باب مصر

الكاتب: حنان شافعي

  • أم كلثوم فى تقارير السفارة الأمريكية

    أم كلثوم فى تقارير السفارة الأمريكية

    يأتي الفنانون في مقدمة أدوات القوة الناعمة. ولطالما كان الموسيقيون في الشرق الأوسط من العناصر الأساسية في الدبلوماسية الثقافية لأكثر من 1000 عام، حيث أرسلت وتبادلت الكيانات القوية قديمًا الموسيقيين كدليل على إنجازاتها وسلطتها. هذا ما يتناوله كتاب «الموسيقى والدبلوماسية الثقافية في الشرق الأوسط.. إعادة التكوين الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين» الصادر مؤخرا عن مؤسسة «الجريف ماكميلان» في لندن، بمشاركة مجموعة من الأساتذة المتخصصين في الأنثروبولوجيا وتاريخ الموسيقى.
    ***

    وضمن فصول الكتاب المتعددة وتحت قسمه الذي يبحث تمثلات القوة الناعمة في إدارة الدولة وفن صناعة الموسيقى ومن ثمّ رموز الدبلوماسية الثقافية وأهم نماذجها في منطقة الشرق الأوسط، حضرت كوكب الشرق أم كلثوم  على رأس فصل خاص قدمته البروفيسيرة فرجينيا دانيلسون، الأستاذة بقسم الموسيقى في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، والتي سبق وأن صدر لها مؤلف كامل بعنوان «صوت مصر: أم كلثوم والأغنية العربية والمجتمع المصري في القرن العشرين» عن مطبعة جامعة شيكاجو (2011).

    وبخلاف الدراسة المعمقة النابعة ربما من إعجاب المؤلفة بأم كلثوم، تقدم لنا دانيلسون نظرة نقدية بعين مختلفة ليس فقط لمسيرة «كوكب الشرق» الفنية المبهرة ولكن أيضا للحظات تاريخية هامة ومفصلية في تاريخ مصر قبل وبعد سقوط الملكية، وخلال السنوات الأخيرة لوجود الاحتلال البريطاني وما تبعه من تغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية أثرت في أجيال كاملة ولا يزال صداها يتردد. ولنعود إلى الورقة التي قررت تلخيصها بمعزل عن أي تدخل واكتفيت بتأمل مهارة «الست» في تقديم نفسها للعالم والاجتهاد في تطوير مشروعها الفني “الاستثنائي”، مع الحرص على أداء واجبها الوطني بكل حماس انطلاقا من تقدير للذات ووعي بالظروف المحيطة، وكلها تحديات صعبة أو ربما تقارب حافة المستحيل!

    غلاف الكتاب
    غلاف الكتاب

    تقول فرجينيا دانيلسون: ظهرت الدبلوماسية الثقافية كأداة فعّالة للدبلوماسية أثناء الحرب الباردة (1947-1991). وقد نشأت من فرضية مفادها أن الفن واللغة والتعليم والثقافة يمكن أن تقدم وسائل تواصل أكثر أهمية للوصول إلى الناس عبر الانقسامات السياسية والاقتصادية والعسكرية والإيديولوجية. ومن المهم التأكيد على أن الدبلوماسية الثقافية هي أداة علاقات تستخدمها وحدات كبيرة وصغيرة، سواء كانت دولاً أو مجتمعات أو أفراداً، لإنشاء قدرة طويلة الأجل على التأثير. ويصف عدد صغير ولكنه متنامٍ من الأدبيات الأكاديمية كيف ولماذا كانت الموسيقى عنصرًا أساسيًا في الدبلوماسية الثقافية عبر الزمن.

    ***

    ولا شك أن أم كلثوم (1904-1975) مرشحة واضحة لمناقشات الدبلوماسية الثقافية في الشرق الأوسط، ويبدو أن سلسلة حفلاتها الموسيقية بعد هزيمة مصر في حرب 1967 تشكل نموذجاً مثاليا في هذا الصدد فضلا عن مكانتها الفنية العظيمة في العالم الناطق بالعربية. كما كانت أم كلثوم نفسها موضوعًا للدبلوماسية الأمريكية في أوائل الخمسينيات، حين عرضت الحكومة الأمريكية علاج مشكلة الغدة الدرقية التي تعاني منها في مستشفى البحرية بولاية ميريلاند رغبًة منها في إبداء لفتة ودية تجاه الحكومة الثورية الناشئة في مصر، وهو العرض الذي تم قُبوله. وفي تلك الأيام، كان علاج الغدة قد يؤثر سلباً على الصوت، ما شكل خطرا تمت مناقشته في مراسلات السفارة الأمريكية في مصر آنذاك (أرشيف وزارة الخارجية الأميركية، 1953).

    ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الأطباء المصريين على استعداد لإجراء الجراحة، كما اعتبر الأطباء الأمريكيون الأمر محفوفاً بالمخاطر لكنها تمت بنجاح. ومن المؤكد أن ارتباط أم كلثوم الوثيق بالدبلوماسية ومسيرتها الفنية الصارمة تتيح الفرصة لطرح الأسئلة حول العلاقة بين فنانة شهيرة وحكومتها، وأيضًا قدرة الموسيقيين على التأثير في الدبلوماسية بين الشعوب. وبطبيعة الحال، يعتمد الموسيقيون على السفر كسبيل لتطوير جماهيريتهم ما يمكنهم من لعب دور دبلوماسي كسفراء ثقافيين. ولم تكن أم كلثوم واحدة من هؤلاء في البداية. فقد بدأت جولاتها في وقت متأخر نسبياً بعد فترة طويلة من تأسيس زملائها لرحلات روتينية لتقديم العروض في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأحياناً إلى الأميركيتين.

    حفلات من أجل مصر

    ويبدو الأمر وكأنها لم تفعل ذلك إلا للحفاظ على قدرتها التنافسية مع آخرين كانوا يقومون بجولات لبعض الوقت. ورغم أنها كانت تعرّف نفسها بأنها تنتمي إلى المجتمع الأكبر من المسلمين (الأمة) والناطقين بالعربية، فإن علامتها التجارية إذا صح التعبير، كانت على الدوام علامة مصرية. وربما يرجع ذلك إلى أنها كانت ترى نفسها مغنية للشعر العربي ــ فلم تر أي جدوى في الأداء خارج نطاق أولئك الذين يفهمون العربية. وعندما وافقت على الظهور في باريس عام 1967، وهو الاتفاق الذي تم التوصل إليه قبل الحرب، لم تكن تفعل أي شيء غير تقليدي باستثناء سلوكها السابق. لكنها وفي خطوة جديدة عام 1966 وخروج عن مجال أدائها المعتاد، وافقت أم كلثوم على تقديم حفلتين في باريس (حيث كان هناك بالطبع عدد كبير من الناطقين بالعربية).

    ***

    ومن الجدير بالذكر أنه في ذلك الوقت، كانت شهرة أم كلثوم خارج العالم الناطق بالعربية معدومة تقريباً. حيث جلبت أجهزة الراديو الترانزستور البث الإذاعي المصري القوي عبر الشرق الأوسط، ولكن التسجيلات الصوتية كانت لا تزال تُسوَّق فقط على أقراص الفينيل التي كانت تُوزَّع عادة في المتاجر المتخصصة في المجتمعات العربية فقط. وبعد هزيمة يونيو 1967، أعلنت أنها ستتبرع بعائدات حفلات باريس للمجهود الحربي المصري. وكانت هذه التبرعات مكملة للحفلات الخيرية التي أقامتها داخل مصر في أغلب المحافظات، والتي جمعت مبالغ كبيرة من المال والمجوهرات الذهبية التي تبرعت بها النساء.

    ويبدو أن الفكرة لم تكن فكرتها وحدها حيث تعزو لورا لوهمان في كتابها “أم كلثوم.. المؤسسة الفنية وتشكيل الأسطورة العربية”، الصادر عام 2011، فكرة قيام الفنانين بإقامة حفلات موسيقية مفيدة للبلاد إلى الصحفي القريب من أشهرهم في مصر آنذاك، فوميل لبيب، وفقاً لما ورد في مقالة له نُشرت في مجلة الكواكب. وكان توفير العملة الصعبة ضروريًا لجهود إعادة بناء الجيش، لذلك أحيت أم كلثوم عدداً من الحفلات الموسيقية في السنوات التالية في ليبيا والسودان وأبو ظبي (التي كانت على وشك الانضمام إلى الإمارات الخليجية الأخرى لتشكيل الاتحاد) وكذلك في تونس والمغرب والكويت والبحرين والعراق وباكستان. كما كانت الكويت محطة مهمة بشكل خاص، حيث قدمت تبرعاً مبكراً كبيراً بالعملة الصعبة على قوة حفل أم كلثوم القادم. وفي عام 1970، ذهبت إلى موسكو لإحياء حفلات وكذلك في طشقند، لكنها عادت إلى وطنها عندما توفي عبد الناصر أثناء وجودها في موسكو.

