات الكثيرة سأنحاز؟ عرضت تطور علاقتي بالاسم، ولك أن تختار منها ما يناسبك، أما أنا فسأختار الخطأ الشخصي، ليس من باب الإصرار على الخطأ، وليس اعتراضاً على الدقة اللغوية بالطبع، بل انتماءً للأجيال الجديدة الموشومة بالانتصار الحزين للعولمة: ڤركاو.

    لأي حياة سأنحاز؟ هذه أصعب، فهذه الحيوات التي كانت تحدث في وقت واحد من الصعب الفصل بينها، وبشكل شخصي لا أحب الجمع بين الألقاب في شخص واحد، ولا أحب الفصل بينها، كأنني أعيد تقديم ڤركاو للأطباء فقط، ولنفسي أيضا: فعندما كنت طالبا في كلية الطب لم أعرف عنه سوى القليل من منجزه الطبي، ونسيته في الممارسة، ثم تعرفت عليه كمؤسس في الترجمة، وأعيد التعرف عليه الآن حيث يجتمع في شخصه المعنى المقصود من عنوان المقالات: طب وثقافة وناس. الأرجح أنني سأنحاز للسيولة المجازية للقرن التاسع عشر الموطن الرسمي للحداثة وأساطيرها المكرسة، وسأنحاز أكثر للنموذج المثالي لما اقترحه جرامشي عن المثقف العضوي. من الصعب أن نكون محايدين، فغالبا ما نميل إلى تحويل من نحبهم، أو من نكرههم، إلى أساطير تعيش خارج المكان، وخارج الزمان أيضا.

    ڤركاو
    ڤركاو
    ***

    فعندما نقول إن رودلوف لودڤيچ كارل فركاو سنة ١٨٢١ ولد في شيفلباين التابعة ل”بومراني” البروسية، والتي تتبع بولندا الآن. سنجد أن كثير من الألمان ولدوا في مدن أو قرى كانت ألمانية ثم أصبحت أراض بولندية الآن منهم الشهير جونتر جراس الحاصل على نوبل الآداب سنة ١٩٩٩ وكانت له أيضا حيوات كثيرة ككاتب ونحات وشاعر وسياسي. من المؤكد أنه في سنة ١٨٢١ التي ولد فيها رودلوف ڤركاو، ولد المئات من الفقراء والأغنياء، من الساسة واللصوص، من أبطال الحروب، والأدباء، لكن التاريخ سيحفظ لنا أنه العام الذي مات فيه نابليون بونابرت!!

    وهو نفسه العام الذي شهد مولد بودلير مؤسس الحداثة الشعرية في العالم، وفلوبير مؤسس الرواية الواقعية الحديثة أيضا، وديستوفيسكي الروائي الأشهر في العالم حتى تاريخه. كأنها حفلة ميلاد جماعي لنجوم جديدة في سماء عالم يتجدد بالفعل.  كان طفلا وحيدا لوالديه، وعلى عكس الكثير من المشاهير الذين عانوا من صعوبات في التعلم في سنواتهم الأولى، كان رودلوف لامعا طوال سنوات دراسته مع اهتمام خاص بالتاريخ والطب والشعر العربي، ويجيد تسع لغات: من بينها العبرية والعربية. كان أبوه الفلاح، وعلى عادة الكثير من الفقراء في ذلك الوقت، يجهزه ليكون قسيسا، ليس كطريق معتمد إلى الجنة، بل وسيلة من وسائل الصعود الاجتماعي، لكنه وجد أن صوته الضعيف لا يصلح لوعظ الناس في الكنيسة، فاتجه لدراسة الطب، فحصل فيه على البابوية!!

    ***

    في سنة ١٨٤٠ حصل على منحة من المؤسسة العسكرية -تمنح للموهبين من أطفال الفقراء- لدراسة الطب، ولكي يكون جراحا عسكريا في المستقبل. فدرس الطب في أكاديمية فردرش فيلهلم والتي أصبحت جامعة هومبولد في برلين الآن. بعد التخرج مباشرة عمل في مستشفى المبرة، وبعد قليل عمل مساعدا لروبرت فروريب المسئول عن قسم الباثولوجي بالمستشفى، ومنه تعلم كيف يرى عالما أوسع تحت العيون الضيقة للمجهر، ومن خلال فروريب نفسه اطلع على ما يقدمه الإنجليز والفرنسيون في العلوم الطبية الحديثة. في سنة ١٨٤٧ قدم أول ابحاثه العلمية، عن الوصف الباثولوجي الدقيق لمرض اللوكيميا. ويبدو أن أبحاثه لم تلق ما يناسبها من قبول عند المشرفين على المجلات الطبية، فأسس مجلة: أرشيف الباثولوجيا والفسيولوجيا والطب الإكلينيكي، والتي مازالت تصدر إلى اليوم باسم: فركاو أرشيف.

    على خلاف زملائه كان يولي أهمية كبري للطب السريري، والوصف الميكروسكوبي للأمراض، والتجريب في الحيوانات، كعناصر لا يمكن فصلها عن بعضها البعض من أجل الوصول إلى حقيقة الأمراض وأسبابها. من معمل الباثولوجيا طور مفهوم الخلية الإنجليزي، وأكد أن كل خلية تولد من خلية أخرى، وأن المرض ينشأ من خلية واحدة تنقسم إلى خلايا أخرى مريضة، وهكذا. كان الطب يسير من الكون الكبير إلى الكون الصغير، إلى الكون الأصغر. كان هذا يعني أنه طبيب عصري تماما: فقديما كان المرض يصيب الجسم كله، ومع تطور التشريح أصبح المرض يصيب عضوا واحدا من أعضاء الجسم، ومع المجهر في القرن التاسع عشر اكتشف الفرنسي بيشا الأنسجة، وقسمها إلى ٢١ نوعا، وبعد سنوات قليلة جاء فركاو بالخلية باعتبارها الوحدة الأساسية التي تبدأ منها الحياة والمرض أيضا.

    ***

    في سنة ١٨٤٧اختارته الحكومة الألمانية مع آخرين للإشراف على حملة كبرى لمكافحة وباء التيفوس في مقاطعة سيلسيا العليا، فشلت الحملة التي استمرت عامين تقريبا، لكن من هذه الحملة الفاشلة نفسها توصل فركاو إلى مفهومه الخاص عن الطب الاجتماعي، والعلاقة القوية بين الفقر والسياسة والمرض: الطب علم اجتماعي، والسياسة ليست سوى الطب على نطاق واسع. الطب – كعلم اجتماعي- هو علم الوجود الإنساني، ويجب عليه أن يجد المشكلات وأن يبتكر الحلول النظرية لهذه المشكلات وعلى الساسة أن يحولوا هذه الحلول النظرية إلى واقع.

    والحل ليس في منح الفقراء بعض النقود أو تحسين شروط حياتهم، بل حلها جذريا بالعمل ضد التفاوت الطبقي، بإرساء ديموقراطية كاملة وغير مشروطة، بالتعليم والحرية من أجل الرفاهة. العلم في حد ذاته لا يعني شيئا إذا لم يعمل من أجل الناس الذين يستحقون حياة أفضل. المعرفة التي لا يتبعها فعل ليست أصيلة، وإذا كان على الطب أن يحقق أهدافه فعليه أن ينخرط في العمل السياسي والاجتماعي، فالطبيب هو المدافع الطبيعي عن الفقراء.

    في الحقيقة لا أجد في نفسي القدرة على فصل هذا الخطاب عن التأثير العميق لألماني آخر، وليس من قبيل المصادفة أنه كان طبيباً وفيلسوفا وكاتبا مسرحيا وسياسيا مؤسسا لأول حزب اشتراكي في العالم الحديث: جورج بوشنر، الشاب الذي توفي سنة ١٨٣٧ وكان فقط في الثالثة والعشرين من عمره.

    ولن تكون مصادفة أيضا أنه بعد عودته من الحملة الفاشلة إلى برلين بعشرة أيام اندلعت احتجاجات عنيفة، ثورة١٨٤٨ ضد الحكومة، فانضم إلى الثورة وأصدر جريدة اسبوعية: الإصلاح الطبي، وكان شعارها المكتوب في صفحتها الأولى: الطب علم اجتماعي، والطبيب هو المدافع الطبيعي عن الفقراء. تراجعت الاحتجاجات، فطرد فركاو من وظيفته، واضطر الى مغادرة برلين، وعمل بالتدريس لبعض الوقت في فيرتسبورج، قبل ان يتم استدعاءه إلى برلين مرة أخرى حيث قضى الجزء الأكبر من حياته، فانخرط في الحياة السياسية البروسية مرة أخرى، وعارض بعلمانيته ونزعته القومية مواقف بسمارك، موحد ومؤسس ألمانيا الحديثة، تحديدا فيما يخص سياسته الاقتصادية وانفاقه العسكري المفرط.

    ***

    لم يكن ڤركاو مؤثرا في محيطه الألماني فقط، بل امتد تأثيره إلى خارج ألمانيا، فمن بين تلاميذه وليم ولش ووليم أوسلر مؤسسي المستشفى الأكثر شهرة في العالم اليوم: جون هوبكنز. أما رؤيته للطب كعلم اجتماعي فكانت أكثر تأثيرا في أمريكا اللاتينية. فقد انتقل واحد من تلاميذه ومن أتباع مذهبه في الطب الاجتماعي (ماكس ويستنهوڤر) إلى العمل بجامعة شيلي. من بين تلاميذ ويستنهوڤر سلفادور الليندي، الطبيب والفاعل الاجتماعي على طريقة فركاو، والرئيس المنتخب التاسع والعشرين لجمهورية شيلي، قبل أن تنقلب عليه الرأسمالية العالمية، وتغتاله المخابرات الأمريكية.

    لم يتوقف فركاو عن العمل من أجل تحويل أفكاره إلى واقع، وأصبح رئيسا للحزب التقدمي. وانتخب عضوا في مجلس بلدية برلين سنة١٨٥٩ ثم عضوا في مجلس بروسيا ١٨٦٢، ثم عضوا في الريخستاج من سنة ١٨٨٠ حتى ١٨٩٣. وظل من أشد معارضي بسمارك، ويشاع أن الخلاف السياسي بينهما وصل إلى حد الدعوة لمبارزة على طريقة فرسان العصور الوسطى. ويقال إن بسمارك طلب منه تحديد نوع السلاح، فاختار ڤركاو عامودين من السجق أحدهما سليم والآخر مصاب بعدوى بكتيرية، فرفض بسمارك المبارزة، معتبرا أن السجق المصاب مميت أكثر من حد السيف.

    مستشفى فركاو لأمراض القلب في برلين
    مستشفى فركاو لأمراض القلب في برلين
    ***

    خلال هذه السنوات الطويلة من العمل السياسي المباشر، لم يتوقف فركاو عن تطوير أفكاره وإبداعاته في مجال الطب والباثولوجيا على وجه التحديد، ولا في تحرير مجلة الباثولوجيا الدورية. بل أضاف كابن مخلص للقرن التاسع عشر الأنثروبولوجيا إلى دائرة اهتماماته.  لم يكن مجرد اهتمام نظري، بل بحث وتنقيب عملي في أماكن مختلفة ليس في ألمانيا فقط، بل وفي آسيا الصغرى، والقوقاز، ومصر، والنوبة. وشارك في تأسيس الجمعية الألمانية للأنثروبولوجيا والاثنولوجيا وما قبل التاريخ سنة ١٨٦٩. وانتخب ١٥ مرة رئيسا لهذه الجمعية التي مثلت القاطرة الأساسية للدراسات الأركيولوجية الألمانية. في هذه الأثناء أيضا عمل مساعدا لهنريش لشليمان أثناء قيامه بالتنقيب عن طروادة هوميروس القديمة (١٨٧٩). وأسس مجلة للأنثروبولوجيا وظل رئيسا لتحريرها حتى وفاته، وشارك بفاعلية في تأسيس متحف برلين الشهير، ويقال إنه أقنع شليمان بالتنازل عما وجده في طروادة للمتحف.

