باب مصر

الكاتب: عبدالمجيد عبدالعزيز

  • «مشروع إيزيس».. قصة أغرب فيلم «وثائقي» تناول الحضارة المصرية

    «مشروع إيزيس».. قصة أغرب فيلم «وثائقي» تناول الحضارة المصرية

    مقطع فيديو قديم، يسجل رحلة لما يبدو أنهم مجموعة من السياح ذوي ملامح أوروبية، يهبطون من حافلة وقت الغروب، ويسيرون بحذر في مكان غير واضح التفاصيل. وضع على مدخله لافتة كتب عليها بالعربية “ممنوع الدخول”. عندما يحل الظلام يبدأون في ممارسة طقوس غريبة، رافعين أيديهم إلى أعلى وهم يرددون كلمات غير مسموعة. فجأة، يلمع ضوء مبهر في السماء، فيسري بينهم ارتباك شديد، ما بين فرح وانهيار وبكاء، قبل أن تسقط الكاميرا على الأرض وتثبت على لقطة مائلة لا يظهر بها أحد. وقد ساد سكون تام يعقبه ظلام تدريجي، ثم تظهر على الشاشة صفحة من جريدة كتبت بالإنجليزية، في منتصفها خبر يتحدث عن اختفاء غامض لمجموعة سياح روسيين في القاهرة!
    تشهد مصر منذ فترة، نقاشا وجدلا مستمرا حول بعض الأعمال الوثائقية التي تتناول التاريخ المصري، والمذاعة على منصات عالمية شهيرة. حيث انتقد الكثيرون هذه الأعمال بدعوى تجاهلها لمعلومات ثابتة تاريخيا، والاعتماد بدلا منها على نظريات وآراء لم يقم عليها دليل. حتى أن المنتقدين لهذه الأعمال رفضوا إطلاق صفة “الوثائقية” عليها. وقالوا بأنها تصنف دراما أكثر من كونها وثائقية، لأن صناعها أباحوا لأنفسهم تغيير التاريخ، وهو ما يمكن قبوله في الأعمال الدرامية، ولكنه أمر غير مقبول بأي حال في الوثائقيات.
    الرافضون لتلك الأعمال، اعتبروا أن الفرق بين الدراما والوثائقي، مثل الفرق بين العمل الروائي وبين الدراسة الأكاديمية التاريخية. ففي الوقت الذي يجوز فيه للروائي أن يستخدم الخيال في استحضاره للأحداث التاريخية، لا يجوز على الإطلاق للأكاديمي أن يلجأ للخيال أو حتى يقترب منه عند استعراضه للتاريخ.
    كان مسلسل كليوباترا من إنتاج منصة نت فليكس واحدا من أكثر الأعمال التي أثارت الجدل حو الدقة التاريخية للوثائقيات
    كان مسلسل كليوباترا من إنتاج منصة نت فليكس واحدا من أكثر الأعمال التي أثارت الجدل حو الدقة التاريخية للوثائقيات
    فيلم “وثائقي” أمريكي

    إلا أن هذا الجدل يبدو أعقد كثيرا من الفيلم الذي نسعى لاستكشاف حقيقته في هذا التحقيق. وهو فيلم من إنتاج شركة Associated Television International الأمريكية. وبالرغم من أنه صادر في عام 2001، إلا أن الأزمة التي يثيرها لاتزال مستمرة حتى الآن، وتتجدد في مصر بين الحين والآخر. ويرجع ذلك إلى أن مقاطع كثيرة من الفيلم يتم تداولها على نطاق واسع بالشبكات الاجتماعية، بوصفها مقاطع حقيقية نادرة تعرض للمرة الأولى، وتكشف واحدة من “أخطر الحقائق” في تاريخ الحضارة المصرية القديمة -حسب وصف متداولها.

    فلو كتبت اسم “مشروع إيزيس” Isis Project في محركات البحث على أي من الشبكات الاجتماعية. سيظهر لك العديد من منشورات صناع المحتوى الذين يتابعهم الملايين. والتي تستعرض مقاطع من الفيلم يستفيض متداولوها في شرحها وتفسير ما ورد بها. وبالرغم من غرابة القصة التي تطرحها تلك المقاطع، إلا أن متداولوها والغالبية العظمى من المعلقين عليها، يظهرون اقتناعا تاما بها، باعتبارها مقاطع فيديو مسربة من جهات مخابراتية. وقد كشف عنها مؤخرا فيلم “وثائقي”.

    كانت بداية البحث وراء حقيقة هذه المقاطع، تستدعي الوصول إلى كامل الفيلم ومشاهدته والتعرف على الأفكار التي يطرحها. وبعد بحث ببعض الكلمات المفتاحية التي ذكرها متداولو هذه المقاطع، عثرنا على نسخة كاملة من الفيلم متوفرة على منصة يوتيوب. حيث اتضح أن الفيلم الذي يجمع كل هذه المقاطع يحمل اسم The Secret KGB UFO Abduction Files.

    أفيش الفيلم الأمريكي The Secret KGB UFO Abduction Files
    أفيش الفيلم الأمريكي The Secret KGB UFO Abduction Files
    مشروع إيزيس الروسي

    الفيلم الذي يقدمه ويعلق على أحداثه الممثل الأمريكي “روجر مور” بطل سلسلة أفلام جيمس بوند الشهيرة، يعتمد على مقابلة مطولة مع عالم فيزياء روسي يدعى فيكتور إيفانوفيتش Viktor Ivanovich يقول إنه حصل أثناء عمله في الكرملين كمستشار علمي، على ملفات ومقاطع فيديو “سرية للغاية”. تم تسريبها من أرشيف جهاز المخابرات الروسية KGB، تسجل تفاصيل مشروع روسي غير معلن أطلق في خمسينيات القرن الماضي تحت اسم “مشروع إيزيس”. وهي التفاصيل التي كشفها إيفانوفيتش للمرة الأولى في كتاب له يحمل عنوان “Project ISIS: The KGB’s Discovery of the Tomb of the Visitor“. أو “مشروع إيزيس: اكتشاف المخابرات الروسية لمقبرة الزائر”.

    بحسب الفيلم، كان يعمل على المشروع مجموعة من العلماء الروس في مختلف التخصصات بينهم علماء من الأكاديمية السوفيتية للعلوم. بالإضافة إلى خبراء عسكريين في مجال النشاط الإشعاعي والحرب الكيماوية. وكان هدف المشروع هو الكشف عن المعارف المصرية القديمة والعلوم المتقدمة التي امتلكوها في الماضي. والتي يمكن أن تساعد في تطوير القدرات العسكرية الروسية في الوقت الحاضر. وذلك ضمن جهود الاتحاد السوفيتي لإثبات تفوقه على الولايات المتحدة الأمريكية في بدايات فترة ما عرف بـ”الحرب الباردة”.

    الفيلم يتضمن استعراضا لحجم العلوم التي اكتشفها المصريون القدماء. مشيرا إلى أنها كانت فوق طاقة البشر في ذلك الوقت، ويصعب تخيل أن أمة ما وجدت في هذا الوقت المبكر. وامتلكت كل هذه العلوم التي ساعدتها على بناء حضارة متقدمة بهذا الشكل، دون الاعتماد على مصدر خارجي، أو بالأصح “مصدر غير أرضي”. وهو نفس ما آمن به قادة الاتحاد السوفيتي الذين أطلقوا مشروع إيزيس.

     ***

    ويزعم الفيلم، أن المخابرات الروسية KGB، جندت في عام 1959، سامي شرف مدير مكتب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر للتعاون معها في المشروع. والذي كان بسبب منصبه، لديه صلاحية الوصول إلى معلومات سرية للغاية. حيث علم شرف -نتيجة التنصت على مكالمة هاتفية لأحد المسؤولين المصريين بحسب الفيلم- في يوليو 1960، بشأن تفاصيل غيرت مصير مشروع إيزيس.

    ثم يعرض الفيلم تسجيلا صوتيا لشخصين يتحدثان العربية، يقول إنه تسجيل تلك المكالمة. وهي عبارة عن محادثة هاتفية يخبر فيها المسؤول المصري شقيقه، أن اثنين من “البدو” أصابتهما حالة هذيان لعدة أيام بعدما عثرا على مقبرة أثرية. قبل نقلهما إلى المستشفى وهما يرددان جملة واحدة “مقبرة الزائر”. حيث يقول الفيلم إن المقبرة كانت لإله مصري غير مدرج على قوائم الآلهة المصرية المعروفة. وأنه كانت هناك أدلة على أن هذا الإله يرجع لشخصية عاشت في مصر قبل عصر الأسرات بوقت طويل.

    ويدعي الفيلم أن شرف فور حصوله على هذه المعلومات، مررها إلى المخابرات الروسية، التي نقلتها بدورها للقائمين على مشروع إيزيس المقيمين بمصر. فقام العلماء والعسكريون الروس بالتوجه سريعا إلى مكان المقبرة بالقرب من الهرم الأكبر بمنطقة الجيزة. وهنا يعرض الفيلم مقاطع فيديو بالأبيض والأسود قال إنها المقاطع المسربة التي حصل عليها إيفانوفيتش من الكرملين -هي ذاتها المقاطع التي تنتشر في مصر عبر الشبكات الاجتماعية-. مؤكدا أنها مقاطع حقيقية توثق لحظة دخول المقبرة وفتح التابوت الذي عثر عليه بداخلها. وأن صناع الفيلم تأكدوا من صحة تلك المقاطع وصحة صدورها عن المخابرات الروسية، بعد عرضها على خبير الأفلام الروسي سيرجي جونشاروف Sergei Goncharov.

    ***

    تظهر المقاطع أعضاء فريق مشروع إيزيس، وهم يدخلون المقبرة رفقة بعض العمال المصريين. وفور قيام أعضاء الفريق بفتح التابوت يصدر عنه دخان كثيف. ما يدفع كل المتواجدين للخروج من المقبرة، قبل العودة مجددا وقد ارتدوا أقنعة واقية. بعدما اكتشفوا أن الدخان الصادر يحمل غازا ساما، ليجدوا داخل التابوت مومياء طولها قرابة مترين، لكائن يبدو للوهلة الأولى أنه غير بشري!

    المشاهد التي عرضها الفيلم وقال إنها مسربة من داخل أرشيف المخابرات الروسية من هنا

    ثم يستضيف الفيلم عالم فلك روسي يدعى يوري فلاد Yuri Vlad، قال إنه كان من أوائل العلماء الذين تم تجنيدهم من قبل المخابرات الروسية لمشروع إيزيس. حيث يشير إلى أن المخابرات الروسية رفضت في ذلك الوقت فكرة أن الأهرامات بنيت لاستخدامها كمجرد مقابر. بل آمنت إن إحداثياتها ووقوفها في منتصف اليابسة ونظرها للاتجاهات الأصلية وأمور أخرى، تظهر أنها شيدت بمعرفة “كائن فضائي” قادم من السماء، لاستخدامها في الملاحة.

    ويتابع Vlad بقوله إنه لهذه الأسباب، تبنى فريق مشروع إيزيس نظرية تقول خلاصتها إن ما عثر عليه في المقبرة هو مومياء الإله المصري “أوزوريس” -إله البعث والحساب ورئيس محكمة الموتى طبقا للمعتقدات المصرية القديمة-. وأنه كان يوصف بـ”الإله الزائر”، زاعمين أنه كان عبارة كان كائن جاء من السماء بصحبة آخرين من جنسه. وأنهم حملوا معهم السحر والمعرفة والقوة والحكمة، قبل أن يعودوا مجددا إلى السماء. ولكن واحد منهم فقط ظل على الأرض، وعلّم سكان وادي النيل كل ما كان يعرفه من علوم، كانت هي أساس الحضارة المصرية القديمة.

    ***

    ويقول الفيلم، إن صناعه تشككوا في رواية العالمين الروسيين فيكتور إيفانوفيتش ويوري فلاد عن مشروع إيزيس ومقاطع الفيديو. فلجأوا إلى ساعي بريد دبلوماسي سابق كان يعمل في الاتحاد السوفيتي ويعمل -في وقت تصوير الفيلم- لدى المافيا الروسية. حيث قدم لهم هذا الساعي وثائق متبادلة بين سامي شرف والمخابرات الروسية، أكدت لهم صحة هذه الادعاءات.

    ويستعرض الفيلم تلك الوثائق، التي يقول إنها تضمنت ملاحظات لأعضاء فريق مشروع إيزيس حول المقبرة. يؤكدون فيها أن ما عثر عليه هو مقبرة “الزائر”. وأنهم وجدوا داخلها 15 صندوقا من المقتنيات، وجسدا محنطا داخل تابوت حجري، وثماني مجموعات من الكتابات الهيروغليفية، تشير إلى نبوءة “عودة الآلهة المجنحة القديمة”.

     ويتابع الفيلم نقلا عن إيفانوفيتش أن العلماء الروس نقلوا المومياء إلى موسكو لفحصها، وإعادة بناء الوجه. حيث أظهرت النتائج أن المومياء كان لها وجه “مخلوق فضائي”. وبالتالي تأكدوا أن الهرم وهضبة الجيزة بأكملها وكل ما يوجد عليها من آثار. كان يرتبط بنظام دقيق صنعه فضائيون، يتم التحكم به من داخل الهرم الأكبر، وأن تلك المجموعة الأثرية بنيت جميعها قرابة عام 10500 قبل الميلاد.

    ***

    ويضيف أن هذه النتائج دفعت العلماء الروس لمواصلة البحث والتنقيب في منطقة أهرامات الجيزة، وعمل مسح بأشعة الراديو لكامل المنطقة لسنوات. حتى أظهرت الأشعة وجود ممر يقود إلى حجرة ضخمة بيضاوية الشكل أسفل الهرم الأكبر بمئات الأمتار. حيث آمن أغلب المشاركين في مشروع أيزيس أن تلك هي “حجرة المعرفة” التي وضع فيها الفضائيون خلاصة علومهم ومعرفتهم. ولكن عندما قرر القائمون على المشروع التنقيب والوصول إلى تلك الحجرة بعد سنوات من العثور على المقبرة. حدثت تطورات تسببت في إغلاق مشروع إيزيس إلى الأبد، ونسيان أمر تلك الحجرة وقصة “المومياء الفضائية” التي عاش صاحبها في مصر قبل 13 ألف عام.

    ويختتم الفيلم، بالقول أنه بالرغم من إغلاق مشروع إيزيس. إلا أن أعضاء الفريق الذي عملوا عليه آمنوا بالمعلومات التي جمعوها من المقبرة. وأن كثيرا منهم تعرض لتغيرات فكرية وعقائدية نتيجة عمله على المشروع، ولاحقا، شكلوا معا جماعة أطلقت على نفسها اسم “جماعة التابعين”. هي ذاتها مجموعة السائحين الذين ظهروا في مقطع الفيديو الذين استعرضناه في بداية هذا التحقيق.

    حيث يقول الفيلم أن تلك الجماعة توجهت إلى مصر عام 1985، لإيمانها أن أوزوريس سوف يعود إلى الأرض في أحد أيام شهر إبريل من ذلك العام. قبل أن يختفوا في ظروف غامضة أثناء قيامهم ببعض الطقوس عند الهرم الأكبر استعدادا لاستقبال أوزوريس. وهي النهاية الغامضة التي سجلها مقطع فيديو. قال صناع الفيلم أنهم حصل عليه من ساعي البريد الدبلوماسي، الذي حصل عليه بدوره من المصريين كمكافأة له على عمله معهم. وهي واقعة الاختفاء التي سجلتها أيضا الصحف في ذلك الوقت.

    رابط الفيلم كاملا على منصة يوتيوب:

     

    حقائق مسربة أم قصة خيالية؟

    قد تبدو قصة هذا الفيلم وما تستعرضه من تفاصيل، ضربا من الخيال يصعب تصديقه في نظر البعض. إلا أن هناك آخرين كثر، رأوا في مقاطع الفيلم أدلة حقائق مسربة، تكشف معلومات غامضة يخفيها الروس عن الحضارة المصرية.

    والدليل على ذلك، أن هذه المقاطع لا تزال منتشرة بشدة كما أشرنا. وتكسب في كل يوم المزيد ممن يصدقونها ويساهمون في نشرها، ويبدو أن أمرين أساسيين ساعدا على ذلك. الأول أن الفيلم يقدم نفسه على أنه “وثائقي” يعرض حقائق، وهي نفس الصفة التي تم تقديم الفيلم بها على منصة Amazon مالكة حقوق عرضه على الإنترنت. وأيضا على صفحة الفيلم بموقع موسوعة السينما العالمية IMDB.

    والأمر الثاني أن كثيرا من المواقع الأجنبية، وبينها مواقع شهيرة يعتد بها، مثل موقع صحيفة The Sun وموقع إكسريس البريطانيين، كتبوا عن الفيلم. واستعرضوا تفاصيله، ما زاد من انتشاره، ونتيجة لذلك، خرج عالم المصريات الدكتور زاهي حواس في أحد البرامج مع الإعلامي عمرو أديب قبل فترة. لنفي ما ورد في المقاطع المنتشرة من الفيلم، والتأكيد بأن الحضارة المصرية بناها مصريون وليس لها علاقة بالفضائيين!

    لذلك كله، سنقوم خلال السطور التالية، بتحليل ما ورد في الفيلم وطريقة تصويره، ومحاولة التحقق من التفاصيل التي عرضها، لاستكشاف حقيقته. والتأكد مما إذا كان يعرض بالفعل سرا خفيا دفن لسنوات قد يغير من كل ما نعرفه عن الحضارة المصرية؟ أم أن ما يقدمه مجرد فبركات وضعت في قالب وثائقي لا يختلف عن أي من أفلام الخيال العلمي؟

    لقاء د. زاهي حوار مع عمرو أديب للتعليق على مقاطع الفيلم:

    واقعة اختفاء السياح

    كان أقرب حدث زمنيا في التفاصيل التي استعرضها الفيلم، هو قصة اختفاء مجموعة من السياح الروسيين أثناء زيارتهم للهرم الأكبر في أحد أيام شهر إبريل من عام 1985. لذا رأينا أن تكون بداية البحث من هذه الواقعة، لأنها قد تكون أسهل في التأكد من صحتها لقربها الزمني.

    كان دليل الفيلم على صحة هذه الواقعة كما أشرنا، هو عرضه لفيديو مصنوع بطريقة (Home Video) يسجل لحظة الاختفاء. بالإضافة إلى عرضه لصفحة من جريدة مكتوبة بالإنجليزية، تتضمن خبرا عن الاختفاء، عنوانه: Egypt.. Russian Tour Group Vanishes. ويعني بالعربية (اختفاء مجموعة من السياح الروسيين في مصر) وهو العنوان الذي بدأنا به عملية البحث عبر الإنترنت. إلا أن الغريب أننا لم نعثر على أي خبر بهذا المعنى في أرشيف أي من الصحف الناطقة بالإنجليزية أو العربية. رغم البحث بأكثر من طريقة وبعدة كلمات مفتاحية.

    ولكن عندما حاولنا البحث بعناوين بعض الأخبار الأخرى التي ظهرت في صفحة الجريدة ذاتها التي استعرضها الفيلم. بدأت تظهر النتائج، فعند البحث بعنوان خبر آخر هو: Kosov Serbs Rally to Protest Plant Closure، وجدناه منشورا على موقع صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” بتاريخ 16 أغسطس 2000. وبالبحث بعنوان آخر من الصفحة هو: 2 Tel Aviv Brothels Set Ablaze 4 Die. وجدناه منشورا أيضا على “لوس أنجلوس تايمز” بالتاريخ ذاته، 16 أغسطس 2000!

    هنا وضح أن صفحة الجريدة التي أوردها الفيلم ترجع غالبا إلى صحيفة “لوس أنجلوس تايمز”. فقمنا بالبحث في أرشيفها الورقي على الإنترنت، حتى وصلنا إلى عددها الصادر في 16 أغسطس 2000. وبالبحث في العدد عن الصفحة التي تتضمن هذه الأخبار، وجدنا أنها الصفحة رقم A16. ووجدنا فيها بالفعل نفس الأخبار التي تضمنتها صفحة الجريدة التي نشرها الفيلم، ولكن مع اختلاف بسيط، هو أن الصفحة الأصلية لم تكن تتضمن خبر اختفاء السياح الروس.

    الصحيفة المنشورة بالفيلم (أعلى) وصفحة لوس أنجلوس تايمز (أسفل)
    الصحيفة المنشورة بالفيلم (أعلى) وصفحة لوس أنجلوس تايمز (أسفل)
    مصري يتحدث بلهجة تونسية

    كانت من أغرب التفاصيل التي عرضها الفيلم، والتي يظهر بشكل واضح لكل من يشاهدها أن بها شيء ما خاطئ، أن العمال المصريين الذين ظهروا في مقطع الفيديو الذي تم تصويره بالأبيض والأسود. والذي زعم الفيلم أنه مسرب من أرشيف المخابرات الروسية. كانوا يرتدون أزياء أشبه بأزياء الطوارق في شمال ‘فريقيا وأزياء سكان النوبة، وليس زي سكان قرى الجيزة التي من المفترض أنهم عثروا على المقبرة فيها بالقرب من الهرم الأكبر. فما علاقة الطوارق والنوبة بالجيزة؟

    إضافة إلى أن الكتابات الهيروغليفية التي ظهرت داخل المقبرة في المقطع ذاته، والتي قيل أنها تشير إلى نبوءة “عودة الآلهة المجنحة القديمة”. اتضح أنها في الأصل كتابات مأخوذة من مقبرة سيتي الأول التي عثر عليها المستكشف الإيطالي جيوفاني بلزوني عام 1817 بوادي الملوك في مدينة الأقصر. والتي تعد أحد أشهر وأجمل مقابر ملوك مصر القديمة. وهي كتابات جنائزية تهدف إلى ضمان الانتقال السلس لروح سيتي الأول إلى العالم الآخر.

    أيضا، أي مصري يستمع إلى التسجيل الصوتي الذي عرضه الفيلم. وقال إنه تسجيل مسرب للمكالمة التي تنصت عليها شرف. وكانت تجري بين مسؤول مصري وشقيقه، سيكتشف أن من يتحدثان ليسا مصريين على الإطلاق. حيث يتحدثان بلهجة أقرب إلى سكان تونس ودول المغرب العربي. كما أن أحدهما رجل والآخر امرأة، بالرغم من قول الفيلم أنها محادثة بين مسؤول مصري و”شقيقه”.

    شخصيات لم توجد أبدا

    أما عن الشخصيات الرئيسية التي استضافها الفيلم، واعتمد عليها في عرض قصة “الوثائقي”. فقد تصدرهم الشخص الذي قال الفيلم أنه عالم فيزياء روسي يدعى فيكتور إيفانوفيتش وسبق له العمل كمستشار علمي في الكريملين. وهو المصدر الرئيسي للوثائق ومقاطع الفيديو الذي كشفت وجود مشروع إيزيس. وكانت سببا في إنتاج الفيلم، حيث يبدو واضحا أن هذا الرجل كان في منتصف الأربعينيات من عمره عند تصوير الفيلم.

    ولكن عبر البحث باسم فيكتور إيفانوفيتش عبر الإنترنت، وجدنا عالم روسي واحد يحمل الاسم ذاته. هو فيكتور إيفانوفيتش إليابيف، ولكنه عالم في مجال الغابات وليس الفيزياء. ومن مواليد 1921، وتوفى عام 2000 عن 79 عاما. كما أن صوره لا تشبه صور الشخص الذي ظهر في الفيلم بأي حال من الأحوال.

    أيضا، لم نعثر على أي كتاب صدر يوما يحمل اسم Project ISIS: The KGB’s Discovery of the Tomb of the Visitor. وهو الكتاب الذي زعم الفيلم أن فيكتور إيفانوفتيش أصدره بعدما حصل على المعلومات السرية من أرشيف المخابرات الروسية. وكشف فيه لأول مرة قصة مشروع إيزيس. كما لم نجد في أي من مواقع الكتب، أي مؤلفات لشخص يدعى فيكتور إيفانوفيتش من الأساس.

    الشخصيات الرئيسية التي ظهرت بالفيلم بوصفها علماء روس
    الشخصيات الرئيسية التي ظهرت بالفيلم بوصفها علماء روس
    ***

    من الشخصيات الأخرى التي استضافها الفيلم شخص قال إنه عالم روسي يدعى يوري فلاد. وأنه كان أول من انضم إلى مشروع إيزيس. حيث لم نعثر على أي عالم روسي يحمل هذا الاسم على الإطلاق. أما خبير الأفلام الذي قال صناع الفيلم أنهم عرضوا عليه مقاطع دخول المقبرة للتأكد من صحتها. ويدعى سيرجي جونشاروف، فلم نعثر على أي خبير روسي يحمل هذا الاسم أيضا. والشخص الوحيد الذي عثرنا عليه له الاسم ذاته، هو مواطن روسي في منتصف العمر ويعمل بمجال البيع بالتجزئة!

    أما باقي الشخصيات التي استضافها الفيلم، فلم يقدم لها تعريفا من الأساس. وظهروا على الشاشة دون أن ندري وظائفهم أو أسمائهم، ما صعب عملية التوصل إليهم.

    وهنا يظهر سؤالا ضروريا.. إن لم يكن هناك أي وجود للشخصيات الرئيسية التي استضافها الفيلم واعتمد عليها في عرض قصته.. فمن هم الذين ظهروا به وقدموا تلك القصة الغريبة؟

    ممثل للقيام بدور عالم

    بالدخول على صفحة الفيلم على موقع موسوعة السينما العالمية. سنجد بعض المعلومات المثيرة للاهتمام عن الفيلم. فبخلاف أسماء المنتج والمؤلف والجهة المنتجة، سنجد أن هناك اسمين لاثنين من الممثلين الذين اشتركا في الفيلم بخلاف روجر مور -مقدم الفيلم والمعلق عليه-. وذلك بالرغم من أن الفيلم لم يذكر أن أيا من المشاهد التي عرضها كانت مشاهد تمثيلية، أو محاكاة للواقع.. فمن هما هاذان الممثلان؟

    الأول يدعى Alim Kouliev، وهو ممثل أمريكي من أصل روسي، يعمل في الإخراج المسرحي وكتابة السيناريو. ولد في الاتحاد السوفيتي عام 1959، ويبلغ من العمر حاليا 65 عاما. وبمطالعة صور هذا الممثل، ستكتشف بكل بساطة، أن هو ذاته، الشخص الذي ظهر في الفيلم باعتباره العالم الروسي فيكتور إيفانوفيتش! والذي قدمه الفيلم طوال الأحداث على أنه شخصية حقيقية.