    ***

    ومن الصعب تقدير النتائج المالية لرحلات وحفلات أم كلثوم لكنها بلغت ما بين مليونين و4 ملايين دولار. وقد زودت الحكومة المصرية أم كلثوم بجواز سفر دبلوماسي واتخذت رحلاتها طابع الزيارات الرسمية، حيث كان كبار المسؤولين الحكوميين يستقبلونها في المطارات ويرافقونها إلى مواقع ثقافية في كل بلد. ويقال إنها نقلت رسائل من ناصر إلى زعماء آخرين، لكن ليس هناك دليل حقيقي على ذلك. وعلى الرغم من ارتباطها بالحكومة المصرية، فقد أطلقت أم كلثوم هذه الجهود بأسلوبها الخاص في ترتيب الحفلات، حتى وصل الأمر إلى اشتراطها بأن مصورها الخاص فقط هو الذي يلتقط صورها للنشر. وللحصول على الدعم في هذه الأنشطة، تعاونت أحيانًا مع جمعيات نسائية محلية، غالبًا خاصة.

    ويبدو أن استثمار الحكومة المصرية في هذه الرحلات كان في حده الأدنى، لكنها تعكس بوضوح توجهات ترسيخ أم كلثوم كسفيرة ثقافية مصرية. وكانت تميل في هذه العروض إلى الغناء باللغة العربية الفصحى، وغالبًا ما تكون قصائد بدلًا من أغاني العامية المصرية، كما كانت تطلب أحيانًا كلمات من شعراء محليين. وهكذا، كانت لغتها الموسيقية موجهة إلى قاعدة أوسع من المستمعين. وكانت قصيدة “الأطلال” هي المفضلة، حيث تتسع سطورها لعديد من التأويلات من بينها السياسية، نجد مثلا عبارة “أعطني حريتي، أطلق يديّ” التي يمكن تفسيرها كصيحة ثورية سياسية تتجاوز الحب الشخصي الذي كان الموضوع الأصلي للشاعر. بل إن العديد من مقاطع الفيديو التي نجدها الآن عبر الإنترنت مستمدة من هذه الحفلات الدولية.

    الفنان والسياسة

    وعلى الرغم من التقارب بين أم كلثوم وزعماء مصر، إلا أنها كانت حريصة على مدار مسيرتها المهنية على إبقاء الحكومات بعيدة عنها أغلب الأحيان. ومثلها كمثل جميع الموسيقيين في مصر تقريبًا، كانت تؤدي عروضها في المناسبات الوطنية، بما في ذلك أعياد ميلاد الحكام، لكن ارتباطاتها كانت مع النخب الاجتماعية المصرية وليس مع المسؤولين الحكوميين أو السياسيين بشكل مباشر. وفيما تطورت مسيرتها في بيئة شديدة التسييس تتطلب خطوات حذرة، تشير الوثائق المحيطة بحياة أم كلثوم إلى أنها أرادت أن تصبح مغنية ثرية ومشهورة. وقد عملت على تحقيق تلك الأهداف طوال حياتها.

    وحتى عام 1937، كانت أم كلثوم تتجنب الدعاية الشخصية وترفض التحدث إلى الصحافة، وعندما فعلت ذلك (في بيان سيرة ذاتية موسع نُشر كسلسلة في مجلة آخر ساعة شتاء 1937-1938)، تقدمت بالسرد الدقيق الذي كررته لبقية حياتها. وقد قدمت نفسها كفلاحة ومسلمة متدينة ومصرية مخلصة. ولا يمكن أن يكون هناك كثير من الشك حول وطنيتها وإحساسها بالهوية العامة كمصرية. فقد دفعتها طموحاتها إلى دوائر النخب السياسية والاقتصادية، لكنها لم تكن مختلفة في هذا عن العديد من الموسيقيين الناجحين في القاهرة، حيث شاركت أغلب النخبة في وجهات النظر المناهضة للاستعمار في ذلك الوقت.

    كما استجابت بقلق مع معظم مواطنيها إزاء فساد الحكومة المصرية وعدم فعاليتها، واستمرار وجود البريطانيين في البلاد خلال الحرب العالمية الثانية، والحرب الوشيكة في فلسطين. وفي السياق ذاته، دعمت أم كلثوم الجنود الذين هزموا في معركة الفلوجة عام 1948 جهرًا وعلنًا في مواجهة لطلبات عدم القيام بذلك من قبل الوزارات المصرية وقالت في تصريح:”لقد دعوت [الجنود إلى منزلي] للتعبير عن تقديري كمواطن مصري لجهودهم”. ومن المحتمل أنها التقت في هذا الحدث بجمال عبد الناصر لأول مرة، والذي أصبح فيما بعد رئيسًا لمصر.