    ***

    هذه العوالم الواسعة والحيوات الكثيرة التي عاشها رجل واحد لا تعني أنه كان خاليا من العيوب أو على الأقل من بعض النقاط العمياء. فهذا الرجل المؤسس في مجالات كثيرة، والذي يعرفه الأطباء أكثر من غيرهم باعتباره مؤسس الباثولوجيا، والذي وصف العديد من السرطانات بدقة، ومازالت تعرف باسمه إلى اليوم. تحولت أفكاره الشخصية الصحيحة عن الطب الاجتماعي والدور الذي يلعبه الفقر والجهل والتفاوت الطبقي في حدوث الأمراض إلى دوجما جعلته يقلل من قيمة العدوى (النظرية الصاعدة بقوة في القرن التاسع عشر). الرجل الذي يؤمن بالخلية كأصل، والذي آمن بالميكروسكوب كوسيلة لرؤية عالم أصغر وأوسع، لم يقتنع بعالم الميكروبات المجهرية. فمن الذي كان على حق ڤركاو أم لويس باستور؟

    ومن جانب آخر، هذا الرجل الذي مازالت المحاضرة الشرفية السنوية لجمعية الآثار الألمانية تعرف باسمه. الرجل التقدمي بلغة عصره، المنفتح على العالم القديم والجديد. الرجل الذي توصل بأبحاثه في الجنس البشري، إلى نفي النقاء العرقي، وهو الأساس الذي يقوض تفوق الجنس الآري، الذي ينتمي هو شخصيا إليه، على باقي الأجناس، ويقوض في الوقت نفسه فكرة “الجنس السامي” أحد الأضلاع المهمة في كل فكر ورؤية عنصرية.

    هذا الرجل الذي فحص حفريات الناينتردال الأولى بيديه وتحت مجهره، ونفى أن يكون أحد أسلاف الإنسان الحديث، بل مجرد إنسان مشوه، مفلطح الرأس ومصاب بالكساح!! هذا الرجل كان ضد دارون، وضد الداروينية خاصة في شقها الاجتماعي. بل ومن موقعه السياسي رفض تدريس نظرية التطور في المدارس الألمانية.   لم يكن على هذا الرجل المخلص لموسوعية القرن التاسع عشر أن يغادر بالجسد زمنه المذهل، ففي أحد الأيام قفز من عربة ترام متحرك، فكسرت ساقه، وظل طريح الفراش لشهور حتى وافته المنية سنة ١٩٠٢، أو في مطلع القرن العشرين.

    اقرأ أيضا|

    «طب وثقافة وناس»: شعراء كرة القدم.. شعراء غرفة العمليات

     

  • «طب وثقافة وناس»: الأبطال ليسوا دائما في الواجهة

    «طب وثقافة وناس»: الأبطال ليسوا دائما في الواجهة

    بعد التخرج في كلية الطب واستلام الشهادة الكبيرة بقليل، وصلني من إدارة الكلية خطابين أحدهما يقترح وظيفة معيد بقسم التشريح، والثاني يقترح وظيفة معيد بقسم الصحة العامة. تعاملت مع الخطابين بلامبالاة -لم يعقبها الندم إلا بعد عمر طويل. وقلت لنفسي بتعال غريب: لم أدخل كلية الطب لكي أصبح مدرسا.

    الحقيقة أنني لم أعرف لماذا دخلت كلية الطب أصلا. كنت طالبا متفوقا طوال الوقت. لكنني لم أكن أعرف بالضبط ماذا أريد أن أكون، ولست استثناء في ذلك. فالعديد ممن دخلوا كلية الطب دخلوها دون رغبة حقيقية، ربما نزولا عند رغبة الأهل، أو لأنهم حصلوا على مجموع كبير في الثانوية العامة فاستخسروا مجموع درجاتهم المرتفع في كليات أخرى.

    **

    وبالمقابل هنا كمن كان يعرف منذ الطفولة الباكرة، أو على الأقل يتم تجهيزه وتربيته، باعتباره طبيب المستقبل. لكن لو سألت هذا الشخص نفسه: لماذا تريد أن تكون طبيبا؟ ستجد أن الإجابة ترتبط بطبيعة الحراك الاجتماعي والثقافي أكثر من ارتباطها بفهم شخصي حقيقي للرغبة نفسها.

    حتى في سنوات الدراسة الأولى لا يطرح أي من الأساتذة هذا السؤال علينا. تحتاج الدولة والمجتمع الأطباء، مثلما تحتاج إلى مهندسين ومحاسبين، ومدرسين وضباط. لكنهم في كلية الطب لا يشرحون لنا معنى الطبيب ودوره، ولا يقولون لنا ما هو الطب الذي ندرسه.

    هناك من يدخلون كلية الطب لأن المهنة تراث وإرث عائلي، وهناك من يدخل كلية الطب بهدف بسيط كعلاج الناس وتخفيف آلامهم وهؤلاء قلة متصوفة. وهناك من يدخلها بطموح الصعود الاجتماعي وفق معايير المجتمع للنجاح المادي المعروف اختصارا بخمسة عين: عروسة، عيادة، عربية، عمارة، ثم عزبة: قليلون يحصلون على الخمسة، وكثيرون لا يحصلون حتى على عين واحدة. باختصار يدخل الكثيرون كلية الطب ويتخرجون منها، بدون أن يعرفوا بالضبط ما هو الطب؟ ومن هو الطبيب؟

    **

    بهذه الدرجة من الترهل والغموض يدخل الناس كلية الطب ويتخرجون منها، ومثلما تتحكم درجات الثانوية العامة ومكتب التنسيق في مستقبل الطلاب، يتحكم مجموع درجات بكالوريوس الطب في تخصص الطبيب ومستقبله المهني. سواء في المستشفيات الجامعية أو المستشفيات التابعة لوزارة الصحة، وسواء كان الطبيب الجديد يحب هذا التخصص أم لا.

    وبشكل عام تتربع الجراحات على قمة الهرم، تليها النساء والتوليد، الأطفال والأمراض الباطنية، حتى نصل إلى المرتبة الأخيرة، أو أقل التخصصات قيمة من وجهة نظر الأطباء والجمهور على حد سواء. فهل لهذه التراتبية أو الطبقية التي تحكم التخصصات الطبية المختلفة ما يبررها في طبيعة المؤسسة نفسها؟ هل تملك ثقافة المجتمع ونظرته إلى الطبيب عموما الأثر نفسه على “طبقات الأطباء”؟

    في هذه اللحظة بالذات أتذكر ما قاله لي واحد من أساتذتي الكبار: لم يقتنع أهل قريتي أنني أصبحت جراحاً إلا بعد افتتحت عيادة خاصة بي وأجريت بها الكثير من العمليات، وهو مالم أفعله إلا بعد حصولي على درجة الدكتوراه بأربع سنوات. هل تساعدنا اللغة في فهم الواقع؟ أم نستعين بالتاريخ؟ أم بكل هذا معا.

    **

    لغويا اشتقت كلمة Medicine من كلمة Medicus والتي تعني physician والمشتقة بدورها من physic، أو فيزيقا، والتي تعني العالم الطبيعي أو دراسة الطبيعة. والعالم الطبيعي هنا هو kaliknios والتي تعني حرفيا: المريض في سريره، والتي اشتق منها مصطلح إكلينيكي أو السريري. وphysician هو اللقب الذي يحمله طبيب الأمراض الباطنة إلى اليوم. في مقابل لقب آخر أقل حضورا: internist والتي تعني باطني أيضا.

    أما (مديكّس) والتي اشتقت منها (مديسين)، فتعني طبيب، وترتبط اشتقاقيا بالطب. كما يرتبط الرسم بالرسام، والنحت بالنحات، والكتابة بالكاتب. الجذر اللغوي اللاتيني والإغريقي لمديكس هو ميد (Med)، فتعني التفكير العميق واتخاذ القرار المناسب. ومنها أيضا اشتقت كلمة Meditation وتعني التأمل.

    وقد عرف أيبوقراط الطب بأنه فن استخدام الحواس الخمس. إذن حددت لنا اللغة دور الطبيب كشخص يستخدم حواسه الخمس في التفكير في أحوال المريض. بل وحددت مكان الطبيب بجوار المريض الراقد في سريره، من أجل اتخاذ القرار المناسب في مريضه، واقتراح العلاج المناسب لما يعاني منه. بهذا المعنى لا ينطبق هذا الوصف على بروفيسور متبحر في تشريح الجسم البشري، أو على بروفيسور متألق في علم وظائف الأعضاء، أو الكيمياء العضوية.

    **

    رغم أنهم جميعا تخرجوا في كليات الطب وعملوا لسنوات طويلة في تدريس تخصصهم هذا لطلاب طب يعدون بالآلاف. وينطبق هذا الوضع على شخص آخر تخرج في كلية الطب وتخصص بعد التخرج في الباثولوجيا الإكلينيكية، والتي تعنى بفحص الأنسجة المستأصلة من جسد المريض.

    هو يتعامل مع العينات التي ترسل إلى مختبره، ليفحصها تحت عدسات تكبر الخلايا آلاف المرض. لكنه لم يقف بنفسه إلى جوار المريض، لم يفحصه، ولم يعاين الورم بنفسه، ولم يستأصله أيضا. ورغم الدور المحوري الذي يقوم به في تحديد خطوات العلاج، وتقرير مصير المريض. لكنه ليس صاحب القرار، ليس الرجل الأول في هذه الرواية، وليس البطل في نظر الجمهور.

    حتى في نظر زملائه الجراحين: هو رجل الظل، السنيد المجهول، الذي يدل البطل أحيانا على الطريق الصحيح، والقرار الأصوب. هو يعمل بالفعل لمصلحة المريض. لكن المريض لا يعرف سوى من وضع السماعة على صدره، واستمع لضربات قلبه وصوت أنفاسه، أو من جس أورامه بيده، وشق بطنه بالمشرط، واستأصل العلة من مكمنها البعيد.

    **

    المؤكد أنني لم أعرف المعنى اللغوي الدقيق لماهية الطب والطبيب قبل دخول كلية الطب ولا أثناء الدراسة ولا بعد التخرج إلا بسنوات طوال. لكن هذا المعنى اللغوي نفسه استقر في الثقافة التي تحكم الناس، وأنا واحد منهم. هكذا يرى الناس أن الشخص يدخل كلية الطب ليصبح طبيبا، ليصبح الرجل الأول في رواية مرضاه، ليصبح صانع المعجزات، إذا لم يكن هو المعجزة نفسها.

    يعلمنا تاريخ الطب أن مصطلح “الطبيب الكبير” لم يظهر إلا في القرن التاسع عشر، ويقصد به الطبيب الذي وقّع الكشف الطبي على أكبر عدد من المرضى في زمانه، أو الذي أجرى أكبر عدد ممكن من العمليات الجراحية، والذي علم أكبر عدد من الطلبة في كلية الطب ومن الأطباء حديثي التخرج.

    وفي بلادنا وزماننا يطلق وصف الطبيب الكبير على من افتتح عيادة فخمة، في حي تجاري شهير، تكتظ بالمرضى، فينتظرون دورهم في الكشف على سلم العمارة رغم الفيزيتا العالية. هنا حيث يفرض السوق سيطرته على معايير النجاح، يتراجع العلم والتعليم الجاد. وتختم صورة الفخامة المستعارة على العقل والروح.

    **

    صحيح أن عددا من الأمراض تم وصفها في القرن التاسع عشر على يد عدد من الأطباء الكبار، فحملت هذه الأمراض أسماءهم إلى الآن، وأن عددا كبيرا من الآلات الجراحية ابتكرها جراحون كبار، فحملت أسماءهم أيضا. لكن الإسهام الأكبر في تحسين صحة الناس، وإطالة أعمارهم لم يكن نتيجة للفعل الطبي المباشر لهؤلاء الأطباء الكبار. فاكتشاف البكتريا والتطعيم، والتعقيم، ووسائل الصرف الصحي لم يكن من عمل الأطباء وحدهم.

    لم يكن لوي باستور طبيبا من الأساس بل كيميائيا حصل على شهادته في العلوم بعدما اختبر الفشل أكثر من مرة. ولم يعرف الناس ألكسندرفيلمينج كطبيب يجول بين أسرة المرضى. بل كباحث في معمل الكائنات الدقيقة، ولولا اكتشافه المفاجئ والمدهش للبنسلين لما ذكره أحد.

