باب مصر

الكاتب: أسماء منتصر

  • مكوجي الرجل في «الفكرية»: قصة «مجدي عياد» مع مهنة لا تنطفئ

    مكوجي الرجل في «الفكرية»: قصة «مجدي عياد» مع مهنة لا تنطفئ

    لم يكن صوت المكواة الحديدية الثقيلة وهي تنزلق على قطعة قماش صوفي مجرد صوت عمل، بل جزءا من ذاكرة حي كامل في مدينة الفكرية بالمنيا. داخل محل صغير تفوح منه رائحة الفحم القديم والملابس الدافئة، يجلس عم «مجدي عياد»، أحد آخر العاملين في مهنة «مكوجي الرجل»، يدندن أغاني الزمن الجميل بينما تتحرك يداه بمهارة حفظتها السنين هنا، في هذا الركن البسيط، تتداخل الحرفة مع الحكايات، ويتحول الكي بالقدم من مجرد مهنة إلى إرث عائلي.

    من أقدم المهن 

    “مكوجي ولهان.. تايه دوبان .. معرفش البدلة من الفستان”، هكذا يدندن العم عياد، المتمسك بمهنة الكي بالقدم رغم كل التحديات التي واجهتها في العصر الحديث.

    داخل محله الصغير الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، تتراص أكوام الجلاليب الصوفية وقطع الملابس المختلفة بانتظار كيها بقدمه أو ذراعه. وتعد هذه الطريقة في الكي من المهن القديمة التي لا تزال موجودة في بعض محافظات الصعيد. لما تتميز به من قدرة على فرد الأصواف والجلاليب البلدية بدرجة أفضل من المكواة الكهربائية الحديثة.

    يبدأ عم “عياد” عمله في الثامنة صباحا ويستمر حتى الثامنة مساءً، رغم انحناء ظهره نتيجة مشكلات في الفقرات. ما اضطره للاعتماد على ذراعه ويده بدلاً من قدمه.

    ذكرياته مع المهنة 

    يقول العم مجدي: “ورثت المهنة عن والدي، وبدأت أعمل فيها منذ كان عمري سبع سنوات. تعلمت على يد والدي الذي ورثها بدوره عن جدي. كانت المكواة ثقيلة جدا، وزنها يتخطى 20 كيلو. وكنت أساعد والدي حتى أتقنت المهنة مع الوقت وأصبحت مكوجيا محترفا أعرف تفاصيلها وقواعدها”.

    وعن الفرق بين المكواة زمان والآن يقول: “المكواة كانت قطعة حديد ثقيلة توضع على الفحم أو الرمل الساخن. ثم أصبحت تُسخن على وابور الجاز، والآن اسطوانة الغاز حتى تصل لدرجة الحرارة المناسبة”. بعد التسخين، تبدأ عملية الكي التي تستغرق من 10 إلى 12 دقيقة للجلباب الصوف، الذي يحتاج لحرارة عالية ومجهود أكبر.

    أنواع المكواة قديمًا

    يوضح العم عياد أن المكواة كانت قطعة معدنية ثقيلة على شكل مثلث، لها ذراع لا يقل طوله عن 50سم، ووزنها يترواح بين 20 و30 كيلو جراما. مع قطعة خشبية تفصل بين سطح المكواة وقدم العامل.

    ويضيف: “كان فيه مكواة اسمها (الكاوي) تسخن على الفحم ومكواة (العلبة) اللي كان بيتحط جواها فحم أو رمل سخن علشان تفضل محتفظة بحرارتها أطول وقت”.

    مهنة شاقة

    يستخدم العم عياد فرنا لتسخين المكاوي، ويبدل بينها باستمرار حتى لا يتوقف عن العمل. ويقوم بتنظيفها باستخدام السنفرة. يقول: “زمان كنت باخد خمس قروش على الجلباب. دلوقتي الكي بيبدأ من 5 لـ10 جنيهات حسب نوع القطعة”.

    رغم مشقة المهنة التي يستخدم فيها جسمه كله، يؤكد أنه لا يزال سيدا لأنه يحافظ على مهنة أبيه رغم انتشار المكواة الكهربائية والبخار. ويحتفظ بما يسميه “سر الصنعة” في حركة الكي وأسلوبه.