    أما الممثل الثاني، فيدعى Herman Sinitzyn، وهو ممثل أمريكي من أصل روسي أيضا. توفي عام 2016 عن 76 عاما، وبمطالعة صوره، ستجد أن هو ذاته الشخص الذي ظهر في الفيلم بوصفه العالم الروسي يوري فلاد، الذي ادعى أنه كان من أوائل من انضموا لمشروع إيزيس!

    خلاصة البحث، تقود إلى أن الفيلم، الذي يقدم نفسه على أنه “وثائقي” يعرض حقائق، هو فيلم مفبرك بشكل كامل. أشبه بأفلام الخيال العلمي، قدم معلومات مضللة لم يقم عليها دليل. ونسبها لأشخاص ليس لهم وجود، واستضاف ممثلين على أنهم علماء وخبراء، وعرض فيديوهات وتسجيلات وصحف مصطنعة ومفبركة.

    الممثلان الأمريكيان من أصل روسي Alim Koulive وHerman Sinitzyn اللذان قاما بأدوار العلماء الروس في الفيلم
    الممثلان الأمريكيان من أصل روسي Alim Koulive وHerman Sinitzyn اللذان قاما بأدوار العلماء الروس في الفيلم
    أليم كوليف يتحدث

    ولكن ما الذي قد يدفع شركة إنتاج عالمية، مثل Associated Television International إلى إنتاج فيلم يحتوي كل هذا الكم من المعلومات المضللة والمفبركة عن الحضارة المصرية. وعرضه على أنه فيلم وثائقي؟

    حاولنا في بادئ الأمر توجيه هذا السؤال إلى صناع الفيلم.. حيث أرسلنا رسالة نصية عبر البريد إلى الشركة المنتجة للاستفسار منها عن سبب القيام بذلك، إلا أننا لم نتلق منها ردا. أما مخرج العمل Judy Lyness وكاتب السيناريو Fredrick Secor، فلم نعثر لهما على أي وسيلة للتواصل عبر الإنترنت. وكان المتاح عنهما قليل للغاية، ويظهر أنهما ربما لا يمتلكان أي تجارب في الإخراج والكتابة سوى هذا الفيلم.

    إلا أن الحظ حالفنا، وتمكنا من الوصول إلى الشخص الرئيسي الذي استضافه الفيلم. واعتمد عليه كمصدر أساسي في كل التفاصيل التي استعرضها، وهو الممثل الأمريكي الروسي Alim Kouliev، والذي ظهر في الفيلم بشخصية العالم الروسي Viktor Ivanovich، حيث وصلنا إليه عبر صفحته على منصة فيسبوك.

    ***

    في البداية، قال الممثل أليم كوليف لـ”باب مصر”، إنه لم يكن على علم بالضجة التي أثارها فيلمه في السنوات الأخيرة في مصر ولا بانتشار أخباره في الصحف العالمية. مؤكدا أن الفيلم يصنف باعتباره وثائقيا حتى وإن كان كل من ظهروا به “ممثلين”. لأنهم كانوا يؤدون أدوار شخصيات حقيقية حسب قوله.

    وعندما أخبرناه إن بحثنا عن الشخصيات التي ذكرت في الفيلم، قادنا إلى أنها شخصيات لم توجد أبدا. تراجع وقال إنه “يرجح” أن قصة الفيلم مبنية على “أحداث حقيقية”. إلا أنه لا يتذكر بدقة إن كان صناع العمل أخبروه أثناء التصوير، إن كانت قصة الفيلم حقيقية أم مجرد خيال مؤلف.

    وأضاف ردا على سؤال حول رأيه الشخصي في حقيقة عثور الروس على مومياء لكائن فضائي في مصر. قائلا “كل شيء وارد، ولكني لا أستطيع أن أنفي أو أؤكد بشكل قاطع. يجب عليكم أن تبحثوا حول هذا الأمر للحصول على إجابة دقيقة”. وعندما أخبرناه بأننا قمنا بالفعل بعملية بحث موسعة توصلنا خلالها إلى أن المقاطع التي عرضها الفيلم بوصفها فيديوهات سرية مسربة هي مقاطع مفبركة. وأن واقعة اختفاء السياح الروس كذبة لم تذكرها أي من صحف العالم، اكتفى بالرد علينا بإرسال أيقونة “وجه حزين”!

    وفي الختام، سألناه: برأيك.. لماذا تقوم شركة عالمية بإنتاج فيلم مفبرك وتقديمه على أنه فيلما وثائقيا؟ فأجاب بقوله: “ليس لدي إجابة. كما قلت، أنا لست صانع الفيلم، أنا لست مؤرخا أو عالما. يجب عليك التحدث إلى شركة الإنتاج، أود أن أساعدك، ولكن يبدو أنني لا أمتلك ما تريده، آسف”. مختتما بقوله إنه لا يعرف أي وسيلة للتواصل مع صناع الفيلم، حيث لم يسعوا للاتصال به مجددا منذ إنتاج الفيلم في عام 2001.

    أخلاقيات الأفلام الوثائقية

    بغض النظر عن ردود الممثل أليم كوليف، التي لم تقدم إجابة مقنعة على ما فعله الفيلم الذي قام ببطولته. إلا أن السؤال الذي يظل مطروحا هو: هل يجوز لفيلم اعتمد على مثل هذه الأساليب في طرح فكرته أن يقدم نفسه باعتباره فيلما وثائقيا؟ وهل من الطبيعي أن تلجأ الأفلام الوثائقية لمثل هذه الأساليب؟

    تقول الكاتبة باتريشيا أوفدرهايدي، الأستاذة بالجامعة الأمريكية في واشنطون، إن الفيلم الوثائقي يروي قصة عن الحياة الواقعية، قصة تدعي المصداقية. مشيرة إلى أن جمهور الأفلام الوثائقية لا يتوقع أن يتعرض للخداع والكذب، بل يتوقع أن تنقل إليه “أشياء صادقة عن العالم الواقعي”.

    وتضيف في كتابها “الفيلم الوثائقي: مقدمة قصيرة جدا”، إن مصداقية ودقة وموثوقية الأفلام الوثائقية مهمة للجميع. لأن هذه السمات هي التي تضفي التقدير والخصوصية على الأفلام الوثائقية. متابعة بقولها “عندما تخدعنا الأفلام الوثائقية، فإنها لا تخدع المشاهدين فحسب. ولكنها تخدع أفراد الجمهور الذين قد يتصرفون من منطلق المعرفة المستقاة من الفيلم”.

    ***

    وتشير أوفدرهايدي إلى أن المسائل الأخلاقية كان لها أهمية بالغة في صناعة الأفلام الوثائقية. حيث كان يطرح دائما سؤال عن القدر المقبول من تزييف ومحاكاة الواقع في مثل تلك النوعية من الأفلام. معتبرة أن المشاهد البسيطة التي يتم إعادة محاكاتها مثل تجسيد لقطات لإنسان ما قبل التاريخ أو إعادة لحظات يفهم بالضرورة أنها لم تلتقط بالكاميرا. يمكن قبولها لأنها لا تحدث أي ارتباك أو حيرة لدى المشاهدين. إذ عادة ما يمكنهم تمييز التجربة الحقيقية عن التجسيد الرمزي لها، ولكن عندما يتداخل التزييف مع الحقيقة دون إعطاء المشاهدين فرصة للتمييز. هنا تحدث الأزمة، التي تعتبر “تجاوزا أخلاقيا”.

    كلام أوفدرهايدي، يجسد بشكل دقيق، النتائج التي ترتبت على ظهور فيلم The Secret KGB UFO Abduction Files، حيث انخدع فيه المشاهدون. خاصة في مصر التي تركز عليها أحداث الفيلم بشكل رئيسي. وأصبح الكثيرون يتداولون مقاطع منه، مفبركة تماما ومضللة، على أنها مقاطع حقيقية توثق لحظات نادرة التقطتها الكاميرا. ولم تظهر للعلن إلا بعد تسربها من أرشيف المخابرات الروسية.

    معضلة عصر الأسرات

    متفقا مع وجهة نظر أوفدرهايدي، يرى الآثاري والباحث في علم المصريات أحمد صالح، إنه في الوقت الذي يمكن أن نتغاضى فيه عن أعمال فنية درامية تتناول الحضارة المصرية بشكل غير دقيق يعتمد على الأسطورة فقط. إلا أنه لا يمكن السكوت على عمل وثائقي يتناول الحضارة المصرية بهذه الطريقة. لأنه يساهم في خداع الناس وتضليلهم، لاعتقادهم أن الوثائقيات تقدم معلومات وليس قصصا خيالية.

    وضرب مثالا على ذلك بسلسلة من الأفلام الأمريكية أنتجت خلال القرن الماضي وكانت المومياء المصرية بطلا رئيسيا في أحداثها. مشيرا إلى أن هذه السلسلة اعتمدت على الحركة والإثارة والرعب على حساب الدقة التاريخية. إلا أنه كان هناك جانب إيجابي فيها، وهي أنها ساهمت في إثارة اهتمام الكثيرين بالحضارة المصرية ودفعتهم للتعرف عليها ودراستها. لذا لم يكن هناك حاجة للخروج وانتقادها والرد على ما ورد بها، مضيفا أن الأمر يختلف في الوثائقيات. حيث يكون التضليل المتعمد فيها له أغراض سياسية وفكرية. مثل ما حدث مع مسلسل كليوباترا الذي أنتجته منصة “نت فليكس” قبل سنوات، مشيرا إلى أن المسلسل كان يروج لقضية فكرية محددة يتبناها صناعه، على حساب الحقائق التاريخية.

    وتابع بقوله، إنه لا يوجد أحد في مصر لديه خطة أو منهجا للرد على مثل تلك الأعمال التي ينتجها الغرب. حيث تكون ردودنا غالبا عنيفة ولا نهتم بمناقشة أصحاب تلك الأفكار واستيعابهم وتوضيح الحقائق لهم. وتكون قراراتنا هي المصادرة والإلغاء والمنع غالبا، مما يساهم في انتشار هذه الأفكار أكثر. وهو نفس ما حدث عندما سعى البعض لإقامة مؤتمر في أسوان عن المركزية الإفريقية. حيث تم بإلغائه ومنعه، بدلا من الرد عليه ومناقشة ما يطرحه من أفكار حتى يعلم الجميع حقيقة الأمر.

    ***

    وأضاف أن قضية الوعي الأثري والتاريخي في مصر، تعاني من غياب المنهجية الصحيحة في التعامل معها. وفي الوقت الذي نسعى فيه لمواجهة الرواية الغربية عن الحضارة المصرية. نحن غير قادرين على النقاش مع الشباب المصري الذي أصبح يتبنى هذه الروايات ويساهم في نشرها بالرغم من وضوح فبركتها. مثل ما يحدث حاليا مع فيلم قصة مشروع إيزيس. متابعا: “لو استطعنا أن نقوم بهذا الدور مع الشباب المصري أولا، سيقوم هو بالدفاع عن بلده وتاريخها مستقبلا بدلا من نشره لهذه الأساطير”.

    وطالب صالح، بتفعيل دور قناة الوثائقية، وتغيير سياستها الحالية، لتكون قادرة على مخاطبة الغرب واستيعابه. وأن تضع في خطتها إنتاج أعمال بلغات أجنبية تستضيف من خلالها نجوما عالميين. يساهمون في نشر تاريخنا بشكل دقيق وتقديم القصة الصحيحة للحضارة المصرية.

    أما عن كثرة الربط بين الحضارة المصرية وادعاء وجود دور للكائنات الفضائية في بنائها. قال صالح إن ذلك يرجع إلى معضلة تاريخية تتمثل في النقلة الاستثنائية التي شهدتها الحضارة المصرية والتي انتقلت بها من عصور ما قبل التاريخ إلى عصر الأسرات. والتي كانت نقلة محيرة وفجائية بمقاييس الزمن والتقدم الفكري والحضاري. حتى أن أهم إنشاءات معمارية تركها المصريون القدماء وهي الأهرامات ظهرت في بداية تلك الحقبة وليس في نهايتها كما يفترض. مشيرا إلى أن هذا التطور السريع صُعب على الكثيرين استيعابه وتفسيره. لذا ادعوا أن هذا التطور راجع إلى وجود قوى خارجية ساعدت المصريين القدماء على بناء حضارتهم العظيمة. مطالبا بأن يهتم العلماء والمسؤولون المصريون بتوضيح وتفسير سبب هذه النقلة بشكل مبسط. خاصة في المناهج التعليمية، ليعرف الجميع أن أساس وعماد هذا التطور، كان هو الإنسان المصري ساكن وادي النيل.

    اقرأ أيضا:

    حروب المجاز: هل كانت «كليوباترا» سمراء؟

  • تراث المسرح المصري المصور| البدايات.. والمصير.. وأين نعثر عليه الآن؟

    تراث المسرح المصري المصور| البدايات.. والمصير.. وأين نعثر عليه الآن؟

    يقول الكاتب الكبير نجيب محفوظ عن المسرح، إنه فن «نشأ في أحضان المعابد»، للدلالة على قيمة المسرح ودوره الذي يتجاوز مجرد التسلية. معتبرا أن انتشار المسرح مؤشر على رقي الذوق أكثر من انتشار السينما، لأنه أقرب إلى الفن الرفيع، وجمهوره “متعلم ومثقف”. هكذا نظر الكتاب والمفكرون دوما إلى المسرح، باعتباره مرآة تعكس ثقافة العصر ومدى تحضر المجتمع، ومقياس يمكن من خلاله معرفة إلى أين وصلنا وماذا حققنا؟

    كلام محفوظ، الذي نشره بمقالة له في نهاية خمسينات القرن الماضي، تزامن مع نهضة مسرحية كبرى كانت تشهدها مصر في تلك الفترة التي باتت تعرف بين المسرحيين بـ” العصر الذهبي”. في تلك الفترة كانت الجماهير تتدفق على مسارح القاهرة والإسكندرية والأقاليم لمشاهدة العروض التي لم تكن تتوقف. ما بين الكوميدي والتراجيدي والملحمي والمسرح الغنائي والاستعراضي وغيرها الكثير. عروض كنا ننافس بها أكبر مسارح الدنيا، وتجذب كبار المؤلفين والمخرجين والممثلين من مختلف بلدان العالم، لمشاهدة التجربة المسرحية المصرية في تقديم العروض العالمية!

    هكذا كنا.. فكيف أصبحنا الآن؟

    الواقع الذي لا يختلف عليه كثيرون، حتى المسرحيون أنفسهم، يقول إن المسرح في مصر حاليا يعاني بشدة. بل لا أكون مبالغا إذا قلت إنه فن يكاد ينقرض في مصر! بعدما انطفأت أضواء المسارح -باستثناءات قليلة للغاية- وهجرها الجمهور واتجه إلى فنون أخرى تحكمها طبيعة العصر وسيطرة التقنية. وظني أنه لا سبيل أمام المسرح المصري لاستعادة مجده، ومواصلة دوره الحضاري، سوى باسترجاع تراثنا المسرحي في عصوره الذهبية. وتقديمه للأجيال الجديدة وربطهم به، ليعلموا أين كنا؟ وكيف نستكمل ما بدأناه؟

    ولكن أين يمكن لنا أن عثر على هذا التراث الآن؟

    الإجابة بكل بساطة، هي فيما نمتلكه حاليا من مئات المسرحيات المصورة التي تمتد عبر عقود طويلة من الفن والإبداع. والتي من المفترض أن الكاميرا حفظتها لنا لنشاهدها ونتعلم منها، ولكن.. كيف للشباب أن يصل إلى هذا التراث؟

    سعيا للحصول على إجابة السؤال السابق. أجريت بحثا عبر الإنترنت -الساحة الرئيسية التي يتحرك فيها الجيل الحالي ويتفاعل معها- لتتبع تراثنا المسرحي والتعرف على أماكن عرضه. إلا أن المحبط بحق، أن الغالبية العظمى من النتائج التي ظهرت لي، كانت مرتبطة بمسرحيات حديثة -إن جاز لنا أن نسميها مسرحيات- تقدمها فرقة تضم مجموعة شباب. يكفي أن تشاهد عرضا واحدا لهم لتتساءل: ما علاقة ما يقدموه بالمسرح؟!

    هذه النتائج غير المبشرة جعلتني أتتبع حجم مشاهدات مسرحيات تلك الفرقة ومثيلاتها في الوقت الحالي وحجم انتشارها على المنصات المختلفة عبر الإنترنت. مقارنة بحجم المتاح من تراثنا المسرحي وحجم ما يحظى به من مشاهدات. فكانت النتيجة تفوق وتغلب كبير ولا يقارن لصالح هذه الفرقة ومثيلاتها.

    الشبكات الاجتماعية

    النتيجة الأولية التي يمكن استنتاجها من هذه المقارنة، أن الأجيال الجديدة -المتحكمة فيما ينتشر عبر الشبكات الاجتماعية- أصبحت لا تعرف من التراث المسرحي المصري العريق والثري والمتنوع، سوى بضع مسرحيات كوميدية قديمة. اعتادوا مشاهدتها في الأعياد غالبا. إضافة إلى ما يقدم حاليا من مواقف ارتجالية ساخرة. هي أبعد ما تكون عن المسرح ورسالته، وهي التي باتت تتصدر نتائج البحث لكل من يفكر في مشاهدة عرضا مسرحيا عبر الإنترنت.

    ولكن الواقع يثبت أن الشباب المصري لا يعزف عن التراث بشكل عام ويخاصم ماضيه كما قد يتخيل البعض. فمنصات التواصل مليئة بصفحات يديرها شباب يهتمون بالتراث بمختلف أشكاله. ويسعون لتوثيقه والتعريف به واستخدام الوسائل التقنية الحديثة في نشره والتشجيع على الاهتمام به. وبعضها أحرز نجاحا لافتا في هذا السياق. وأصبح تأثيرها ربما أكبر من تأثير بعض الجهات الرسمية.

    إذا المشكلة ليست في اهتمام الشباب بالتراث وحبه له بوجه عام. ولكن المشكلة تكمن في أن أغلبهم لا يعرفون شيئا عن تراثنا المسرحي. بل إن بعضهم قد لا يعرف أن هناك تراثا مسرحيا مصريا من الأساس مازال متاحا للمشاهدة. خاصة في ظل تشتت هذا التراث وتفرقه بين أكثر من جهة.

    الأجيال الجديدة

    من هذا المنطلق، سعيت للبحث عن وسيلة، يمكن من خلالها لفت أنظار الأجيال الجديدة إلى هذا التراث وتعريفهم عليه. على أن تكون هذه الوسيلة ضمن الساحة التي يتحرك فيها هؤلاء الشباب وهي الشبكات الاجتماعية ومنصات الإنترنت المختلفة. لذا بدأت في وضع قاعدة بيانات بسيطة، تكون متاحة على الإنترنت. تضم كل الإنتاجات المسرحية المصرية منذ بداية تصوير المسرح المصري وحتى الآن، المتاحة للمشاهدة عبر منصة (YouTube).

    وقد اخترت (YouTube) كونها منصة الفيديو الأكثر انتشارا. وأغلب الأجيال الجديدة تعرفها جيدا ولها ارتباط كبير بها. ولكونها أيضا مجانية ويمكن لأي شخص يمتلك هاتف مشاهدة محتواها. إضافة إلى أن غالبية الجهات المالكة لحقوق بث المسرحيات المصرية القديمة والجديدة. تعتمد عليها بشكل رئيسي في عرض هذه الإنتاجات.

    إلا أن بناء قاعدة البيانات تلك، استدعى إجراء بحث لتتبع بدايات تصوير المسرح المصري. ومتى بالتحديد بدأت عملية توثيقه عبر الكاميرا، وتتبع مصير محتوى المسرح المصور. وكيف وصل إلى ما هو عليه الآن من تشتت. وهو ما سنحاول البحث عن إجابته خلال الأسطر التالية.

    فرقة رمسيس
    فرقة رمسيس
    متى بدأ تصوير المسرح المصري؟

    يقول الباحث الفني عبدالعزيز توني لـ “باب مصر”: إنه بالرغم من أن السينما المصرية بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي. إلا أن تصوير المسرح تأخر عنها كثيرا. مرجعا ذلك بشكل رئيسي إلى سبب تقني. فقبل ظهور التليفزيون، لم يكن من المتاح تصوير أي فعاليات حية. مثل المسرحيات والحفلات، وذلك لأن الشريط السينمائي لم يكن قادرا على تصوير أكثر من 4 دقائق متواصلة. وهو ما لم يكن مشكلة بالنسبة لتصوير الأفلام الروائية أو التسجيلية أو حتى اللقطات التوثيقية التي نشاهدها لتلك الحقبة. والتي كان يجري عمل مونتاج وتقطيع للقطاتها. ولكنه لم يكن مناسبا لتصوير عرض أو حفلة تستمر لثلاث ساعات. ما يفسر عدم وجود أي مسرحيات مصورة لنجيب الريحاني أو علي الكسار وغيرهم من رواد المسرح المصري.

    ويضيف توني، أن كل ذلك تغير بعد ظهور التليفزيون. حيث أتاحت لنا كاميرات التصوير التليفزيوني تسجيل الحفلات والمسرحيات التي تمتد لعدة ساعات. وبدأنا نشاهد أم كلثوم على المسرح للمرة الأولى وكذلك كثير من المسرحيات التي كانت ستضيع علينا فرصة مشاهدتها لولا ظهور التليفزيون في مطلع الستينيات.

    وهو نفس ما أكده الناقد الفني أشرف غريب لـ”باب مصر”، حيث قال إن تصوير المسرح المصري ارتبط بشكل أساسي بظهور التليفزيون. مرجحا أن تكون أول مسرحيات سجلها التليفزيون هي مسرحيات يوسف وهبي الذي حرص على إعادة تمثيل مسرحياته القديمة وتصويرها. لرغبته في المحافظة على تراثه وإبقائه للأجيال الجديدة.

    تاريخ الإرسال التليفزيوني

    وعن تاريخ بدء الإرسال التليفزيوني، يقول الدكتور هادي حسن، كبير مذيعي إذاعة شمال الصعيد- في تصريحات سابقة- إن أول إرسال تليفزيوني تشهده القاهرة كان في عام 1951. حيث قامت به الشركة الفرنسية للصناعات “الراديو تليفزيونية” بمناسبة إقامة أحد أفراح العائلة الملكية. وفي عام 1954 عرض وزير الإرشاد في حكومة الثورة، ممدوح سالم، على الرئيس جمال عبدالناصر فكرة إنشاء محطة تليفزيونية. وهو ما استجاب له عبدالناصر وقرر إنشاء التليفزيون المصري في أواسط الخمسينيات.

    وتم إيداع مبلغ 108 آلاف جنيه لإقامة مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون بكورنيش النيل على مساحة قدرها 21 ألف متر مربع. ولكن بسبب العدوان الثلاثي على مصر تأخر بدء الإرسال الفعلي إلى عام 1960. حيث وقعت مصر مع هيئة الإذاعة الأمريكية اتفاقية لتزويد مصر بشبكة للتليفزيون. وكانت تجارب الإرسال الأولى من قصر عابدين. ولم يبدأ الإرسال المنتظم إلا في شهر يوليو من العام ذاته، بمناسبة الذكرى الثامنة لثورة 23 يوليو.

    ولكن متى بالتحديد بدأ التليفزيون يفكر في تصوير المسرح عقب انطلاقه في يوليو 1960؟

    التجربة الأولى لبث التليفزيون في مصر عام 1951
    التجربة الأولى لبث التليفزيون في مصر عام 1951
    “يا تلحقونا”.. تدشن تاريخ المسرح المصور

    تكشف مجلة “آخر ساعة” في عددها الصادر بتاريخ 27 يوليو 1960، أن التليفزيون كان يتجه للاعتماد بشكل واضح على المسرح لملء ساعات البث في أسابيعه الأولى. حيث أعلن قسم التمثيليات في التليفزيون أنه سيقدم مسرحية كل أسبوع تعرض في ساعة ونصف، ينقلها من أحد المسارح المعروفة في القاهرة. كما سيقدم أربع مسرحيات قصيرة على مدار الأسبوع، مدة عرض كل منها 30 دقيقة.

    وذكرت المجلة، أن أنور المشري -مراقب البرامج الترفيهية في التليفزيون حينها- صور بالفعل أول مسرحية للعرض على شاشة التليفزيون المصري. وكانت تحمل اسم “يا تلحقونا”، وهي من مسرحيات يوسف وهبي. وأنها المرة الأولى التي سيظهر فيها يوسف وهبي على شاشة التليفزيون، وأن المسرحية تم تصويرها داخل مسرح الأوبرا.

    وهو ما يجعلنا نرجح بأن مسرحية “يا تلحقونا” ليوسف وهبي، كانت أول مسرحية مصرية يتم تصويرها تليفزيونيا. وقد جرى ذلك في منتصف عام 1960. مع العلم أنني لم أعثر على أي أثر لهذه المسرحية على الإنترنت، أو في أرشيف التليفزيون عبر المصادر التي تواصلت معها داخل ماسبيرو.

    عدد رقم 1344 من منجلة آخر ساعة بتاريخ 27 يوليو 1960
    عدد رقم 1344 من منجلة آخر ساعة بتاريخ 27 يوليو 1960
    من المسرح إلى الشاشة الفضية

    وسريعا، تحولت جميع مسارح القاهرة إلى استوديوهات تعمل لحساب التليفزيون، كما يقول الكاتب الكبير أنيس منصور في عموده اليومي “مواقف” بصحيفة الأخبار (مارس 1985)، والذي كان عضوا في لجنة قراءة النصوص المسرحية ولجان التحكيم المسرحي التي تجيز ما يعرض منها على الشاشة الفضية. مضيفا أن المسرحيات باتت لا تكاد تقدم للجمهور في المسارح، حتى تنقل بعدها بأيام إلى التليفزيون.