    لم يعلمنا أحد أن جائزة نوبل في الطب هي أصلا جائزة في الفسيولوجيا- أولا- والطب. ولم يقل لنا أحد أن عدد الجراحين، أو الأطباء الواقفين على يمين المريض النائم في سريره، الحاصلين على هذه الجائزة لا يقارن بعدد من حصلوا عليها من الباحثين في المختبرات والمعامل.

    ليس من الضروري، ولا من الطبيعي، أن يحصل كل الباحثين في المختبرات على نوبل في الفسيولوجيا والطب. أو أي جائزة أخرى، لكنه ليس من الطبيعي أيضا أن يظلوا مجرد أبطال في الظل.

    **

    في مقال سابق سألت: هل تعرف ييلاباراجادسوبيراو؟ لا يتمتع سبويراو بشهرة كلود برنار مؤسس علم وظائف الأعضاء، ولا شهرة فيلمينج مكتشف البنسلين، ولا واطسون مكتشف حلزونة الدنا، لكن هذا الفقير الهندي المولود في مدراس في الثاني عشر من يناير ١٨٩٥يستحق أن يدخل كتاب الطب من بابه الكبير.

    عاش ييلا طفولة تعيسة، فقد أخويه الأكبر والأصغر في أسبوع واحد جراء إصابة لعينة بالتهاب معوي استوائي قاتل. بمساعدة أصدقاء العائلة البراهمية أكمل تعليمه في كلية طب مدراس.

    ومثل غيره من الهنود استجاب لدعوة غاندي التي تدعو لمقاطعة البضائع الإنجليزية. فارتدى “الخادي” أو الزى الهندي التقليدي في قاعات الدراسة وحجرة العمليات. مما أثار غضب أستاذه الإنجليزي، فمنحه شهادة أقل من البكالوريوس الذي يستحقه. كضحية مثالية للطب الإمبريالي فشل بشهادة تخرجه التعيسة أن يحصل على وظيفة طبيب في صحة مدراس، وبعد طرق الأبواب والمحاولات الجادة حصل على وظيفة مدرس تشريح في كلية الطب الأوروفيدي (الطب الهندي التقليدي) بمدينته العريقة.

    **

    أدهشته الإمكانات العلاجية للطب المحلي، ويبدو أنه كان يتمتع بعقلية بحثية، فحاول تحديث الطب التقليدي. لكن عمله لم يكتمل. وبمساعدة من أحد المؤسسات الخيرية الهندية، ومساعدة جادة من والد زوجته المستقبلية، شق طريقه إلى بوسطن.

    والتحق بكلية طب هارفارد، حيث أكمل دراسته وأبحاثه. وفي سنة 1930 أكتشف مع زميله ” سيروس فيسك” مادة ال ATP مصدر الطاقة الحركية في العضلات.

    وخلال نفس العام حصل على درجة الدكتوراه، ورغم ذلك لم تمنحه هارفارد وظيفة طبيب في مستشفاها الجامعي!! وفي الوقت نفسه كانت كراهية فيسك واحتقاره لهذا الهندي البراهمي. الفقير الانعزالي تشعل في نفس حريقا هائلا، فأتلف ما استطاع من أبحاث زميله، وأخفى ما لم يستطع إتلافه.

    **

    بعد قليل حصل على وظيفة في باحث في معامل ليدريل التابعة لأمريكان سيناميد (اشترتها شركة Wyeth سنة 1994ثم استولت عليها الشركة العملاقة فايزر فيما بعد). في هذه المعامل القديمة طور سبويراو طريقة لتكوين حمض الفوليك، استنادا إلى أبحاث الإنجليزية لوسي ويلز في الهند، وهو الحمض المستخدم في نوع محدد من أنواع فقر الدم.

    وفي المعامل، وبالتعاون مع سيدني فاربرـ اليهودي الناسك في معمل أبحاث الدم بقبو مستشفى الأطفال– تمكن من اكتشاف وتخليق عقار Methotroxate الذي فتح الطريق أمام العلاج الكيمائي للسرطان عموما، ولسرطان الدم على وجه التحديد. وتحت إشرافه تمكن باحثون آخرون من تطوير عدد من المضادات الحيوية الأقوى من البنسلين.

    على الرغم من هذه الاكتشافات العظيمة لم يحصل سوبيراو على نوبل ولا على غيرها من الجوائز، حتى في المؤتمرات العلمية لم يكن يسمح له باعتلاء المنصة. وبينما حصل شريكه في علاج اللوكيميا على معهد لعلاج السرطان يحمل اسمه (Dana-Farber Cancer institute) أصر الجميع على بقائه-حيا وميتا- في الظل!! في التاسع من أغسطس سنة 1948توقفت عضلة قلبه ومات. وفي رثائه قال واحد من الكتاب: ربما لما تسمع من قبل عن ييلاباراجادسوبيراو، لكن لأنه عاش ذات مرة ستعيش أنت عمرا أطول.

    اقرأ أيضا

    «طب وثقافة وناس»: تفكير متقطع في البديهيات

  • «طب وثقافة وناس»: تفكير متقطع في البديهيات

    «طب وثقافة وناس»: تفكير متقطع في البديهيات

    في منتصف الثمانينات تسلمت شهادة التخرج من عميد الكلية الدكتور فاروق عزت، أحد أساطير الجراحة في كلية طب المنصورة. لم أعد أتذكر هل كانت الشهادة –كبيرة الحجم والمصنوعة من ورق مقوى- مطوية يلفها شريط ملون. كرسائل الملوك في العصور الغابرة، أم كانت مفرودة في ظرف بني كبير.

    ما أتذكره، أنه بعد تبادل التهاني وانتهاء الفرح، عدت إلى البيت حاملا شهادتي العزيزة. فتحتها وقرأت ما فيها: في الوسط في أعلى الشهادة جامعة المنصورة، كلية الطب: بعد الاطلاع على نتيجة الامتحان تقرر منح فلان الفلاني، المولود في قرية كذا، بمحافظة كذا….،سنة…. شهادة البكالوريوس في الطب والجراحة بتقدير كذا لعام 1985.

    **

    هل كنت سعيدا؟! لا أعرف ولا أذكر، أذكر أن أمي بكت، وأنني شاركتها هذا الفرح الحزين فمن دخلت كلية الطب لإرضائه مات وأنا في السنة الدراسية الأولى. فلم ير ابنه بالمعطف الأبيض، ولم يمسك بيده هذه الشهادة الكبيرة التي حلم بها نيابة عن الجميع وعني. لم يكن هذا المشهد البطيء هو السارق الوحيد للفرح. كان هناك لص آخر، لم يكن شخصا لأكرهه، أو لأواجه بغضب، سرقني نشال كبير اسمه اللغة.

    توقفت طويلا عند منح.

    في معجم المعاني الجامع وجدت ما يلي: منح يمنح منحا، فهو مانح، والمفعول ممنوح. منحه الجائزة وغيرها: أعطاه إياها، وهبها له، وجاد به عليها. ومنحه الدابة ونحوها: أي أقرضه إياها لتعمل له عملا ثم يردها.

    هذه الكلمة أزعجتني وأوقفتني بالفعل في تأمل بغيض. فهذه الشهادة التي حصلت عليها وحصل عليها مئات وآلاف قبلي وسيحصل عليها غيرهم كثيرون بعد سنوات كثيرة من الدرس والتحصيل والجري بين المدرجات والمعامل وعنابر المرضى منحة تجود بها لجنة ما. مجمع من آلهة في أوشحة سوداء، وليست حقا أصيلا مدفوع الثمن.

    فهذه الشهادة ليست جائزة، وليست دابة أقضي بها غرضي ثم أعيدها!! تحتوي منح هذه على قدر من التعالي يليق بالملوك، أو بسلطة أوتوقراطية، تملك المنح والمنع. ولولا أن هذا المنح جاء بعد الاطلاع على نتيجة الامتحان لسقط ما بقي في النفس سوى قدر ضئيل من الشعور بالاستحقاق.

    **

    إذا كانت مفردة سيئة السمعة كـ”منح” هذه تركت في النفس غصة. إلا أن دهشتي من الجمع بين الطب والجراحة في الشهادة-كأنني كنت أراها للمرة الأولى- مازالت حتى هذه اللحظة حاضرة. لم أتوقف طويلا عند جواز عطف الكل (الطب) على الجزء (الجراحة)، ولكني توقفت طويلا أمام السؤال. إذا كانت الجراحة فرعا من فروع الطب، فلماذا لم توضع الفروع الأخرى في التعريف بالشهادة كأن تقول: بكالوريوس في الطب والجراحة والنساء والتوليد والعظام. إلخ.

    بعد شهور قليلة بدأنا العمل في المستشفى الجامعي وحاولت إقناع نفسي أن الطب تعني الأمراض الباطنية، والجراحة العامة تضم تحت جناحها جراحات تخصصية كثيرة. وبهذا المعنى يكون الطب والجراحة، هما العامودان الرئيسيان في شهادة الطب هذه، وبذا يجوز الجمع بينهما في الشهادة التي تحتفظ بها وزارة الصحة في الملف الوظيفي.

    لم تكن الإجابة مرضية تماما، لكن ساعات العمل الطويلة والمليئة بالمفاجآت المفرحة والمؤلمة كانت كفيلة بإزاحة السؤال إلى الوراء. لكن حدث ذات مرة أنني كنت أعد سيرتي الذاتية باللغة الإنجليزية لغرض ما. وكتبت في خانة الشهادة: bachelor of medicine أي بكالوريوس الطب، فنبهني واحد من الزملاء الكبار وقال لي هي تكتب اختصارا هكذا: MBBCh.

    قلت وماذا يعني هذا الاختصار، فقال تعني بكالوريوس الطب والجراحة. قلت: هذه الحروف أكثر مما ينبغي، فإذا افترضنا أن M هي اختصار Medicine وأن B هي اختصار Bachelor. فماذا تختصر ch، وما الذي تختصره الـB الثانية. لم يقل لي لا أعرف لكنه قال: اكتب وأنت ساكت.

    كتبت ما قاله لي جاهلا ومرغما، لكنني سألته سؤالا بدا لي مفاجئا وبدا له نوعا من السخرية: لماذا يرتدي الأطباء معطفا بيضاء. فنظر لي باستنكار قائلا: بديهيات!!

    **

    أين تذهب القصص التي لم نكتبها، وأين تذهب الحكايات التي لم نروها، وأين تذهب الأسئلة التي لم نجد لها إجابة مرضية في وقتها؟

    ربما تجد القصة أو الحكاية من يكتبها بعد حين. وربما تجد الأسئلة من يجيب عليها في وقت ما، أو على الأقل يعيد طرحها فتظل الحكايات والأسئلة صاحية تؤرق من يطرح السؤال ومن يبحث عن إجابة ما.

    بعد سنوات طويلة من التذكر والنسيان. التذكر الذي يأتي غفلة عندما تطلع على شهادة تخرج أمريكية المصدر فتجد إنها ليست بكالوريوس الطب والجراحة ولا حتى بكالوريوس الطب فقط. بل دكتوراه في الطب MD أو Doctor of Medicine .MD التي تعني في بلادنا وبلاد أخرى كثيرة الدكتوراه التي نحصل عليها بعد التخرج بسنوات طويلة ويسبقها الحصول على الماجستير.

    لماذا هذا الاختلاف، أو لماذا هذه الفوضى؟ الكثير من الأطباء وأنا منهم بالطبع لا نعرف من تاريخ مهنتنا سوى النذر اليسير. النذر الذي لا يرضي عقلا فضوليا أو عقلا المفروض أنه تربى على البحث في أسباب الأمراض وطرق علاجها المختلفة، كيف لهذا العقل أن يسكت عن التفكير في المهنة التي يمارسها؟

    بالبحث عن إجابات الأسئلة التي أعادت الممارسة الطويلة طرحها. وجدت أن الجمع بين الطب والجراحة في شهادة التخرج هذه له حكاية طويلة جدا، سأحاول اختصارها: يعتقد الباحثون في تاريخ الطب أن الجراحة بدأت قبل التداوي من الأمراض بالأعشاب والتعاويذ والرقى السحرية.