    طريقة كي الملابس

    يقول عم عياد: “بعد ما تسخن المكواة، بظبط حرارتها حسب نوعية القماش. فيه ملابس ماينفعش تتكوي بالمكواة الحديثة زي الجلاليب الصوف الصعيدي، لازم المكواة الرجل علشان وزنها يساعد على الفرد”.

    ذكريات الستينات

    يتذكر العم عياد: “المحل عمرة أكتر من 100 سنة، زمان كان بييجي الأعيان والعمد، لأن الجلباب البلدي كان الزي الرسمي. والسيدات كمان كانوا بييجوا بالحنطور ومعاهم فساتين حرير وستان علشان نكويها”.

    زفة فساتين العروسة وبدلة العريس

    “مواسم الأفراح كانت أهم وقت لينا. الستات كانوا بييجوا بفساتين العروسة على زفة وطبل وزغاريد”، يقول عياد. وكانت بدلة العريس أيضا تكوى وسط أجواء احتفالية بفرقة المزمار والطبول حتى يخرج العريس مرتديا بدلته.

    وفي ليلة العيد، كانت السهرة تمتد حتى الصباح على أنغام “يا ليلة العيد”. مع انتظار الرجل والشباب كي جلاليبهم استعدادا لصلاة العيد.

    مواصفات خاصة للمكوجي

    يوضح عم عياد أن مهنة الكي بالقدم اختفت في كثير من المحافظات، خاصة في الوجه البحري. لكنها ما زالت موجودة في بعض قرى الصعيد. نظرا لاحتياج الرجال لفرد الجلاليب الصوف التي تتطلب هذا النوع من الكي.

    ويؤكد أن العامل في هذه المهنة يحتاج إلى مواصفات بدنية خاصة، أهمها قوة البنيان والقدرة على تحمل رفع المكواة الثقيلة وسحبها من فوق النار واستخدامها في كي الملابس. كما يعتمد المكوجي على قدمه في تحريك المكواة، ويستعين بقوة الدفع من القدم والزراع معا للحصول على فرد مناسب للملابس.

    كما يحتاج مكوجي الرجل إلى “بنك” أو ترابيزة كي منخفضة الارتفاع تختلف عن المستخدمة في الكي العادي، ما يجعله يعمل أغلب الوقت في وضعية انحناء، وهو ما يزيد من صعبة المهنة ومشقتها.

    مميزات مكواة الرجل عن المكواة الحديثة

    يقول عم عياد، إن مكواة الرجل يمكنها كي أي نوع من الأقمشة حتى الفساتين، وتحافظ على ملمس الأقمشة وشكلها، على عكس بعض أنواع المكاوي البخارية التي قد تتسبب في تلف القماش مع الاستخدام المتكرر.

    ويضيف أن الجلباب العربي والصوف والعبايات الجوخ، تحتاج درجات حرارة عالية ووزنا ثقيلا للمكواة ليتم فردها بشكل صحيح، كما أن المكواة الحديدية القديمة ثابتة وقليلة الأعطال وغير مكلفة، وقد تظل صالحة لعشرات السنين إذا جرى الحفاظ عليها ومنع الصدأ عنها. أما المكاوي الحديثة فتعتمد على الكهرباء والبخار وتستهلك طاقة كبيرة، مما يرفع تكلفة الخدمة على الزبائن.

    اقرأ أيضا:

    من بين الأزرار والكُلف.. حكاية «ويصا» أقدم بائع خردوات في شارع الأفراح بالمنيا

    «بحيرة البهنسا» الغامضة.. ظاهرة طبيعية أم خطر خفي؟

    حسن ونعيمة وألمظ وعبده أفندي: «المنيا» تُحيي «المولد» بعرائس الحكايات الشعبية

  • من بين الأزرار والكُلف.. حكاية «ويصا» أقدم بائع خردوات في شارع الأفراح بالمنيا

    من بين الأزرار والكُلف.. حكاية «ويصا» أقدم بائع خردوات في شارع الأفراح بالمنيا

    كل يوم، ومنذ أكثر من نصف قرن، ينهض «العم ويصا» باكرًا ليذهب إلى محله الصغير لبيع «الخردوات» في شارع القماشين بالمنيا. يسير بخطى وئيدة حتى يصل إلى واجهة المحل القديمة التي تحمل اسم “بوتيك ماجد”، كما كانت منذ افتتاحها. لم تشهد أي تغيير سوى أن ألوان طلائها بهتت ولم تعد زاهية كما كانت. يدخل الرجل العجوز محله ويجلس خلف طاولة تحيط بها شرائط الكُلف الملونة والعشرات من بكرات الخيوط والأزرار مختلفة الأحجام والألوان، تحكي عن عمر طويل في عالم الخردوات.