    اللافت أن كثيرا من الفرق المسرحية، مثل فرقة الريحاني وفرقة المسرح المصري الحديث التي كان يشارك في أعمالها يوسف وهبي. حاولت الاستفادة من الموجة الجديدة للاهتمام بالمسرح التي خلقها ظهور التليفزيون. وسعت إلى إعادة تقديم عروضها القديمة، أو ما يعرف مسرحيا بـ”الريبرتوار” لتسجيلها وعرضها على التليفزيون. وهو ما تكشفه “موسوعة المسرح المصري المصورة” للدكتور عمرو دوارة، التي تظهر تكرار تقديم بعض الفرق لمسرحياتها في حقب مختلفة. خاصة عقب ظهور التليفزيون.

    ومن أبرز الأمثلة على ذلك، مسرحية “الستات ما يعرفوش يكدبوا” لبديع خيري ونجيب الريحاني، والتي قدمتها فرقة الريحاني للمرة الأولى عام 1938 من بطولة وإخراج نجيب الريحاني. ثم أعادت الفرقة عرضها عام 1961 من إخراج بديع خيري وبطولة عادل خيري، وهي النسخة المصورة من المسرحية. وكذلك مسرحية “30 يوم في السجن”، التي قدمتها فرقة الريحاني ثلاث مرات، أعوام 1940 و1949، ثم أعادت تقديمها بعد ظهور التليفزيون عام 1962 لتصويرها. ومسرحية “راسبوتين” التي قدمتها فرقة رمسيس للمرة الأولى عام 1924 ثم أعادت الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى تقديمها عام 1945، قبل أن يعيد يوسف وهبي تقديمها عام 1960 للتصوير التليفزيوني.

    المسرح الحر

    هذا الاتجاه يؤكده الكاتب المسرحي نعمان عاشور في مذكراته “المسرح حياتي”، التي يقول فيها إنه عندما ظهر التليفزيون، تقدمت فرقة “المسرح الحر” التي كان يكتب لها، لتسجيل مسرحيته “الناس اللي تحت” التي سبق تقديمها على المسرح لأول مرة عام 1956، لإعادة تمثيلها وتصويرها وبيعها للتليفزيون. ما كان سببا في حدوث خلاف بين عاشور والفرقة، لأن التصوير كان يتم دون أخذ موافقته بالمخالفة للعقد الموقع بينه وبين الفرقة والذي لم يتضمن سوى تقديم المسرحية على خشبة المسرح فقط. وذلك قبل أن تحل الأزمة بين الطرفين ويسمح عاشور ببيع النسخة المسجلة للتليفزيون، والتي يرجح محمد عاشور، نجل شقيق نعمان عاشور، أنه تم تصويرها بين عامي 1961 و1963.

    ويمكن للمشاهد التعرف على الشكل الذي كانت تقدم من خلاله المسرحيات عبر التليفزيون في هذه البدايات، من خلال النسخة المتداولة على الإنترنت لمسرحية “كان غيرك أشطر” التي قدمتها فرقة الريحاني عام 1961، والتي تظهر في بدايتها مذيعة التليفزيون لتعلن أن برنامج “ليالي القاهرة” سوف يقضي سهرته في تلك الليلة بمسرح الريحاني لتقديم مسرحية “كان غيرك أشطر”. ثم تستعرض أسماء المشاركين في العرض، وتقدم بعدها الفصل الأول من المسرحية.

    مغامرة مسرح التليفزيون

    أنيس منصور، أوضح في مقاله المشار إليه، أن التليفزيون ساهم بشكل كبير في نشاط المسارح أوائل الستينات. سواء الكوميدية أو الحديثة أو العالمية، وحتى مسرح العبث واللامعقول، وتحمس الكثيرون للتأليف المسرحي نتيجة حالة النشاط تلك. ومن بينهم أنيس منصور نفسه الذي ألف 4 مسرحيات وترجم غيرها، لكي تمثل مسرحيا ويتم تصويرها للتليفزيون.

    وأرجع منصور الفضل في ذلك إلى حماس كل من د.عبدالقادر حاتم الذي كان يتولى منصب وزير الدولة للإذاعة والإعلام العربي، ثم منصب وزير الثقافة والإرشاد القومي، وحسن حلمي مدير التليفزيون في ذلك الوقت. إضافة إلى الفنان الكبير السيد بدير مؤسس “مسرح التليفزيون”، الذي بدأه بإنشاء أربع فرق جديدة. هي المسرح الحديث، المسرح العالمي، المسرح الكوميدي، ومسرح الحكيم، والتي كانت تقدم أعمالها لعدة أيام أمام الجمهور ثم يتم تصويرها للعرض على الشاشة.

    ويبدو أن إنشاء مسرح التليفزيون كان بمثابة مغامرة وتحدي، حيث يشير الناقد الفني عبدالفتاح البارودي، في مقال له بصحيفة الأخبار (يناير 1986)، أن الكثيرين توقعوا فشل مشروع “مسرح التليفزيون”. أولا لأنه لم يعتمد على نجوم، بل على شباب موهوب غير معروف. وثانيا لأنه قدم نوعيات جديدة من المسرحيات. وثالثا لأن مسرح التليفزيون ضم في بداياته عددا كبيرا من الفرق. فبخلاف الفرق التي أسسها سيد بدير، انضمت المزيد من الفرق لاحقا إلى مسرح التليفزيون. حيث تشير بعض المصادر أن هذه الفرق كانت تقدم مجتمعة ما يزيد على 20 مسرحية في العام الواحد كمتوسط، وفي بعض الأحيان كانت تزيد لتصل إلى 30 مسرحية.

    نجاح ساحق

    إلا أن مسرح التليفزيون نجح في التحدي، حيث يضيف البارودي، بأن أرقام شباك التذاكر لفرق التليفزيون أثبتت أنها حققت نجاحا ساحقا، وتحول أعضائها المغمورون إلى نجوم. وباتت تقدم عروضها على مسارح القاهرة والإسكندرية والأقاليم، بل وانتشرت في الأحياء الشعبية، حيث كانت تستخدم دور السينما لعرض مسرحياتها في الحفلات المسائية. مرجعا السبب وراء هذا النجاح إلى قيام هذه الفرق على أسس مسرحية مدروسة، بعدما ضمت كل فرقة لجنة من المتخصصين والدارسين وأساتذة الجامعات لكي تحافظ على رسالتها، ولكي تراجع لها رواياتها.

    ويتابع أنه تم إنشاء مواسم مسرحية نقدية خصصت لمناقشة إنتاج فرق التليفزيون المسرحية. واشترك في هذه المناقشات أساتذة الجامعات والمعهد العالي للفنون المسرحية، بل وصل الاهتمام بهذه المواسم النقدية إلى درجة إيقاف الإنتاج المسرحي بعض الوقت، لكي تستكمل المناقشات إلى أقصى مداها. وقد تولى الإشراف على هذه الندوات النقدية الدكتور رشاد رشدي رئيس تحرير مجلة المسرح، الذي تولى لاحقا عمادة المعهد العالي للفنون المسرحية ورئاسة أكاديمية الفنون.

    وبالرغم من هذه البداية القوية لمسرح التليفزيون. إلا أنه تعرض لنهاية مفاجئة وغير متوقعة بعد سنوات من الإبداع والتألق، حيث ألغي وفشلت كل محاولات إعادته لمجده القديم.

     

    مسرح القطاع الخاص

    شكلت فرق القطاع الخاص، أساس المسرح المصري منذ بداياته، فلم تكن هناك في هذا الوقت المبكر من عمر المسرح فرقا تخضع لإشراف الدولة بالمعنى الحرفي للكلمة. وكان المسرح يعتمد بشكل أساسي على ما تقدمه الفرق الخاصة، ولم يتم إنشاء المسرح القومي إلا عام 1921 بحسب موقع الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، وذلك بالتزامن مع المطالبة باستقلال مصر عن الاحتلال الإنجليزي. حيث افتتح المسرح القومي موسمه الأول في هذا العام بأربع مسرحيات دفعة واحدة، بمعدل يومين لكل مسرحية. أما الفرقة القومية المصرية فلم يتم إنشائها إلا عام 1935 بقيادة الشاعر خليل مطران.

    وكانت من أبرز فرق المسرح الخاص، خلال القرن الماضي، التي شكلت وجه المسرح المصري، فرق الشيخ سلامة حجازي وجورج أبيض وأولاد عكاشة. وهي الفرق الاحترافية الكبرى التي قادت حركة المسرح في بداية القرن، ثم ظهرت بعدها فرق أنصار التمثيل والسينما والريحاني ورمسيس. وتوالت الفرق المسرحية الخاصة الشهيرة، مثل فرقة المسرح الحر، وفرقة إسماعيل ياسين، والفنانون المتحدون، وثلاثي أضواء المسرح، وفرقة تحية كاريوكا، واستوديو 80، وغيرها الكثير.

    ويظهر من أرشيف التليفزيون، أن ماسبيرو حرص على شراء بعض أعمال القطاع الخاص التي قام منتجوها بتصويرها عقب توافر التصوير التليفزيوني، وذلك لبيعها للتليفزيون المصري وغيره من التلفزيونات العربية. ويظهر من تترات هذه المسرحيات المصورة، أن بعض تلك المسرحيات قام التلفزيون بتصويرها عبر أجهزته ومخرجيه والحصول على حقوق عرضها، وبعضها الآخر كانت تقوم بتصويره شركات خاصة، بينما كان يشتري التليفزيون حقوق عرضها على شاشته.

    قادت الفرق التي أسسها نجيب الريحاني وجورج أبيض وغيرهما حركة المسرح المصري في النصف الأول من القرن العشرين
    قادت الفرق التي أسسها نجيب الريحاني وجورج أبيض وغيرهما حركة المسرح المصري في النصف الأول من القرن العشرين
    ليس كل ما عرض تم تصويره

    وبالرغم مما قد يظهر من أن عملية تصوير العروض المسرحية باتت أمرا معتادا عقب ظهور التليفزيون. إلا الشواهد تؤكد بأنه ليس كل ما كان يعرض من مسرح كان يتم تصويره، حيث لعبت الانتقائية دورا أساسيا في اختيار ما يتم تصويره من مسرحيات وتجاهل مسرحيات أخرى لأسباب عدة. انتهى عرضها دون أي تصوير وضاعت على الأجيال الجديدة فرصة مشاهدتها.

    حيث تقول الفنانة الكبيرة سميحة أيوب في مذكراتها “مذكراتي”، إن بعض الأعمال المسرحية الهامة لم يتم تصويرها عمدا، بسبب موضوعاتها التي كانت ترى فيها الجهات الرقابية أنها تتناول قضايا حساسة. وهو نفس ما يؤكده المخرج أحمد عبدالحليم في تصريحات صحفية لجريدة “الوفد” (أكتوبر 1997) أن التليفزيون اهتم في الستينات بتسجيل المسرحيات الكوميدية مثل “هاللو شلبي” و”سيدتي الجميلة” و”البيجاما الحمراء” وغيرها. بينما رفض تسجيل أعمال جادة وهامة مثل “مصرع جيفارا” أو “وطني عكا” أو “ليالي الحصاد”، حيث فضل التليفزيون الكوميديا وإضحاك الناس على حساب المسرح الجاد، حسب قوله.

    بينما يكشف الفنان محمود الديني، في تصريحات صحفية في نهاية التسعينات -حيث كان يتولى حينها رئاسة المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية- أن بعض الفنانين والمؤلفين كانوا يرفضون قيام المركز بتصوير أعمالهم المسرحية التي تقدم على مسرح الدولة لتوثيقها. إما طمعا في الحصول على مقابل مادي أكبر أو لأسباب أخرى، ما أضاع أيضا فرصة تصوير عدد من الأعمال الهامة التي لم يعد من المتاح مشاهدتها حاليا.

    سميحة أيوب وملك الجمل في مسرحية "سكة السلامة" إنتاج 1965
    سميحة أيوب وملك الجمل في مسرحية “سكة السلامة” إنتاج 1965
    أين ذهب تراثنا المسرحي؟

    الشاهد مما سبق، أن التليفزيون المصري امتلك ثروة ضخمة من المسرحيات المصورة. ما بين مسرحيات لفرق خاصة وتابعة للدولة قام بتصويرها، وبين مسرحيات قدمتها فرق التليفزيون التي أنشئت لهذا الغرض.

    وهو ما تؤكده موسوعة المسرح المصري المصورة، التي وضعها د.عمرو دوارة في قرابة 17 مجلدا، والتي احتوت رصدا لما يزيد على 5 آلاف مسرحية مصرية، منذ القرن التاسع عشر وحتى عام 2015. حيث يظهر للمطالع لهذه الموسوعة أن قرابة ثلثي المسرحيات المصرية قدمت على المسرح بعد ظهور التليفزيون. أي أن لها نسخا مصورة غالبا -باستثناء ما تم تجاهل تصويره عن عمد- إما لأن التليفزيون قام بتصويرها أو شرائها أو أنه أنتجها من الأساس كما أوضحنا.

    ولكن المثير للدهشة، أن عملية الحصر التي أجريتها عبر الإنترنت لرصد الأعمال المسرحية المصرية المصورة المتاحة للمشاهدة، لم تسفر إلا عن بضع مئات من المسرحيات. فأين ذهب التراث المسرحي الضخم الذي امتلكه التليفزيون المصري؟

    الإجابة الصادمة على هذا السؤال، نجدها إذا ما علمنا أن مكتبة التليفزيون التي ضمت ثروة قومية من المواد التليفزيونية والإذاعية، والتي وصلت حتى مطلع القرن الحالي نحو 300 ألف ساعة مرئية و600 ألف ساعة مسموعة، عانت من ثلاثية مدمرة، هي التلف وإعادة الاستخدام “المسح” والضياع “التسرب”.

    امتلك التليفزيون المصري داخل أروقة مئات الآلاف من الساعات المرئية والمسموعة
    امتلك التليفزيون المصري داخل أروقة مئات الآلاف من الساعات المرئية والمسموعة
    كنز من المسرحيات المفقودة!

    يوضح الكاتب الصحفي خالد فؤاد في تحقيق نشر له على صفحات جريدة “القاهرة” في (يونيو 2001)، أن محتويات مكتبة التليفزيون واجهت بشكل مكثف أزمة سوء تخزين تسببت في تلف كثير من التسجيلات الهامة، والتي لم يعد يمتلك التليفزيون أي نسخ لها حاليا. ومن بينها مئات المسرحيات النادرة، حيث تراكمت الشرائط المسجلة بمختلف الأوساط والقياسات داخل التليفزيون عبر السنوات. وضاقت بها المساحات المخصصة للتخزين، فتعرضت للتلف، كما أن كثيرا من هذه الأشرطة قام مخرجو البرامج والمنوعات بمسحه وإعادة التسجيل عليه!

    ويضيف فؤاد، أن من بين المسرحيات التي ضاعت نتيجة الأسباب السابقة، معظم مسرحيات الفنان محمد عوض التي قدمها في فترة الستينيات مع عمالقة المسرح المصري. ما دفع عوض للخروج قبل وفاته بثلاثة أشهر، لإطلاق صرخة استغاثة يطالب فيها بإنقاذ تراث التليفزيون الفني من الضياع بعد فقدان 24 مسرحية له دفعة واحدة! وهو نفس ما فعله كثير من كبار الفنانين أمثال عبدالمنعم مدبولي وفؤاد المهندس وأبو بكر عزت، بعد اكتشافهم ضياع أو تلف أو مسح كثير من مسرحياتهم. إضافة إلى ضياع وتلف كل مسرحيات إسماعيل ياسين -باستثناء مسرحية واحدة- وأغلب مسرحيات عادل خيري وأمين الهنيدي.

    وفي ظل هذه الأوضاع، وصل الأمر بالمخرج المسرحي الكبير محمود الألفي لتقديم شكوى إلى صفوت الشريف وزير الإعلام في أغسطس 1999. يطالب فيها بالتحقيق في ضياع أعماله المسرحية من مكتبة التليفزيون والتي تمثل جزءا مهما من تراث المسرح المصري، وكان من بين أعماله الضائعة أمسية شعرية بعنوان “كرمة بن هانئ” تم تصويرها في فيلا أمير الشعراء أحمد شوقي وحضرها الرئيس الراحل أنور السادات أواخر السبعينيات. وكانت من بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين.

    وكان أبلغ مثال على ما تعرض له إرث التليفزيون المسرحي، حسبما يؤكد فؤاد في تحقيقه، هو ضياع معظم المسرحيات التي اشتراها التليفزيون من القطاع العام خلال الفترة من 1984 وحتى 1994 والبالغة 197، بعدما تم مسح شرائط تلك المسرحيات أو تسريبها من داخل مبنى ماسبيرو.

    عدد جريدة "القاهرة" الصادر في 12 يونيو 2001
    عدد جريدة “القاهرة” الصادر في 12 يونيو 2001
    غير صالح للعرض!

    الوضع المأساوي الذي كشفه خالد فؤاد، تؤكده تصريحات سابقة ولاحقة لمؤلفين ومخرجين وممثلين كبار عانوا من اختفاء مسرحياتهم وضياع أرثهم الفني النادر. فقد كشف الكاتب المسرحي الكبير نعمان عاشور في حوار أجرته معه صحيفة الجمهورية (نوفمبر 1984)، أن التليفزيون سجل له 6 مسرحيات مسحت شرائطها. وقد تم اكتشاف ذلك عندما طالب المشاهدون بعرض مسرحيات جادة، فلم يجدوا لعاشور في مكتبة التليفزيون سوى مسرحية “عيلة الدوغري” والتي حصل عليها التليفزيون من نسخة مباعة للكويت! بينما ضاعت مسرحيات “وابور الطحين” و”بلاد بره” و”ثلاث ليالي” و”الناس اللي تحت” -حسب قوله.

    وفي 1997 خرج الفنان محمود الحديني على صفحات جريدة “الوفد”، لينتقد تعامل التليفزيون مع ما يمتلكه من إرث مسرحي كبير. اتهم الحديني التليفزيون بتجاهل عرض الأعمال المسرحية الهامة التي يمتلك نسخا لها. مؤكدا أن بعض تلك المسرحيات لم يعرضها التليفزيون أبدا من اليوم الذي استقرت فيه داخل مكتبته. وأقصى ما كان يفعله هو إذاعة بعض المسرحيات لمرة واحدة. ثم إلقائها في المخازن ولا ترى النور مرة ثانية -حسب قوله- كاشفا أنه عندما طالب التليفزيون بنقل بعض المسرحيات لحفظها في أرشيف المركز القومي للمسرح والموسيقى. كانت المفاجأة أن بعض المسرحيات غير صالحة، وبعضها تم مسحه بطريق الخطأ أو العمد وإعادة التسجيل عليها.

    ما واجهه التراث

    بعض أقارب فناني المسرح انتقدوا أيضا ما واجهه تراث أقاربهم من كبار المسرحيين. فقد أكدت الصحفية هالة نعمان عاشور، أنها فوجئت أثناء بحثها في مكتبة التليفزيون عن أعمال والدها لإعداد سهرة عنه، أن موظفي التليفزيون مسحوا شرائط مسرحيات والدها وسجلوا عليها مباريات الكرة وبرامج الأطفال. كما طالبت السيدة إيناس حقي، أرملة الفنان عادل خيري، في تصريحات لها بجريدة القاهرة (2001)، بإذاعة مسرحيات زوجها التي من المفترض أنها موجودة بمكتبة التليفزيون والبالغة 35 مسرحية. مشيرة إلى أن التليفزيون لا يذيع سوى 5 مسرحيات من بينها فقط، هي “ابن مين بسلامته”، و”لو كنت حليوة”، و”30 يوم في السجن”، و”حسن ومرقص وكوهين”. ومسرحيته الأشهر “إلا خمسة”، لتثير بذلك مزيدا من الجدل حول مصير باقي المسرحيات.

    أما المؤلف والمنتج المسرحي أحمد الإبياري فقد كشف في حوار له بجريدة “المصري اليوم” (فبراير 2020)، أن التليفزيون المصري أبلغ ورثة أبو السعود الإبياري، بأن أحد الموظفين قام بالخطأ ومسح 41 مسرحية من تراث الإبياري -وجميعها من بطولة إسماعيل ياسين- كانت مسجلة على 123 شريطا! متسائلا “أتفهم أن يكون هناك خطأ في شريط أو مسرحية. لكن أن يتم التسجيل على 123 شريطا!” مرجحا أن يكون هناك “تعمد لتلك الجريمة وليس خطأ غير مقصود وكان يجب محاسبة المسؤولين عنه”.

    عدد جريدة "الجمهورية" الصادر في 8 نوفمبر 1984
    عدد جريدة “الجمهورية” الصادر في 8 نوفمبر 1984
    “مادة غير متداولة”!

    من أبرز الأخطار التي لفت إليها الصحفي خالد فؤاد في تحقيقه بجريدة القاهرة، هي مسألة ضياع وتسرب المسرحيات من داخل مبنى ماسبيرو، وعرضها في دول أخرى. وهي أزمة عانى منها التليفزيون في عقود سابقة. كانت سببا في فقده لبعض مما امتلكه من كنوز نادرة. ولم يكن هذا التسرب يستهدف المسرحيات فقط. بل كان يستهدف مختلف الأشكال الفنية من أفلام ومسلسلات وبرامج.

    ويبدو أن عملية التسرب تلك كانت تبدأ بتجاهل عرض تلك الأعمال لفترات طويلة. وربما رفض عرضها تماما، حتى ينسى الجميع أنها موجودة بالتليفزيون. لنتفاجأ بها بعد سنوات معروضة على قنوات غير مصرية!

    وهو ما يفهم من كلام المخرج المسرحي سمير العصفوري، الذي سبق له المطالبة في تصريحات صحفية (إبريل 1997)، بضرورة ترميم تراثنا المسرحي الموجود داخل أروقة التليفزيون وعرضه عن طريق نقله على ماكينات تسجيل حديثة. مشيرا إلى أن هذا هو الحل لـ”منع تسربه ليعرض في القنوات خارج مصر بينما المشاهد المصري لا يراه”. كاشفا أن التليفزيون المصري يطلق على هذا التراث مادة “غير متداولة”، وأن الرقابة ترى بأن تلك المسرحيات “انتهى زمانها”!

    “المتزوجون” على تليفزيون الاحتلال!

    من أخطر النقاط التي تناولها خالد فؤاد، هي تأكيده بأن الكثير من المسرحيات التي تم تسريبها من داخل ماسبيرو في فترات سابقة، وصلت بشكل أو بآخر إلى التليفزيون العبري في الأراضي المحتلة. مشيرا إلى أن مكتبة تليفزيون الاحتلال تذيع عشرات من المسرحيات المصرية بين الحين والآخر بجودة ونقاء عالي!

    ويبدو أن حديث خالد فؤاد لم يكن مبالغة، حيث أكدت بعض المصادر الفلسطينية لـ”باب مصر”، أن تليفزيون الاحتلال ظل حتى وقت قريب يعرض المسرحيات المصرية القديمة. وبالأخص مسرحية “المتزوجون” التي اعتادت بعض القنوات العبرية عرضها في الأعياد الدينية اليهودية مصحوبة بترجمات عبرية وإنجليزية!

    وأشارت تلك المصادر إلى أن تليفزيون الاحتلال اعتاد منذ بداياته على إذاعة الكثير من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات العربية، وبالأخص المصرية. حيث كان هناك كثير من اليهود المشارقة، من مصر وغيرها، يحرصون على متابعة تلك الأعمال.

    وبالرغم من أن خالد فؤاد لم يقدم إجابة على تساؤله حول كيفية خروج مثل هذه المسرحيات من ماسبيرو ووصولها إلى الأراضي المحتلة. إلا أنه يمكن تخيل تلك الكارثة، قياسا على ما كانت تشهده الأفلام المصرية من تهريب للعرض على شاشة تليفزيون الاحتلال وبالأخص يوم الجمعة من كل أسبوع.

    حيث يكشف الصحفي “إيال ساجي بيزاوي” في فيلم وثائقي من كتابته وإخراجه بعنوان فيلم عربي: أن كثيرا من الأفلام المصرية كانت تهرب إلى الأراضي المحتلة في سرية وهدوء عن طريق تجار اعتادوا بيع نسخ الأفلام إلى التليفزيون العبري بشكل غير قانوني. كانت ترسل شرائط الأفلام للعرض في سينمات القدس، وقبل إعادة الشريط يمر على تليفزيون الاحتلال ليحصل على نسخة منه. وقد ظلت الأفلام المصرية تصل إليهم بهذه الطريقة لعدة سنوات.

    بوستر فيلم "فيلم عربي" التسجيلي الذي يحكي قصة تهريب الأفلام المصرية إلى الأراضي المحتلة
    بوستر فيلم “فيلم عربي” التسجيلي الذي يحكي قصة تهريب الأفلام المصرية إلى الأراضي المحتلة
    مفاجآت ماسبيرو زمان

    مما سبق، يتضح أن الأرشيف الضخم من المسرح الذي امتلكه التليفزيون المصري، عانى كثيرا لعدة أسباب، وكان في تقلص مستمر. وهو يفقد كنوزه يوما بعد يوم، إلا أن هذا التدهور توقف إلى حد ما عام 2016. حيث كان المصريون على موعد مع حدث أعاد الأمل في إمكانية العثور على ما فقدناه من نوادر المسرح المصري العريق.

    فقد أعلن التليفزيون المصري في هذا العام، عن إطلاق قناة باسم “ماسبيرو زمان” التابعة لشبكة قنوات النيل. والمخصصة لعرض تراث ماسبيرو القديم بالأبيض والأسود من مباريات وسهرات وأغنيات ودراما ومسرح. وتقديم محتوى نادر للمشاهد المصري لن يجد مثيلا له في أي قناة أخرى. حسبما أكد مسؤولو التليفزيون حينها.

    وقد شهدت القناة بداية جيدة، استطاعت من خلالها حجز مكانة خاصة لها لدى المشاهد المصري والعربي كذلك. في ظل ما أخذت تذيعه من نوادر وأعمال استعاد من خلالها المشاهد الكثير من الذكريات التي عاشها مع التليفزيون منذ بداياته.

    إحياء المحتوى

    إلا أن أهم مفاجأة قدمتها قناة “ماسبيرو زمان” بعد انطلاقها، هي إعادة إحياء بعض من المحتوى الذي ظننا أنه فقد. ومن بينها مسرحيات كان يعتقد أنها ضاعت إلى الأبد. مثل مسرحيات “الناس اللي تحت” و”بلاد بره” و”وابور الطحين”، لنعمان عاشور التي قال إنها فقدت ولم يعد من الممكن عرضها. إلا أن “ماسبيرو زمان” فاجأت مشاهديها وأذاعت هذه المسرحيات عبر شاشتها وعبر قناتها الرسمية بمنصة “يوتيوب”.