    **

    ويبدو هذا منطقيا، فإنسان ما قبل التاريخ، أو إنسان العصر الحجري القديم والحديث، عالج إصاباته الظاهرية مثل الجروح الناتجة عن مطاردة الحيوانات الكبيرة في البراري، والكسور التي تنتج عن الحركة والجري والمطاردة، قبل أن يكتشف الزراعة والقدرة الشفائية لبعض النباتات التي تنمو في البيئة المحيطة. فالجراحة أقدم من الطب.

    وعندما اكتشف الإنسان الزراعة وتدجين الحيوانات التي أضفت على الحياة قدرا لا بأس به من الاستقرار، ووفرة في الغذاء والوقت أيضا، فعرف تقسيم العمل، وتقسيم الناس إلى طبقات. فانقسم العمل إلى نوعين: عمل ذهني وعمل يدوي. وبدا له أن التداوي بالأعشاب والرقص حول النيران والتعاويذ والرقي الذي يمارسه الشامان أو الكاهن أو الساحر أرقى من جبر الكسور، وفتح الخراريج. وتضميد الجروح باعتبارها عمل يدوي أقل قيمة ومكانة من العمل الذهني.

    وستجد في قسم أيبوقراط المؤسس للطب الغربي الحديث ما يفيد أنه سيعالج الأمراض أما الجراحة فسيتركها لمن يقوم بها. القائمين على الجراحة في ذلك الوقت كانوا من العبيد الذين يقومون بتدليك المصارعين والقادة العسكريين ويعالجون جروحهم في المعارك.

    والكلمة التي يوصف بها هؤلاء الجراحون كانت تعني حرفيا: نازعو السهام من الأجساد. وفي الترجمات العربية لكتب الإغريق الأوائل ترجمت الكلمة الدالة على الجراحة بـ”صنعة اليد”. ستجد هذا في كتابات ابن سينا وابن خلدون على سبيل المثال. وستجد أيضا أن أول ما استخدم كلمة الجراحة بمعناها الذي نعرفه الآن هو الجراح الأندلسي العظيم أبوالقاسم الزهرواي في كتابه الشهير: التصريف لمن عجز عن التأليف.

    **

    وفي العصور الوسطى الأوروبية كانت هناك طائفة تعرف بالجراحين الحلاقين. وكان لهذه النقابة أو الطائفة شعار خاص بها ككل الطوائف وكان لها قديس يحميها. وكان القديس الراعي لهذه الطائفة الأخوين كوم ودميان، الدمشقيان، شهداء المسيحية الأوائل وكانت مهمتهم الأساسية علاج الجروح والإصابات.

    وعندما أسست كليات الطب الأولى لم يكن تعليم مبادئ الجراحة جزءا من منهاجها. ولم يكن يسمح للجراحين بدخول كليات الطب أصلا. لأن التدريس كان يتم باللغة اللاتينية المقدسة والتي لا يستطيع أو لا يحق للجراحين الفقراء والجهلاء تعلمها. والكلمة التي تعني الجراحة في اللغة اللاتينية التي هي مصدر المصطلحات الطبية كلها هي كلمة مكونة من مقطعين: cheir ومعناها يد، والمقطع الثاني: ergos وتعني يعمل أو يصنع، والمصطلح كله يكتب هكذا: cheirourogia أي صنعة اليد، أو ما نعرفه اليوم بالجراحة. وعندما سمح للجراحين بدخول كليات الطب في القرن الثامن عشر أو ما حوله.

    بدأ تقليد إنجليزي بمنح المتخرجين شهادة تخرج مكتوب فيها: بكالوريوس الطب وبكالوريوس الجراحة أو Bachelor of Medicine and Bachelor of Cheirourogia التي نختصرها بـMBBCh وتختصرها دول أخرى إلى MBBS حيث S اختصار surgery   البديل الإنجليزي للأصل اللاتيني. يبدو أن كل الدول التي كانت خاضعة للتاج البريطاني في زمن الاستعمار تبنت أو فرض عليها أن تسير في ركب الإنجليز. وتبقى الشهادة نفسها دليلا على استمرار التبعية للمحتل بعد أن رحل.

    **

    الغريب أيضا أن هذه الشهادة لا تعطي من حصل عليها أن يستخدم كلمة دكتور في تقديم نفسه ولا في الوثائق الرسمية. فدكتور تعني الحاصل على درجة الدكتوراه وليس من تخرج في كلية الطب فقط، وهذه حكاية أخرى. أما لماذا يحصل الخريج في كلية طب أمريكية على Doctor of Medicine فهذا يعود إلى أن العديد من المؤسسين لمنظومة الطب الأمريكي تعلموا في إسكتلندا وكانت كلية طب إسكتلندا تمنح نفس هذه الشهادة!!

    السؤال الثاني الذي ظل يلح عليّ والذي ظهر لي فجأة في أوائل التسعينات من القرن الماضي حول بالطو الأطباء الأبيض. فوجدت إجابته مؤخرا. كان الأطباء حتى القرن التاسع عشر يرتدون ثيابا سوداء اللون كالرهبان وسائر رجال الإكلريوس.

    لم يكن المرضى بحاجة إليهم إلا في لحظات الموت الأخيرة. كما يحتاجون إلى كاهن يتلقى منهم الاعتراف الأخير ويمنحهم الغفران. لم يكن الأطباء نذر حياة بل نذر موت!! وفي نهاية القرن التاسع عشر، ومع النجاح الباهر للمختبر واكتشاف البكتريا والتطور الكيمياء. استعار الأطباء بالطو المعمل الأبيض، كنوع من التميز والإحساس العالي بالقيمة والنقاء.

    وفي سنة 1910 تقريبا أصبح البالطو الأبيض الزى الرسمي للأطباء والجراحين، الجراحون الذين كان لهم السبق في ارتداء البالطو الأبيض في غرفة العمليات. ومنحهم بالبالطو الأبيض الملطخ بالدماء سمة الجزارين أو العاملين في مسلخ.

    **

    بعد قليل تخلى الجراحون عن الأبيض في غرفة العمليات، وارتدوا بدله زرقاء أو خضراء بأكمام قصيرة. ويقال إن هذين اللونين ينعشان الرؤية ويمدان المخ البشري بقدرة أكبر على التمييز بين الألوان خاصة اللون الأحمر للدماء.

    كان يظن أن البالطو الأبيض يرمز للطهارة والنقاء والتعقيم. لكن اتضح أن هذه المعاطف البيضاء تحمل قدرا هائلا من ميكروبات المستشفيات، فتخلص الأطباء منه في الألفية الجديدة. وأصبح العاملون في المستشفيات يرتدون ألوان مختلفة وغريبة، فمن الوارد أن تجد في غرفة العمليات جراحا بثياب حمراء أو سوداء. ومن الوارد أن تلتقي ممرضة ترتدي الأصفر أو البمبي، أصبحت المستشفيات مهرجانا صاخبا من الألوان. لم يعد البالطو الأبيض حاضرا بقوة بل بنطلون وقميص مقفول بكم قصير هذا الزى يسمونه سكراب scrap، هو نفسه زى التعقيم ودخول العمليات.

    وأصبح مألوفا أن تجد الجميع أطباء وجراحين وممرضات وممرضين يرتدون هذا الزى ويتجولون به في السوبر ماركت أو في الشارع، ينقلون الميكروبات من الداخل إلى الخارج وبالعكس. سلاما على الأبيض الزاهي في عنابر المرضى، وسلاما على الأزرق السماوي في مسرح العمليات.

    اقرأ أيضا

    «طب وثقافة وناس»: ماذا نفعل بكل هذه الاستعارات الحزينة

  • «طب وثقافة وناس»: ماذا نفعل بكل هذه الاستعارات الحزينة

    «طب وثقافة وناس»: ماذا نفعل بكل هذه الاستعارات الحزينة

    في كتابها الذي صدرت طبعته الأولي سنة 1977، “المرض كاستعارة”، لم تعرّف سوزان سونتاج الاستعارة، لكنها حين أضافت لكتابها هذا جزء ثان عن “مرض المناعة المكتسب واستعاراته” بعد عشر سنوات (1988). قالت في الصفحة الأولى من هذه الإضافة: لقد قصدت بالاستعارة أقدم وأبلغ تعريف أعرفه، وهو تعريف أرسطو في كتابه “الشعر”: الاستعارة هي إعطاء الشيء اسما يخص شيئا آخر.

    وبلغة أكثر حداثة من لغة أرسطو: الاستعارة هي نقل الشيء من مجال محدد إلى مجال آخر. ويبدو لي أن سونتاج، وهي تكتب عن نقل المرض من مجال الطب إلى مجالات أخرى (الأدب والصحافة والسياسة). أي من مجال خاص إلى مجالات أكثر عمومية، وربما بتأثير مباشر من تجربتها الشخصية مع المرض. لم تنتبه إلى أن الطب نفسه، قديما وحديثا، هو إمبراطور الاستعارات.

    وهذا الوصف نفسه مستعار من كتاب سيدهارتا موكرجي عن السرطان، والمعنون بـ“إمبراطور المآسي”. وأرجح أيضا أن غضبها كمريضة مزمنة بسرطان الدم أنساها، ككاتبة محترفة وذائعة الصيت. أن البشر جميعا لا يستطيعون فهم العالم دون نقل الأشياء من مجالها الخاص إلى مجال آخر، أو بإعطاء الشيء اسم شيء آخر كما نقلت هي نفسها عن أرسطو. نسيت أن مرضها الشخصي، إذا كان اسمه سرطان الدم.

    **

    فالسرطان استعارة من البحر (الكابوريا)، وإذا كان اسمه ابيضاض الدم فهو استعارة من عالم الألوان {لوكيميا: لوكوس تعني باليونانية القديمة أبيض}. أبعد من ذلك أن أيبوقراط -الذي طالب بفصل الطب عن الفلسفة- وشركاه عندما أرادوا أن يفهموا جسم الإنسان استعاروا العناصر الأربعة من فلسفة انبادقوليس عن الطبيعة. وكان هذا لائقا تماما عندما كان الإنسان جزءا من هذه الطبيعة.

    لكن كيف يوجد التراب والماء والهواء والنار في الجسم البشري. قالوا إن وجودها معا يؤدي إلى تكون أخلاط أربعة: الدم والبلغم والصفراء والسوداء. وقسموا الأمزجة إلى أربعة: الساخن والبارد والرطب والحار. صار الإنسان مجموعة من الاستعارات المنقولة من الخارج (الطبيعة) إلى الداخل (الجسد). شبكة من المجازات نفهم من خلالها كيف يعمل هذا الكون الصغير.

    ولكي تكتمل النظرية، وعندما أراد أيبوقراط أن يعرف المرض قال إنه خلل في توازن الأخلاط. وظل هذا الفهم يتسع أفقيا من اليونان إلى الرومان ثم ما بين النهرين، ويصعد رأسيا في الزمن حتى القرن الثامن عشر. حيث استقر الإنسان على الآلة كاستعارة كاملة من ميكانيكا ديكارت. تتألف من استعارات صغيرة: القلب مضخة، الذراع رافعة، القصبة الهوائية فلوت، والمعدة رحاّية تطحن الغذاء، والمخ آلة تفرز التفكير كما تفرز المعدة العصارة…. إلخ.

    هذا الفهم الجديد تقريبا هو ما جعل فرانكشتين ماري تشيلي ممكنا (1818)، لكنه لم يقض تماما على نظرية الأخلاط والعناصر.

    **

    تطور علم التشريح، فرأى الإنسان تفاصيله من الداخل: أعضاء ترتبط بشبكة من الشرايين والأعصاب، تشبه الأنهار التي وصفها أيبوقراط من قبل في حديثه عن القلب الذي يسبح في غشاء كأنه زجاجة. عندها توقف المرض عن كونه خلل في التوازن الكلي للأخلاط، بل خلل يصيب واحد أو أكثر من هذه الأعضاء.