    أقدم محل خردوات في شارع الأفراح

    بمجرد أن تخطو داخل المحل تشعر كأنك عبرت بوابة الزمن وعدت إلى الوراء، على الجدران صور باهتة، وعلى الأرفف كُلف وخيوط ملونة تملأ المكان. يرفع العم ويصا رأسه ويستقبلك بابتسامة ودودة. كأنك زبون يعرفه منذ زمن بعيد.

    المهندس ويصا أنور، صاحب محل “ماجد” وأقدم محل لبيع الخردوات في المنطقة، عمل سابقا بشركة الكهرباء. وأحيل إلى المعاش، كما خدم ضابط احتياط في الجيش لعدة سنوات.

    وعن سر تعلقه بالعمل في بيع الخردوات رغم مرور السنين، يقول: “كان هذا الشارع يضم الكثير من محلات القماش والميني فاتورة. وكان يعج بالأفراح والحفلات، حتى أطلق عليه الناس شارع الأفراح. كانت العروسة تأتى بزفة مع أقاربها لشراء الأقمشة الخاصة بفساتينها. وكذلك أقمشة تنجيد المراتب والألحفة الستان الملونة”.

    ويضيف: “كانت أصوات الزغاريد تدخل بلا خجل من نوافذ البيوت لتعلن أن هناك زفة لعروس جديدة. وكان الشارع قبلة للهوانم والبشوات في الزمن الجميل. حيث كانت السيدات يترددن على المحال لشراء الأقمشة وتفصيلها عند الترزية”.

    بوتيك ماجد بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
    بوتيك ماجد بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
    شراء الخردوات

    يتابع العم ويصا حديثه: “كانت السيدات يأتين لشراء الخردوات -أي الإكسسوارات اللازمة للملابس- من زراير ودانتيل وخيوط مطرزة بالفضة والذهب، وحبات كريستال لامعة وزجاج ملون لفساتين السهرة الفاخرة. إضافة إلى الترتر وحبات اللولي والقيطان الذهبية”.

    ويقول: “كنا نبيع جميع أنواع مستلزمات الخياطة، من خيوط الكتان والحرير والجبير، إلى الإبر والمقصات وأشرطة القياس والدبابيس. وكذلك تل التطريز والخرز وكُلف القصب والتطريز والورود والسوست وأشرطة الستان وشبك التطريز”.

    “هوانم زمان” وبريق الذكريات

    عن سيدات الزمن الماضي يقول العم ويصا: “كانت السيدات ينزلن من الحنطور للتسوق بكامل زينتهن. حتى اللاتي كن يرتدين الملاية اللف، كن يلبسن تحتها أجمل الفساتين والجوارب الشفافة الأنيقة، ولا ينسين الخلخال في القدم”.

    ويضيف: “اكتسب السوق شهرته من الأقمشة والحرير ومستلزمات العرائس والنساء، لا سيما المقبلات على الزواج. كما كان يضم العديد من محال الذهب والفضة. هذا الشارع يحمل في طياته قصصا كثيرة نسجتها النساء وخطها التجار. ولا يزال حتى اليوم مزارا لا تغيب عنه الذكريات”.

    الطابع الشعبي

    عن أنواع البضائع قديما وحديثا يقول ويصا: “تغيرت أنواع البضائع، فلم تعد كما كانت. بينما اختفت المناديل الحريرية المطرزة بالترتر. أما ما لم يتغير فهو الملابس النسائية والحقائب الجلدية والعطور والزيوت الطبيعية التي ما زالت تجد زبائنها”.

    ويشير إلى أن السوق، رغم طابعه الشعبي منذ نشأته وحتى الآن، ما زال مفضلا لدى السيدات من مختلف الطبقات الاجتماعية. خصوصا المتوسطة والفقيرة، لشراء مستلزمات العرائس والمفروشات وأدوات المطبخ بأسعار مناسبة.