    وكذلك بعض مسرحيات فرقة الريحاني التي قام ببطولتها عادل خيري، والتي لم تذع أبدا على شاشة التليفزيون من قبل. وكان يعتقد أنها مسحت أو تلفت. مثل مسرحية “كان غيرك أشطر”، التي تتيح القناة فصلا منها للعرض عبر “يوتيوب”. وكذلك بعض مسرحيات محمد عوض، التي اشتكى عوض في آخر أيامه من ضياعها.

    ولكن.. كيف حدث ذلك؟ كيف استطاعت القناة استرجاع تلك الأعمال التي اشتكى صناعها من ضياعها وتلفها؟ فأين اختفت كل تلك الفترة؟ وكيف دبت فيها الحياة من جديد؟ والسؤال الأهم: هل هناك أمل في استعادة أعمال أخرى من تراثنا المسرحي الضائع؟

     

    خبيئة ماسبيرو الدفينة

    بعض إجابات الأسئلة السابقة، وجدتها لدى مصادر داخل ماسبيرو، كشفت لـ”باب مصر” أن عملية جمع المحتوى القديم المناسب للعرض على قناة “ماسبيرو زمان”. شهدت ارتباكا ملحوظا في بداية إطلاق القناة. وذلك بسبب تشتت أرشيف التليفزيون بين أكثر من مكتبة وقسم وأرشيف داخل مبنى ماسبيرو.

    وأضافت المصادر، أن رئاسة التليفزيون لم تصدر توجيهات واضحة وصريحة لتنظيم عملية حصول القناة على المحتوى القديم. لذا عندما حاول القائمون على “ماسبيرو زمان” جمع ذلك المحتوى. واجهوا تعنتا كبيرا من مسؤولي الأقسام والقنوات والمكتبات. ورفض بعضهم التعاون بأي شكل مع القناة الجديدة. بينما سمح بعضهم بتقديم بعض النسخ من المحتوى النادر الذي امتلكه وإخفاء البعض الآخر!

    وأرجعت المصادر السبب وراء ذلك التعنت، إلى غياب الوعي لدى بعض الموظفين بدورهم وبدور التليفزيون. وخشيتهم من أن يتعرضوا للمساءلة بسبب ما تحت أيديهم من عهدة. كما أن بعضهم كان يخشى أن تكون عملية إتاحة المحتوى للقناة الجديدة سببا في اكتشاف ضياع بعض النسخ من الأفلام والمسرحيات والأعمال الدرامية أو تلفها.

    ولكن برغم هذه الصعوبات، نجح بعض العاملين في القناة -بتحرك فردي منهم ودون مساعدة من إدارة التليفزيون- في اقتناص عدد لا بأس به من الشرائط التي ضمت أعمال نادرة وهامة. وإخضاعها لعمليات ترميم محدودة -تناسب الإمكانيات المتاحة بماسبيرو- وكان من نتيجة ذلك. أن عثروا على بعض الأعمال التي اعتقد سابقا أنها فقدت أو تسربت خارج المبنى. حيث اكتشفوا أنها كانت مشتتة ومخبئة داخل أروقة المبنى. ولا يدري عنها الموظفون الموكلون بحفظها وصيانتها أي شيء تقريبا، خاصة وأن أغلبها لا تتوفر قوائم بحصرها!

    نجحت قناة "ماسبيرو زمان" في إحياء جزء كبير من تراثنا التليفزيون المفقود
    نجحت قناة “ماسبيرو زمان” في إحياء جزء كبير من تراثنا التليفزيون المفقود
    حملة إحياء تراثنا المسرحي

    الشاهد مما سبق، أن تراثنا المسرحي المصور واجه أزمات كثيرة، بدءا من الانتقائية في عملية التصوير. مرورا بتجاهل التليفزيون لعرض كثير مما امتلكه من كنوز. وصولا إلى ضياع كثير من هذه الكنوز نتيجة التلف وسوء التخزين وإعادة الاستخدام أو التسرب.

    ولكن، ظهور قناة “ماسبيرو زمان”، وما شهدته من عملية بحث عن جزء من هذا التراث. أكد أن الأمل لا يزال قائما في العثور على كثير من تراثنا المسرحي المشتت بين أروقة ماسبيرو، الذي تتنازعه الأقسام والمكتبات والأرشيفات المتعددة غير المنظمة التي يعمل أغلبها بالنظم القديمة وبالعقليات القديمة أيضا. والتي لا يوجد أي حصر واضح لها يساعد على جمعها وترميمها وإعادة عرضها.

    ولكن الأمر يحتاج إلى قرار واعي وجريء للبحث والتنقيب الموسع عن هذه الكنوز. والكشف عنها واستخراجها وإتاحة عرضها للأجيال الجديدة، وتوجيه الجميع للتعاون والعمل لإنقاذ جزء هام وأصيل من تراثنا الفني العريق، مسرحنا المصري المصور.

    محاولة للتعريف 

    في محاولة لبدء جهود إتاحة التراث المسرحي المصري المصور والتعريف بأماكن عرضه. سعيت خلال الفترة الماضية لعمل قاعدة بيانات محدودة. تضمنت حصرا لكل المسرحيات المصرية المتاحة للمشاهدة على منصة (YouTube) بهدف التعريف بهذا الإنتاج الضخم والتشجيع على مشاهدته.

    وتشمل قاعدة البيانات تلك، المتاح من المسرحيات المصرية التي أنتجت داخل مصر بواسطة فرق مصرية، منذ بداية التصوير التليفزيوني للمسرح في مصر عام 1960، وحتى الآن. سواء كانت من إنتاج الفرق الخاصة أو فرق التليفزيون أو فرق القطاع العام. وتبلغ ما يزيد على 450 مسرحية حتى الآن.

    وقد التزمت بترتيب المسرحيات في تلك القاعدة، بناء على تاريخ التسجيل التليفزيوني. حيث تم تقسيم الملف إلى عدة صفحات فرعية (Taps)، تتضمن كل صفحة المسرحيات التي تم تصويرها خلال عقد واحد. ونظرا لصعوبة تحديد التاريخ الدقيق للتصوير باليوم والشهر. فقد اكتفيت بذكر السنة. وترتيب المسرحيات التي عرضت في العام ذاته ترتيبا أبجديا. مع الإشارة إلى تاريخ العرض الأول للمسرحية في حال سبق عرضها قبل التصوير التليفزيوني.

    أما المسرحيات التي عثرت عليها ولم أستطع تحديد تاريخ تصويرها. فقد جمعتها معا في نهاية العقد الذي تنتمي إليه. ورتبتها أبجديا بينما قمت بجمع المسرحيات التي لم أستطع تحديد العقد الذي أنتجت فيه. ووضعتها في صفحة منفصلة تحت اسم “غير محددة التاريخ” سوف أقوم بمراجعتها لاحقا وتسكين المسرحيات الواردة بها حال التأكد من تاريخ تصويرها.

    موسوعة المسرح المصري

    وقد اعتمدت في تحديد تواريخ وبيانات العروض، بشكل أساسي على موسوعة المسرح المصري المصورة للدكتور عمرو دوارة. وكذلك على مؤلفات ومذكرات الفنانين الذين اشتركوا في تلك العروض. مثل مذكرات نعمان عاشور ومذكرات سميحة أيوب وغيرهما.

    كما اعتمدت على موقع “سينما كوم” لتحديد تواريخ المسرحيات التي لم أجدها في موسوعة المسرح المصري المصورة. أيضا حرصت على الاستفادة من المعلومات المتعلقة بالعروض التي وردت في تترات بداية المسرحيات ومن البيانات المرفقة معها في رابط اليوتيوب. وفي الحالات التي واجهت فيها تضاربا بين البيانات المتعلقة بمسرحية ما بين أكثر من مصدر. قمت بإعطاء الأولوية للمذكرات، ثم لموسوعة المسرح المصري المصورة ثم للمقالات المتاحة على الإنترنت. وأخيرا موقع سينما كوم.

    أما عن روابط المشاهدة على منصة (YouTube) فقد قمت بجمعها من القنوات المعتمدة أولا. أي التي ترتبط بقنوات تليفزيونية أو شركات إنتاج أو الحاصلة على علامة التعريف (Verified). وكذلك من القنوات المملوكة لورثة بعض أبطال العروض المسرحية. مثل مسرحيات سيد زيان التي تعرضها ابنته إيمان على إحدى القنوات الخاصة بها. مع ترجيح امتلاك هذه القنوات لحقوق بث هذه الأعمال. وفي حالة تعذر العثور على رابط لمسرحية ما على قناة معتمدة. كنت ألجأ إلى القنوات الأخرى غير المعتمدة والتي لا يرجح امتلاكها لحقوق البث.

    تجدر الإشارة إلى أنه من المتاح لكل من يطالع قاعدة البيانات من القراء، أن يعلق كتابة على أي معلومة واردة بها. سواء بالتصحيح أو الإضافة. وسوف تتم مراجعة التعليقات أول بأول وتنفيذها حال التأكد من صحتها.

    وسيتم تحديث قاعدة البيانات باستمرار، ومراجعة المعلومات الواردة فيها. وإضافة أي روابط جديدة يتم العثور عليها، أو يتم اقتراحها من القراء. مع العلم أنه تم الانتهاء حتى الآن من تدقيق وضبط الأعمال الواردة في عقد الستينيات. وجاري العمل على باقي العقود.

    وفي الختام، أتمنى أن يكون هذا الجهد البسيط، سببا في تعريف الأجيال الجديدة بما امتلكناه من تراث مسرحي ضخم. شكل وجدان المصريين والعرب على مدار سنوات طويلة. وأن يكون له دور ولو بسيط في استعادة المسرح المصري لريادته وحضوره الكبير.

    للاطلاع على قاعدة بيانات (تراث المسرح المصري المصور) اضغط هنا

    اقرأ أيضا:

    قناة واحدة و6 ساعات يوميًا.. هكذا كانت بداية إرسال التلفزيون في مصر

  • تمثال «وجا حور رسنت».. قطعة أثرية تحكي قصة عصر كامل

    تمثال «وجا حور رسنت».. قطعة أثرية تحكي قصة عصر كامل

    ما هو حجم المعلومات التاريخية والأثرية التي يمكن استخراجها من تمثال صغير لا يتعدى طوله 58 سم؟

    حقيقة، إن الآثار المصرية القديمة التي تمتلئ بها متاحف مصر والعالم حاليا، تمدنا بمعلومات لا حصر لها عن تلك الحضارة التي شغلت العالم ولازالت. وتعد مفتاحنا الرئيسي لكشف أسرار التاريخ، ودليل لا يقبل الشك في معرفة ما جرى على هذه الأرض قبل آلاف السنين.

    إلا أن تمثال صغير بهذا الحجم، قد لا يمدنا بالكثير عادة. ولكن في حالة تمثال «وجا حور رسنت» الموجود حاليا في أحد متاحف الفاتيكان. فإن الأمر يختلف بشكل لا يمكن تخيله، حيث يمدنا هذا التمثال الاستثنائي، بكم ضخم من المعلومات. لم يتوقف تدفقه منذ وصول التمثال إلى المتحف قبل 3 قرون وحتى الآن. فكلما أجريت عليه مزيد من الدراسات لفهمه وفهم النقوش التي عليه. كلما رسم لنا صورة أوضح وأكبر عن فترة شائكة من عمر الدولة المصرية القديمة. التي كانت شمسها في طريقها إلى الزوال عندما انتهى أحد النحاتين من صناعة هذا التمثال ووضعه في مكانه الذي خصص له في المرة الأولى.

    في هذا التقرير، نستعرض حجم المعلومات التي استخرجها العلماء من هذا التمثال. لنتعرف كيف يمكن لأثر بسيط أن يعيد كتابة التاريخ. ويعلمنا أن أي قطعة أثرية مهما صغرت، لا يمكن الاستهانة بها في فض أختام ماضينا.

    وثيقة أثرية مهمة

    يوجد تمثال (وجا حور رسنت) حاليا، داخل المتحف المصري الجريجوري -أحد متاحف مدينة الفاتيكان-. حيث يقول مجمع متاحف الفاتيكان عبر موقعه الرسمي، إن الفاتيكان حصل على هذا التمثال بدون رأس في عام 1738م، وقام بترميمه في عام 1783 مع إضافة رأس زائفة له تمت إزالتها لاحقا، قبل أن يوضع بشكل دائم داخل المتحف المصري الجريجوري، الذي تأسس عام 1839 بمبادرة من البابا جريجوري السادس عشر.

    ويشير المتحف إلى أن “المصدر الدقيق لهذا التمثال غير معروف”. ولكن يفترض أنه عثر عليه في مدينة “سايس” -قرية صا الحجر بمركز بسيون التابع لمحافظة الغربية حاليا- قبل انتقاله في مرحلة لاحقة إلى أوروبا.

    بينما يرجح العالم المصري سليم حسن في موسوعته الشهيرة “مصر القديمة” أن التمثال كان ضمن المجموعة الأثرية المعروفة باسم “هدريان” التي كانت موجودة في إحدى الفلات الأثرية بمدينة تريفلي الإيطالية، والتي نقلت بدورها إلى متاحف الفاتيكان.

    ويضم المتحف المصري الجريجوري، 9 غرف كبيرة، تشتمل على جزء كبير من مجموعة الآثار البابوية التي جمعها باباوات الفاتيكان على مر العصور. وتحتوي هذه المجموعة على العديد من الآثار المصرية، بما في ذلك مومياوات وبرديات وتوابيت ونقوش هيروغليفية ونسخة من “كتاب الموتى” -نص ديني مصري كان يقرأ على الميت ليضمن له انتقال سلسل إلى العالم الآخر.

    ويقبع التمثال داخل الغرفة الأولى للمتحف، والتي خصصت للقطع الأثرية واللوحات والتماثيل التي تحمل نقوشا وكتابات هيروغليفية، تغطي الفترة ما بين (2600ق.م إلى 600م). ويقول موقع مجمع متاحف الفاتيكان، إن تمثال (وجا حور رسنت) يعد أهم وثيقة تاريخية موجودة بتلك الغرفة، ويرجع تاريخه إلى حقبة الاحتلال الفارسي لمصر، التي غزاها قمبيز -أحد ملوك الإمبراطورية الإخمينية الفارسية- عام 525ق.م.

    المتحف المصري الجريجوري بالفاتيكان، ويظهر بالفيديو تمثال (وجا حور رسنت) معروضا بالغرفة الأولى بالمتحف.

    وثيقة من البازلت الداكن

    صنع تمثال (وجا حور رسنت) من البازلت الأخضر الداكن، ويصور (وجا حور رسنت) -أحد المسؤولين البارزين في مصر الذي شغل عدة مناصب تحت حكم آخر اثنين من ملوك الأسرة 26 وأول اثنين من ملوك الأسرة 27- واقفا. يرتدي جلبابا وعليه تنورة طويلة، ويقبض بين يديه على محراب يحتوي على صورة المعبود “أوزوريس”. ويبلغ ارتفاع التمثال حاليا 58 سم، بعدما فقدت الرأس والرقبة والذراع اليسرى.

    ويقول سليم حسن، إن التمثال مغطى تقريبا بالنقوش. حيث ترى الكتابات على سطح المحراب وعلى الملابس وعلى ظهر التمثال والجزء الأعلى من قاعدته. وتشتمل كل هذه النقوش على 48 سطرا، حيث تضم عدة متون، كل منها مستقل عن الآخر، بعضها يتكلم عن سيرة (وجا حور رسنت) وبعضها يتضمن مواقفه وذكرياته مع الملوك الذين عاصرهم.

    وتشير الدراسات التي أجريت على التمثال، أنه صنع ليس لوضعه داخل مقبرة (وجا حور رسنت). ولكن لكي يوضع داخل معبد المعبودة “نيث” في مدينة “سايس”. وهي معبودة مصرية شهيرة اعتقد المصريون القدماء أنها وراء الخلق، وتوجد أدلة على عبادتها منذ الدولة القديمة.

    تغطي النقوش مختلف جوانب التمثال، وتتضمن 48 سطرا
    تغطي النقوش مختلف جوانب التمثال، وتتضمن 48 سطرا
      (وجا حور رسنت) المثير للجدل

    قبل الاستفاضة في الحديث عما يقدمه التمثال من معلومات، نحتاج في البداية للتعرف على الشخص الذي يجسده التمثال. وهو (وجا حور رسنت)، الذي اختلفت الآراء حوله، بين من رآه خائنا لدولته ومتعاونا مع الغزاة. وبين من رآه مسؤولا حكيما استطاع الحفاظ على الثقافة المصرية من الضياع. وضمن لها البقاء لعدة قرون حتى بعد انقضاء الدولة المصرية القديمة، وكذلك نتعرف على وضع مصر في الفترة التي عاش فيها.

    تقول مجلة “Archaeology” في تقرير لها نشر بعدد (مايو/يونيو 2023)، إن (وجا حور رسنت) ينحدر من عائلة قوية عاشت في مدينة “سايس”، عاصمة مصر خلال عهد الأسرة 26. فيما يضيف سليم حسن، أنه ولد لأبوين مغموري الذكر، وكان أبوه يسمى “بفتوعونيت” وتدعى أمه السيدة “أتم أردس”. حيث يؤكد أن شواهد الأحوال تدل على أن والده لم يكن معروفا من قبل، رافضا النظريات التي تقول أن والده كان له شأن في الدولة المصرية.

    في كل الأحوال، وأيا كانت بدايات عائلته. فالثابت أن (وجا حور رسنت) أصبح أحد رجال البلاط رفيعي المستوى، خلال عهد آخر اثنين من ملوك الأسرة الـ26، أحمس الثاني “أماسيس”، وبسماتيك الثالث، وأول اثنين في ملوك الأسرة الـ27 من الفرس، قمبيز وداريوس الأول.

    وحمل (وجا حور رسنت) قائمة طويلة من الألقاب خلال عهد الأسرة الـ26. منها الأمير، حامل الختم الملكي، السمير الوحيد للملك، الصديق المحبب والحقيقي للملك، الكاتب، مفتش كتبة المجلس، كاتب القاعة الخارجية الكبرى، مسؤول القصر. وبعدما استولى الفرس على السلطة، احتفظ (وجا حور رسنت) بأغلب هذه الألقاب، وأضيف إليها لقب آخر وهو “كبير الأطباء”، حيث كان واحدا من كبار المسؤولين القلائل المعروفين من الأسرة الـ26 الذين احتفظوا بوظائفهم ورتبهم وألقابهم تحت الحكم الفارسي لمصر.

    ومن غير الواضح كيف تمكن (وجا حور رسنت) من أن يصبح مستشارا مقربا من ملوك الفرس. ولكن يبدو أن عمله في منصب كبير الأطباء لدى قمبيز، مكنه من استعادة مناصبه. حيث كان يوفر له عمله فرصة للوصول المباشر إلى الملك والتحدث إليه.

    وضع سياسي مضطرب

    تقول مجلة “Archaeology”، إنه في عهد الأسرة الـ26، التي بزغ فيها نجم (وجا حور رسنت)، واجهت مصر تهديدات خارجية كبيرة من عدة جهات، كان التهديد الأول من الآشوريين القادمين من الشمال الشرقي. ولكن استطاع مؤسس الأسرة، الملك بسمتيك الأول، إقامة تحالف استراتيجي معهم، بالتزامن مع قيامه بتأمين كامل مصر من خلال مقره في الدلتا، كما استعان بجنود يونانيين لتحصين قواته المسلحة.

    أما ثاني التهديدات الخارجية فقد شكله البابليون، المنافسون المحليون للآشوريين. ولكن استطاع المصريون تحييدهم عن طريق السياسة وإرسال الهدايا، بينما كان الجنوب أيضا مصدر خطر. حيث حاول النوبيون الذين حكموا مصر خلال الأسرة الـ25، استعادة السيطرة على البلاد، ولكن محاولاتهم كانت تبوء دائما بالفشل.

    وفي ظل هذه الأجواء المضطربة، كانت الإمبراطورية الإخمينية الفارسية مترامية الأطراف، تفرض سيطرتها على قطاع كبير من آسيا بحلول عام 530ق.م، وكانت تسعى لضم مصر إلى ممتلكاتها. فقام ملك مصر أحمس الثاني، بتأمين قواته عبر الاستعانة بمزيد من الجنود اليونانيين واستطاع بناء أسطول بحري. وهو ما عرقل الأطماع الفارسية في مصر.

    ولكن عقب وفاة أحمس الثاني عام 526ق.م، وتولي ابنه بسماتيك الثالث الذي كانت تنقصه الحكمة والتجربة للسلطة. استغل الملك الفارسي قمبيز الفرصة وسارع بالهجوم على مصر والاستيلاء عليها وإضافتها لممتلكات الإمبراطورية الإخمينية، بعد هزيمته لبسماتيك الثالث في معركة الفرما -قرب مدينة بورسعيد الحالية. ليصبح بذلك بسماتيك الثالث آخر الفراعنة المصريين.

    تناولت النقوش التي غطت التمثال سيرته وبعض من مواقفه وذكرياته مع الملوك الذين عاصرهم
    تناولت النقوش التي غطت التمثال سيرته وبعض من مواقفه وذكرياته مع الملوك الذين عاصرهم
    الرجل “البين بين”!

    وسط هذه الأجواء المضطربة، استطاع (وجا حور رسنت) أن يكتب سيرته المثيرة للجدل، التي نقشها على تمثاله النادر. ويوضح من خلالها كيف حافظ على ولائه لحكام مصر الحقيقيين -الأسرة الـ26- وكيف تقرب من الحكام الأجانب المحتلين -الأسرة 27- لينقذ الثقافة والعادات والتقاليد المصرية من الضياع.

    يحكي (وجا حور رسنت) عبر نقوش التمثال، كيف ساعد الملك قمبيز، أول ملوك الأسرة 27، على أن يتحول من ملك أجنبي محتل، إلى ملك مصري حقيقي. حيث يصف قمبيز أولا بأنه “الزعيم العظيم لكل الأراضي الأجنبية” على العكس من وصفه لحكام الأسرة الـ26 المصريين الذين كان يصفهم بأنهم “ملوك مصر العليا والسفلى”. ولكن عندما يتحدث عن قمبيز بعدما أصبح حاكما لمصر، يصفه (وجاحور رسنت) بأنه “الحاكم العظيم لمصر والزعيم العظيم لكل الأراضي الأجنبية” في أشبه ما يكون بترقية لقمبيز في سلم التمصير.

    ولاحقا وصفه بأنه “ملك مصر العليا والسفلى”، وهو ما يعني أنه في كل مرحلة، كان قمبيز يصبح أكثر تمصيرا في ألقابه حتى أصبح مصريا خالصا. أما اسم العرش الذي اختاره (وجاحور رسنت) لقمبيز فقد كان معناه “سليل رع”، مما يوحي بإسباغ الشرعية على حكم قمبيز من خلال إضفاء الصفات الدينية المصرية عليه.

    الآلهة المصرية

    تقول مجلة “Archaeology” في تقريرها الذي حمل عنوان “The man in the middle” -وترجمتها الأقرب هي “الرجل البين بين”- من المرجح أنه كان لدى قمبيز الكثير من المسؤولين الفارسيين الذين عملوا كمستشارين له. لكن لم يكن أي منهم قادرا على إحداث الفارق الذي تركه (وجا حور رسنت). وتضيف على لسان ماريسا ستيفنز عالمة المصريات بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، إن (وجا حور رسنت) منح قمبيز علاقة أوثق بالآلهة المصرية وبالتالي إضفاء المزيد من الشرعية عليه. حيث كانت الألقاب التي ذكرها على تمثاله لا تقول بأن من حق قمبيز الحكم فقط، بل تقول بأنه مؤيد بشدة من الآلهة في احتلاله لمصر!

    ولكي يثبت (وجا حور رسنت) حسن نية قمبيز بصفته ملكا مصريا. قال عبر نقوش التمثال، إنه دفعه إلى الاهتمام بمعبد نيث في مدينة سايس. حيث قام قمبيز بناء على طلب (وجا حور رسنت) بطرد مجموعة من الأجانب -الفرس- الذين سكنوا المعبد. وقام بتطهيره وإعادته إلى ممارسة شعائره، بما في ذلك إعادة توظيف خدام المعبد والسماح بإقامة الاحتفالات والأعياد. كما زار قمبيز المعبد بنفسه و”لمس الأرض أمام جلالتها العظيمة كما فعل كل ملك…” حسب نقش التمثال.

    فمن خلال هذه النقوش، استطعنا أن نفهم أن (وجا حور رسنت) كان المستشار المخلص للملك، وفي الوقت نفسه، كان مصري إلى أبعد مدى. حيث يقول نصا عن نفسه إنه “متدين جدا ومصري بحق، لقد ذكرت للملك أن هذا ما يفعله الملك الجيد لإعادة سايس إلى مجده السابق”.

    تنورة فارسية لمسؤول مصري

    يصور التمثال (وجا حور رسنت) واقفا الوقفة المصرية التقليدية، مع تقديم قمه اليسرى، حاملا المحراب. وهو أسلوب كان شائعا جدا في مصر نهاية الأسرة الـ26. كما يتحدث من خلال النقوش عن القرابين التي كان يقدمها لأوزوريس. وكيف ساهم في تكريم الإلهة نيث. وكيف قام بحماية عائلته وأنقذ شعب سايس من “كارثة كبيرة جدا” غير محددة. وهي كلها أمور حاول من خلالها التأكيد على مصريته القوية.

    ومع ذلك، يشير هنري كولبورن عالم الآثار بجامعة نيويورك، إلى أن عناصر أخرى في التمثال تشير إلى هوية أكثر تعقيدا لـ(وجا حور رسنت). ويوضح في حديثه لمجلة “Archaeology” أن (وجا حور رسنت) ارتدى على سبيل المثال تنورة طويلة فوق سترة ذات أكمام. حيث يرى كولبورن أن هذا الزى يشبه رداء رجال البلاط الفارسي الذي كان يرتديه الحاشية والجنود والملك نفسه في النقوش الأخمينية الفارسية. بالإضافة إلى ذلك ارتدى (وجا حور رسنت) سوارا فارسي الطابع له رأس أسد في كل طرف. وكأن (وجا حور رسنت) يقول بأن الملك أعطاه الحلي الذهبية كمكافأة على خدمته.