    وعندما اكتملت وسائل التشخيص كامتداد تكنولوجي للحواس رأى أن الأعضاء تتكون من خلايا، وأن المرض لا يصيب العضو العامل كله. بل يصيب عددا من خلايا هذا العضو. وعندما اتسعت عيناه ورأى الجراثيم بالفعل، في نفس الوقت الذي اتسعت فيه خطواته فغزا بلاد الآخرين، وأسس المستعمرات البعيدة، رأى الأطباء، وكان بعضهم للأسف في طليعة الاستعمار. أن المرض هو رد فعل الجسد على “غزو” تقوم به الجراثيم. وأن خلايا الدم البيضاء هي “خط الدفاع “الأول ضد هذا الغزو. وأن القيح أو الصديد هو تجمع القتلى، شهداء المعركة. فإذا انهار خط الدفاع هذا، أسس الجرثوم لنفسه “مستعمرات” دائمة في الجسد المريض.

    لا الاستعمار ولا الحرب هي آخر الاستعارات الحزينة، هي طريقة لفهم العالم، فكان طبيعيا، بعد أن استعار الطب تكتيكات الحرب ونقلها من ميادين القتال إلى داخل جسم الإنسان، أن يستعيدها الساسة –ونسبة كبيرة منهم كانوا جنرالات في الحروب- ويعيدون طرحها إلى الخارج. ويعلنون في منتصف القرن العشرين: الحرب على السرطان، ثم الحرب على الإيدز.

    وكان طبيعيا أيضا في الألفية الجديدة أن نعلن “الحرب” على كوڤيد 19. وأن نعلن أن الأطباء هم جيشنا الأبيض في مواجهة الوباء، وأن يقف الناس في الشرفات يؤدون التحية العسكرية إلى شهدائنا من أصحاب المعاطف البيضاء.

    **

    الجذر اللغوي لكلمة “الثقافة” في اللغة العربية: ث ق ف، وثقف هذه تعني صقل الشيء وهذبه وسواه، والشيء هنا هو السيف غالبا، والمثقف اسم من أسماء السيف، والمثاقفة هي اللعب بالسيوف. ولم تأخذ الكلمة معناها المعاصر سوى في عشرينيات القرن العشرين عندما استخدمها سلامة موسى للمرة الأولى كترجمة أو كمقابل لكلمة culture في اللغات الأوروبية الأكثر شيوعا.

    وبالمثل لم تستخدم كلمة culture في هذه اللغات بمعناها المعروف الآن سوى في القرن الخامس عشر. حيث كانت تعني العناية بالزرع أو الزراعة، ومنها agriculture والتي تعني البستنة أو العناية بالبساتين.

    لن نتحدث عن الفارق بين الأصل الزراعي والأصل الرعوي/الحربي للكلمات. بل نسأل: أين تذهب المعاني القديمة للكلمات حين نضفي على هذه الكلمات نفسها معان جديدة: هل تموت ويطويها النسيان؟ أم أنها تظل محمولة في الكلمات كمرادف خفي قليل الحظ؟ أو كجين متنحي يعيش في ظل الجين السائد والمسيطر. ينتظر طفرة وراثية يستعيد بها مكانته القديمة في عالم جديد؟ هل انتبهت معي للاستعارة المفاجئة، للانتقال من اللغة إلى الجينات، ومن القاموس إلى الوراثة؟

    **

    نعود إلى كتاب سونتاچ، لنرى أنها مرت في الجزء الأول من كتابها مرورا عابرا على السفلس، المرض الأسوأ سمعة في التاريخ، والذي اكتسب أسماء عديدة لها علاقة بالحرب والغزو: في فرنسا عرف بالمرض الإسباني. وفي إيطاليا عرف بالمرض الفرنسي، وفي روسيا عرف بالمرض البولندي، وفي شرق آسيا عرف بالمرض الهولندي، كشكل من أشكال الحط من شأن المعتدي، أو كصورة هزلية سوداء من صور المقاومة.

    وفي الوقت نفسه اكتسب المرض اسمه المعروف من قصيدة شعر باللاتينية وضعها الطبيب جيرلامو فراكستورو سنة 1530، تحت عنوان: سفلس أو المرض الفرنسي. وهو أيضا المرض الذي أصاب العديد من الكتاب والشعراء، كعلامة على البوهيمية واستهلاك الحياة مثله في ذلك مثل السل الرئوي.

    فلماذا مرت هنا مرورا سريعا، واستقرت طويلا في السل والسرطان؟ السؤال الثاني الذي خطر ببالي هو: لماذا لم تمسك سونتاچ الشمعة من طرفيها؟ أو لماذا ركزت في بحثها على اتجاه واحد: نقل المرض من كتاب الطب إلى الأدب والسياسة. ولم تفكر للحظة واحدة أن المرض في كتاب الطب من الجائز أن يكون استعارة أيضا.

    ليس اسم بعض الأمراض فقط، بل ووصفها أيضا. الغريب أن كل ما نقلته سونتاچ عن السل الرئوي من أوصاف: الموت النبيل أو الجميل، الموت الأبيض، هي أوصاف موجودة في العالمين: كتاب الطب، والروايات والمسرحيات.

    بالفعل كانت واضحة ودقيقة في رصد التناقض بين: السل والسرطان، الأول هو مرض مرتبط باستهلاك الحياة، والثاني مرتبط بالكبت، والفشل في تعبير الذات عن نفسها. السل الذي يصيب الرئتين، مقر النفس الحيوي، مستقر الروح، يسمو بالمريض ويجعله روحانيا شفافا. والسرطان الذي يصيب الأعضاء غير الروحانية يسجن المريض، ويعزله وحيدا في سوداوية مذلة، وشعور مخجل بالعار.

    **

    ستجد أوصافا كهذه في كتاب الطب أيضا: مريض السل له وجه أبيض شفاف، وسحنة مريض السرطان ترابية. هل انتقلت الأوصاف هذه من كتب الطب إلى الأدب أم حدث العكس؟

    بالعودة إلى سؤال المعاني القديمة للكلمات: سنجد أن كلمة humors والتي تعني أخلاط: الدم والبلغم والسائل المراري الأصفر والسائل المراري الأسود. الكلمة التي اختفت بعد موت جالينوس في القرن الثاني الميلادي واستقرار المسيحية في أوروبا واستقرار الطب في يد رجال الدين.

    ثم عادت للظهور مرة أخرى في القرن الخامس عشر، وفي الأخير استقرت في الكتب الطبية الحديثة كعنوان كبير في فصل المناعة humoral immunity أو المناعة الخلطية.

    وصف جالينوس سرطان الثدي، بأنه تجمع صلب للسائل المراري الأسود بالثدي. لكنه في الوقت نفسه آمن أنه نتيجة لزيادة السوداء في الجسم، وبالتالي يكون السرطان مرضا يصيب الجسم كله. الأغرب إنه في عالم جالينوس كانت الملانكوليا أو الاكتئاب بلغتنا الحديثة مرتبطة بزيادة السائل المراري الأسود في الجسم.

    **

    ربما لم يربط العالم القديم بين السرطان والملانكوليا ربطا واضحا صريحا، لكن المحدثين فعلوا ذلك. وتعتقد سوزان سونتاچ أن الطبيب النفسي فليهلم رايش (1897-1957)، من الجيل الثاني لمدرسة التحليل النفسي هو مصدر هذا الربط: كان فرويد جميلا جدا…. عندما تكلم، ثم ضربه المرض هنا بالضبط، في الفم.

    من هنا بدأ اهتمام رايش بالسرطان وبدأ في عرض نسخته من الرابطة التي تكلم عنها بين المرض القاتل وشخصية من يذلهم. بين المرض الذي يصيب الجسم كله والمرض الذي يتطابق مع شخصية المريض قبل تشخيص المرض. يظهر لنا ما يعرفه الأطباء بمتلازمة السرطان الشبيه (Para-neoplastic syndrome). حيث تقوم بعض الأورام بإفراز مفرط لبعض الهرمونات والمواد كيمائية وتتسبب في مزيد من الأعراض التي لا علاقة مباشرة لها بالورم الموضعي.

    تضيف هذه الإفرازات صعوبة الموقف وتعيق من قدرة المريض على الحركة والتفكير بشكل إيجابي.

    **

    يثبت العلم الحديث أن جالينوس القديم كان على حق وإن كان تفسيره خاطئ. سنعود لكتابة سنوتاج الملهمة عن المرض كاستعارة كثيرا، لكن قبل أن نغادر السرطان، الذي سنعود له هو الآخر كثيرا، نذكر أن من طبيعة هذا المرض أن يتوغل موضعيا في مكانه، وأن يرسل بعضا من خلاياها إلى أعضاء بعيدة لتنشئ مستعمرات إضافية، هذه المستعمرات الجديدة نعرفها كأورام ثانوية (metastasis).

    هذه الكلمة المكونة من مقطعين ـميتا = ماوراء، ستايزس = سكون. أي ما وراء السكون- لا تحمل في لغتها الأصلية أي دلالة شعرية، لكنها في الترجمة العربية تحمل هذه الدلالة. تماما مثل مرض آخر يصيب قلة من النساء، اسمه في لغته ليس جميلا إطلاقا لكن اللغة العربية تجعل منه ما يشبه عنونا لقصيدة نثر حديثة بـ”بطانة الرحم المهاجرة“.

    لكن هذا موضوع آخر. هل نجحت سوزان سونتاچ في نزع البلاغة عن المرض؟ أعتقد أن هذا أيضا موضوع آخر.

     اقرأ أيضا

    «طب وثقافة وناس»: ميتافيزيقا الألم والإيمان والعرق

  • «طب وثقافة وناس»: ميتافيزيقا الألم والإيمان والعرق

    «طب وثقافة وناس»: ميتافيزيقا الألم والإيمان والعرق

    في منتصف التسعينات من القرن الماضي، سافرت إلى واحدة بلدان الخليج للعمل كطبيب بأحد المستشفيات الحكومية. كان المرضى من أبناء البلد في قسم الطوارئ يطالبون بتوقيع الكشف الطبي عليهم قبل المرضى من الجنسيات الأخرى، حتى لو كان الأجنبي هذا في حال شديدة السوء ويستحق رعاية عاجلة.

    كان بالإمكان فهم أن كل الأغراب هنا خدم، وكان بالإمكان دائما السيطرة على الفوضى. لكنني لم أفهم وقتها كيف ينهزم الإنسان حين يتقاطع التقسيم الطبقي مع الحق في الرعاية والعلاج.

    في أيامي الأولى في البلد الخليجي نفسه نصحني طبيب مصري قديم في المستشفى قائلا: إذا تلوى أمامك بنجالي من شدة الألم، فلا تأخذه على محمل الجد. أما إذا اشتكى إيراني أو باكستاني بألم بسيط في البطن فخذه فورا إلى غرفة العمليات. قلت: غريب، فقال: تعرف الفارق بين “عتبة الألم” و”القدرة على تحمل الألم“. قلت: العتبة هي مقدار الألم الذي يتحمله الجسم قبل أن يبدأ الإحساس بالألم، فقال لدى البنجالي عتبة ألم واطئة وقدرة ضعيفة على تحمل الألم. أما الإيراني والباكستاني فعتبتهم عالية وقدرتهم على تحمل الألم أعلى بكثير من قدرة البنجالي على تحمل نفس القدر من الألم.

    **

    ورغم أن كتب الطب تتحدث عن الاختلاف الطبيعي في العتبات وقدرة الناس على تحمل الألم. ورغم أن التجربة العملية صدقت ما قاله الكتاب وما قاله الخبير، إلا أنني لمحت أثرا من تقسيم البشر إلى أعراق ثلاثة أو أربعة، وربما خمسة، ويزيدهم البعض إلى سبعة رئيسية. وثلاثين عرقا فرعيا: القوقازي والمنغولي والأسود. الأسود في ذيل التصنيف العام، والهنود والبنغال في ذيل القوقاز.

    وفي حديث جانبي مع طبيب صديق، يكتب الشعر العامي، ويترجم الروايات القصيرة، مختص بأمراض النساء، ويعمل مع أطباء بلا حدود في بنجلاديش وفيتنام. حكيت له عن هذه الخبرة التي أعتبرها غريبة. فنفى الغرابة وقال: إنهم أجروا في بنجلاديش دراسة حول قدرة النساء على تحمل آلام الولادة، فأكدت التجربة أن البنجاليات المسلمات كن الأٍقل قدرة على تحمل الألم.