    أم كلثوم مع بطل الفالوجه سيد طه
    أم كلثوم مع بطل الفالوجه سيد طه
    ***

    وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، غنت سلسلة من القصائد التي كتبها الشاعر أحمد شوقي في وقت سابق من القرن العشرين. وخضعت العديد من أبيات هذه القصائد لتأويلات متعددة، وكثيراً ما كانت تنتقد النظام الملكي والبريطاني، واستجاب الجمهور لهذه التفسيرات بحماس شديد حتى أن الحفلات الموسيقية لفتت انتباه السفارة الأميركية في القاهرة.

    ووصف تقرير السفارة الأبيات التي تغنيها بأنها “تمجد في العظمة التاريخية لمصر” وتتساءل “هل نحن بحاجة إلى حماية؟”، وأنه “يجب على الجميع أن يقفوا ويقاتلوا”. كما أشار التقرير إلى الاستجابة الصاخبة من جانب المستمعين (أرشيف الخارجية الأميركية، ديسمبر 1951). ومن المؤسف أن المراقبين في السفارة قد فقدوا قبضتهم بوضوح على دورها الفني عندما وصفوها فيما بعد بأنها تغني “أغاني شعبية بسيطة لها جاذبية واسعة لدى العرب” (أرشيف الخارجية الأميركية، يوليو 1953) بينما في الحقيقة لم تكن أم كلثوم، بسلوكها وأدائها ومشاعرها المُعّبر عنها، بأي حال من الأحوال خارج نطاق الروح المصرية في ذلك الوقت.

    كما جمعت أم كلثوم صفات شخصية أخرى، من بينها أسلوب الكلام والاختيارات، وضعتها على مسار من التعبير العام يشبه إلى حد كبير مسار جمال عبد الناصر. وبعد ثورة 1952، كان من الضروري أن تظل أم كلثوم على الراديو، مثل أي فنان آخر، وهو الأمر الذي لم يكن تلقائياً بأي حال من الأحوال. فمثل مواطنيها، سجلت العديد من الأغاني لدعم الحكومة الثورية، وفي وقت لاحق لدعم عبد الناصر نفسه. وتم اعتماد إحدى أغانيها كنشيد وطني مصري جديد. كما زادت من توافرها في وسائل الإعلام المطبوعة وأعربت عن دعمها لتأميم قناة السويس والعديد من الإجراءات الأخرى التي اتخذتها حكومة عبد الناصر.

    ***

    ومن جانبه، روّج عبد الناصر لأدائها (من بين أمور أخرى) على موجات الراديو الدولية التي كانت تحظى بقدر هائل من الدعم، وتم الترويج على نطاق واسع لفكرة تعاونها مع الملحن الأبرز في مصر محمد عبد الوهاب في أغنية جديدة. وكانت أم كلثوم وعبد الناصر يتبادلان الزيارات في الأعياد، فضلا عن الود الواضح بينهما. وعلى الرغم من أن علاقتها بعبد الناصر وحكومته كانت مقصودة، نجحت أم كلثوم في الاحتفاظ لنفسها بالاستقلال الكافي. فلم تظهر معه علناً إلا في مناسبات قليلة، ونادرا ما كان عبد الناصر نفسه يلتقط الصور مع أي موسيقي. وقد واجهت أم كلثوم مشاكلها الخاصة في أعقاب هزيمة 1967. ومن بين الانتقادات العديدة التي وجهت إليها في مصر والعالم العربي، وهي الاتهامات الموجهة إلى المجتمع المصري كافة، أنها أصبحت مفرطة في الرضا عن النفس، وغير قادرة على النقد الذاتي على نحو كافٍ؛ وأن مصر عموماً أصبحت غارقة في أوهام العظمة والافتقار إلى الوعي بالمشاكل الخطيرة في العالم العربي.

    فيما كتب صحفيون مصريون أن أم كلثوم “تخدر الناس ولا تستحثهم”، لذلك حاولت حفلاتها الموسيقية في مصر معالجة هذه الانتقادات وتثبيت موقفها السياسي، وبالفعل ساهمت حفلات هذه الفترة في توسيع نطاق جمهورها ودعم بعض الأغاني الجديدة الناجحة. وخلال سفرها لحضور الحفلات الخارجية “نأت أم كلثوم بنفسها وفنها عن السياسة”، وتجنبت الأغاني الوطنية الصريحة والتصريحات السياسية “تاركة للمستمعين مساحة تأويلية لتقديم دوافع وقراءات سياسية طوعية لأغانيها”. وبالتالي حافظت على سلوك استمر لعقود من الزمن في تقديم نفسها كفنانة ومسلمة ومصرية مخلصة على مسار موازٍ لمسار جمال عبد الناصر ولكن بعيدًا عنه. كما روجت لفكرة حيوية الثقافة العربية المشتركة، وهي فكرة لم تكن جديدة على شخصيتها العامة.