    السمات المصرية والفارسية

    ويرى باحثون، أن المزج بين السمات المصرية والفارسية في تمثال (وجا حور رسنت) هو دليل على أن الإمبراطورية الإخمينية لم تسع للقضاء على ثقافة الشعوب التي غزتها وتقضي على إرثها. بل كان ملوك الإمبراطورية يفتخرون كثيرا بتنوع الشعوب الخاضعة لهم، وهو ما يمكن اكتشافه من خلال تفاصيل التمثال.

    ويقول سليم حسن، إن النقوش على التمثال، تكشف لنا أيضا أن (وجا حور رسنت). وفي وقت متأخر من حياته، سافر بعد وفاة قمبيز -في عهد خلفه داريوس الأول- إلى خارج مصر. حيث انتقل للعمل لدى داريوس الأول في البلاط الفارسي في مدينة سوزا -إيران الحديثة. ويضيف أن الأحوال التي اقتضت سفره هذا غير معروفة، ولكن الثابت من النقش، أن داريوس الأول أرسله مجددا إلى مصر لترميم مؤسسة “بيت الحياة”. بعدما سقطت في حالة من الفوضى.

    ويعتقد كولبيرن أن هذه المهمة كانت بمثابة إبعاد عن أدواره الأكبر التي مارسها في أوقات سابقة. وأنه من الممكن أن يكون هذا نوعا من حفلة التقاعد، وربما أراد (وجا حور رسنت) العودة إلى مصر، ولذلك رتب له الملك وضعا مريحا.

    (اليسار) شكل السوار الذي ظهر على يد تمثاله، (يمين) سوار فارسي يوضح التشابه بينه وبين سوار المسؤول المصري
    (اليسار) شكل السوار الذي ظهر على يد تمثاله، (يمين) سوار فارسي يوضح التشابه بينه وبين سوار المسؤول المصري
    مقبرة مصرية صميمة

    في النهاية، وعلى الرغم من ظهور (وجا حور رسنت) في تمثاله بملابس فارسية. إلا أن مكان راحته الأبدية كان مقبرة مصرية صميمة. حيث يعتقد أنه دفن في المقبرة التي خصصت لتضم موميائه بـ”أبوصير” بالقرب من ممفيس. إذ كانت النقوش على جدران حجرة الدفن والتوابيت، كلها نصوص مصرية خالصة، وضعت لضمان الانتقال السلس إلى العالم الآخر.

    وتقول مجلة “Archaeology”، إن الأدلة التي عثر عليها في تلك المقبرة، أثناء الحفريات بين عامي 1980 و1993، تشير إلى أن المقبرة كانت قيد الإنشاء حوالي عام 530ق.م. أي في عهد أحمس الثاني. ولكن هناك أدلة أخرى داخل المقبرة تشير إلى أن (وجا حور رسنت) كان يحمل لقب “كبير الأطباء” وقت إعداد المقبرة. وهو لقب لم يحصل عليه إلا بعد خدمته لملوك الفرس. ما يعني أن العمل في المقبرة استمر بعد نهاية الأسرة 26.

    الغريب، أنه لم يعثر على أي أثر لمومياء (وجا حور رسنت) في المقبرة. حتى أن بعض العلماء اعتقد حينها بأن (وجا حور رسنت) لم يدفن من الأساس داخل مقبرته. وأنه ربما يكون قد دفن في عاصمة الإمبراطورية الإخمينية -إيران الحالية.

    إلا أن دراسات لاحقة، بحسب مجلة “Archaeology”، قام بها لاديسلاف بارس، عالم الآثار بالمعهد التشيكي لعلم المصريات. والذي كان جزءا من فريق التنقيب عن المقبرة، أشارت إلى أن القبر نهب بشدة. كما أن مخبأ أدوات التحنيط الخاصة بـ(وجا حور رسنت) والذي عثر عليه بالقرب من المقبرة، يثبت أن (وجا حور رسنت) دفن بالفعل هناك.

    تعزيز شرعية المحتل

    كان من الأمور المثيرة التي حيرت الباحثين الذين عملوا على التمثال. هو مسألة إعداد تمثال لأحد المسؤولين -وليس لشخصية ملكية- ليوضع داخل معبد وليس داخل مقبرة المسؤول. أضف إلى ذلك، أنه وبالرغم من أن التمثال هو الوحيد المتبقي لـ(وجا حور رسنت) حاليا. إلا أن هناك أجزاء من تماثيل أخرى شبيهة للغاية لهذا التمثال. عثر عليها في أماكن متفرقة، على الأقل اثنين آخرين، يعتقد أنهما صنعا ليوضعا في معابد أخرى.

    وتقول ميلاني واسموث، عالمة المصريات بجامعة هلسنكي، أنه أمر نادر واستثنائي أن يتم صناعة أكثر من نسخة من التمثال ذاته. خاصة وأنه كان يحمل كل هذه النقوش، ويتم توزيع النسخ على أكثر من معبد. معتبرة أن ذلك غالبا، كان ضمن توجه مدروس. هدفه تعزيز شرعية حكم الفرس لمصر، الذين كان قبولهم من قبل المؤسسات الدينية والمعابد الرئيسية في البلاد أمرا ضروريا. خاصة وأن المعابد ربما كانت أكثر الأماكن التي يحوم حولها التمرد لارتباطها الوثيق بمفهوم الملكية المصرية الصميمة.

    ويوضح سليم حسن، أن فكرة وضع التمثال داخل المعبد أمام الزوار ليقرأوا ما عليه من نقوش. استدعى أن تتضمن النقوش صورة غير دقيقة عن العصر الذي عاش فيه (وجا حور رسنت) -أي كان له غرض دعائي- وأن يفهم من يطالع نقوش التمثال أن (وجا حور رسنت) ساهم في الإصلاحات التي جرت في ذلك العصر.

    باب خشبي يبلغ ارتفاعه 11 بوصة، يصور داريوس الأول (يمين) في هيئة ملك مصري، يقدم قربانا لآلهة مصرية (الوسط) بينما تقف إيزيس على (اليسار) ما يظهر حجم تأثير (وجا حور رسنت) على اتباع ملوك الفرس للثقافة والتقاليد المصرية
    باب خشبي يبلغ ارتفاعه 11 بوصة، يصور داريوس الأول (يمين) في هيئة ملك مصري، يقدم قربانا لآلهة مصرية (الوسط) بينما تقف إيزيس على (اليسار) ما يظهر حجم تأثير (وجا حور رسنت) على اتباع ملوك الفرس للثقافة والتقاليد المصرية
    تكريم بعد 177 عام

    هناك أدلة تشير إلى أن (وجا حور رسنت) تم تكريمه بعد فترة طويلة من وفاته، وهو حدث نادر ما يحدث لشخصية غير ملكية. حيث تشير واسموث للمجلة، إلى أن جزءا من تمثال عثر عليه في الخمسينيات من القرن الماضي في ممفيس. تضمن نقشا يشير إلى أن كاهن معبد نيث في القرن الرابع قبل الميلاد أمر بتكريم (وجا حور رسنت)، حيث يقول النقش على لسان الكاهن: “لقد جعلت اسم كبير الأطباء (وجا حور رسنت) يعيش بعد 177 عاما على وفاته، حيث أعدت اكتشاف تمثاله في حالة خراب”.

    ويشير هذا إلى أن إنجازات (وجا حور رسنت) كانت لاتزال معروفة وينظر إليها على أنها تستحق الاحتفاء والتكريم. ولكن بالنظر إلى أن هذا التكريم يتزامن مع الفترة الثانية لحكم الفرس لمصر، من عام 340 إلى 332 ق.م. فمن المحتمل أن أمثال (وجا حور رسنت) من المتعاونين مع الفرس كان ينظر إليهم بتقدير خاص، ويتم تشجيع الآخرين على أن يحذوا حذوهم.

    في كل الأحوال، وبالرغم من كل ما قيل في حق (وجا حور رسنت) بسبب تعاونه مع الفرس. إلا أن جهوده للحفاظ على الثقافة والتقاليد المصرية تحت حكم الفرس، ساعدت على بقاء هذه التقاليد لما يقارب 300 أخرى. سواء تحت الحكم المقدوني أو اليوناني، حيث تبنى الحكام الأجانب لقب “الفرعون” وقاموا ببناء معابد جديدة للآلهة المصرية. وقد استمر هذا الوضع، إلى أن جاء الرومان الذين انتهت على أيديهم التقاليد المصرية تقريبا في القرن الأول قبل الميلاد.

    اقرأ أيضا:

    الباحث الدرامي لـ«رسالة الإمام»: الدراما لها أحكام.. والمسلسل يخلو من الأخطاء

  • الباحث الدرامي لـ«رسالة الإمام»: الدراما لها أحكام.. والمسلسل يخلو من الأخطاء

    الباحث الدرامي لـ«رسالة الإمام»: الدراما لها أحكام.. والمسلسل يخلو من الأخطاء

    سجل مسلسل «رسالة الإمام» الذي يتناول جزءا من سيرة الإمام الشافعي، حضورا لافتا ومختلفا خلال الموسم الرمضاني الأخير، في عودة انتظرها الكثيرون للدراما التاريخية التي غابت عن الشاشات المصرية لسنوات. إلا أن حضوره أثار جدلا كبيرا لم يتوقف حتى بعد انتهاء عرض حلقاته.

    المسلسل الذي أخرجه السوري ليث حجو، وأشرف على كتابته السيناريست محمد هشام عبيه مع فريق من الكتاب الشباب، وقام ببطولته الفنان خالد النبوي، واجه سيلا من الآراء المتضاربة. ففي الوقت الذي انتقده كثيرون وأفردوا المساحات للرد على ما جاء فيه معتبرين أن المسلسل بمثابة “مؤامرة”، دافع آخرون عنه وأشادوا به واعتبروه بمثابة درة الدراما التاريخية المصرية حتى الآن.

    الجدل حول المسلسل، انحسر بشكل كبير في أزمة “الدقة التاريخية”. حيث اتهم البعض صناع العمل بعدم مراعاة الدقة التاريخية في الأحداث ورسم الشخصيات وغيرها من عناصر العمل. لذا رأينا أن الشخص الأكثر ارتباطا بهذه الأزمة، هو الصحفي والباحث علاء عزمي، الذي تولى مهمة البحث التاريخي والعمل على المادة العلمية الخاصة بالفترة التي يتناولها المسلسل، وهو الأجدر بحكم عمله للرد على تلك الاتهامات.

    عزمي، دافع في حواره مع «باب مصر» عن المسلسل. نافيا أن يكون هناك أي أخطاء تاريخية في العمل كما زعم البعض، ومتهما بعض من هاجموا المسلسل بأنهم غير موضوعيين وأنهم لم يشاهدوه. وكانت آراؤهم أشبه بمواقف مشجعي الكورة المتعصبين!

    فإلى نص الحوار…

    مسلسل “رسالة الإمام”، كان واحدا من أكثر المسلسلات التي أثارت الجدل والنقاش خلال الموسم الرمضاني الأخير، ما بين من احتفى به بشدة، وبين من هاجمه واتهم صناعه بعدم الدقة التاريخية في أكثر من جانب. فكيف ترى هذا التفاعل؟

    من وجهة نظري، إن الإنجاز الحقيقي للمسلسل هو إثارة الأسئلة. سواء كانت أسئلة مثارة بمنحى المدح في المسلسل وإعطاؤه أعلى التقييمات. أو كانت الأسئلة في صورة تجريح أو هجوم، المهم أنه في كل الأحوال دفع عشرات الناس للانتباه إلى سيرة الإمام الشافعي والمناخ الذي عاش فيه في مصر، أيا كانت أهدافهم. سواء كانت الفضول أو تصيد الأخطاء أو حتى تثبيت فكرة عامة عن الشافعي بالسلب أو بالإيجاب. وطالما أن المسلسل استطاع إثارة النقاش والأسئلة، ودفع حتى ولو شخص واحد لفتح كتاب والتحقق مما رآه على الشاشة وأثار فضوله. فإن هذا يكفي كمعيار لنجاح المسلسل من وجهة نظري.

    خالد النبوي يجسد شخصية الإمام الشافعي
    خالد النبوي يجسد شخصية الإمام الشافعي 
    وهل كنتم واعيين لهذا الهدف أثناء عملكم على المسلسل؟

    جدا، بلاشك كان لدينا اعتقاد ورهان أننا سوف نثير الأسئلة. وأحب هنا أن أركز على فكرة إثارة السؤال لا إثارة الجدل، لم يكن يهمنا أن نختار مناطق ومواضع مثيرة في سيرة الإمام خلال تواجده في مصر -وهي فترة حساسة نهاية القرن الثاني الهجري- قدر ما كان يهمنا إعادة طرح جزء من تاريخنا الاجتماعي والسياسي والفقهي للناس بصورة تدفعهم للاشتراك معنا في نقد بناء جمعي لهذه المرحلة بكل مشتقاتها، كنا واعيين لهذا وكان هذا هدفنا.

    وهل ما تعرض له المسلسل من هجوم، كان أيضا في نطاق توقعاتكم؟

    للأسف ما حدث بعد عرض المسلسل كان به كثير من المفاجآت. لأن جزء منه تخطى مرحلة الهجوم لمساحة التجريح أو ما أطلق عليه “هجوم المشجعين”، بمعنى فقه مشجع الكورة. أي التعصب لفكرة معينة بغض النظر عن مناقشتها، وهذا أمر كنا نتوقع حدوثه بين الجمهور العام. ولكن الغريب أن نرى ذلك بين بعض الباحثين والأكاديميين، لأن في النهاية هناك جهد بحثي ودرامي فكري وضع في المسلسل. حتى لو اختلفت معه أنقده ولكن لا تسخر من هذا المجهود أو تمحه وتنفي حدوثه.

    معنى ذلك أنك ترى الهجوم على المسلسل لم يكن موضوعيا؟

    الكثير منه لم يكن موضوعيا، كثير منه أيضا كان مفاجئ لنا. لأنه من شخصيات تعمل في مجال الاجتهاد والبحث، كان أولى بها توجيه النقد الموضوعي، وبعضهم فعل ذلك بالفعل وأشكرهم على هذا. ولكن هناك آخرين انساقوا وراء السخرية، بالرغم من أن بعضهم اسمه كان موضوعا على تترات مسلسلات أخرى عرضت في الموسم الرمضاني نفسه كمراجعين وباحثين. والمدهش أن هذه المسلسلات كانت بها أخطاء.

    هل ترى أن المراجعين الذين عملوا على مسلسلات أخرى ليس لهم حق نقدك؟

    لهم الحق، ولكن دون تجريح، لا يوجد عمل كبير على النقد، ولكن دون بخس حقوق الناس ومجهودها، ودون الانزلاق للتعصب. فعمل بضخامة مسلسل “رسالة الإمام”، عملنا عليه لشهور طويلة، أنا شخصيا عملت قرابة 10 أشهر على الأقل لجمع المادة البحثية التي يمكن استخدامها في سياقاتها الدرامية. وهناك فريق عمل كبير جدا يكاد يتجاوز 250 فرد من إخراج وإنتاج وديكور وملابس وغيرها، بخلاف الممثلين. فلا يصح أن تأتي في النهاية وتتهم كل هؤلاء بالاستسهال وعدم الاجتهاد. يمكن أن تقول أن التوفيق خانهم، وحينها سوف نتناقش ونرى هل لك حق فيما تقول أم لا. ولكن لا يحق لك وصمهم دون تحقق وسؤال ومناقشة.

    وماذا عن اتهامكم بالمؤامرة، وأن المسلسل كله محاولة لتشويه شخصية الإمام الشافعي؟

    فكرة المؤامرة طوال الوقت مطروحة لدينا في أي نقاش عام. سواء في الدراما أو الاجتماع أو السياسية، وتبدو أن الحالة المصرية متوقفة عند فكرة المؤامرة منذ سنوات. ولكن على الناحية الأخرى المؤامرة اتسعت، بمعنى لم يقل جميعهم أننا نسعى لتشويه سيرة الشافعي. بل قال البعض إن هناك مؤامرة لتجميل الشافعي على خلاف الحقيقة. وبالتالي لا أستطيع اعتبار هذا انتقاد يستوجب الرد عليه والاشتباك معه في حوار موضوعي جاد للوصول فيه لرؤى أو قناعات. ولكن مبدئيا من يوجه مثل هذه الاتهامات لم يشاهد المسلسل، وبالتالي لن يستمع إلى أي حوار جاد أو موضوعي حول الأمر.

    أنت ترفض الاتهامات مبدئيا، ولكن لست مختلفا على حق المشاهد في النقد ومناقشة الأخطاء؟

    بالمطلق وبالكلية لا أرفض أي انتقاد، بالعكس، هدفنا إثارة نقاش عام، وشيء طبيعي ألا يوافقني كل الناس. وشيء طبيعي أن يلفت نظري البعض لخطأ أو ما شابه. وفي المقابل من حقي أن أخرج من هذا النقاش وأن متأكد أننا كنا على صواب. وما انحزنا إليه كصناع للعمل كان هو عين الصواب.

    يظهر من حديثك ثقة كبيرة في العمل وكأنه خلى من الأخطاء، برغم كل ما قيل عنه على الشبكات الاجتماعية؟

    بصفتي الباحث الدرامي للمسلسل والمسؤول عن المادة العلمية والتاريخية. لا أعتقد أن المسلسل كان به أخطاء، وإن كان هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى إيضاح، كان هناك اختيارات لأسباب درامية. خاصة وأن العمل درامي وليس وثائقي مطالب بالالتزام بالنص التاريخي بحذافيره. فهناك فرق بين أن أصنع عملا توثيقيا وعملا دراميا، الدراما لها أحكام، والوثائقيات لها أحكام. فعند صناعة عمل درامي يجب أن يكون هناك مساحة من الخيال، لأني أخاطب جمهور عام هدفه الأساسي إشباع وجدانه وغذاء الروح وتغذية الأفكار لديه، وليس هدفه أن يتلقى مني نص أكاديمي مُحكم.

    تقصد أن المتلقي لا يجب أن يتعامل مع العمل الدرامي التاريخي باعتباره مصدرا للمعلومة التاريخية؟

    يجب أن يتعامل معه كمصدر لإثارة النقاش والبحث. ولكن لا يصح أن يكون مصدر للمعلومة التاريخية، مصدر المعلومة التاريخية الصحيح هو الورقة البحثية الأكاديمية المتخصصة أو العمل الوثائقي التاريخي أو الكتاب. أما العمل الدرامي ففيه جزء من الخيال، وعلى هذا النحو كتبنا منذ بداية المسلسل في التتر، وفوق عنوانه “رسالة الإمام”، عبارة “معالجة درامية تستند إلى أحداث تاريخية”. كما أضيفت من الخلقة السادسة عبارة أخرى وهي “بعض حكايات وشخصيات المسلسل من وحي خيال المؤلف للضرورة الدرامية”.

    وما طبيعة الخيال المسموح به في الأعمال الدرامية التاريخية من وجهة نظرك؟

    هو خيال منضبط، بمعنى ألا أخل بالأحداث الكبرى في التاريخ ولا أغير في منطق الشخصيات. فمن الممكن أن أختلق لقاء لشخصية تاريخية مع شخص آخر لم يحدث في التاريخ. ولكن عندما أفعل ذلك أفعله بمنطق الشخصية التاريخية ووفق أفكارها، وهذا هو جمال الدراما، أن أستلهم مما هو متاح ومثبت تاريخيا، في صناعة شيء خيالي ولكن متفق مع السياق التاريخي وفلسفته ونمط الشخصية وتفكيرها وسماتها المعروفة عنها تاريخيا. الخيال الدرامي ليس مطلقا في الشخصية التاريخية، ولكن في المساحات الغامضة التي لا نمتلك فيها وثيقة تقول ما الذي حدث.

    وهل اللقاء بين الإمام الشافعي والخليفة المأمون في المسلسل، وحديثهما عن قضية خلق القرآن، يدخل في إطار “الخيال المنضبط”؟ مع العلم أن فتنة خلق القرآن اندلعت بعد وفاة الشافعي بـ12 عاما تقريبا؟

    ما أزعجني في إثارة هذه النقطة، أن من انتقدوها قالوا بأن المأمون امتحن الشافعي في قضية خلق القرآن. بينما الحوار واضح لا لبس فيه، فلم يحدث من المأمون في المشهد أنه اختبر الشافعي في خلق القرآن على الإطلاق.

    ولكنهما تكلما عن القضية بشكل صريح؟

    من الثابت عن الإمام الشافعي أنه منذ عهد هارون الرشيد عندما كان لايزال في العراق. كان يناظر المتكلمين والمعتزلة في خلق القرآن، والكتب التي تناولت سيرته تتضمن مناظرات له مع غلاة المعتزلة في بغداد وعلى رأسهم بشر المريسي في هذه القضية. وفي فترة إقامته في مصر، ثابت إنه بين عامي 202 – 203هـ حدثت مناظرة مهمة جدا بينه وبين حفص الفرد أحد أهم المتكلمين والمعتزلة في مصر، عن قضية خلق القرآن. وأكد الشافعي خلال المناظرة أن القرآن قديم بقدم الله نافيا فكرة خلقه، حتى في وصيته الأخيرة قبل وفاته، تناول الشافعي قضية خلق القرآن وأكد على رأيه فيها. ما يعني أنه طوال هذه السنين، وقبل اشتعال فتنة خلق القرآن، كان الشافعي مشتبك مع هذه القضية لأنها مطروحة طول الوقت.

    أما عن المشهد بينه وبين المأمون، فقد صيغ أن المأمون في هذه اللحظة -سنة 198هـ- ما يزال متحيرا هل القرآن مخلوق أم لا؟ فطلب من الشافعي أن يتولى القضاء وأن يحسم مدى صحة، قضية خلق القرآن بالحجة وينهيها. فرد الشافعي بشكل واضح وصريح بأن القرآن قديم بقدم الله.

    فمن انتقدوا هذا المشهد، اعترضوا على اختبار المأمون للشافعي في قضية خلق القرآن. وهو ما لم يحدث، ما يعني أنه ليس من بين من انتقدوا هذا المشهد من كلف نفسه بمشاهدته قبل نقده والتعليق عليه!

    وماذا عن ذكر كلمة “مخطوطات” في المسلسل، بالرغم من أنها لم تكن مستعملة في ذلك العصر؟

    كلمة “مخطوطات” هي كلمة حديثة نسبيا، وهذا صحيح. ولكن اللجوء إليها كان خيارا دراميا أيضا، لأن المخطوطات والمؤلفات كان يطلق عليها في زمن المسلسل “الكتاب”. فلو وضعت على المخطوط كلمة كتاب، فربما التبس على الجمهور ما أقدمه، أو هكذا ظن صناع العمل. وهذا الاختيار نتيجة لاجتهادنا، ليس عن جهل، ولكن حتى يعي المشاهد أن المقصود بها كتابات قديمة. فليس من المنطقي أن أكتب بجوار كل مشهد شرح وتوضيح لاختياراتي الدرامية.

    لماذا أظهرتم الشافعي يقرأ القرآن في المسلسل بقراءة حفص، بينما المعروف أنه كان يقرأ القرآن بقراءة ابن كثير المكي وكان مشتهرا بها؟

    لأن لدي جمهور عام، وهو المشاهد المصري، معتاد على قراءة حفص. ولو ظهر الشافعي يقرأ بقراءة ابن كثير ستصبح هناك أزمة، وربما قد يستغربها أولا يفهمها البعض. ومرة ثانية أؤكد أني لا أصنع وثيقة ولكن عمل درامي، ولنفس السبب أظهرنا الربيع المرادي ويونس بن عبد الأعلى. وهما مصريان معروفان بالقراءة المصرية للقرآن، قراءة ورش صاحب نافع، وهما يقرآن بقراءة حفص، لأن المشاهد المصري لم يعتد قراءة ورش.

    مسألة اختيار اللغة، كانت من أكثر النقاط التي أثارت الجدل حول المسلسل. فقد سمعنا البعض يتحدث العربية الفصحى، وآخرون يتحدثون العامية المصرية. حيث انتقد البعض تحدث الشافعي بالعامية، كما انتقد آخرون اللغة بشكل عام وقالوا إنها لا تناسب الفقهاء والساسة. فما مدى دقة هذا الاختيار؟

    من اللحظة الأولى، قرر صناع العمل أن تكون اللغة المنطوقة في المسلسل لمختلف الشخصيات بما فيها الإمام الشافعي، هي العربية الفصحى. مع تطعيم حوارات أهل مصر من الأقباط والمسلمين المقيمين منذ عقود طويلة مثل البدو والأحواف، باللهجة العامية المشتقة من مفردات اللغة القبطية التي كانت سائدة بين الغالبية العظمى من المصريين في القرن الثاني الهجري. على أن تكون تلك اللهجة مناسبة ومستقيمة لأهل مصر في أزمنة سابقة. حتى يستطيع المشاهد المصري استيعابها، أي أن اختيار اللغة كان خيار درامي أيضا.

    ولكن البعض اعتبر أن العامية تنتقص من قيمة شخصية مرتبطة بشكل مباشر بالفقه والشريعة؟

    هذا الاختيار لا يسيء إلى الشريعة أو الفقه في شيء من قريب أو بعيد. وكثير من الأعمال التلفزيونية التاريخية اعتمدت العامية لسهولة انتشارها ولأسباب فنية درامية. وهذا لا يؤثر في قيمة العمل الفكرية أو الإبداعية، كما لا ينال من قيمة العمل كتاريخي أو ديني له رسالة. ولدينا أمثلة في ذلك مثل فيلم المصير أو صلاح الدين.

    ولكن ما أريد توضيحه أن استخدام العامية كان له ما يبرره وهو تجنب اللجوء لاستعمال القبطية التي كان يتحدث بها معظم عوام المصريين، وهم من الأقباط في هذه الفترة. لكون معظمهم لم يكن قد اعتنق الإسلام بعد أو لم يلتحق بالدواوين أو لم يكن يقيم في الحواضر الإسلامية مثل الفسطاط. أما لغة الساسة والفقهاء وطلاب العلم، فقد كانت بالعربية الفصحى، أكثر من 90% من حوار المسلسل باللغة الفصيحة المتزنة الجميلة. مع اعزازنا باللهجة العامية، التي تم استخدامها كلغة وسيطة وليس للدلالة على أنها كانت مستخدمة في هذه الفترة الزمنية. ولكن لتجنب حديث الممثلين بالقبطية، لذا استخدمنا لغة “عامية بيضاء” فصيحة. ولكنها مبسطة بدون الالتزام بقواعد الصرف والنحو حتى تصل إلى المشاهد بشكل بسيط.