    وأضاف أن تحمل الألم جزء من إيمان المسيحيات والهندوس، لكنه ليس جزءا من ثقافة المسلمات أو المسلمين عموما. قلت حتى في مؤخرة السفينة، يقسم البشر أنفسهم إلى مجموعات، وقلت أيضا: انظر كيف يكون تحمل الألم فصلا في اكتمال الإيمان.

    (1)

    وقبل أن ينتهي القرن العشرين الطويل نشر، أطباء أوربيون دراسة عن مجموعتين متماثلتين إلى حد التطابق، في العمر والمرض والعلاج الجراحي الجذري لسرطان المثانة وتحويل مجرى البول. المجموعة الأولى من الطليان، والمجموعة الثانية من أحفاد الڤايكنج في السويد.

    موضوع الدراسة هو اختبار تأثير العوامل السابقة كلها على “نوعية الحياة” التي يعيشها المرضى بعد هذا الإجراء الجراحي العنيف. كانت توقعات الأطباء تصب في مصلحة الڤايكنج. نظرا لارتفاع مستوى الحياة وتفاصيلها في السويد الغنية مقارنة بإيطاليا الفقيرة نسبيا. لكن النتائج الفعلية خالفت التوقعات، وانحاز ميزان المنحنى لصالح الطليان.

    لم يجد الأطباء تفسيرا علميا لمخالفة الظن وخيبة التوقعات، فانحازوا إلى الميتافيزيقا: يتمتع الطليان بإيمان كاثوليكي، جعلهم يحتملون واقعهم المرضي. والأثر الجانبي لاستئصال المثانة وكيس البول المتدلي من ثقب أسفل البطن، وما ينطوي عليه من كسر لصورة الجسد، بقلب عامر بإيمان مسيحي. يرى المحنة اختبار إلهيا، يغفر به خطاياهم، ويخفف حملهم الثقيل في ملكوت السماء، فحسن الإيمان بجنة الآخرة نوعية ما تبقى لهم من حياة على الأرض.

    يفتقد الڤايكنج إلى مثل هذا الإيمان، فتعاملوا مع المحنة كعقاب على ذنوب مجهولة، أو ذنب لم يرتكب من الأساس. لا يتقبل الإنسان بسهولة فكرة العقاب، وغالبا ما يتحول هذا الإنكار إلى عذاب. وبعد الإنكار يستسلم المرء غاضبا فيكتئب، وتنهار نوعية الحياة. اختبار من الله أم عقاب؟ أم فصل آخر من صعوبة الفن وسلطة الإيمان.

    (2)

    اختيار أم عقاب؟

    يميز الباحثون في الفلسفة والعلوم بين التعريف والمفهوم.

    يقال إن التعريف هو موجز المعلومات عن شيء معين. وذكر الخصائص التي تميزه بهدف تحديده، ووصفه بدقة، وتقديمه إلى الآخرين. باختصار، إن من يعرّف شيئا يعني أنه أحاط به علما.

    وهذا يعني أن تعريف الأشياء هو اختصاص حصري لأهل العلم المختصين بالمجال الذي يدور فيه الشيء المقصود. وبما أن العلم يعني بما هو نسبي، وبما هو قابل للتغير، يتسع أفقيا بالبحث ورأسيا بالتراكم. فهذا يعني ضمنا أن التعريف محكوم عليه بالتغير، وفق سرعة تدفق المعلومات وتغير العالم.

    أما المفهوم فهو تلك الفكرة التي تتكون في الذهن، نتيجة لما اكتسبه من خبرات متتالية فيما يتعلق بأمر ما أو تجربة من التجارب التي يخوضها بنفسه. فإذا عدنا إلى تعريف الثقافة كشبكة من الخيوط، أو العلاقات، تتشكل من جماع خبرة الأفراد كعقل جمعي، كمخزن خبرات جماعي.كبيت مال رمزي يحفظ فيه الأفراد ودائعهم، ويسحبون منه كل يوم دون أن ينفد الرصيد. نجد أن “المفهوم” هو فكرة الجماعة عن شيء ما، وأنه نتاج الحياة اليومية والعمل المشترك.

    باختصار التعريف عمل فردي، والمفهوم عمل جماعي. التعريف مجاله العلم، والمفهوم جذره في الثقافة. التعريف متغير، والمفهوم يتغير أيضا. لكن ببطء شديد، بطء يقترب من الثبات. باختصار آخر فيما يخصنا هنا: رؤية الأطباء للمرض تعريف، ورؤية المريض لمرضه مفهوم.

    (3)

    قبل عام أو أكثر قليلا أصبت بجلطة مفاجئة في واحد من شرايين القلب، كان الألم الذي أيقظني من نومي عنيفا ومخيفا بالفعل. وهو ما استدعى دخولي غرفة العمليات بشكل عاجل لتركيب دعامتين بشرايين القلب.

    نجوت، وفي أول زيارة لطبيب القلب المعالج بعد التدخل الطارئ قال لي مبتسما: أرجو ألا تقع في السؤال الذي يقع فيه مرضى القلب عموما، قلت مستغربا ما السؤال؟ قال: لماذا أنا!! وماذا فعلت لكي أستحق هذا العقاب!! قلت مبتسما لا، لم أفكر في هذا، ولا بهذه الطريقة. فما حدث هو نتيجة متوقعة لطريقتي المتوترة في الحياة ولمعدلات التدخين العالية التي عشت بها طوال أربعين عاما.

    في الكتب التي تعنى بتاريخ الطب يقال إن الطب بدأ في مواجهة غموض الطبيعة والمصير الإنساني بالسحر، ثم أصبح دينيا، ومع التقدم والتطور أصبح علميا تجريبيا. ومع هذه المسيرة الطويلة من السحر إلى العلم تغير تعريف المرض ومفهومه أيضا، وبما يتوافق مع هذا التطور.

    تغير التعريف مبكرا، وبطريقة معقدة سنعرضها فيما بعد. أما مفهوم المرض فكان أكثر التزاما بالمراحل: مفهوم سحري، ثم مفهوم ديني” اختبار/عقاب”، ثم مفهوم علمي. الأغرب هو أن هذه المفاهيم جميعا ما تزال متجاورة وحاضرة بقوة في العقل الجمعي للبشر.

    لكن الباحثون في هذا المجال يؤكدون أن أكثر هذه المفاهيم حضورا في الزمان وانتشارا في الكوكب الأزرق هو المرض كعقاب. ويقولون أيضا أنه ظهر أولا فيما بين النهرين قبل آلاف السنين. ومع السبي البابلي انتقل إلى العهد القديم، ومنه إلى العهد الجديد، ثم عبر المتوسط وأصبح مفهوما عالمي الآفاق.

    ربما لعبت الأديان دورا في سيادة هذا المفهوم، سينحاز المسلمون للاختبار، وينحاز اليهود للعقاب. مرض الفرد اختبار، والوباء عقاب جماعي لخطيئة فرد واحد في بعض الأحيان، أو انتقام الرب ممن أساءوا لشعبه المختار!

    العقاب غالبا يخص الأغيار، فلماذا يتبنى الأغيار أنفسهم مفهوم المرض كعقاب؟

    (4)

    الألم الذي أيقظني من النوم وجعلني أطلب النجدة، والألم الذي يدفعك لسحب يدك بسرعة بعيدا عن وعاء ساخن أو من لسعة النار، أو الذي يدق رأسك مباشرة حين يلتهب عصب الضرس أو الأسنان، ليس هو المرض، بل جرس الإنذار الذي يبعد يدك عن النار أو يسحبك من اليد نفسها إلى الطبيب. ويعقد بينكما اتفاقا ضمنيا على التقليل من حدته وجعله محتملا، أو إيقافه، أو التخلص منه -الآن – مع وعد بعدم التكرار.

    ورغم التطابق التشريحي والتخطيط الفسيولوجي لجميع البشر تقريبا. إلا أن تجربة الألم هي تجربة فردية تماما وشخصية جدا. يختلف توزيع مستقبلات الألم في الغلاف الخارجي للجسم عن توزيعها داخله، ويختلف توزيع مستقبلات الألم في الوجه والشفاه عن توزيعها في الكف وباطن القدم.

    بعض أْعضاءنا الداخلية لا تستجيب لمثيرات الألم المعتادة: عنق الرحم يحتمل الكي دون تخدير، والمهبل لا يؤلم إلا عند الاتساع، الكبد والحويصلات الهوائية لا يسبب التعامل معها أي شعور بالألم، وبعض الآلام لذيذة مثل ألم الجماع والأورجازم. ولأن الفسيولوجيا علم يبحث في وظائف الأعضاء والقوانين العامة التي تحكم هذه الوظائف وهذه التجارب الفردية.

    **

    ولأن الألم واحد من هذه التجارب فكان لابد أن يخضع للبحث العلمي. قضت المعتقدات القديمة حول اختلاف النساء عن الرجال، واختلاف أحوال النساء باختلاف دورة الهرمونات شهريا ومع التقدم في العمر باستبعاد النساء من البحث التجريبي في فسيولوجيا الألم وقصر البحث التجريبي في الألم على الرجال!! غالبا وبحكم ذكورية العلم في القرن التاسع عشر التأسيسي وبحكم التاريخ الذكوري الطويل.

    وباعتبار أن الرجال أقوى من النساء، قر في الأذهان أن النساء أقل قدرة من الرجال على تحمل الألم. كأن أحدا لم ينتبه مثلا أن مريم العذراء اعتزلت بحملها وولدت المسيح عيسى وحدها. فهل وضعت السيدة مريم حملها دون ألم؟! أم أن الأمر كله كان معجزة إلهية، ضد القانون الطبيعي، وضد الألم؟!!، ولم ننتبه نحن المعاصرون أن امرأة هندية تعمل في مزارع الشاي، تضع حملها وحدها، وتربط الحبل السري وتحمل وليدها على ظهرها. ثم تعود بعد ساعة أو ساعتين إلى عملها القسري، تجمع أوراق الشاي الأغلى في العالم من قمم الجبال لكي يعتدل مزاجنا نحن ونقول إنهن أقل قدرة على تحمل الألم!!، وهذا يطرح سؤالا حول الدور الاجتماعي للجندر في تأطير البحث العلمي ونتائج التجارب العلمية.

    **

    هل اختفى هذا الدور عندما أدرجت النساء في تجارب الألم؟ بعض الأبحاث التي أجريت على الحيوانات أثبتت عدم وجود اختلاف في عتبة الألم ولا في القدرة على تحمله بين الذكور والإناث. وبتطبيق الأبحاث نفسها على البشر بعض التجارب توصلت للنتيجة نفسها، وبعضها توصل إلى وجود اختلاف بين الرجال والنساء، وبعضها توصل لاختلاف حساسية النساء للألم باختلاف توقيت إجراء التجربة قبل وبعد وأثناء للدورة الشهرية، وبعضها لم يرصد هذه الاختلافات.

    الأغرب أنه في واحدة من هذه التجارب التي أجريت على الشباب والشابات تبين أن عتبة الألم والقدرة على تحمل الألم لدى الذكور ترتفع إذا كان الباحث أنثى عما إذا كان الباحث رجلا!! كأن الرجل بإمكانه أن يحتمل ألما فوق طاقته، من أجل صورة للذات في خياله، أو موعد غرامي محتمل!!

    هذه النتائج تشكك في قدرتنا على الوصول إلى قياس حقيقي للألم، أو استنباط قوانين عامة تحكم ما هو فردي تماما، وفي الوقت نفسه خاضع للعقل الجمعي، وللخبرات النفسية، وللطموح الجنسي، وربما للجينات والوراثة أيضا.

    اقرأ أيضا

    «طب وثقافة وناس»: شعراء كرة القدم.. شعراء غرفة العمليات

  • «طب وثقافة وناس»: شعراء كرة القدم.. شعراء غرفة العمليات

    «طب وثقافة وناس»: شعراء كرة القدم.. شعراء غرفة العمليات

    في عام 1987، عامي الأول كطبيب مقيم، أصدرت لين باير، الحاصلة على شهادتين واحدة في العلوم وواحدة في الصحافة، كتابها الأول: كيف تتجنبين استئصال الرحم. والعام التالي (1988) أصدرت كتابها الأكثر شهرة: الطب والثقافة: اختلاف طرق العلاج بين الولايات المتحدة، إنجلترا، فرنسا- كان حائط برلين ما يزال قائما ويقسم ألمانيا إلى شطرين. فأضافت ألمانيا الغربية إلى زمرة الدول المعنية بالسؤال.