    فاعلية الموسيقى

    وتزعم لورا لوهمان أن هذه الحفلات الموسيقية ـ سواء داخل مصر أو خارجها ـ كانت سبباً في تحقيق هدف حكومي مهم يتمثل في توجيه الدعم المالي للحكومة القائمة في مصرـ والدفع باتجاه إعادة بناء الحكومة بدلاً من استبدالها “من خلال خلق فرص للمشاركة النشطة وتقديم صورة حيوية للدعم العربي الواسع الموحد لمصر”. وهنا نرى سبباً آخر لجواز السفر الدبلوماسي وغيره من أشكال الدعم التي تلقتها أم كلثوم. تقول لوهمان:”بينما قدمت حفلاتها الموسيقية آلية تمكين للجمهور، فإنها أيضا أضفت شرعية على النظام الذي كان يكافح للتعامل مع الضغوط الدولية والمحلية للرد على الهزيمة”.

    ولسبب أو لآخر، كانت هناك اضطرابات كبيرة في مصر في أعقاب هزيمة 1967، وكان عبد الناصر في حاجة إلى تعزيز دعم العرب له لمواجهة دعوات التغيير. وكما يوضح جون مورجان أوكونيل، أستاذ الموسيقى العرقية والتاريخ الثقافي بجامعة كارديف البريطانية، فإن “الأداء الموسيقي يشكل قانوناً مفتوحاً نسبياً، ولا يخضع عادة لتفسير واحد. وبالتالي توفر الموسيقى، في بعض الحالات، إمكانية وجود نموذج خيالي، وهدف مشترك يعزز التعاون بين المجموعات مع احترام الهويات الثقافية الفردية”. وكان الاستماع إلى أم كلثوم أو رعاية حفل موسيقي لها، مهما كانت التكاليف وأياً كان المتلقي للمال، خياراً سهلاً للغاية بالنسبة للحكومات العربية، حيث تقدم ترفيهاً قيماً لا ينطوي على أيّة تداعيات سياسية مباشرة.

    أم كاثوم وعبدالناصر
    أم كاثوم وعبدالناصر

    وفي ظل الشعبية الجامحة لحفلات أم كلثوم والمبالغ الضخمة التي تم تمريرها إلى الحكومة المصرية، والتي تم الإعلان عنها جميعًا في وسائل الإعلام العربية، كان المصريون قادرين على إدراك الدعم الدولي للبلاد ولعبد الناصر. وإلى حد كبير، قامت أم كلثوم ببساطة بتقديم أجندتها الخاصة كما كانت تفعل دائمًا تجاه حكومتها. وكما كتب ماهيت وزملاؤه في بحثهم حول الموسيقى والدبلوماسية فإنه “في الموسيقى كما في السياسة، يعمل الناس من أجل السيطرة على الآخرين واكتساب السلطة وضمان الاعتراف”. وقد فعلت أم كلثوم ذلك طيلة حياتها المهنية وفي أغلب حالاتها كان أداءها مفيدًا لعبد الناصر كما كان لها أيضا.

    ***

    ومن منظور مختلف، كان تعزيز أي ارتباط بين حفلات أم كلثوم في مصر يشكل اقتراحاً منخفض المخاطر بالنسبة للحكومة المصرية. فمن غير المرجح على الإطلاق أن تتصرف بأي شكل من شأنه أن يسيء إلى سمعة الحكومة، ناهيك عن العملة الصعبة التي جلبتها حفلاتها. كما لم تنشأ التوترات التي قد تنشأ غالباً في البعثات الموسيقية الدبلوماسية. وتشير إنجريد مونسون، أستاذة الدراسات الأفرو-أمريكية والموسيقى العرقية بجامعة هارفارد، في مناقشتها للجولات الدولية التي نظمها نجوم الجاز الأميركيون من أصل أفريقي برعاية وزارة الخارجية الأميركية، إلى أنه في حين تتطابق مصالح الدولة والموسيقيين جزئياً، فإن الموسيقيين “يسعون إلى تحقيق رؤاهم الخاصة فيما يتصل بكونهم سفراء ثقافيين”.