    ويصا أنور صاحب محل خردوات بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
    ويصا أنور صاحب محل خردوات بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
    توارث الأجيال

    يقول العم ويصا: “الكثير من المحال في هذا الشارع لم تغير نشاطها وما زالت كما هي، وتوارثتها الأجيال. والأحفاد الذين يدبرونها الآن يعرفون الزبائن وعائلاتهم جيدا. علشان كده تلاقي الروح في الشارع مختلفة عن أي سوق تاني”.

    ويضيف: “تجار السوق يسعون دائما لمتابعة أحدث الصيحات في كل شيء. وهناك محال ملابس تشتري من تجار الأقمشة والإكسسوارات لتصميم منتجات جديدة وبيعها في صورتها النهائية”.

    تغير ملامح السوق

    يتابع العم ويصا: “كان السوق في الماضي يشتهر بتجارة الأقمشة والعطارة فقط. ثم ظهرت أنشطة جديدة مثل بيع المشغولات الذهبية، ومنها نشأت سوق الصاغة. واليوم يضم الشارع محال لبيع الملابس والإكسسوارات وأدوات التجميل بالجملة. بالإضافة إلى مهن جديدة كالتطريز والطباعة على الملابس”.

    ويضيف بأسف: “اندثرت بعض المهن مثل صناعة الطرابيش وكيها، التي كانت من أهم رموز الزي المصري. كما اختفى كثير من الترزية الحريمي والرجالي، وحلت محلهم محلات الملابس الجاهزة”.

     تجارة الكُلف والخردوات

    يختتم العم ويصا حديثه قائلا: “زمان كان الشغل هادي ومليان فن وإتقان، والموردين كانوا بييجوا يعرضوا منتجاتهم بأنفسهم. وكان كل شيء متقن ومتنوع. دلوقتي معظم البضاعة صينية، وكل تاجر بقى يستورد لحسابة عشان الأرخص”.

    ويضيف: “حتى نوعية الزبائن تغيرت أيضا، واختلف الوضع تماما. فالمعروضات اليوم معظمها من الصين، حتى الإكسسوارات. لم نعد نملك القدرة على المواكبة، بعد أن أصبح كل تاجر يستورد بنفسه بحثا عن الأرخص سعرا”.

    ويكمل: “تغيرت كذلك اهتمامات الزبائن، واختفت مستلزمات الخياطة والتطريز وأدوات التجميل القديمة. لم نعد نبيع المكاحل، ولاحُلي مناديل الرأس المطرزة بالترتر، ولا خرج النجف. ولا إكسسوارات الملايات اللف، أو البراقع والمنديل واليشمك، أو خيوط الطاقية الشبيكة ورز الطرابيش. وغيرها من العناصر التي كانت تمثل خطوط الموضة قديما”.

    يبتسم العم ويصا وهو ينظر حوله كمن يتفقد عمره المعلق على الجدران. وبصوت يمتزج فيه الحنين بالرضا يقول: “هنا قضيت عمري بين الخيوط والأزرار. المحل دا مش شغل وبس، دا بيتي الثاني وذكرياتي كلها. هنا كل حاجة ليها روح، وهفضل فيه لحد آخر يوم في حياتي”.

    اقرأ أيضا:

    «بحيرة البهنسا» الغامضة.. ظاهرة طبيعية أم خطر خفي؟

    حسن ونعيمة وألمظ وعبده أفندي: «المنيا» تُحيي «المولد» بعرائس الحكايات الشعبية

  • «بحيرة البهنسا» الغامضة.. ظاهرة طبيعية أم خطر خفي؟

    «بحيرة البهنسا» الغامضة.. ظاهرة طبيعية أم خطر خفي؟

    تصدر خبر ظهور «بحيرة البهنسا» المفاجئ بمحافظة المنيا، التي بلغت مساحتها نحو 35 فدانا، صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وأثار فضول الجميع، حيث طرح ظهورها العديد من التساؤلات والتكهنات، فالبعض يراها لغزا خفيا، فيما يعتبرها آخرون خطرا حقيقيا، خاصة على منطقة آثار البهنسا التي تبعد عنها مسافة 5 كيلو مترات، فما سر ظهور هذه البحيرة وما قصتها الحقيقية؟

    بحيرة البهنسا الساحرة

    وسط رمال الصحراء الغربية بمحافظة المنيا، وتحت أشعة الشمس الذهبية، تتلألأ مياه بحير وصفها الأهالي بأنها “بحيرة الأساطير” و”بحيرة البركة”. تقع غرب مدينة البهنسا، مركز بني مزار- المنيا، على بعد مئات الأمتار على جانبي الطريق الصحراوي (الجيزة- الأقصر).