    وفي العام الذي حصلت فيه على الماجستير (1992)، صدرت من الكتاب نفسه طبعة ثانية منقحة. ونفس العام الذي فشلت فيه في الحصول على الدكتوراه (1996). أصدرت كتابها الثالث، وربما الأخير: تجّار المرض: كيف يجعلك الأطباء، وشركات الأدوية، وشركات التأمين تمرض.

    لم تستخدم لين باير في كتابها الأخير كلمة trader والتي تعني تاجر أيضا. ولكنها استخدمت الكلمة ذات الأصل اللاتيني monger، الكلمة التي حظيت في القرون البعيدة بسمعة جيدة، حتى لوثها بائعو زيت الثعابين في القرى. فأصبحت مجرد بادئة تدل على رداءة الصنف الذي يٌروج له، مثل مروجى الشائعات، وتجار الحروب وباعة الأسماك الفاسدة. وفي السنة التي انتهيت فيها من ترجمة “تاريخ الطب” من اللغة الفرنسية (2001)، ماتت لين باير بقاتل النساء المتسلسل: سرطان الثدي.

    (1)

    في 2016، وربما في نهاية العام الذي سبقه، كتبت في نص لي قائمة بالأشياء التي أحبها، من بينها: السير الذاتية للشعراء المجهولين. لكن الحقيقة أنني أحب السير الذاتية لشعراء كرة القدم، مثل سقراط كابتن منتخب البرازيل، في أجمل نسخة لهذا المنتخب، بالمصادفة كان طبيبا يعالج الأطفال بالمجان تقريبا. ويقال إنه كان شيوعيا، لم يستطع اللعب في إيطاليا، لأنه لا يستطيع العيش واللعب لغير نادي كورنثيانز في ساو بالو: بقيت في كرة القدم من أجل الوزن السياسي، ومواجهة القمع الذي يمارسه العسكر.

    وأحب أوليڤر ساكس، صاحب يقظات، والرجل الذي حسب رأس زوجته قبعة، طبيب الأعصاب، اليهودي، المثلي، شاعر الطب الحديث كما يقولون. لكنني لا أعرف شاعر الطب القديم. ربما لا أحب مكتشف البنسلين “فيلمنج” بنفس القدر الحب الذي أكنه لقائمة طويلة من الأطباء المجهولين. هل تعرف ييلاباراجاداسوبيراو، مثلا؟

    (2)

    في 1817، وصف الطبيب الإنجليزي جميس باركنسون مرض الشلل الرعاش للمرة الأولى. فعرف المرض باسمه، وصار يوم ميلاده في الحادي عشر من أبريل يوما عالميا للتوعية بالمرض، وشعاره التوليب الأحمر.

    بعد قرن بالتمام، 1917، وصف طبيب النفس والأعصاب النمساوي كونستانتينفراهر فون أكونومو (من أصل يوناني، ومولود في رومانيا) مرض التهاب الدماغ الخمولي الذي ظهر في أوروبا وأمريكا الشمالية كوباء بين 1915و 1926 (لم يربط أحد بين الوباء والحرب العالمية الأولى!!). أصاب المرض مليونا من الناس، مات نصفهم تقريبا، ومن بقي منهم في قيد الحياة، لم يعد إلى الحياة مرة أخرى.

    بعد أربعين عاما (1957) ظهر الدوبامين كموصل عصبي في الدماغ. وفي العام 1968 نجح جورج كوتزياس، يوناني آخر، في استخدام الليفودوبا (L dopa) في علاج مرض باركينسون.

    وفي العام التالي، كان أوليڤر ساكس طبيب أعصاب بمستشفى بيث ابراهام، برونكس، نيويورك. جرب الدواء على مرضى الشلل الرعاش ومرض التهاب الدماغ الخمولي. ووضع خبراته هذه في كتاب يقظات أو إيقاظات (Awakenings) (1973).

    في 1990 تحولت ذكريات/ ايقاظات ساكس إلى فيلم. لعب روبرت دي نيرو دور المريض الخمولي، فرشح لجائزة الأوسكار، لكنه لم يفز به. أما روبن وليامز الذي لعب دور الطبيب في السينما خمس مرات. من بينها دور الطبيب مالكولم ساير أو أوليڤر ساكس، ففاز بالأوسكار عن دوره كطبيب نفسي في فيلم جود ويل هانتنج.

    الغريب أن روبن وليامز أصيب في أخريات أيامه بمرض نادر: خرف أجسام ليوي المصاحب غالبا لمرض باركينسون أو الشلل الرعاش. يقال إنه قال لزوجته تصبحين على خير يا حبيبتي، دخل غرفته، لم يكن قطع شريانه كافيا، فشنق نفسه بالحزام. يغامرني الشك أحيانا أن خيارتنا في الحياة تلعب دورا في الطريقة التي نموت بها، مات كابتن جمعية الشعراء الموتى، فكتبت الصحافة: مات أطرف رجل عاش.

    (3)

    يفترض الناس، وربما الأطباء أيضا، أن الطب واحد.

    وفي ظني، أو في ملتي واعتقادي كما يقول أبو العلاء، أن الناس في العالم القديم عبدوا آلهة كثيرين. ثم جمعوهم في إله واحد. وفي ظني أيضا، أن الطب الذي بدأ سحريا، ثم دينيا، كان متعددا كالآلهة، حتى جمعته الرأسمالية في كتاب واحد. ومثلما تقدم نفسها كطريقة للإنتاج عالمية الآفاق. قدمت للناس طبا واحد عالمي الآفاق أيضا، اسمه الآن الطب الغربي الحديث، وفي الكتب المتخصصة يسمونه الطب الأرثوذكسي، أو الطب المستقيم.

    ومثلما استولت على خيرات الشعوب البعيدة، استولت على طب هذه الشعوب، أطلقت على الغنيمة اسم الطب البديل، كوصمة أو علامة على انخفاض القيمة، وعندما توحشت، ابتلعت البديل. لكنه لم يكن قابلا للهضم تماما فاعتبرته مكملا غذائيا يلجأ إليه وقت أو حسب الحاجة، وأطلقت عليه وصف الطب التكميلي.

    الغريب أنها لم تؤمن أبدا أن الإنسان واحد. وعندما ينقسم الواحد على كثيرين، حسب اللون، والعرق، والطبقة، والنوع يحصل كل فريق على كسر عشري من الخدمة أو من الفرصة المستحقة للعلاج.

    (4)

    تعرّف القواميس والموسوعات الطب بأنه فن وعلم تشخيص الأمراض وعلاجها. لم يذكر التعريف الناس صراحة في متنه، لكن حضورهم ضمني، فنحن نشخص الأمراض التي تصيب الناس، ونعالج الناس من الأمراض التي تصيبهم. الأغرب من غياب الناس هو حضور كلمة الفن في التعريف. كأنها تضيف بعدا إنسانيا يفتقده العلم مثلا، أو رغبة أصيلة من صانعي القواميس في ضم القديم إلى الحديث. لكنهم يتناسون أن إيبوقراط عندما وصف الطب بأنه فن، أضاف له صفتين: الطويل والصعب، لكنه قال أيضا إنه يأتي في مؤخرة الفنون جميعا، لأن من يمارسونه لا يحسنون ممارسته.

    أما الثقافة فمن الصعب الاستقرار على تعريف يرضي الجميع. فهناك من يرى أنها: نظام مشترك من القيم والمعتقدات وأنماط السلوك المكتسبة، ويمكن تطبيقه على المجموعات العرقية، والمجموعات الإقليمية، والمجموعات المهنية. وهناك من يعتقد أن الإنسان حيوان معلق في شبكات غزلها بنفسه، الثقافة هي تلك الشبكات، ويبدو أن هذه الشبكات هي نفسها النظام المشترك المغزول من القيم والمعتقدات وأنماط السلوك والعلامات. وبالتالي فإن تحليلها ليس علما تجريبيا يبحث عن القانون، بل عمل تفسيري يبحث عن المعنى.

    **

    الثقافة إذن لا تسبب السلوكيات أو الأحداث الاجتماعية، بل هي السياق الذي يمكن من خلاله وصف أو فهم تلك السلوكيات والأحداث. بصياغة أخرى تدور الثقافة حول الهوية أو ذات الفرد في علاقة مع جماعة. والجماعة هي شبكة من العلاقات تحيط بالذات. أن تكون جزءا من ثقافة يعني أن ترتبط بمجموعة من القصص مع آخرين، داخل سياق محدد، الثقافة هي السياق، المجمع التفسيري، أو دائرة الفكر بتعبير فتجنشتاين، أو العقل الجمعي بتعبير لودفيج فليك.

    بهذا الفهم الذي يري الثقافة شبكة، والشبكة غزل من خيوط كثيرة، مليئة بالثقوب، يصبح تشخيص الأمراض وعلاجها -كعلاقة بين أفراد أو ذوات تجمعهما قصة عنوانها الألم أو الرغبة في الشفاء- خيط واحد في الغزل الكبير.

    الطب إذن جزء من كل، فما الذي يحدث حين يتقاطع هذا الخيط مع باقي الخيوط في الشبكة. ما الذي يبقى عالقا ليس كسمكة سيئة الحظ بل كطالع حسن يعلي من قيمة الصياد. وما الذي يفر من الثقوب. أو ما الذي يحدث حين يتقاطع الطب مع اللون، والجنس، والنوع، والعرق.

    ***

     

    في غرفة العمليات

    لن تحتمل جبروت عينيه

    ستضع عينيك في الأرض وأنت تعبره

    حتى لا يراك

    ربما تعتاده وهو يقول بصوت رخيم

    لا شيء جديد

    سيضع الدباسة التي تخيط الأمعاء بتكة واحدة

    ويكلم نفسه

    هذه أيضا حركة قديمة بأدوات جديدة

    بعد أعوام كثيرة

    ستكتشف – بين الحكمة والجبروت-

    طابورا من النمل

    يحمل ذرة واحدة من السكر

    إلى بيت خرافي الممرات

    تحت قشرة العالم

    اقرأ أيضا:

    لقاءات حزينة مع فكرة الناس عن الهوية

  • لقاءات حزينة مع فكرة الناس عن الهوية

    لقاءات حزينة مع فكرة الناس عن الهوية

    لا يرجع تعدد الهويات إلى اختلاف مكوناتها، فهي تتشكل من نفس العناصر ولكن بنِسَب مختلفة. لا وجود لهوية عرقية أو ثقافية نقية، فهويتنا تتألف حرفيا من آخرين. لذلك من العسير أن نعي ونتقبل التعددية في الفضاء العام إذا لم نكن قادرين على استيعابها وتقبلها في فضاء الذات.

    د. وائل فاروق

    أستاذ بالجامعة الكاثوليكية. ميلانو

    (1)

    في يوم السبت، التاسع من أكتوبر سنة 1993، كان سفري الأول خارج البلاد، إلى فرنسا. بالمراسلة والمصادفة السعيدة حصلت على وظيفة في مستشفى جامعي، غادرت بتذكرة ذهاب دون عودة. في محطة المترو التي تقع خارج مطار شارل ديجول الصغير، كنت تائها، فدلني شاب “منياوي” طويل القامة ونحيل جدا، حمل عني الحقيبة، أوقفني على رصيف ما. وقال لي: من هنا تركب المترو إلى محطة قطارات الشمال. وضع الحقيبة بهدوء، واختفى. في السادسة مساء وصلت إلى “روان” عاصمة إقليم نورماندي، ومنها إلى مستشفى شارل نيكول الجامعي. لخطأ في المواعيد لم أجد أحدا في انتظاري، بعد اتصالات قليلة وصل البروفيسور رئيس القسم، ونمت ليلتي الأولى في بيته.