    أنت تحصر الحديث بالعامية في الأقباط من أهالي الفسطاط كبديل للقبطية. بينما الشافعي ظهر في بعض المشاهد وهو يتحدث العامية أيضا، وهو ما أثار انتقاد البعض؟

    أعود وأؤكد، أن من أثاروا هذه الانتقادات لم يشاهدوا المسلسل، فمن انتقدوا تحدث الشافعي بالعامية، لم يكلفوا أنفسهم ويشاهدوا المسلسل ليحكموا هل كان يتحدث الفصحى فعلا أو العامية. وهل قوله “نورت مصر” خارج عن السياق أو في محله، مع العلم أن كتب المناقب تقول إن الشافعي كان واسع الاطلاع على علوم البلدان المختلفة بلغات أخرى. رجل بهذه المواصفات لماذا نستبعد أن يشتبك مع لهجة محلية في بلد قرر الإقامة فيها؟ وهل كونه قرشي فصيح وممن تلقوا العربية على أيدي أبناء قبيلة هذيل، يجعله عاجزا عن التفاعل مع اللهجات المحلية والتكلم بها؟

    جانب من مراجعة السيناريو
    جانب من مراجعة السيناريو
    هناك خطأ أقر به المراجع اللغوي للمسلسل د.أحمد عمار عبر صفحته على “فيسبوك”، وهو نسبة بيتي شعر من تأليف شاعر سوري معاصر للإمام الشافعي؟

    د.أحمد عمار هو المراجع اللغوي للسيناريو. وقد اعتذر عن هذا الخطأ في حال ثبت فعلا، ولكن أعتقد أن هذه المسألة لاتزال محل دراسة وبحث.

     

    حجتك الرئيسية في الرد على المسائل الخلافية التي يقول المتخصصون أنها أخطاء بينما تراها أنت كخيار درامي، هي مراعاة الجمهور العام للمسلسل وإيصال المعلومة بشكل سهل ومفهوم له. فهل تعتقد أن المسلسل في شكله النهائي نجح في الوصول إلى الجمهور المستهدف الذي خالفتم من أجله كثير من النقاط التاريخية؟ أم أنه انحسر في الأكاديميين والباحثين؟

    أتحفظ على القول بأننا خالفنا كثيرا من التاريخ. قناعاتي الشخصية أننا لم نخالف التاريخ، ولكن تركنا خيالنا لبعض المسائل الدرامية فيما أغفله التاريخ.

    ولكنك أقريت بهذه المخالفة في بعض المواضع، مثل القراءات المختلفة للقرآن، ومشهد المخطوطات؟

    حدث انحياز واختيار درامي في مساحة ضئيلة جدا، مثل اللغة أو أدوات إيصال المنحى الدرامي. بينما الأعمدة الرئيسية للحدث التاريخي ثابتة ولم تتم مخالفتها. أما عن جزئية وصول العمل للجمهور أو انحساره بين الأكاديميين، فأرى أنه اقتحم الجمهور العام بشدة، بمخالفيه قبل مؤيديه.

    دعني أعيد السؤال بشكل أوضح، هل تعتقد أن من شاهدوا مسلسل “جعفر العمدة” مثلا، شاهدوا “رسالة الإمام”؟

    ليس بالضرورة، لأن مسلسل “جعفر العمدة” مشتبك مع الواقع الحالي بخلطته التي نعرفها جميعا والمرتبطة بالدراما في السنوات الأخيرة. وبالأرقام فإن “جعفر العمدة” أكثر مشاهدة. ولكني أعتقد أن “رسالة الإمام” نجح في تسجيل الأهداف في سباق الوصول للمشاهد. وأنه اشتبك كثيرا مع الجمهور، سواء المؤيد أو المخالف. وعلى المستوى النقدي استقبل بشكل جيد جدا. خاصة فيما يتعلق بالصورة والدراما والإخراج والأدوات العامة مثل الإكسسوار والملابس والديكور.

    وعلى مستوى الأكاديميين والباحثين، هناك كثيرون أثنوا على المجهود البحثي والعلمي في المسلسل. وأعيد وأؤكد، أن هدف المسلسل ليس أن ينال الرضا، بل هدفه إثارة الأسئلة. وأكبر نجاح للمسلسل، أنه استطاع أن يقدم لي صورة مصر في فترة لم يتطرق لها أحد من قبل. فلم يشاهد أيا منا الفسطاط الحقيقية التي بناها عمرو بن العاص والتي اندثرت تحت مدن أخرى، لم نشاهد من قبل النيل بقرب جامع عمرو. لم نشاهد مجتمع المسجد يتخطى مسألة الفقه ويتجاوزه لدروس الشعر وعلوم الحساب والفلك والطب والهندسة وغيرها، وهذا هو الجديد.

    ولكن هناك أعمال درامية سابقة تناولت سير من تاريخ مصر في نفس الفترة؟

    نعم، ولكن “رسالة الإمام” هو أول مسلسل مصري تاريخي يقدم الفسطاط بمجتمعها وفي ذلك الظرف السياسي المضطرب والمليء بالصراعات. وأعتقد أن المسلسل نجح في أن يقدم للمصريين لحظة مهمة في تاريخهم، ظلت غائبة لسنوات طويلة عن الدراما.

    البعض رأى أنكم لم تقدموا الشخصية الكاملة للإمام الشافعي من لحم ودم بما له وما عليه، وأنكم “جمّلتوا” الشافعي. واستندوا في موقفهم إلى أنكم تجاهلتم عرض الفتاوى التي يُتهم الشافعي بسببها بالتشدد؟

    الشافعي شخص اجتهد وفق آليات عصره وظروفه ومنهجه. وبالتالي مثل أي مؤسس مذهب نجد لديه أمورا غريبة وقد تكون مستهجنة إذا حكمنا عليها بمعايير عصرنا. كما يمكن أن نجد أيضا مسائل أبدى فيها انفتاحا وما شابه، وهذا أمر ليس حكرا على الإمام الشافعي. والحق أننا اتهمنا في هذا السياق باتهامين، البعض اتهمنا بمحاولة تجميل الشافعي رغم آراؤه المتشددة في بعض المسائل حسب وجهة نظر البعض. وآخرون قالوا إننا قدمناه بأقل من قيمته ومما يستحق. فالفريق الأول قال دلسنا وأظهرناه بشكل إيجابي على غير الحقيقة. والفريق الآخر قال أهدرنا حقه وأسأنا إليه، الحقيقة أنها نقطة يمكن أن نقول فيها الكثير. لكن الأهم هو أن الشافعي إمام مجتهد حاول تقديم منجز يناسب عصره، ولا خلاف على ذلك.

    نحن متفقون على ذلك، ولكن لماذا تجاهلتم ما عليه ولم تعرضوا الصورة كاملة؟

    لم تكن هناك خطة من جانبنا لتجاهل شيء بعينه أو التركيز على شيء بعينه. ولكن هدفنا كان تقديم سيرة شخص اجتهد كان له إيجابيات وقد يرى البعض أن له سلبيات. ولكن ما كان يهمنا هو عرض رحلته إلى مصر والمرحلة التي اشتبك فيها مع الناس وحاول أن يكون قريبا فيها من الشارع ومعاملات الناس اليومية وتقريب الدين لهم بما يناسب عصرهم. وهي نقطة أهم من الانشغال بعرض الجدال حول شخصه وآرائه.

    حتى في عرضنا لخلافاته مع المالكية، سوف تلاحظ أن المناظرات التي سجلناها تنتهي بلا غالب ولا مغلوب. لأننا لا ننتصر لطرف ضد آخر. ولكن كنا نحاول الانتصار لفكرة حرية النقاش والبحث والاجتهاد وتكاتف الناس.

    مشهد من مسلسل رسالة الإمام
    مشهد من مسلسل رسالة الإمام
    التوصيف الذي كتب مع اسمك في تتر المسلسل هو “البحث التاريخي والمادة العلمية”. وعندما كنا نتكلم في البداية وأخبرتك أنك باحث تاريخي، قلت إنك باحث درامي. فما الفرق بينهما وما كان دورك بالتحديد داخل العمل؟

    أنا باحث درامي وسينمائي، أو بالإنجليزية (Film Researcher). وهي وظيفة مختلفة عن المراجع التاريخي، ففي أعمالنا التاريخية جرت العادة أن يستعين المؤلف بشخص أكاديمي إذا لم يكن ملما بالفترة التاريخية التي يكتب عنها، ليساعده في مراجعة الموضوع من الناحية التاريخية. ولكن ظلت هناك دائما مشكلة قائمة، وهو وجود حاجز بين المادة الأكاديمية البحثية الأساسية الموجودة في الكتب والمصادر التاريخية، وما بين العمل الدرامي.

    ألا يمكن للمراجع التاريخي أن يقوم بهذا الدور؟

    الحقيقة لا، وجوده مفيد بالقطع، لكن لن يحقق أكبر استفادة مطلوبة، لأن الأمر محتاج مهارات خاصة. فالعالم كله يعمل بطريقة مختلفة عنا. ففي هوليوود وأوروبا يستعينون في كل أعمالهم الدرامية والسينمائية بالباحث الدرامي والسينمائي، أيا كان موضوعها وليس الأعمال التاريخية فقط. وهي مهنة غير معروفة حتى الآن في مصر، وأكاد أكون أول شخص يقدم نفسه بوصفه “باحثا دراميا وسينمائيا” في مصر. وقد سبق لي أداء هذه المهمة العام الماضي في مسلسل “بطلوع الروح” من بطولة منة شلبي وإخراج الأستاذة كاملة أبو ذكري.

    وما هي طبيعة مهام “الباحث السينمائي أو الدرامي“؟

    “الباحث الدرامي والسينمائي” هو الجسر الذي يربط بين المادة العلمية والأكاديمية، سواء كانت تاريخية أو بحثية، وبين الخيال الدرامي الذي يسعى إليه صناع العمل. لذا يستعين به المؤلف أو المنتج أو المخرج لمساعدتهم بالوقائع التاريخية أو الوقائع العلمية أو المنهج البحثي في العثور على عناصر يمكن الاستفادة بها دراميا. وبناء عليه فإن وظيفة الباحث الدرامي والسينمائي أن يدرس الفكرة التي يريد صناع العمل تقديمها ويبحث عنها في كتب التاريخ والجغرافيا والرياضة والسياسة والاجتماع الموثقة. لمساعدتهم في صياغتها دراميا بشكل سليم لا يخالف الثابت العلمي أو التاريخي أو البحثي.

    وما الذي يجب أن يتوافر في “الباحث الدرامي” حتى يستطيع القيام بهذه الوظيفة؟

    لابد أن تتوافر لديه الكثير من الأدوات، من ضمنها أن يكون لديه خلفية عن الدراما، وأنا دارس للأدب والدراما والمسرح. وبالتالي لدي فهم كامل لمتطلبات الدراما. كما يجب أن يمتلك أكثر من لغة لأن كثيرا من المصادر البحثية بلغات أجنبية. كما يحتاج الباحث أن يكون لديه وعي بالوثيقة التاريخية وأهميتها، وقدرة على التواصل مع الأكاديميين المتخصصين في المجال الذي يتناوله العمل.

    أنت ترى أنك أول باحث درامي وسينمائي متخصص في مصر؟

    بالمعنى العام نعم، هناك أكثر من مراجع تاريخي، وهم متخصصين في الجانب التاريخي فقط. لكن أنا مشتبك مع كاتب السيناريو خطوة بخطوة في أي طلب أو سؤال أو إيضاح يحتاجه حول أي من عناصر العمل. أيضا عملي يتطلب مني التواجد في موقع التصوير لمتابعة كل التفاصيل. وأعتقد أن هذه الوظيفة “الباحث الدرامي والسينمائي” هي من الأدوات اللازمة لمستقبل الدراما في مصر. ونحتاج للتوسع في المؤهلين لأدائها، وأن تتخطى مهامهم مساحة التاريخ، لأن التاريخ جزء بسيط في بحر الدراما.

    كم كانت نسبة التزام صناع العمل بالمادة البحثية التي قدمتها؟

    حجم التفاعل من جانب صناع العمل مع ما قدمته من مادة بحثية وتاريخية يكاد يصل لـ100%. وذلك يرجع لوجود سيناريست واعي هو الأستاذ محمد هشام عبية ومجموعة كتاب شباب موهوبين، يمتلكون الخيال الدرامي ولكن في نفس الوقت حريصين على نقل صورة صادقة عن مصر في تلك الفترة. وبالتالي، وباستثناء الخيارات الدرامية التي لا تضرب في أي ثابت تاريخي، كان حجم التعاون كبيرا جدا في هذه المسألة. أيضا مخرج العمل المخرج السوري الكبير الليث حجو كان واعيا من اللحظة الأولى لكيفية إخراج المسلسل على الشاشة في أفضل صورة مؤثرة ممكنة. وكان يرى أننا لسنا في حاجة للاجتهاد في خلق تفاصيل من العدم. لأن لدينا ثراء شديد جدا تاريخيا يمكن استخدامه بصورة عظيمة.

    قلت أثناء حديثنا إن “رسالة الإمام” مسلسل تاريخي وليس دينيا، ما الفرق بينهما؟

    كنا حريصين أن نكتب من بداية الحلقات، وكما أشرت بشكل واضح فوق عنوان المسلسل أنه “معالجة درامية تستند لأحداث تاريخية”. أي أننا لا نقدم عمل ديني بالمنطق المعروف مثل مسلسلات “الوعد الحق” أو “محمد رسول الله”. ولكن تناولنا مسلسل درامي تاريخي اجتماعي جزء منه يتعلق بسيرة شخص فقيه.

    ولكن شخصية الفقيه كانت عصب المسلسل وليست مجرد جزء منه؟

    لو نظرنا على المسلسل نظرة شاملة، سوف نجده عصب الحدث، ولكنه يتفاعل في الوقت نفسه مع السياسة والاجتماع وأحوال الناس. أي أنه لا يتحدث طوال الوقت في الفقه، ولا نصوره طوال الوقت داخل المسجد، وبالتالي هو عمل تاريخي. وما تناولناه من مسائل فقهية كان متماس اجتماعيا معنا حاليا. تناولنا أمورا مثل الذمة المالية للمرأة، كما حاولنا ربط تلك المسائل بواقعنا العصري، مثل أمور البيوع والأمانة وما يتعلق بأمور الزواج. وكيف يمكن للفقه أن يساعد الناس على تبسيط حياتهم وصلاحها. وبالتالي حتى الأجزاء الفقهية لم تكن فقهية بشكل صرف أو في المطلق، أي أنه كان مسلسلا تاريخيا اجتماعيا دراميا بامتياز، وليس ديني.

    لماذا تصر على نفي الصفة الدينية عنه؟ هل تحاول تجنب الحكم عليه من منظار القداسة؟

    لا، ولكن من باب الأمانة، لذا فقد قلنا من البداية أنه معالجة درامية تستند إلى أحداث حقيقية. وقد راجعه الأزهر الشريف، ونظر في كل المسائل الفقهية والتاريخية بإمعان. وقد أتم هذه المهمة على أكمل وجه. وكان يضع أمام عينيه حقيقة أن المسلسل في النهاية عمل درامي، يحتاج لخيال المؤلف وله متطلبات درامية وإخراجية يجب مراعاتها. مع عدم الإخلال بأي تفصيلة شرعية أو فقهية أو هدر أي ثابت تاريخي.

    وهل كل عناصر العمل التي شاهدناها في النهاية على الشاشة، مرت على الأزهر وراجعها وأقرها؟

    بالكامل، وللحقيقة فإن موقف الأزهر كان واعيا للغاية وأكثر انفتاحا من بعض المتخصصين الذين انتقدوا العمل. الأزهر كان متعاون للغاية ويعي أننا نقدم عملا يحتاج إلى جذب المشاهد ويعيده للأعمال ذات القيمة والرسالة القادرة على إثارة النقاش العام بما يعود على الناس بالفائدة ولو بجملة أو حتى كلمة.

    اقرأ أيضا

    «رسالة الإمام» و«الهرشة السابعة».. رائعتان إلا قليلا!

  • أنتجها باحثان برازيليان.. «باب مصر» تحقق في دراسة إعادة بناء وجه إنسان «نزلة خاطر 2»

    أنتجها باحثان برازيليان.. «باب مصر» تحقق في دراسة إعادة بناء وجه إنسان «نزلة خاطر 2»

    اهتمت مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية خلال الأيام الماضية، بخبر قيام باحثين برازيليين بإعادة بناء وجه الهيكل العظمي المعروف باسم إنسان «نزلة خاطر 2»، الذي عثر عليه في مصر عام 1980 بمحافظة سوهاج. ويعد واحد من أقدم الهياكل المكتملة التي عثر عليها في إفريقيا حتى الآن. ويرجع تاريخه إلى ما يزيد على 34 ألف عام.

    ولكن كان من اللافت، أن تغطية الخبر الذي نشر بأكثر من 28 لغة حول العالم اكتفت بعرض ما ورد في الدراسة، ونقل تصريحات الباحثين الذين شاركا فيها. دون أي نقد أو تحليل لها ولمدى التزامها بالمنهج العلمي في عملها ومدى دقة ما توصلت إليه من نتائج، وتعاملت التغطيات مع النتائج وكأنها أمر مقطوع بصحته!

    وذلك على الرغم من علامات الاستفهام التي أحاطت بالدراسة وما أثارته من جدل. مثل غموض الدورية العلمية التي قيل أن الدراسة نشرت فيها. وكذلك قيام الباحثين بتنفيذ هذه الدراسة بشكل فردي دون إشراف أو متابعة من أي جهة بحثية أو أكاديمية معتبرة. إضافة إلى احتوائها على معلومات ثبت عدم دقتها، هذا بخلاف رفض كثير من المصريين على الشبكات الاجتماعية -بينهم علماء وباحثون في علم المصريات- لنتائج الدراسة وما عرضته من صور. بخلاف موقف وزارة السياحة والآثار المصرية التي اعتبرت أن الباحثين لم يتخذا الإجراءات العلمية والإدارية والقانونية الصحيحة والمتعارف عليها دوليا في مجال البحث العلمي عند قيامهما بهذه الدراسة.

    نشرت الدراسة بأكثر من 28 لغة حول العالم خلال أسبوعين
    نشرت الدراسة بأكثر من 28 لغة حول العالم خلال أسبوعين
    هيكل عظمي عمره 35 ألف عام

    يعد الهيكل العظمي لإنسان (نزلة خاطر 2)، واحدا من أقدم الهياكل البشرية المكتشفة في مصر حتى الآن. حيث عثرت عليه بعثة جامعة لوفن البلجيكية العلمية التي كانت تعمل في قرية نزلة خاطر بسوهاج عام 1980، في أحد مواقع التعدين التي يرجع تاريخها إلى العصر الحجري القديم الأعلى.

    وقد أظهرت الدراسات التي أجريت على الهيكل، أنه يرجع لذكر بالغ، يتراوح عمره عند وفاته بين 17 و29 عاما، وطوله بين 161 إلى 165 سم. كما أظهرت أنه كان يعاني من مشاكل في العمود الفقري، يعتقد أنها كانت بسبب عمله في التعدين بشكل مكثف، بحسب دراسة للباحثة بجامعة بوردو الفرنسية، إيزابيل كريفكور.

    وبحسب وسائل الإعلام المصرية، فقد نقل الهيكل عقب اكتشافه في العام ذاته، إلى بلجيكا لترميمه وتجميع عظامه. وإجراء الدراسات العلمية عليه لمعرفة عمره والاستفادة منه في فهم التطور البشري للإنسان الذي عاش في مصر خلال تلك الفترة.

    وبحسب تصريحات لمسؤولين مصريين في عام 2015، طالبت مصر باستعادة الهيكل من إدارة جامعة لوفن البلجيكية بعدما تأكدت من قدم عمر الهيكل بناء على عمليات التأريخ الجديدة. حيث استجابت الجامعة للطلب نظرا للأهمية التاريخية للهيكل. وبالفعل وصل هيكل إنسان (نزلة خاطر 2) إلى مصر في العام ذاته، وعرض لأول مرة داخل قاعات المتحف القومي للحضارة المصرية في إبريل من عام 2021.

    الهيكل العظمي لإنسان نزلة خاطر 2
    الهيكل العظمي لإنسان نزلة خاطر 2
    مجلة (Live Science) الأمريكية

    كانت اللحظة الفارقة في انتشار أخبار الدراسة التي قام بها الباحثان البرازيليان، عالم الآثار مواسير سانتوس والمصمم سيسيرو مورايس، هو قيام مجلة (Live Science) العلمية الأمريكية بنشر خبر عن الدراسة، لتتلقفه منها مختلف الصحف ووكالات الأنباء العالمية.

    المجلة قالت في تغطيتها، إن الباحثين استعانا بتقنية (المسح التصويري) لتشكيل صورة تقريبية لوجه إنسان (نزلة خاطر 2) من خلال التقاط صور رقمية وتجميعها. حيث نجحا في ابتكار نموذجين افتراضيين ثلاثي الأبعاد لوجهه. الأول عبارة عن صورة بالأبيض والأسود وعيناه مغمضتان في حالة محايدة. والثانية نموذج فني أكثر لشاب بشعر أشعث داكن ولحية قصيرة.

    ونقلت المجلة عن مورايس قوله: “إن الناس يعتقدون بأن عمليات تقريب الوجه تعطي نتائج دقيقة بنسبة 100% كما يحدث في أفلام هوليوود. ولكن في الواقع فإن الأمر ليس كذلك، فما نقوم به هو تقريب لما يمكن أن يكون عليه الوجه. ومع الاستعانة بالبيانات المتاحة، فإن النتيجة تكون تصور بسيط عما كان عليه الشكل. ولكن مع ذلك، من المهم إضفاء الطابع الإنساني على وجه الفرد عند العمل مع الشخصيات التاريخية. لأنه من خلال استكمال الشكل بإضافة الشعر والألوان، سيكون تفاعل الجمهور أكبر مع النتيجة، مما يثير الاهتمام والرغبة لدى البعض لدراسة الموضوع بشكل أكبر، أو الاهتمام بعلم الآثار أو التاريخ ككل”.

    واختتمت بقولها إن الباحثين يأملان أن تساهم دراستهما وما توصلا إليه من نتائج بشأن إنسان (نزلة خاطر 2) في مساعدة العلماء على فهم أفضل لكيفية تطور البشر بمرور الوقت.

     علامات استفهام كبيرة

    كان من اللافت، أن هذه الدراسة حملت علامات استفهام كبيرة، لم تفسرها أي من التغطيات الإخبارية التي تناولتها، كان أبرزها غموض الدورية العلمية التي قيل إن الدراسة نشرت بها، والتي من المفترض أن تكسبها المصداقية وتضفي عليها السلامة العلمية.

    فقد قالت بعض المواقع ومن بينها موقع شبكة CNN الأمريكية، إن الدراسة نشرت في مجلة برازيلية تحمل اسم OrtogOnline. وبالبحث عن هذه المجلة، لم نجد لها تاريخا واضحا ولا ذكرا لما نشرته سابقا من دراسات، وكأنها غير معروفة على الإطلاق، وباستمرار البحث، وجدنا موقعا يحمل نفس الاسم: ortogonline.com. إلا أنه لا يقود إلى أي شيء، بل يحيل إلى صفحة الشركة التقنية التي تستضيف الموقع، حيث تشير إلى أن الموقع لا يزال “تحت الإنشاء”.

    أما على الشبكات الاجتماعية، فلم نجد سوى صفحة على “فيسبوك” ناطقة بالبرتغالية -اللغة الرسمية في البرازيل- تحمل اسم OrtogOnline للتطوير المهني والاستشارات. ولكنها شبه مهجورة ولم تحدث منذ يونيو 2020، ولا يظهر عليها أنها مجلة علمية من قريب أو بعيد. وآخر بوست نشرته خاص بخبر عن سيسيرو مورايس، الباحث الرئيسي في الدراسة.

    أما مجلة (Live Science) فلم تشر إلى اسم الجهة العلمية التي صدرت عنها الدراسة. بل اكتفت بالقول إن “الدراسة نشرت” في مارس الماضي بصيغة المجهول، واكتفت بوضع رابط يحيل إلى نص للدراسة منشور على صفحة مرتبطة بموقع جوجل للترجمة، لترجمة الدراسة من البرتغالية إلى الإنجليزية. ومن خلال هذه الصفحة لم نتوصل إلى أي مصدر أساسي للدراسة!

    وعندما حاولنا البحث بعنوان الدراسة نفسها، لم نجدها في أي مجلة أو موقع علمي محكّم. وكان أقصى ما عثرنا عليه، وجود نسخة منها على موقع “ResearchGate”، وهو ليس دورية علمية، بل شبكة اجتماعية موجهة للباحثين العلميين. ويمكن لأي باحث إنشاء حساب عليه ورفع ملفاته باعتبارها محتوى علمي. أي أن النشر عليها ليس معيارا للحكم على سلامة أو دقة ما تحويه من دراسات وأبحاث.

    مزيد من علامات الاستفهام!

    أما عن الباحثين الذين قاما بالدراسة، فقد لاحظنا عند البحث عنهما عبر الإنترنت؛ أن الغالبية العظمى من الأخبار المنشورة عنهما خلال الفترة الماضية، متعلقة بإصدارهما دراسات شبيهة بدراسة إعادة بناء وجه إنسان “نزلة خاطر 2”. كان أولها دراسة منشورة في يناير 2023، لإعادة بناء وجه “جمجمة أريحا” التي عثر عليها في مدينة أريحا الفلسطينية عام 1953 والتي يرجع عمرها إلى 9000 عام. ثم دراسة أخرى منشورة في فبراير 2023، قاما خلالها بإعادة بناء وجه هيكل عظمي لأنثى يرجع عمرها إلى 9600 سنة عثر عليه في البرازيل!