    وبمجرد ظهورها المفاجئ، أصبحت مقصدا للكثير من الأهالي الذين يتوافدون لمشاهدتها والتقاط الصور ونسج الحكايات حولها. غير أن حادثة غرق أحد زوارها، وصدور بيان تحذيري من المحافظة بشأن خطورة استخدام مياهها أو السباحة فيها، دق ناقوس الخطر.

    نشأة البحيرة

    يقول حسن الجلاد، باحث مهتم بتاريخ البهنسا وصاحب كتاب “البهنسا مدينة النور” لـ«باب مصر»: “نشأت البحيرة في منطقة كانت محجرًا للرمال جرى تعميقه باستخدام الحفارات واللوادر لاستخراج الرمال. وهي محاطة بأراض زراعية، وبدأ ظهورها منذ أربعة أعوام. نتيجة تسرب المياه من مناطق مرتفعة إلى هذه المنطقة المنخفضة”.

    ويضيف: “تواصلت مع مديرية ري المنيا وكنت ضمن لجنة من خبراء وزارة الزراعة ومركز بحوث المياه بالقاهرة، برئاسة الدكتور صلاح الكرماني، مدير أبحاث المياه، والدكتور سيد عناني من معهد بحوث الصرف. وذلك لفحص البحيرة ومعرفة مصدر مياهها”.

    وتابع: “تبين من الفحص أن قاع البحيرة غير منتظم ويصل عمقه إلى 20 مترا. كما أن الطبقة الحجرية تحولت إلى رغوة. ما يؤكد استحالة نجاة أي شخص ينزل إليها من الغرق. وقد حذر مسؤولو مركز بحوث المياه والصرف الزراعي من ذلك”. كما أوضح أن اللجنة أجرت مسحا للخرائط الجوية. وتبين أن المنطقة كانت أرضا منبسطة، وبعد استخدامها كمحجر رمال بدأ تجمعات صغيرة من المياه بالتكون. وخلال أربع سنوات تضخمت حتى وصلت إلى شكلها الحالي.

    بحيرة البهنسا.. الصورة من سلامة زهران، مدير آثار بهنسا
    بحيرة البهنسا.. الصورة من سلامة زهران، مدير آثار بهنسا
    ضرورة السيطرة على البحيرة

    بحسب التقرير المبدئي للجنة، فإن مياه البحيرة هي مياه صرف زراعي شديد الملوحة. إذ بلغت نسبة الملوحة 8300 جزء في المليون، وفق نتائج تحاليل مركز البحوث الزراعية بالقاهرة. ويؤكد الجلاد ضرورة السيطرة السريعة على البحيرة. خاصة أنها تبعد نحو 50 مترا فقط عن شريط السكة الحديد الغربي. مما يمثل خطرا كبيرا على مشروع السكة الحديد.

    وأشار إلى أن طبيعة أرض البهنسا المرتفعة والمشققة ساعدت على تحريك المياه الجوفية وتجمعها تدريجيا حتى تكونت هذه المساحة الكبيرة.

    آثار البهنسا

    أثار ظهور البحيرة مخاوف من تأثيرها على المنطقة الأثرية القريبة، لكن سلامة زهران، مدير آثار بهنسا، طمأن في تصريح لـ«باب مصر» قائلا: “المنطقة الأثرية بحالة جيدة وبعيدة عن البحيرة. ولم تتأثر بوجودها. وقد انتهت وزارة السياحة والآثار من ترميم أضرحة شهداء الصحابة والتابعين”. وأوضح أن البهنسا متحف تاريخي مفتوح يضم آثارا من مختلف العصور، بدءا من المصري القديم، مرورا باليوناني والروماني والقبطي، وصولا إلى الإسلامي، حيث تضم مقابر عدد من صحابة الرسول.

    وأضاف: “بحيرة البهنسا ليست وليدة اليوم، بل ظهرت منذ سنوات نتيجة تجمع المياه الجوفية ومياه الصرف الزراعي في محجر الرمال القديم. كما أن طبيعة التربة الرملية والطينية ساعدت على تسرب المياه. الجدير بالذكر أن المنطقة تحتوي على العديد من الآبار الجوفية التي استخدمت منذ العصر الروماني”.