    فمثل أم كلثوم، عمل موسيقيو الجاز الذين كتبت عنهم مونسون على تعزيز علاقاتهم الخاصة في البلدان التي زاروها، وفي بعض الأحيان رأوا غرضهم مختلفاً عن غرض الجهات الراعية الفيدرالية. وهناك أمثلة وفيرة على المصالح المتباينة والعواقب غير المقصودة في جولات لويس أرمسترونج التي تمت برعاية الحكومة. وفي أمثلة أخرى كانت مصالح الموسيقيين تتطابق مع مصالح حكوماتهم، أو ربما يترتب على عروضهم عواقب غير مقصودة. ويزعم جوزيف ناي، عالم السياسة الأمريكي ومؤلف كتاب “القوة الناعمة: كيف تنجح في عالم السياسة؟”، أن فعالية الدبلوماسية تقاس بمدى تغير العقول.

    ***

    وهنا لا يمكن الجزم بمدى تغير العقول الذي أحدثته دبلوماسية أم كلثوم لكن تجدر الإشارة إلى مصادر القوة الناعمة التي ذكرها ناي ـ الثقافة والقيم السياسية والسياسة الخارجيةـ إذ ربما كانت الثقافة المصرية أكثر إقناعاً في حشد الدعم المالي من قيمها السياسية، لأن أغلب البلدان الداعمة كان لديها الكثير من الأسباب للتساؤل حول عبد الناصر. ورغم أن الحفلات الموسيقية ربما كانت تخدم الوظيفة الدبلوماسية المتمثلة في الجذب، فإنها تطرح السؤال التالي: “الجذب إلى ماذا؟” ـ إلى بلد أم إلى سياسات بلد أم إلى فنان موسيقي بعينه؟ فقد جلبت حفلات أم كلثوم الموسيقية لمصر قدراً كبيراً من العملة الصعبة للدولة؛ وربما عززت نوعاً من الوحدة العربية ومعارضة العدوان الإسرائيلي، لكنها في الوقت نفسه كانت خاضعة لسيطرة الفنان وخدمته.

    ولعل حالة الحفلات الموسيقية التي أقيمت في مصر توضح على أفضل نحو بعض القضايا التي تكتنف تحليل الأداء الموسيقي باعتباره قوة دبلوماسية. فالنجوم يروجون لآرائهم وأهدافهم الخاصة إما كأمر طبيعي أو عندما يواجهون ظروفاً في الخارج. ورغم أن حفلات أم كلثوم في مصر استحضرت بلا أدنى شك عناصر من اللغة والتاريخ والثقافة التعبيرية المشتركة التي تتفق مع جهود عبد الناصر نحو الوحدة العربية، فإن الأهم من ذلك ربما هو أنها تثير قضية ما إذا كان النجوم يحققون بالفعل الأهداف التي تصورتها الحكومات. وفي حالتها أيضاً، يتساءل المرء بحق عن الرؤية التي كانت في الواقع المحرك وراء هذه الأهداف.

    اقرا أيضا:

    ملف| «الست».. صوت السماء

    قاهرة أم كلثوم: المدينة التي وجدت صوتها!

  • رحلة الإسكندر الأكبر إلى سيوة.. من الفروسية إلى البارانويا!

    رحلة الإسكندر الأكبر إلى سيوة.. من الفروسية إلى البارانويا!

    بحلول عام 332 قبل الميلاد، كان الملك الشاب قد غزا مساحات شاسعة من الإمبراطورية الفارسية في الأناضول وسوريا والشام واتجه جنوبًا للاستيلاء على فلسطين وفينيقيا ومصر. فلم يكن الإسكندر الأكبر مجرد قائد طموح أو فاتح طامع في توسيع ملكه، بل كان روحا لا تهدأ وعقلا ينشغل بأسئلة فلسفية ربما زرعها فيه معلمه أرسطو. كما أن ظروف اغتيال والده وتحمله المسؤولية مبكرا قد وضعه أمام تحديات صعبة لم يكن آخرها دخول مصر التي وجد نفسه فيها أمام شعب له تاريخ وعقيدة يعتز بهما.

    ويتفق المؤرخون على أن غزو مصر كان أمرا حاسما بالنسبة للإسكندر الأكبر لعدة أسباب يأتي في مقدمتها تأمين خطوط اتصالاته. وتقويض البحرية الفارسية التي كانت لا تزال قوية وتحتفظ بقواعد لها في مصر ما يشكل تهديدًا خطيرا على اليونان. وبالتالي كان عليه تدمير تلك القواعد وتأمين مصر من الأعداء الذين يمكنهم مهاجمة إمبراطوريته. وفوق كل ذلك لم يخفَ على أحد تطلعه إلى ثروات المحروسة.