    ما يعني أنهما أنجزا ثلاث دراسات بالطريقة ذاتها خلال ثلاثة أشهر فقط، بمعدل دراسة كل شهر، لإعادة بناء أوجه أناس عاشوا قبل آلاف السنين. في أشهر يناير وفبراير ومارس من العام الجاري! -والتي للمفارقة نشرت أخبارها جميعا على موقع مجلة (Live Science) الأمريكية-. وهو ما يضع علامات استفهام حول دقة النتائج العلمية التي يمكن أن تصدر عن باحثين ينتجان دراسة علمية كل 30 يوما؟

    الباحثان عرفا نفسيهما في الدراسة كالآتي. حيث أشارا إلى أن سيسيرو مورايس مصمم متخصص في المجسمات ثلاثية الأبعاد -والذي قام بالجانب الفني والتقني في دراسة إنسان (نزلة خاطر 2)- حيث عثرنا له على صفحات تعرفه بأنه متخصص في إعادة بناء الأوجه بتقنيات رقمية ثلاثية الأبعاد. ومتخصص في تصنيع وتصميم الأطراف الاصطناعية البشرية والبيطرية، وله إسهامات في التخطيط الرقمي للجراحات التقويمية وجراحات الأنف وتقويم الأسنان.

    عالم الآثار البرازيلي مواسير سانتوس
    عالم الآثار البرازيلي مواسير سانتوس
    ***

    أما مواسير سانتوس -الذي قام بالجانب العلمي والبحثي- فقد عرف نفسه بأنه عالم آثار يعمل بمتحف (سيرو فلاماريون كاردوسو للآثار) بالبرازيل -وهو التعريف الذي وصف به في مختلف التغطيات التي تناولت خبر إنسان (نزلة خاطر 2)-. كما وجدنا له تعريف كامل على موقع (academia.edu) يقول فيه إنه حاصل على بكالوريوس في علم الآثار من جامعة (Estácio de Sá) الخاصة، وحاصل على الماجستير في التاريخ القديم من جامعة (Fluminense) الفيدرالية البرازيلية. كما حصل منها على درجة الدكتوراه.

    وبالبحث عن المتحف الذي قال سانتوس أنه يعمل فيه، لم نجد عنه إلا القليل جدا عبر الإنترنت. حيث لم نجد له أي ذكر على موقع المجلس العالمي للمتاحف، ما يعني أنه في الغالب غير معتمد من المجلس. كما لاحظنا أن الأخبار عن المتحف منحصرة تقريبا في الأخبار المتعلقة بسانتوس نفسه! لنفاجأ بأن سانتوس هو نفسه مؤسس المتحف ضمن مشورع له لتحسين ثقافة المجتمع المحلي في مدينته. وأن المتحف ليس سوى معرضا لقطع الآثار المقلدة، ويحمل اسم عالم مصريات برازيلي راحل، هو نفسه العالم الذي كان مشرفا على سانتوس أثناء دراسته الجامعية.

    دراسة غير مكتملة!

    تفاصيل الدراسة كذلك، حملت مزيدا من علامات الاستفهام، فقد قال الباحثان في دراستهما، إن نص الدراسة -التي طارت أخبارها في الصحف ووكالات الأنباء بمختلف لغات العالم- ليس هو النص النهائي، وأنه قد يحتوي على أخطاء لغوية. مشيران إلى أن النسخة النهائية من الدراسة سوف تنشر بمجرد إجراء التصحيحات اللازمة عليها!

    ولكن يبدو أن الدهشة لم تكن قد انتهت بعد، فقد أشار الباحثان، أن أحدهما -وهو مواسير سانتوس- جمع بيانات جمجمة إنسان (نزلة خاطر 2) من خلال زيارته للهيكل العظمي في (المتحف المصري بالقاهرة). ووضعا رابط موقع المتحف على الإنترنت من باب التأكيد، وأضافا أن سانتوس التقط خلال زيارته للمتحف مقطعي فيديو عاليا الدقة للجانب المكتمل من الجمجمة. ثم تمت معالجة مقطعي الفيديو وتحويلهما إلى سلسلة من الصور. وتم اختيار 72 صورة منها لإدخالها في عملية (المسح التصويري).

    وأضافا أن جودة الصور المنتجة من مقطعي الفيديو لم تكن كافية لإظهار تفاصيل الجمجمة بالشكل المطلوب. لذا قاما بإدخال الصور على أكثر من برنامج متعلق بالتصميمات ومعالجة الصور. مثل برامج (Agisoft) و(Blender) للوصول إلى نتائج أفضل، ثم قاما بالاستعانة بالبيانات المنشورة في أبحاث علمية أخرى سابقة، أجريت على الهيكل العظمي لإنسان (نزلة خاطر 2).

    وبغض النظر عن حجم التعديلات والمعالجات التي أجريت على صور الجمجمة، ومدى دقة النتائج النهائية التي يمكن أن تنتج عنها وعلاقتها بالشكل الحقيقي لصاحب الجمجمة. إلا أن المدهش بحق، هو أن الهيكل العظمي لإنسان (نزلة خاطر 2) لم يعرض أبدا بالمتحف المصري بالقاهرة الذي قالت الدراسة أن سانتوس قام بتصوير الجمجمة داخله. حيث إن الهيكل موجود منذ وصوله إلى مصر في عام 2015 في المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط! وهو ما يدفعنا للشك في قيام الباحثين بإجراءات جمع البيانات الخاصة بالدراسة بالطريقة التي أشارا إليها. بالرغم من عدم الثقة في طريقة عملهما ومدى دقتها وسلامتها العلمية.

    نتائج مثيرة للجدل

    كانت النتيجة النهائية التي توصل إليها الباحثان، والتي كانت عاملا رئيسيا في انتشار أخبار دراستهما. عبارة عن صورتين، اعتبرا أنها أقرب ما يمكن الوصول إليه بشأن شكل إنسان (نزلة خاطر 2) الذي عاش قبل أكثر من 35 ألف عام.

    الصورة الأولى، والتي اعتبراها (نتيجة موضوعية علمية)، اشتملت على تمثال نصفي له أعين مغلقة ولون رمادي وبدون شعر. بينما كانت الصورة الثانية هي المشكلة، والتي قالا إنها (نموذج فني). فقد كانت صورة ملونة لشخص له عينان مفتوحتان ولحية قصيرة وشعر مجعد.

    وقال الباحثان تعليقا على الصورة الثانية أنها احتوت على (عناصر تخمينية) متعلقة بالمظهر. ولكنها كانت عناصر ضرورية من وجهة نظرهما لـ(أنسنة التجربة)، مع إقرارهما بأن معرفة حقيقة هذه العناصر -الشعر ولون البشرة تحديدا- صعب جدا في ظل تضرر الجمجمة وعدم اكتمالها. إلا أن الشكل النهائي الملون يتوافق مع التحليلات الأنثروبولوجية التي أجريت على الجمجمة. والتي ترجح الأصول الإفريقية “الزنجية” لإنسان (نزلة خاطر 2) حسب قولهما.

    نتائج الدراسة، وبالأخص الصورة الملونة التي تصدرت كل الأخبار التي نشرت عن الدراسة، أثارت جدلا كبيرا على الشبكات الاجتماعية في مصر. حيث رفض الكثيرون هذه النتائج واعتبروها غير دقيقة، واتهموها بأنها موجهة وليست علمية بأي حال من الأحوال. في ظل اعتبار البعض أن الملامح النهائية الأفريقية لا تمت بصلة للبشر الذين عاشوا على أرض مصر قبل آلاف السنين، بينما اعتبر البعض الآخر أن الملامح أقرب شبها بسكان أمريكا الجنوبية بشكل لافت.

    نظرية المركزية الإفريقية

    تعليقا على الدراسة، قال الآثاري والباحث في علم المصريات، أحمد صالح، إن الباحثين البرازيليين استخدما تقنيات الحاسب في عملهما. وهو ما يميزهما عن الهواة الذين يقومون بإعادة بناء أوجه الشخصيات التاريخية اعتمادا على صور التماثيل أو النقوش. إلا أن النتائج التي توصلا إليها في النهاية تواجه بعض المشكلات، مثل لون البشرة الأسمر وشكل الأنف المفلطح والشعر المجعد. وهو ما يجعله أقرب إلى (الأفريكان أمريكان)، منه إلى المصريين.

    وأضاف في تصريحات لـ”باب مصر” إن تقنية الفوتوجرامتري التي استخدمها الباحثان، أو التصوير المساحي الفوتوغرافي الذي ينتج نماذج ثلاثية الأبعاد، معروفة وسبق تطبيقها في مصر على معبد فيلة. ولكن استخدامها على البقايا الآدمية تجربة جديدة، ويصعب الحكم على مدى علميتها من عدمه الآن. متابعا “إلا أنني أشك في النتيجة النهائية للدراسة، والتي أظن أنها موجهة، فالتقنية يمكن أن تخبرني عن طول الأنف. ولكنها لن تستطع إخباري عما إذا كانت الأنف مفلطحة أم لا، أيضا البشرة والشعر لا يمكن معرفة تفاصيلهما”.

    صالح الذي يرأس إدارة النشر العلمي بآثار أسوان، أكد أن هناك نظرية تنتشر في العالم حاليا بسرعة الصاروخ. مفادها أن من قاموا ببناء الحضارة المصرية القديمة، هم الأفارقة. مشددا على أن ذلك إدعاء لا أساس له من الصحة. مضيفا “وللأسف لا نقوم في مصر بمواجهة مثل هذه الادعاءات بالشكل المناسب. حيث يتصدى للرد على أصحاب هذه النظرية مجموعة من الهواة الذين سرعان ما يقعون في فخ العنصرية”.

    وتابع بقوله “أن أصحاب هذه النظرية كانوا يعجزون عن إقناعنا بأفكارهم التي يروجونها بشأن عصر الأسرات. لأننا نعرف عنه الكثير ونستطيع دحض ادعاءاتهم بكل سهولة. لذا اتجهوا إلى عصور ما قبل التاريخ وبداية عصر الأسرات، وهي فترة تفتقر إلى النصوص والكتابات. ويُعتمد في معرفة تاريخها على البقايا الآدمية وبعض الأدوات المحدودة، ما يسهل على أصحاب تلك النظرية تحقيق مسعاهم في سرقة جذور الحضارة المصرية”.

    ***

    وأكد صالح أن الآثاريين سبق وطالبوا معهد بحوث الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة للرد على هذه الادعاءات. كونه يمتلك متخصصين وخبراء في الحضارات الإفريقية والمصرية، قادرين على مواجهة أصحاب تلك النظريات. خاصة وأن أفكار مثل المركزية الأوروبية أو المركزية الإفريقية للعالم أصبحت علوم موسوعية، يصعب على الآثاريين مواجهتها وحدهم. وهو ما يتطلب الاستعانة بالمتخصصين الذين يستطيعون معاونة الآثاريين لدحض مثل تلك الأفكار.

    أما عن معايير مجلة (Live Science) الأمريكية في اختيار الدراسات التي تنشر عنها. فقد أكد صالح أن المجلة تعتمد في اختيارها على ما يمكن أن تحدثه الدراسة من إثارة للجدل. مشيرا إلى أنه يمكن لأي شخص أن يرسل مقالا أو دراسة إلى المجلة، والتي تقوم بعرضها على لجنة علمية لتقييمها. حيث لا تنظر اللجنة إلى تخصص الباحث أو مدى خبرته، بل يظل العامل الأساسي لديها في التقييم هو الإثارة والقدرة على الانتشار.

    غياب الإجراءات العلمية والقانونية

    وزارة السياحة والآثار المصرية من جانبها، قالت في بيان لها. إن الباحثين البرازيليين لم يتخذا الإجراءات العلمية والإدارية والقانونية الصحيحة والمتعارف عليها دوليا في مجال البحث العلمي، عند إجرائهما للدراسة. حيث لم يتقدما بأي طلب لهيئة المتحف لتصوير هيكل إنسان (نزلة خاطر 2) ورفع قياساته التشريحية ودراستها. كما لم يشيرا إلى حصولهما على قياسات الهيكل التشريحية من أي جهة أخرى. بما لا يعطي أية مصداقية في نتائج البحث والنسب التشريحية الواردة فيه وفي عملية إعادة تصور الوجه.

    بيان الوزارة الذي نشر عقب قرابة أسبوعين من نشر الدراسة. أضاف أن الباحثين استندا في بحثهما إلى الرؤية الفنية الخالصة للهيكل. والتي اعتمدا فيها على استخدام برامج الجرافيك وليس على القياسات التشريحية للهيكل والتي أدت للوصول إلى هذه النتائج وهو ما يخالف معايير البحث العلمي.

    نتائج سابقة مختلفة

    نتائج دراسة الباحثين البرازيليين، تصطدم مع نتائج دراسة أخرى. نشرها فريق بحثي يرأسه يوهانس كروس مدير معهد ماكس بلانك للتاريخ والعلوم في جينا بألمانيا عام 2017، عن التركيبية الجينية لقدماء المصريين.

    فقد قالت الدراسة التي نشرت بدورية “نيتشر كوميونيكاشنز”، إن التركيبية الجينية للمصريين المعاصرين مقاربة لجينات سكان أفريقيا جنوب الصحراء. أما جينات قدماء المصريين فهي تشبه سكان منطقة الشرق الأوسط وأوروبا أكثر مما تشبه المصري المعاصر.

    وقد اعتبر كروس في تصريحات له، نشرت على موقع (للعلم) حينها، أن ما توصلوا إليه يعد إنجازا علميا غير مسبوق. كونها المرة الأولى التي يمتلك الباحثين معلومات موثوقة عن التركيبة الجينية للحمض النووي DNA للمومياوات المصرية، بحسب قوله.

    وجاءت نتائج الدراسة بعد تحليل الحمض النووي لـ90 مومياء من قرية أبو صير الملق بمحافظة بني سويف في مصر. وتضمنت ثلاث حقب تاريخية امتدت قرابة 1300 سنة، من عصر ما قبل البطالمة وحتى العصر الروماني. وخلصت إلى أن جينات المصريين القدماء كانت أقرب في الشبه إلى سكان الشرق الأوسط منها إلى المصريين المعاصرين، وتحديدا سكان الأناضول والمزارعين الأوروبيين القدامى. ما يعني أن ملامح المصري القديم، طبقا لهذه الدراسة، كانت بعيدة تماما عن الملامح الإفريقية الصرفة، وأنها كانت بعيدة تماما عن الشكل الذي ظهرت عليه دراسة الباحثين البرازيليين.

    المصمم البرازيلي سيسيرومورايس
    المصمم البرازيلي سيسيرومورايس
    رد الباحثين على الانتقادات

    حرصت منصة “باب مصر” على التواصل مع الباحثين البرازيليين الذين أصدرا الدراسة، لمعرفة موقفهما من الجدل الذي أثارته الدراسة وما وجه إليهما من اتهامات. والحصول منهما على توضيح حول كثير من علامات الاستفهام التي لم نعثر على إجابة لها. لذا تواصلنا معهما عبر الإنترنت، وأرسلنا إليهما مجموعة من الأسئلة، حيث قاما بالرد عليها.

    فقد نفى الباحثان في حديثهما لـ”باب مصر”، أن يكون للدراسة أي غرض أو توجه مقصود. وأكدا أنهما سبق لهما وعملا على إعادة بناء الأوجه المتعلقة بالتطور البشري لأكثر من عشر سنوات. وقد اختارا العمل على هيكل (نزلة خاطر 2) لأهميته في فهم تطور البشر.

    وأشارا إلى أنهما لم يربطا بين نتائج الدراسة وبين المصريين القدماء أبدا. لأن هناك فترة زمنية طويلة جدا تفصل بين الهيكل وبين مصر القديمة، وأن من قام بهذا الربط هي وسائل الإعلام التي قامت بتغطية أخبار الدراسة. لذلك أكدا في الدراسة أنها مجرد “محاولة تقريبية” لمعرفة شكل إنسان (نزلة خاطر 2)، وبالتالي فهي مجرد فرضية بحثية.

    أما عن التقنية التي استخدماها في تجربتهما. فقد أكدا أنها تقنية يستخدمها كثير من الباحثين حول العالم لاستعادة وجوه أشخاص عاشوا قبل آلاف السنين. كما يستخدمها علماء الطب الشرعي لحل جرائم القتل من خلال التعرف على الأشخاص الذين قتلوا وتحديد هوياتهم. وقد اعتمدا في تحديد لون البشرة والشعر والعيون على نتائج دراسات سابقة متعلقة بتحديد موروفولجيا السكان. وهو علم يهتم بدراسة شكل وبنية الكائنات الحية وخصائصها المميزة من ناحية المظهر الخارجي.

    دورية علمية عمرها 3 سنوات

    أما عن الدورية العلمية التي نشرت فيها الدراسة. فقد أوضح سيسيرو أن اسمها الصحيح هو OrtogOnLineMag، وأكد أنها مجلة تقنية علمية تحمل رقم تعريف دولي ISSN 2764-9466. وهي مجلة نشطة نصف سنوية تصدر منذ عام 2020. وقد أطلقت المجلة كجزء من مشروع OrtogOnBlender project. وبالبحث عن المشروع المذكور. وجدنا أنه مرتبط بمنصة (بلندر) التي تتضمن مجموعة من الأدوات المتاحة مجانا. ومفتوحة المصدر لبرامج رسومات الكمبيوتر ثلاثية الأبعاد التي تستخدم لإنشاء أفلام الرسوم المتحركة والمؤثرات البصرية. وأن المشروع يأتي ضمن عملية الترويج للمنصة ولأدواتها.

    ولكن الأكثر إدهاشا أننا وجدنا بأن سيسيرو، هو المحرر العلمي الرئيسي لهذه المجلة، والتي تركز كل إنتاجها تقريبا على إعادة إنتاج المجسمات ثلاثية الأبعاد. كما أنه أحد ملاك الموقع الإلكتروني للمجلة كما يظهر من الشريط المعروض أسفلها عن حقوق الملكية!

    زيارة متحف الحضارة

    سانتوس أقر في تصريحات لـ”باب مصر” أنه ذكر في الدراسة قيامه بتصوير الهيكل داخل (المتحف المصري بالقاهرة) وليس (متحف الحضارة). معترفا أن ذلك كان خطأ غير مقصود وأن مثل هذه الأخطاء تحدث ولكن لم يتمكنا من تصحيحه لأن أخبار الدراسة كانت قد انتشرت بهذه المعلومة غير الدقيقة.

    وأضاف سانتوس أنه قام بزيارة المتحف القومي للحضارة مرتين، الأولى عام 2007 وكان مفتوح جزئيا حيث كان لا يزال في طور الإنشاء. والثانية بعد انتهاء جائحة كوفيد-19، وخلال الزيارة ثانية قام بتصوير الهيكل داخل فاترينة العرض، بعدما تأكد من جودة الإضاءة. وهي الصور التي استخدمها في الدراسة، وعندما سألناه عن مدى دقة النتائج التي يمكن أن تنتجها صورا التقطت بهذا الشكل. قال إن أشخاص آخرين قاموا باتباع النهج ذاته وقاموا بتصوير بعض مقتنيات المتحف داخل الفتارين. وأنتجوا من صورهم نماذج ثلاثية الأبعاد. معتبرا أن النتائج التي حصل عليها من تلك كانت دقيقة. وهو ما أثبتته المقارنة بين التصوير المقطعي للجمجمة وبين المسح التصويري الذي أجراه هو وسيسيرو.

    أما عن الجهة العلمية التي يتبعها، فقد أكد أنه يعمل منذ قرابة 20 عاما أستاذا في مركز جامعة كاكمبوس دي أندراد، في كوريتيبا. ويقوم بتدريس علم الآثار والتاريخ القديم. إلا أن المتحف الذي ذكرت التغطية الإخبارية للدراسة أنه يعمل به. فقد أقر أنه متحف صغير جدا ويحتوي على نسخ مقلدة، تم شراء بعضها من مصر.

    واختتم بقوله إن قيامهما بهذه الدراسة تم بشكل مستقل وفردي من قبلهما -أي ليس بتكليف من أي جهة علمية ولا تحت إشرافها- ضمن دراستهما لفهم التطور البشري. وكل ما احتاجوا إليه هو شحن هواتفهما وتشغيل برامج الكمبيوتر، التي كانت جميعها مجانية!

    اقرأ أيضا:

    ظهرت في مسلسل «سره الباتع».. متى عرف المصريون الطماطم؟

  • ظهرت في مسلسل «سره الباتع».. متى عرف المصريون الطماطم؟

    ظهرت في مسلسل «سره الباتع».. متى عرف المصريون الطماطم؟

    سيطرت أحاديث الدقة التاريخية على عدد من المسلسلات التي تعرض حاليا بالموسم الرمضاني، والتي كان لمسلسل “سره الباتع” نصيب الأسد منها. حيث وجهت إليه انتقادات بشأن دقة بعض التفاصيل التاريخية المتعلقة بفترة دخول الحملة العسكرية الفرنسية إلى مصر في أواخر القرن الثامن عشر.

    وكان من أبرز الانتقادات اللافتة التي وجهت إلى المسلسل الذي أخرجه خالد يوسف وكتب له السيناريو والحوار عن قصة للكاتب الكبير يوسف إدريس. هي ظهور ثمار الطماطم على موائد المصريين في أحد مشاهد المسلسل. حيث علق كثير من مستخدمي الشبكات الاجتماعية على هذا المشهد بالقول إن مصر لم تكن تعرف هذه الثمرة في زمن الحملة الفرنسية!

    ولكن المدهش بحق، هو تباين التواريخ التي افترضها منتقدو المسلسل بشأن تاريخ دخولها إلى مصر. فقد أشار البعض إلى أن مصر لم تعرف الطماطم إلا منذ قرابة 100 عام وبالتحديد بعد الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م). وقال آخرون بأنها زرعت في مصر مطلع القرن العشرين، بينما كان أقصى تاريخ وصلت إليه هذه الآراء هو القول بأن المصريين أكلوا الطماطم في نهاية القرن التاسع عشر.

    وبرغم الثقة التي أبداها أصحاب هذه الآراء في التواريخ التي استندوا إليها. إلا أن مسألة تحديد التاريخ الدقيق لدخول الطماطم إلى مصر، تبدو فعليا أعقد من ذلك بكثير، كونها مسألة يحيط بها الكثير من الغموض. وهو ما حاولنا بحثه في التقرير التالي، الذي يسعى للإجابة على سؤال: متى عرف المصريون الطماطم؟ متتبعين في ذلك تاريخ ظهورها عالميا وانتشارها في عدد من الدول، قبل أن تصل إلى وادي النيل، وتحتل هذه المكانة الاستثنائية على موائدنا. مع التأكيد على أن غرضنا من ذلك ليس الدفاع عن المسلسل، ولكن الوصول إلى معلومة تاريخية دقيقة.

    انتقد البعض ظهور الطماطم في مشاهد مسلسل "سره الباتع" لاعتقادهم أن المصريين لم يعرفوها في زمن الحملة الفرنسية
    انتقد البعض ظهور الطماطم في مشاهد مسلسل “سره الباتع” لاعتقادهم أن المصريين لم يعرفوها في زمن الحملة الفرنسية
    ثمار برية في جبال الإنديز 

    تقول الموسوعة البريطانية، إن ثمار الطماطم تعد من فصيلة “الباذنجانيات”، وتزرع على نطاق واسع بمختلف دول العالم كونها صالحة للأكل. حيث تؤكل عادة نيئة في السلطات أو تقدم كخضروات مطبوخة، وتعد مصدرا جيدا لفيتامين (C).

    وتشير مختلف الدراسات إلى أن الطماطم ظهرت لأول مرة في أمريكا الوسطى والجنوبية، وبالتحديد في المنطقة التي تعرف حاليا بدولة بيرو. حيث عثر الباحثون على الطماطم البرية -أي التي لم تزرع عن عمد- في جبال الإنديز. وبحلول عام 700 ميلاديا كان سكان حضارة الأزتك يأكلونها بكثرة، وقد اكتسبت اسمها الذي تعرف به حاليا في الإنجليزية، من الاسم الذي أطلقوه عليها بلغتهم “الناواتل”. حيث كانوا يسمونها “Tomatl”، والذي تطور لاحقا وأصبح “Tomato”.

    وفي الوقت الذي وصل فيه الغزاة الأوروبيون إلى أمريكا الوسطى والجنوبية بحلول القرن الخامس عشر. كانت تزرع على نطاق واسع هناك، وعن طريق الغزاة الإسبان العائدين من البعثات الاستكشافية في المكسيك وأجزاء أخرى من أمريكا الوسطى. انتقلت إلى جنوب أوروبا في أوائل القرن السادس عشر.

    كان الإسبان والإيطاليون هم أول من استخدموا ثمار الطماطم كغذاء في أوروبا. أما في فرنسا وشمال القارة، فقد تمت زراعة الطماطم لاستخدامها في الزينة فقط. حيث كان يخشى كثير من الأرستقراطيين من تناولها لاعتقادهم أنها سامة وتؤدي إلى الوفاة. وهو السبب الذي أخر زراعتها في بريطانيا حتى تسعينيات القرن التاسع عشر. ومع ظهور البيتزا في نابولي حوالي عام 1880، انتشرت على نطاق واسع في القارة العجوز، وباتت حاضرة بشكل دائم على موائد الأوروبيين.

    أعد علماء الحملة الفرنسية قائمة بالنباتات المزروعة في مصر ومن بينها الطماطم
    أعد علماء الحملة الفرنسية قائمة بالنباتات المزروعة في مصر ومن بينها الطماطم
    ثمار سيئة السمعة!

    بالرغم من أن الظهور الأول للطماطم كان في الجارة الجنوبية لأمريكا الشمالية. إلا أنها وصلت إلى الولايات المتحدة وكندا قادمة من أوروبا وليس المكسيك. بعدما تعرفت عليها أمريكا عن طريق المستكشفين الذين بدأوا زراعتها في عدد من الولايات.

    وقد عانت الطماطم في بداية زراعتها بأمريكا من سمعة سيئة. حيث كان يصعب على كثير من الأمريكيين التفرقة بينها وبين نباتات أخرى من نفس الفصيلة (الباذنجانية) شديدة السمية. بالرغم من أن الفصيلة ذاتها تضم الكثير من النباتات التي نستخدمها اليوم ضمن طعامنا، مثل البطاطس والفلفل الحار والباذنجان.