     بيان محافظة المنيا

    من جانبها، أكدت المهندسة إكرام محمود، رئيس مدينة بني مزار في تصريح خاص لـ«باب مصر» أن الظاهرة طبيعية. وأن ارتفاع نسبة ملوحة مياه البحيرة هو كونها مياه صرف زراعي.

    وأضافت أن المحافظة أصدرت بيانًا أوضحت فيه أن البحيرة نتجت عن تسريبات مائية ضمن عملية جيولوجية طبيعية. مشيرة إلى أن ارتفاع الملوحة يجعلها غير صالحة للاستخدام الآدمي أو الحيواني أو الزراعي. كما شددت على أن الموقع يخضع للمتابعة المستمرة بالتنسيق مع الجهات المعنية. وأن الأمر تحت السيطرة ولا يدعو للقلق.

    ظهور بحيرات أخرى

    أشار الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عبر صفحته الرسمية في يوليو الماضي، إلى أن بحيرة البهنسا ليست الوحيدة. لافتا إلى وجود بحيرات أخرى في شرق وادي النيل وعلى طريق الشيخ فضل- رأس غارب بقطر حوالي 600 متر.

    وأوضح أن مصدر هذه البحيرات هو الصرف الزراعي الناتج عن الري بالغمر باستخدام المياه الجوفية من خزان الحجر الجيري غرب النيل. وأضاف أنها ليست بحيرة واحدة بل مجموعة بحيرات بدأت في التكون نتيجة للنشاط الزراعي الأهلي غير المخطط منذ عام 2016 وحتى الآن. مشيرا إلى أن حجم المياه يتزايد يوما بعد يوم مع زيادة المساحات الزراعية. وهو ما يظهر جليا في الأقمار الصناعية.

    وأضاف أن أماكن البحيرات هي مناطق عميقة ناتجة عن تجريفها كمحاجر رملية، تسربت إليها مياه الصرف الزراعي فكونت بحيرات يزداد عمقها وملوحتها مع مرور الأيام. وهي غير صالحة للشرب أو الزراعة. وأشار إلى أن زيادة الملوحة ترجع إلى غسل التربة الزراعية، مؤكدا أنه رغم أن النشاط الزراعي في هذه المناطق الجديدة يعد أمرا مفرحا وجميلا. إلا أنه يحتاج إلى تخطيط ورعاية ومساندة الجهات المختصة، فضلا عن تنظيم حفر الآبار واستخدام طرق الري الحديثة من أجل التنمية المستدامة.

    اقرأ أيضًا:

    حسن ونعيمة وألمظ وعبده أفندي: «المنيا» تُحيي «المولد» بعرائس الحكايات الشعبية

  • حسن ونعيمة وألمظ وعبده أفندي: «المنيا» تُحيي «المولد» بعرائس الحكايات الشعبية

    حسن ونعيمة وألمظ وعبده أفندي: «المنيا» تُحيي «المولد» بعرائس الحكايات الشعبية

    فيما ارتبطت ذكرى المولد النبوي لدى المصريين بعروسة المولد التقليدية والحصان المصنوع من السكر، قدمت المنيا صورة مختلفة وأكثر ثراءً وخيالًا، حيث ظهر أبطال قصص الحب الشعبي مثل «حسن ونعيمة»، و«ألمظ وعبده الحامولي»، والأميرة «قطر الندى» ليتصدروا المشهد. وهو ما يؤكد قدرة التراث على التجدد ومواكبة وجدان الناس عبر الزمن. وفي قلب الأجواء الشعبية والاحتفالات بالمنيا، لا يغيب مشهد زفة المولد التي تجوب الشوارع. وصوت بائع الطراطير الملونة. ورائحة الحمص المختلطة بالحلوى.

    حسن ونعيمة وألمظ وعبده أفندي

    بينما توضع العروسة السكرية التقليدية وحيدة على أرفف الباعة في مختلف الأماكن، تبرز في المنيا عرائس أخرى بشكل مختلف. إذ تحاكي بطلات قصص الحب الشعبي الشهيرة: حسن ونعيمة وألمظ وعبده الحامولي، والأميرة قطر الندى، لتجاور العروسة التقليدية وتكمل المشهد.