    في الوقت نفسه كان المصريون قد أرهقوا من الحكم الفارسي، فرحبوا بالإسكندر كمحرر ولم يقاوموا جيشه. وخلال فترة وجوده في مصر، قام الملك الشاب بإجراء إصلاحات مثل تنظيم القوات العسكرية وإدخال نظام الضرائب اليوناني وترميم معابد الآلهة المصرية وتقديم القرابين التقليدية وبناء مدينة الإسكندرية لتمجيد اسمه. وبذكاء واضح سعى الإسكندر إلى حكم مصر على نحو يكسبه احترام الشعب. فلم يصور نفسه على أنه طاغية بل على أنه حاكم جيد يصون كرامتهم وحريتهم وأسلوب حياتهم.

    الحدود والأسئلة المؤرقة  

    وقبل غزو الإسكندر عرف المصريون أهمية تأمين حدودهم، حيث بنى الملك أحمس، الذي حكم خلال الأسرة السادسة والعشرين، معبدا لآمون “ملك الآلهة” في منخفض عميق يُعرف بواحة سيوة التي تقع في قلب الصحراء باتجاه الحدود الشمالية الغربية مع ليبيا. وقد شيد هذا المعبد بهدف تأكيد السيطرة المصرية على الحدود وكسب تأييد القبائل الليبية.

    وكان المسافرون اليونانيون على طرق القوافل من برقة يزورون معبد آمون أو معبد الوحي. وقد أعجبوا بما وجدوه وتحدثوا عنه لتتسع شهرته في أنحاء العالم اليوناني حتى أنهم دمجوا سيرته في أساطيرهم زاعمين أن المعبد أسسه ديونيسوس وزاره كل من هرقل وبيرسيوس. كما ساوى اليونانيون بين آمون وزيوس وأطلقوا على الإله المعبود في سيوة اسم آمون- زيوس.

    ولم يكن الإسكندر ليتجاهل أهمية سيوة الجيوسياسية، كونها بوابة لمصر من الجهة الغربية. فضلا عن مكانتها الرفيعة في عقيدة الشعب بفضل معبد ملك الآلهة وصاحب النبوءات المصيرية. وقبل هذا وذاك سيدفعه شغفه للإجابة على الأسئلة التي تؤرقه فيقرر شد الرحال إليها.

    ومن المرجح أن دوافع الإسكندر الأكبر للبحث عن إشارات مستقبلية أو نبوءات في سيوة كانت ذات شقين. فقد أراد إضفاء الشرعية على حكمه في عيون المصريين من خلال التصرف كحكامهم. ومن جانب آخر ترسيخ قنوات للتواصل بين الليبيين واليونانيين في برقة. كما تشير بعض المصادر إلى أن الدافع الإضافي كان الرغبة في محاكاة الغزاة العظماء وأبطال الماضي الذين زاروا المعبد.

     

    ***

    وفي فبراير من عام 331 قبل الميلاد، انطلق الإسكندر وحاشيته من الجيش من مدينة ممفيس (ميت رهينة– البدرشين، محافظة الجيزة حاليا). ومعهم ما يكفي من الإمدادات للبقاء على قيد الحياة في الصحراء. وقد كانت الرحلة شاقة بسبب الحر الشديد وطول المسافة لكن ذلك لم يضعف من عزيمة الإسكندر بحسب المصادر القديمة. التي تؤرخ إلى أنه خلال الرحلة نفد الماء من المسافرين. فإذا بالأمطار الغزيرة تهطل لتروي عطشهم وتمدهم بما يحتاجون من الماء في إشارة إلى المدد الذي تمتع به القائد الشاب وصحبته.

    كما لم يخلُ تاريخ تلك الرحلة من بعد أسطوري أيضا. حيث تقول المصادر إنهم ضلوا طريقهم بسبب عاصفة رملية، لكن اثنين من الغربان أو الثعابين قد أرشدوهم عبر الطريق. وبهذه التدخلات ظن الإسكندر أنه قد حصل على الرضا الإلهي وأنه سيصل بأمان إلى سيوة. على خلاف ما ذهبت إليه المصائر بآخرين ممن قصدوا المعبد. مثل الملك الفارسي قمبيز (حكم من 530 إلى 522 قبل الميلاد) الذي أرسل جيشًا لتدميره وابتلعت الصحراء جميع رجاله البالغ عددهم 50 ألفا بحسب المصادر.