    في صباح الأحد، كان البروفيسور قد وعد طفله الأصغر بزيارة إلى متحف “مدام بوڤاري”، ولم يكن منطقيا أن يتركني وحدي، فذهبت معهم. من الأمام يقود البروفيسور السيارة، وزوجته إلى جواره تقرأ خارطة الطريق وتشير بيدها إلى الاتجاه المطلوب. والخلف جلست بصحبة ابن السبعة أعوام، الذي فاجأني قائلا: هل تعرف چان پول؟ قلت: من؟ قال بصوت أعلى: چان پول؟ لم يخطر على بالي سوى چان پول سارتر، فرد عليّ بصوت غاضب: چان پول البابا، ألا تعرف البابا؟ تدخل البروفيسور سائلا: هل أنت مسلم أم قبطي؟ قلت: مسلم. فقال: هل تصلون في سيناجوج (معبد يهودي) أم في موسكي (مسجد)، وضع البروفيسور اليهود والمسلمين في جملة واحدة غريبة، قلت: مسجد، فقال: لا أعرف مساجدا في هذه المدينة، ابحث لنفسك عن مسجد.

    (2)

    في عطلة الأسبوع التالية، كان الاجتماع الشهري لجراحي المسالة البولية بإقليم نورماندي. لقاء علمي اجتماعي، بعد التعارف، والقليل من العلم، جاء دور الكلام العام. على طاولة جانبية طويلة، عصائر ونبيذ في زجاجات، وشمبانيا جاهزة في كؤوس طويلة شفافة. سحبت كأسا، وبعد الرشفة الأولى، فتح نائب رئيس القسم فمه مندهشا وهو يقول: ألست مسلما، قلت: بلى. قال: إذن كيف تشرب! تركني في حيرة، لا أعرف هل أكمل كأسي وأسحب غيرها، أم أضعها جانبا، وأنصرف.

    (3)

    في المشفى التقيت طبيبا تونسيا متخصصا في أمراض القلب، جاء قبلي بأسبوع واحد، لم يكن يدخن، لكنه كان يشتري علبة سجائر من النوع الذي أدخنه، يسحب منها سيجارة واحدة، ويعطيني العلبة قائلا: إذا احتجت إلى سيجارة سأطلبها منك. كانت علاقتنا لطيفة وصافية، نلتقي في المطعم. وفي صالة البنج بونج، كان أكثر مهارة مني في تنس الطاولة، لكنه لم يغلبني حتى في شوط واحد. منذ البداية الأولى كنا حاسمين، اتفقنا إنه تونسي وأنا مصري، ولا مكان للعروبة بيننا.

    سيوة
    سيوة
    (4)

    من خلال طبيب القلب التونسي تعرفت على طبيب تونسي آخر، لا أعرف ما هو تخصصه. هاجر أبواه إلى فرنسا وهو طفل في الرابعة من عمره. نسي ما يعرفه من اللغة العربية، وتعلمها من جديد بعد أن تخطى العشرين في أحد مساجد باريس. لديه صديقة تزوره في سكن الأطباء الأجانب، وتبيت عنده. كان متوترا دائما وعصبيا، كانت له حبيبة مغربية، صيدلانية معنا في المستشفى، رفضت أن تقيم معه علاقة كاملة، لأنها ستعود يوما ما إلى كازابلانكا، وتخاف أن تعود إلى أهلها دون غشاء بكارتها، فانفصلا. كان يصلي الفروض كلها بإخلاص، ويسكر بحماس. وفي الليل كان يسمع أشهر مغني لفن القوالي الصوفي الهندي، نصرت فاتح خان، بصوت عال جدا، يقلق راحة الجميع، وفي الفاصل بين نشيدين، بإمكانك أن تسمع صوته وهو يضرب رأسه في الحائط، ويبكي.

    (5)

    خلال الأسابيع الأولى، أو بالأحرى من اللحظة الأولى لوصولي، اكتشفت أن كل ما تعلمته قبل السفر في المركز الثقافي الفرنسي لا يساعدني على فهم ما يقوله الفرنسيون، ولا في التعبير عن نفسي. خلال هذه الأسابيع كنت أتأكد من فكرة بسيطة مفادها أنه لا وجود للإنسان خارج اللغة، فعشت كطيف حائر في معطف الأطباء الأبيض، صامت في غرفة العمليات، يطيل الوقوف مع الباعة في السوق القريب، حتى تنفك عقدة لسانه. وحين انفكت سألت زميلي برنار بوالو عن قرابته للشاعر الفرنسي نيكولا بوالو (القرن السابع عشر). فقال إنه لا يعرف شاعرا بهذا الاسم، لكنه ربما يكون جده السابع مثلا.

    كان هو أيضا سعيدا بانحلال عقدة لساني، فقال لي هل أنت من القاهرة أم من الإسكندرية، غالبا لا يعرف الفرنسيون من المدن المصرية غيرهما. قلت أنا من المنصورة، قال أين هذه المنصورة، قلت كيف لا تعرفها، هذه مدينتي التي هزمت الفرنسيين وأسرت ملكهم لويس التاسع في القرن الثالث عشر! شحب وجهه الأحمر كأنني صمت دهرا ونطقت كفرا، لكنه تمالك نفسه وقال: هذا الكلام بيننا، لكن إذا ذكرت هذا أمام الآخرين فقل الصليبين ولا تقل الفرنجة.

    (6)

    بعد شهرين تقريبا التحق بالعمل معنا بالقسم جراح جديد، اسمه عربي، لكنه طويل وعريض، أبيض البشرة، بشعر أسود فاحم وغزير، بإمكانك أن تقول إنه تركي أو إيطالي، أو ينتمي للضفة الشمالية للأبيض المتوسط، ملامحه ليست فرنسية، لكن لغته فرنسية تماما دون غلطة أو لكنة. كان يكبرني بأربعة أعوام، لكنه كان جراحا شديد المهارة، ولا يكف عن العمل والكلام والضحك. على خلاف زملائنا الفرنسيين لم يكن يناديني بالمصري، بل بلقبي العائلي، ويرى أن للقبي إيقاع إيطالي يحبه.

    أبوه مغربي وأمه فرنسية، ولد في المغرب، لكنه لم يكن يعرف من العربية حرفا واحدا ويصر عند لقائي أن يقول لي بصعوبة: صباه الهير. صرنا أصدقاء فدعاني إلى بيته، تعرفت على طفليه الصغيرين: البنت ميشيل، والابن توما. كان مهووسا بجمع آلات التصوير والآلات الكاتبة القديمة. كانت لديه مكتبة غنائية عامرة، ليس من بينها شريط غناء عربي واحد. وحين سألته، قال إنه لا يعرف أم كلثوم، ولا يعرف من فيروز سوى أغنية وحيدة لحنها مارش الجيش الروسي!

    **

    بعد أن تعمقت صداقتنا، وكان قد مضى على وجود في فرنسا ما يقرب من العام، دعاني للعشاء خارج البيت، أكلنا وشربنا حتى السكر. ونحن سكارى سألني: كيف ترى الفارق بين مصر وفرنسا. قلت كلاما قليلا متلعثما وبلا معنى تقريبا، وحين رددت عليه السؤال، وليتي ما سألت، انفجر في البكاء ومن بين دموعه قال: أنت مصري، تستطيع أن ترى الفارق بين مصر وفرنسا. أما أنا فعمري 36 سنة قضيت نصفها في المغرب ونصفها في فرنسا.

    في المغرب أحمل جواز سفر مغربي ولست مغربيا، في فرنسا أحمل جاوز سفر فرنسي ولست فرنسيا، لست من هنا ولا من هناك وبالتالي لا أستطيع أن أرى الفارق بين البلدين. عليّ أن أعمل بطاقة أكبر من الفرنسي عشر مرات لكي أحصل على ما يحصل هو عليه. هل تعرف ما اسم ابنتي؟ قلت ميشيل، قال: اسمها الرسمي فاطمة. هل تعرف اسم ابني: قلت توما، قال لا، اسمه الرسمي إدريس -كأنه كان يعيد إنتاج المشكلة نفسها ليس مرة واحدة بل مرتين- أنجبت أطفالي قبل الزواج، لأن أهل زوجتي رفضوا أن يزوجوا ابنتهم من مغربي، فوضعناهم أمام الأمر الواقع. ومسح دموعه صامتا، فبكيت.

    (7)

    كانت لنا زميلة في قسم الجراحة العامة، ذكورية الملامح إلا من شعرها الأصفر الطويل، جسدها قوي، كلما التقتني في قاعة الطعام اشتعل وجهها وتكدرت ملامحها من شدة الغضب. عرفت بعد قليل أنها عضو في حزب الجبهة الوطنية لزعيمه الأشهر جان ماري لوبن. في يوم ما كانت في طريقها إلى مكتب زميلي الضائع بين عالمين، كان باب مكتبي الفخم مفتوحا ورأتني جالسا وراء المكتب أقلب في أوراق ما، فتوقفت وقالت: أنت أيها التافه تجلس في هذا المكتب الفخم، اللعنة. قالت جملتها واكملت طريقها. فقمت من مكاني، فتحت النافذة العريضة التي ورائي، وأشعلت سيجارة، وضحكت. بعد أيام ربما أو أسابيع، كنا في انتريه العمليات، جراحو المسالك كلهم فيما عدا البروفيسور، حين دخلت علينا هذه الزميلة، كانت قد انتهت من إجراء جراحة طويلة. وتبحث بشغف عن سيجارة، كنت الوحيد الذي يدخن، ناولتها العلبة، لكنها رفضت قائلة: أفضل الامتناع عن التدخين ولا آخذ سيجارة من عربي.

    (8)

    بعد سنوات قليلة، كنت في واحدة من دول الخليج، جراحا لم يعتد أبدا أن يقال لي يا مصري باللغة العربية، كانت نبرة النداء تحمل قدرا لا يخفى من عدم الاحترام وربما الإهانة. في البلد نفسه بعد سنتين، وبمناسبة نهاية القرن العشرين الطويل، أصدرت جريدة فرنسية شهيرة، لا أذكر هل كانت اللموند أم الفيجارو، ملفا فلسفيا عن استشراف القرن الجديد. ترجم الملف الصديق الشاعر والمترجم المصري الكبير الصديق محمد سيف، ونشرته جريدة محلية.

    كان الملف مخيفا، لكن الأكثر مدعاة للخوف والقلق كان مقالا داخل الملف عنوانه: الهوية المرنة. باختصار قال الفيلسوف: تخيل طفلا ولد في الخليج لأبوين مصريين، وعاش سنوات طفولته فيه. ثم أكمل تعليمه في إنجلترا، ثم استقر في كندا من أجل العمل، إلى أي من هذه البلاد سينتمي؟ الأرجح أنه لن ينتمي لأي من هذه البلاد، سينتمي لذاته فقط، لمصلحته المباشرة والضيقة، وبذلك يصبح مواطنا عالميا، لا ينتمي لأرض بعينها، ولا ثقافة بحد ذاتها، الهوية لا يشكلها الآخرون فقط، بل تشكلها المصلحة أيضا، وهذه هي العولمة!

    (9)

    يتنسب الناس عادة إلى مسقط الرأس أو المهن. في عصر الطوائف يورث النحّاس أو الحداد مهنته لأبنائه، فتصبح المهنة لقب العائلة. ينتقل المواطن من دمياط إلى القاهرة فيحمل لقب الدمياطي إلى الأبد. كأن الهوية لا تتحدد في السوق فقط، بل تتحدد أكثر بالانتقال من مكان إلى مكان، كأن الواحد منا لا تشعر بهويته إلا في الغربة!

    حيث يحاصرك أهل المكان الجديد، ويفرضون عليك تصورهم عنك وعن أهلك. في الغربة يحضر النمط وتختفي الذات. بهذه الخبرات البعيدة قر في داخلي أنك لا تكون مصريا في مصر بل خارجها. لكن الغريب أنني في شتاء هذا العام (2022) كنت أعمل في أماكن مختلفة من محافظة مرسى مطروح المصرية، ولا أعرف لماذا أصر السكان الأصليون هناك على مناداتي: دكتور مصري!! ولا أعرف أيضا لماذا لا أقول إنهم أمازيغ، بل أقول عنهم: السكان الأصليين للواحة. كأننا لا ننتمي إلى البلد نفسه. أو كأنني غريب في صحبة غرباء.

    اقرأ أيضا:

    بورنوغرافيا الدم وإدمان العنف: هل أصبح العالم فيلم رعب كبير؟

باب مصر