    أحمد الرواي، بائع حلوى المولد وعاشق للتراث والسيرة الشعبية. يربط الحلوى بالقصص القديمة ويبحث في الموروث الشعبي عن نفحات الماضي. في سرادقه، الذي يشبه المسرح الشعبي، يبيع الحلوى ويسرد الحكايات. مستحضرا قصص شاعر الربابة وسيرة أبي زيد الهلالي، وحكايات حسن ونعيمة وألمظ وعبده الحامولي.

    يقول الراوي: “بقالي ما يقرب من 50 سنة في بيع حلوى المولد والعرائس. وأنا عاشق للتراث والحكايات الشعبية اللي كنت بسمعها من مغنيين الربابة”. ويضيف: “الزباين بييجوا عندي من كل مكان. خصوصا الخطاب والعرسان، عشان ببيع عرائس بأشكال مختلفة بتحكي روايات شعبية لسه عايشة في الوجدان”.

    أصل عروسة المولد

    عن أصل عروسة المولد يوضح الراوي: “احتفالات المولد النبوي بدأت في عهد الفاطميين. وكان الخليفة يخرج راكبا حصانه يوم المولد ومعه زوجته ترتدي الفستان الأبيض. ومن وقتها بدأ المصريون يصنعون حلوى المولد على شكل العروسة والحصان”.

    حسن ونعيمة.. قصة شعبية خالدة

    يقول الراوي: “الحكايات الشعبية وقصص الحب الشهيرة سيطرت على عرائس المولد هذا العام. وأشهرها قصة حسن ونعيمة. فقديما كان يروى على أوتار الربابة حكاية حسن المغنواتي ابن محافظة المنيا وحبيبته نعيمة. ومع مرور الزمن تجسدت هذه القصة لتصبح العروسة (نعيمة) والعريس (حسن) رمزا من رموز المولد. على غرار قصص قيس وليلى وروميو وجولييت”.

    ويتابع: “هناك أيضًا عروسة ألمظ وعبده أفندي، فهي قصة حب ببريق الماس. حيث التقت المطربة ألمظ والمطرب عبده الحامولي، وتحول اللقاء إلي قصة حب شهيرة، خلدها التاريخ وكانت ليلة زفافهما من الليالي الخالدة. وبعد خمس سنوات من الزواج توفيت ألمظ وحزن الحامولي ورحل بعدها. وهي من قصص العشق التي لا تنتهي، ويقبل على شراء هذه العرائس الخطاب لتقديمها كهدية للخطيبة”.

    أحمد الرواي بائع الحلوي مع العروسة قطر الندي - تصوير: أسماء منتصر
    أحمد الرواي بائع الحلوي مع العروسة قطر الندي.. تصوير: أسماء منتصر
    قطر الندى.. أميرة عرائس المولد

    يقول الحاج محمد، 80 عاما، وأحد أقدم بائعي حلوى المولد بالمنيا: “الإقبال على عرائس المولد في تزايد كل عام. ودائما هناك جديد في موسم العرائس. لكن تظل عروسة قطر الندى من أجملها وأكثرها إقبالا. فهي أميرة العرائس التي يتغنى بقصتها مغنو الربابة، وتحكي واحدة من أجمل قصص التراث المصري”.

     اختفاء الأراجوز وصندوق الدنيا

    يضيف الحاج محمد: “مظاهر الاحتفال تغيرت كثيرًا عن الماضي. نفتقد  اليوم الأراجوز الذي كان يلتف حوله الأطفال، وصندوق الدنيا “البيانولا” الذي كان يحكي القصص الشعبية. كما غابت مظاهر أخرى مثل المغنواتية والراقصات ونصبات الرماية والبخت والمدفع والسيرك الشعبي والساحر والمهرج. قديما كانت الاحتفالات تستمر سبع ليال، ويوزع الطعام والمشروبات في كل بيت”.

    ويقول الشاب علي حسين: “جئت للمولد لشراء عروسة الأميرة قطر الندى لخطيبتي. لكني احترت بينها وبين عروسة حسن ونعيمة. الشباب يقبلون على هذه العرائس لإسعاد خطيباتهم”.

    زفة المولد بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
    زفة المولد بالمنيا.. تصوير: أسماء منتصر
    زفة المولد.. حالة من البهجة والفرحة

    في مشهد يتكرر كل عام وينتظره أهالي المنيا من مختلف القرى والمراكز، تظل “زفة المولد” من أشهر مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وهي مسيرة ضخمة تسير بالخيول والجمال التي تحمل الرايات الخضراء. يتوسطها “الهودج ومحمل النبي” وتسير على وقع الطبول والدفوف.