    ابن زيوس- آمون

    ومن غير المعروف كم استغرقت الرحلة إلى سيوة لكن المصادر تتفق على أنه بمجرد وصوله، انبهر الإسكندر ببساتين النخيل والينابيع الباردة المحيطة بمعابد آمون الحجرية. وبناءًا على التعليمات، اقترب الملك الشاب من معبد الوحي بالاحترام اللازم وطلب سماع الرسالة الإلهية من كهنة آمون.

    وهناك ثلاثة مؤرخين قد كتبوا عن لقاء الإسكندر مع الكاهن، وهم أريانوس وبلوتارخ وكوينتوس كورتيوس روفوس. ومن بين الثلاثة، يعتبر أريانوس الأكثر موثوقية لأنه استقى مباشرة من الجنرالات المقربين من القائد. ووفقا له، فإن الإسكندر تلقى ردا مرضياً في معبد النبوءات. لكنه لم يكتب شيئا عن أسئلة التي طرحها أو الأجوبة التي تلقاها.

    وكتب بلوتارخ أن الكاهن استقبل الإسكندر باعتباره ابن زيوس-آمون. وأبلغه أن “إمبراطورية العالم مُدخرَة له” وأن جميع جرائم القتل التي ارتكبها فيليب المقدوني قد تمت تسويتها. فيما قال الروماني كوينتوس روفوس، الذي تعرض لانتقادات باعتباره غير موثوق به للغاية، إن الكاهن استقبل الإسكندر باعتباره ابن آمون. حيث استفسر عن إمبراطوريته ومصير قتلة أبيه. وأضاف روفوس أن رفاق الإسكندر سألوا عما إذا كان من المقبول بالنسبة لهم تقديم التكريم الإلهي للإسكندر. وأنهم حصلوا على إجابة بالإيجاب.

    وبهذه الروايات التي جاءت في صالح القائد الشاب أصبح هناك إسكندر ما قبل سيوة وإسكندر ما بعدها. فقد مثلت زيارته لمعبد الوحي نقطة تحول في تاريخه السياسي والشخصي. حيث تشير المصادر إلى أنه أصبح بعدها أكثر استبدادًا ولا يمكن التنبؤ به. كما لاحظ رفاقه تحولًا في سلوكه وظهرت عليه علامات جنون العظمة أو البارانويا خصوصا بعد ما تم تصويره على العملات المعدنية بقرون كبش تخرج من رأسه، وكان هذا رمزًا للإله زيوس- آمون ويُفهم على أنه إعلان الإسكندر عن ألوهيته.

    ***

     ويذهب المؤرخون في تفسير ما طرأ على الإسكندر من تغيرات إلى أسباب سياسية. من حيث رغبته في إضفاء الشرعية على نفسه في عيون المصريين، الذين اعتادوا معاملة الحكام كآلهة أو بخصائص الآلهة مثلهم كمثل معظم شعوب مناطق الشرق الأدنى. لكن الأمر تجاوز ذلك إلى طلبه من أعضاء المحكمة الركوع أمامه وكان ذلك سببا في امتعاض الكثير من رجاله. لأنه بالنسبة لليونانيين كان مثل هذا الفعل مخصصًا للآلهة فقط.

    وفيما تابع الإسكندر حملاته بمزيد من الثقة والشجاعة، ظل الغموض يكتنف الرسالة التي  تلقاها في معبد الوحي. كما ساهمت تلك الزيارة في إضفاء طابع أسطوري على شخصيته، سواء خلال حياته أو عبر صفحات التاريخ. لكن بعيدا عن اختلاف الروايات والتأويل ربما يحق لنا أن نسأل: هل وجد الإسكندر الأكبر إجابات عن أسئلته المحيرة في سيوة؟ هل عرف مكانته جيدا بعدما تلقى نبوءته فلم يعد يرى نفسه بشريا؟ أم أن هذه مصر التي تخلق أساطيرها على طريقتها الخاصة؟

    بقي أن نشير إلى أن هناك نظرية تفيد بأن الإسكندر الأكبر قد دفن في سيوة حيث نقل جثمانه بعد وفاته. غير أن الدلائل على ذلك ضعيفة ربما بسبب ندرة جهود التنقيب الأثري في المنطقة وتعدد النظريات حول موقع مقبرته. الذي يظل لغزا غامضا تماما مثل حياته وبطولاته وتحولاته.

    المصادر:  
    • موقع المتحف البريطاني.
    • قاعدة بيانات قسم الكلاسيكيات والتاريخ القديم، كلية الآداب، جامعة وارويك، إنجلترا.
    • الموسوعة التاريخية.
    اقرأ أيضا:

    «الإسكندر الأكبر»: محاضرة طه حسين في كلية الآداب عام 1924

باب مصر