    يجوب الموكب الشوارع والميادين، ويمر بين سرادقات الطهي وجلسات الذكر والتواشيح والابتهالات. وتوزع خلاله الحلوى على الكبار والصغار وسط التكبيرات والصلاة على النبي والزغاريد.

    يقول الشيخ إيهاب أبو العلا، أحد رجال الطرق الصوفية بالمنيا: “تنشر زفة المولد البهجة والفرحة بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم في شوارع المدن والقرى والنجوع. وهي مرتبطة في أذهان الناس بمشهد مواكب الحجيج قديما. حين كان الحجيج يجلسون في الهوادج على ظهور الجمال في طريقهم للحج، فيودعهم أهاليهم بالزغاريد والابتهالات. وعند عودتهم كان الناس يجتمعون حول الهودج ويقبلونه. اعتقادا منهم أنه يحمل رائحة الأماكن المقدسة”.

    طابع شعبي أصيل

    يرى علاء فكري، 50 عاما، مدرس من أهالي مركز أبو قرقاص، أن محافظة المنيا لها طابع شعبي أصيل في إحياء ذكرى المولد النبوي. حيث تشارك أغلب الأسر من الكبار والصغار في هذه المناسبة. ويرتدى الأطفال الجلابيب ويحملون السيوف الخشبية.

    كما يقبل المواطنون على حضور جلسات الذكر والمديح وإطعام الطعام على مدار أسبوع كامل. ويأتي الناس من القرى والنجوع إلى المدينة للاحتفال، الذي يتوج بالليلة الكبيرة، ليلة المولد.

    بائع الطراطير.. تصوير: أسماء منتصر
    بائع الطراطير.. تصوير: أسماء منتصر
    بائع الطراطير.. صانع البهجة

    ” شخليله للعيل.. يا أبو العيال ميل.. خدلك سبع طراطير.. طراطير يا واد طراطير”. بهذه الأغنية الشهيرة التي قدمها صلاح جاهين في أوبريت الليلة الكبيرة. ينادي بندق، بائع الطراطير، على الأطفال ليشتروا منه الطراطير والشخاليل والألعاب والقبعات والزمامير.

    يقول بندق: “تعلمت صناعة الطراطير منذ سنوات، وأقوم بإعدادها بنفسي مستخدمًا خامات بسيطة ورخيصة مثل ورق التغليف، والفوم، وورق الكوريشة الملون. بالإضافة إلى ورق الكارتون المقوى، والدبابيس واللاصق”.

    ويضيف: “أنا أبيع الفرحة للأطفال، وبنجيب رزقنا في المواسم والأعياد. وبنلف الموالد نبيع اللعب والطراطير والبرانيط والطرابيش”. مشيرًا إلى أن الإقبال على الشراء يتزايد في المولد النبوي. حيث يقبل الأطفال بكثرة على الطراطير وأقنعة الحيوانات والطيور”.

    حمص حمص.. تل ما ينقص

    “حمص حمص.. تل ما ينقص، عمال يرقص، ويقول: اللي شاف حمّص ولا كلشي، حب واتلوع ولا ولا طلشي”. هكذا ينادي “بلال”، بائع الحمص والفول السوداني، على الأطفال والكبار في الليلة الكبيرة للمولد النبوي. داعيا إياهم لشراء الحمص.

    يقول بلال: “الإقبال على شراء التسالي من الحمص والفول السوداني يكون غير عادي في موسم المولد النبوي. فهو من مظاهر الاحتفال بالمولد”. وعن تجهيز الحمص للبيع يوضح: “له أسرار وخطوات، تبدأ بوضعه في الشمس لمدة 40 يوما. ثم يبلل، وبعدها يدخل المحمصة. ويعد الحمص البلدي أفضل من السوداني في مذاقه وفوائده. ويزدهر بيعه في المولد النبوي الذي يشهد توافد الكثير من الزوار للمولد. ويعتبر أفضل مواسم السنة”.

    اقرأ أيضا:

    «ليلة الملوخية».. عادة متوارثة للاحتفال بالمولد النبوي بنجع العقاربة

    الروحانيات على الشاشة.. كيف جسدت السينما المصرية الموالد والطقوس الدينية؟

    قنا تحتفل بالمولد النبوي.. طقوس تتوارثها الأجيال منذ قرون

باب مصر