    ولكن في النهاية، نجحت الطماطم في فرض نفسها كغذاء على الأمريكيين. ويقول البعض إن الفضل في ذلك يرجع إلى “توماس جيفرسون” -الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية- الذي قام بزراعتها في مدينة مونتايسلو بولاية آيوا عام 1781. وقامت بناته وحفيداته باستخدامها في الكثير من الوصفات بما في ذلك حساء البامية. كما قامت نساء جيفرسون أيضا بتخليلها، وكن سببا رئيسيا في الترويج لها في الطهي.

    وخلال القرن التاسع عشر، حققت الطماطم تقدما ثابتا بين الأمريكيين. وبحلول سبعينيات وثمانينيات القرن ذاته، كانت هناك عدة أنواع معروفة في أمريكا. وبنهاية القرن، تأكدت مكانتها في المطبخ الأمريكي.

    اعتقد الأوروبيون لسنوات أن الطماطم سامة وتسبب الوفاة
    اعتقد الأوروبيون لسنوات أن الطماطم سامة وتسبب الوفاة
    فاكهة أم خضار؟ 

    من أشهر المسائل المنتشرة حول الطماطم، هو الخلاف حول تصنيفها فاكهة أم خضار، وهو خلاف قد يظن البعض أنه غير ذي تأثير. فما الذي سيتغير في طعم الطماطم سواء تناولتها باعتبارها فاكهة أو تناولتها باعتبارها خضار؟ إلا أن الأمر كان أعقد من ذلك في الماضي.

    ففي عام 1887 فرضت قوانين التعريفة الجمركية في أمريكا الشمالية رسوما بنسبة 10% على الخضروات المستوردة. في الوقت الذي لم تفرض فيه أي رسوم على الفاكهة، ولأن الحكومة الأمريكية كانت تعتبر الطماطم خضارا. فقد فرضت عليها الرسوم المقررة.

    إلا أن أحد كبار مستورديها في أمريكا، ويدعى “جون نيكس” قام بمقاضاة سلطات الجمارك في ميناء نيويورك مطالبا إعفاءها من الجمارك لكونها فاكهة. إلا أن المحكمة العليا الأمريكية قضت في عام 1893 بأن الطماطم خضار، وبالتالي تخضع للتعريفة الجمركية، وكانت حجة المحكمة في ذلك. هو طريقة تعامل الجمهور معها، حيث كانوا يعاملونها كما يعامل الخيار والكوسة والبازلاء، ويتناولونها مطبوخة في كثير من الأحيان.

    وبالرغم من النظرة الحكومية للطماطم في بعض البلدان بوصفها خضار للاعتبارات السابقة وغيرها. إلا أن المجتمعات العلمية تميل لاعتبارها فاكهة، لكونها في الأصل ثمار حلوة تؤكل نيئة.

    الإسبان والإيطاليون أول من استخدم الطماطم كطعام في أوروبا
    الإسبان والإيطاليون أول من استخدم الطماطم كطعام في أوروبا
    الطماطم المصرية

    بحسب إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة، فقد بلغ الإنتاج العالمي من الطماطم عام 2021، قرابة 189 مليون طن. وقد جاءت مصر في الترتيب السادس عالميا في الإنتاج بهذا العام بـ6.24 مليون طن، بعد كل من الصين والهند والاتحاد الأوروبي وتركيا وأمريكا على الترتيب. فيما بلغ متوسط مساحة الأراضي المصرية المزروعة بالطماطم في عام 2019، قرابة 185 ألف فدان بحسب وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية.

    ولكن بالرغم من المرتبة المتقدمة التي تحتلها مصر عالميا في إنتاج الطماطم حاليا. إلا أن تاريخ دخول هذه الثمار إلى مصر، لايزال يحيط به الكثير من الغموض.

    فالراجح أن المصريين القدماء لم يعرفوا الطماطم ولم يتناولونها ولم يزرعوها. حيث تقول الباحثة منة الله الدوري، المتخصصة في التحليل الآثاري، وتدرس الطريقة التي كان يعد الناس بها طعامهم في مصر القديمة. إن هناك بعض الفواكه والخضروات التي يعرفها المصريون حاليا، لم تكن معروفة لدى المصريين القدماء ولم تزرع في مصر القديمة. وأضافت في تصريحات سابقة لها أن من بين هذه النباتات الفلفل والبرتقال والمانجو والطماطم والبطاطس والذرة والأرز والباذنجان، التي وصلت إلى مصر في عصور لاحقة.

    كما لم يشر مؤرخو مصر في العصر الإسلامي إلى أن المصريين كانوا يتناولون هذا النوع من الثمار، وبالرغم من أن هناك كلمات كثيرة في اللغة العربية قريبة في النطق من كلمة “طماطم” التي نعرفها اليوم. إلا أيا من هذه الكلمات لم يكن يطلق على أي نوع من أنواع النباتات أو الخضروات.

    فبحسب معجم “تاج العروس” للزبيدي، نجد كلمات مثل “الطَّمْطَمَةُ” ويقصد بها العجمة. أي الكلام غير العربي، ويقال رجل “طُمَاطِمٌ” بمعنى أنه أعجمي لا يجيد الحديث باللغة العربية. وهناك أيضا كلمة “الطِّمْطِمُ” وهي نوع من أنواع “الضأن” -الماعز- كان يعيش باليمن، كما أن كلمة “قوطة” -التي تطلق في بعض الأحيان على الطماطم- لم تكن تستخدم في تلك الفترة في أي معنى قريب.

    فما هي أقدم إشارة على وجود الطماطم في مصر؟

    شرح قصيدة أبي شادوف!

    تقول الباحثة الأمريكية آن ماري جول، في دراسة لها عن استخدامات وتأثيرات صلصله الطماطم المصرية المعروفة في اللغة العامية باسم “التسبيكة”، إن أقدم إشارة مكتوبة متعلقة بثمار الطماطم في مصر، عثر عليها في كتاب ساخر بالعامية المصرية كتب في ثمانينات القرن السادس عشر.

    والكتاب الذي تشير إليه جول، هو كتاب “هز القحوف بشرح قصيدة أبي شادوف”، للكاتب والشاعر المصري يوسف بن محمد الشربيني. وهو عبارة عن تناول ساخر لاذع ينتقد فيه الشربيني عادات سكان الريف المصري في عصره.

    وقد أشار الشربيني -الذي عاش في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر- في كتابه إلى الطماطم مرتين، بلفظ “القوطة”. إلا أن جول تؤكد بأن هذا ليس دليلا قاطعا على أن الطماطم كانت منتشرة في مصر خلال تلك الفترة. وذلك لأن كلمة “قوطة”، كانت تستخدم في العامية المصرية في تلك الفترة أيضا للإشارة إلى نبات عشبي آخر صالح للأكل، يعرف علميا باسم “الحدق الأثيوبي”، وهو نبات شبيه بالطماطم شكلا ولونا، وموطنه الأصلي إفريقيا.

    لذا ترجح الباحثة أن الطماطم كانت معروفة في مصر خلال القرن السابع عشر، لكنها لم تكن على الأرجح طعاما شائعا حتى ذلك التاريخ.

    كتاب "هز القحوف" ليوسف ابن محمد الشربيني تضمن أول إشارة على وجود الطماطم في مصر خلال القرن السابع عشر
    كتاب “هز القحوف” ليوسف ابن محمد الشربيني تضمن أول إشارة على وجود الطماطم في مصر خلال القرن السابع عشر
    علماء الحلمة الفرنسية 

    فيما يظل أوضح دليل على معرفة المصريين بالطماطم، هي قائمة النباتات التي كتبها عالم النبات الفرنسي أليررافينو ديليل، الذي كان واحدا من العلماء الذين رافقوا الحملة الفرنسية العسكرية على مصر (1798-1801م). وهي القائمة التي ضمنها أسماء كافة النباتات المزروعة في مصر، باللغتين اللاتينية والعربية.

    فقد عثرنا في الجزء 32 الخاص بالنبات من كتاب “وصف مصر” -طبعة مكتبة الأسرة- على قائمة “نباتات مصر المرسومة” التي أعدها ديليل. والتي أورد فيها بشكل واضح اسم ثمار الطماطم من بين المزروعات التي كانت تزرع في مصر خلال تلك الفترة. حيث حملت الطماطم رقم 249 في القائمة، وقد أشار إليها ديليل باسميها العلمي “سولانوم ليكوبيرسيكوم” والعربي “طماطم”، وذلك ضمن الرتبة الخامسة من القائمة.

    مع العلم الجزء السابق من كتاب “وصف مصر” نشر لأول مرة عام 1813 في باريس، كنتيجة للبحوث والدراسات التي قام بها ديليل وزملاؤه من علماء النبات الذين رافقوا الحملة. ما يعني أن الطماطم كانت معروفة للمجتمع المصري بشكل واضح من قبل قدوم الحملة الفرنسية!

    عالم النبات الفرنسي "رافينيو ديليل"صاحب قائمة "نباتات مصر المرسومة"
    عالم النبات الفرنسي “رافينيو ديليل”صاحب قائمة “نباتات مصر المرسومة”
    عادات المصريين المحدثين

    ولكن بالرغم من وجود هذا الدليل على معرفة المصريين بالطماطم في زمن الحملة الفرنسية. إلا أننا نرجح بأن الطماطم لم تكن حاضرة بقوة على موائد المصريين في تلك الفترة. كما هي حاليا، والسبب يرجع في ذلك إلى ما كتبه المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين.

    فبالبحث في كتابه “عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم”، الذي يرصد حياة المصريين خلال الفترة ما بين 1832 و1835 -في ظل حكم محمد علي باشا- وجدنا أن لين ذكر طبيعة طعام المصريين وما كانوا يتناولونه خلال الوجبات الثلاثة. الإفطار والغداء والعشاء بشيء من التفصيل، ووصفات ذلك الطعام وما كان يحتويه من خضروات أو لحوم وخلافه. وفي بعض الأحيان ذكر طرق تحضير الطعام، إلا أنه لم يشر إلى أن المصريين كانوا يأكلون الطماطم في هذا الوقت. بالرغم من إشارته إلى أنهم كانوا يأكلون البصل والبامية والثوم والبقدونس والكرنب والسبانخ والحمص والعدس وغيرها من المزروعات.

    أي أنه، حتى بعد مرور قرابة 30 عام على الحملة الفرنسية وصدور قائمة نباتات مصر، إلا أنه ظلت للطماطم مكانة محدودة بين الطعام المصري. قياسا على غيرها من المزروعات التي كانت بمثابة عنصر أساسي في مختلف الوجبات. مثل البصل على سبيل المثال، ولم تتطور هذه المكانة. وتبدأ في الظهور بالشكل الذي نعرفه اليوم، إلا في منتصف القرن التاسع عشر، بفعل التأثير العثماني -التركي- على أكلات المصريين.

    ظهرت الطماطم لأول مرة في أمريكا الجنوبية والوسطى ونقلها الغزاة الإسبان إلى أوروبا
    ظهرت الطماطم لأول مرة في أمريكا الجنوبية والوسطى ونقلها الغزاة الإسبان إلى أوروبا
    تأثير المطبخ العثماني 

    وهو ما تؤكده الباحثة آن ماري جول، في دراستها التي أشرنا إليها سابقا. حيث تقول إن أكلات المطبخ العثماني هيمنت على ثقافة الطهي المصرية في عصر أسرة محمد علي، وهي التي ساعدت الطماطم على الدخول إلى كثير من أكلات المصريين التي عرفوها عن طريق العثمانيين. مشيرة إلى أن الطماطم انضمت إلى كتب الطهي العثمانية في عام 1844. حيث ظهرت في أحد الكتب الذي ترجم لاحقا إلى العربية على يد المترجم المصري محمد أفندي صدقي عام 1878، وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مرة في مصر، كان آخرها تقريبا في عام 1915.

    وتضيف أنه في العقود الأولى من القرن العشرين، أصبحت الطماطم شائعة بشكل متزايد في مصر. وذلك على الرغم من أن أغلب الإنتاج الزراعي المصري من الطماطم كان يتم تصديره. وفي الستينيات أصبحت مصر واحدة من أكبر عشرة منتجين للطماطم في العالم. وبحلول نهاية القرن العشرين، تغيرت مكانة الطماطم في مصر بشكل جذري. حيث تجاوز إنتاج الطماطم المصرية 6 ملايين طن لأول مرة عام 1999. بعد أن تضاعف أكثر من سبعة أضعاف في العقود الأربعة السابقة على ذلك التاريخ. كما أصبحت الطماطم من بين المحاصيل العشرة الأولى في بلاد النيل.

    الخلاصة أن المصريين عرفوا الطماطم في وقت ما خلال القرن السابع عشر على الأقل، وربما قبل ذلك أيضا. حيث لا نستبعد أن تكون قد وصلت إلى مصر عن طريق التجار أو الرحالة الأوروبيون. أي أن دخولها إلى مصر كان في وقت أبكر من كل التواريخ التي أشار إليها منتقدو مسلسل “سره الباتع”. إلا أنها لم تنتشر وتدخل في أكلات المصريين بكثافة إلا في وقت ما من منتصف القرن التاسع عشر. لتواصل حضورها الطاغي على المطبخ المصري حتى اليوم.

    اقرأ أيضا

    مقياس الترعة السوهاجية.. أحدث مقاييس النيل المكتشفة في مصر

  • مقياس الترعة السوهاجية.. أحدث مقاييس النيل المكتشفة في مصر

    مقياس الترعة السوهاجية.. أحدث مقاييس النيل المكتشفة في مصر

    ارتبطت حياة المصريين عبر تاريخهم الطويل، بنهر النيل، شريان الحياة الذي كان له الفضل في ظهور حضارة عريقة على ضفافه. حضارة لم يكن لها أن تقام وتمتد لآلاف السنين، لو لم يتمكن المصري من ضبط النيل ومتابعة قياسه ومستوى فيضانه، عبر أكثر من 90 مقياس للنيل توزعت على طول النهر.

    وقد كان أحدث مقياس يكتشف في هذه السلسلة الطويلة من المقاييس التي أقيمت بمختلف العصور، هو مقياس قناطر الترعة السوهاجية، الذي اكتشف في نهاية عام 2020م. وظل تاريخه غامضا وتفاصيله غير محددة، حتى قام الباحثان د. عبدالرحيم خلف من كلية الآداب بجامعة حلوان، ود. محمد علي سلام من وزارة الآثار المصرية، بنشر دراسة لهما يكشفان فيها قصة هذا المقياس وطرازه وعصره وعناصره المميزة.

    قياس النيل سرا!

    تقول الدراسة التي حملت عنوان “اكتشاف مقياس أثري جديد للنيل لم يسبق نشره بقناطر الترعة السوهاجية”، ونشرت بالعدد الأخير لمجلة كلية الآثار بجامعة القاهرة، إن مقاييس النيل شكلت أهمية كبيرة في حياة المصريين، خاصة من الناحية الاقتصادية. فقد كان المقياس هو وسيلتهم الرئيسية لمعرفة منسوب ارتفاع الفيضان، وبالتالي معرفة ما إذا كانت أراضيهم ستروى جيدا أو بإفراط أو ريا ناقصا أم أن هناك جفافا يلوح في الأفق.

    وقد كان الشكل البدائي لاختراع مقياس النيل، عبارة عن صخرة مثبتة في مكان مناسب على جانب نهر النيل. عليها علامات تبين ارتفاع معدل المياه، ومع الوقت تطورت أشكال وعناصر مقاييس النيل حتى تعطي قياسات أدق.

    مقياس النيل بمنيل الروضة، أحد المقاييس الكثيرة التي أنشئت على طول نهر النيل، والتي تعدت 90 مقياسا
    مقياس النيل بمنيل الروضة، أحد المقاييس الكثيرة التي أنشئت على طول نهر النيل، والتي تعدت 90 مقياسا

    وتضيف الدراسة أنه خلال العصر الإسلامي بمصر، كانت مقاييس النيل إذا سجلت ارتفاع المياه إلى 16 ذارعا، فقد كان هذا يعني أن النيل سيفي بكميات المياه المطلوبة لري الأراضي. ما يعني أن الخراج سيكون كافيا لسد احتياجات الدولة. أما إذا كان ارتفاع المياه أقل من 16 ذراعا، فقد كانت هذه علامة على قدوم الجفاف وتعرض البلاد لأزمات اقتصادية خانقة. ومن ثم تتهيأ الدولة لأخذ الاحتياطات اللازمة حتى لا ترتفع الأسعار ويعم الغلاء. وهو ما كان سببا في كثير من الأحيان لأن تكون قراءة مقياس النيل سرية لا يعلم بها أحد.

    ومن أشهر مقاييس النيل في مصر، مقياس جزيرة إلفنتين بأسوان، ومقياس إدفو الواقع بالقرب من معبد حورس غرب النيل. ومقياس منف الذي كان بمثابة المقياس الرسمي للبلاد في العصر القبطي. إضافة إلى عدد من المقاييس في الدلتا، بخلاف مقياس جزيرة الروضة الذي بني في عام 247هـ.

    عمليات إزالة المخلفات من حول القناطر والتي ساهمت في اكتشاف مقياس جديد للنيل
    عمليات إزالة المخلفات من حول القناطر والتي ساهمت في اكتشاف مقياس جديد للنيل
    أثر تحت الركام!

    يعد المقياس الجديد المكتشف مؤخرا، جزءا من قناطر الترعة السوهاجية الواقعة بحي غرب مدينة سوهاج. والقناطر أثر يرجع تاريخه إلى عهد الخديوي إسماعيل الذي أمر ببنائها بين عامي 1874م و1875م على فم الترعة السوهاجية. وتضم 19 عينا بالإضافة إلى هويس يسمح بمرور المراكب.

    وبحسب تقارير صحفية ترجع إلى عام 2017، فقد عانت القناطر التي أدرجت ضمن المناطق الأثرية في عام 2002، إهمالا شديدا. حيث لم يمنع كونها من نوادر المنشآت المائية التاريخية بمحافظة سوهاج من أن تتحول إلى مرتع للقمامة ومخلفات البناء. وأن يحتل جزءا منها مستودع لأنابيب البوتاجاز، ويتعدى عليها مركز شباب تابع لوزارة الشباب والرياضة.

    وبالرغم من استجابة المحافظة لنداءات الأهالي والصحافة بضرورة إنقاذ القناطر الأثرية في مطلع عام 2018. وتوجيهها بالبدء في إزالة الأتربة والمخلفات والتعديات الموجودة على هويس القناطر. إلا أن الإهمال ظل مستمرا حيث تأخرت عمليات تطوير المنطقة وتحويلها إلى مزار وإنشاء حديقة عامة بها.

    إضافة إلى ذلك، وبحسب صحيفة الأهرام، فقد تراجع مركز شباب الري. وهو أحد المباني المتعدية على حرم القناطر، عن وعده بالمشاركة في تطوير المنطقة وإيجاد صيغة فنية لمعالجة المخالفة وعدم تأثيرها على القناطر مقابل عدم إزالة مبنى النادي. ولازال الوضع معلقا حتى الآن، وهو ما يهدد بتجدد معاناة الأثر ويفتح الباب أمام توسع التعديات عليه. ما يستدعي تدخلا عاجلا من وزارة السياحة والآثار لاستكمال عملية إنقاذ قناطر الترعة السوهاجية.

    قناطر الترعة السوهاجية عقب إزالة المخلفات من حولها، في انتظار التطوير
    قناطر الترعة السوهاجية عقب إزالة المخلفات من حولها، في انتظار التطوير
    أحدث المقاييس المكتشفة

    تقول الدراسة إنه تم الكشف عن مقياس النيل بقناطر الترعة السوهاجية على يد د. محمد علي سلام وفريق عمله التابع لوزارة السياحة والآثار في ديسمبر عام 2020م. أثناء عملية رفع المخلفات عن القناطر وتنظيف عيونها.

    والأثر المكتشف عبارة عن مقياس رخامي مدرج مقسم إلى 6 أجزاء مرقمة. تقوم بتقدير ارتفاع المياه، وبالتالي تحديد إغلاق أو فتح عيون القناطر حسب الحاجة. وهو مبني على طراز المقاييس التي تعود إلى العصر البطلمي والروماني، وهو شبيه بمقياس النيل بجزيرة إلفنتين.

    وقد اشتمل المقياس على “بقجة” أو “بؤجة”، والتي كان يطلق عليها مهندسو الري اسم “منسوب الثابت”. وهي عبارة عن بلاطة رخامية مربعة، ملاصقة لطرف المقياس من أعلى. تحدد ارتفاع مكان المقياس عن مستوى سطح البحر الأبيض المتوسط. وقد سجل على هذه البلاطة رقم 62، ما يعني أنها ترتفع عن سطح البحر الأبيض بـ62 سنتيمتر.

    تصميم لمشروع تطوير قناطر الترعة السوهاجية والمنطقة المحيطة بها، والذي لم يتم الانتهاء منه حتى الآن
    تصميم لمشروع تطوير قناطر الترعة السوهاجية والمنطقة المحيطة بها، والذي لم يتم الانتهاء منه حتى الآن
    اهتمام لن ينتهي

    ويشير الباحثان إلى أن العثور على المقياس في محافظة سوهاج، يؤكد على انتشار المقاييس على طول نهر النيل من شماله إلى جنوبه. كما يدل وجود “البقجة” ضمن المقياس على تمكن المهندسين في القرن التاسع عشر من معرفة ارتفاع مستوى سطح البحر في كل المراكز والمحافظات المصرية.

    ويختتمان بقولهما إن استمرار اكتشاف مقاييس النيل يؤكد اهتمام المصريين بالنيل وفيضانه على مر العصور. وهو الاهتمام الذي استمر إلى عصر أسرة محمد علي، والمتواصل حتى الآن، ولن ينتهي في المستقبل.

    اقرأ أيضا

    لغز الأثر رقم 440 بمتحف النوبة.. هل أخطأنا في حساب عمر الأهرامات؟

  • لغز الأثر رقم 440 بمتحف النوبة.. هل أخطأنا في حساب عمر الأهرامات؟

    لغز الأثر رقم 440 بمتحف النوبة.. هل أخطأنا في حساب عمر الأهرامات؟

    في أحد أركان متحف النوبة الواقع بقلب محافظة أسوان، وضمن مجموعة آثار ما قبل التاريخ، وضعت في صندوق زجاجي ملاصق للجدار. قد يمر البعض أمامها ولا ينتبه إلى أهميتها. إلا أن آخرين يقطعون مصر من شمالها إلى جنوبها، بحثا عنها ورغبة في فحصها وفهم نقوشها الغامضة، التي تثير الجدل.

    يعد الأثر رقم 440 بمتحف النوبة -وهو عبارة عن بيضة نعامة منقوشة ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات، وبالتحديد إلى حضارة نقادة (4000 ق.م – 3000 ق.م)- أحد أشهر القطع الفريدة داخل المتحف. حيث يسهل أن تعثر على مئات التقارير بمختلف اللغات على الإنترنت، التي تتحدث عن تلك البيضة وتحاول تفسيرها. وذلك كله يرجع إلى نقش مثير للاهتمام على أحد وجهيها، يجسد ثلاثة أشكال هرمية وإلى جوارها شكل متعرج غير محدد الملامح.

    الأثر 440

    فعلى الرغم من بساطة هذا الأثر، وبدائية الرسوم المنقوشة عليه، إلا أنه يثير معضلة تاريخية. حيث يعتقد البعض بأن تلك الرسوم تجسد أهرامات الجيزة وبجانبها نهر النيل. وهي شبيهة للغاية بشكل الأهرامات والنيل الذي يرسمه الأطفال الصغار في المدارس حاليا. إلا أن هذا الاعتقاد يتعارض صراحة مع المتعارف عليه حول عمر الأهرامات. كون البيضة أقدم من أهرامات الجيزة بمئات السنين!

    وهو ما يستدعي سؤالا بديهيا: كيف عرف المصريون في عصر ما قبل الأسرات بشأن أهرامات الجيزة التي ستبنى لاحقا في عصر الأسرة الرابعة؟

    الإجابة على السؤال السابق، تدعونا للبحث وراء تاريخ هذا الأثر الغامض، والتعرف على مكان وظروف العثور عليه وكيف تم تحديد عمره. وأيضا البحث في تاريخ طيور النعام بمصر القديمة واستخدام المصريين لها. والتعرف على الآراء المختلفة التي قيلت بشأن هذا الأثر. حتى نصل في النهاية إلى تفسير مقنع نستطيع من خلاله فهم هذا النقش المثير للجدل.

    لوحة من حجر الشست تعرف باسم "لوحة مانشستر"، تعود إلى حضارة نقادة الثانية، وتصور رجلا وثلاث نعامات طوال، متحف مانشستر بإنجلترا.
    لوحة من حجر الشست تعرف باسم “لوحة مانشستر”، تعود إلى حضارة نقادة الثانية، وتصور رجلا وثلاث نعامات طوال، متحف مانشستر بإنجلترا.
    تاريخ النعام في مصر

    تقول الدكتورة دينا عز الدين، أستاذ علم المصريات بجامعة الإسكندرية: “النعام كان من أوائل الطيور التي ظهرت أدلة مصورة على وجودها في مصر القديمة. حيث سجل المصري القديم ممارسته لصيد النعام من خلال الرسوم الصخرية الموجودة بطول منحدرات نهر النيل وفي صحاري صعيد مصر والنوبة السفلى”.

    وتضيف في دراسة لها بعنوان “بيض النعام في مصر ما قبل الأسرات”، أن المصري القديم كان يصطاد طيور النعام بسبب ريشها ولحومها وبيضها. حيث كان المصريون يستخدمون الريش بشكل أساسي في الزينة. بينما كان لحم النعام أحد مصادر الطعام فقد كان لحم طائر واحد يكفي لإطعام عدة صيادين. أما بيض النعام فقد كان مكملا غذائيا يوفر كميات كبيرة من البروتين.

    ويوضح الباحث في علم الحيوان، نيكولاس مانليوس، في بحث له بعنوان “النعام في مصر: الماضي والحاضر”، أن طيور النعام كانت وفيرة ومنتشرة في مصر على نطاق واسع في الماضي. إلا أنها كانت تشهد انخفاضا مستمرا في أعدادها، بسبب التغيرات المناخية التي أثرت على البيئة المساعدة على عيش النعام. وانحسار الغطاء النباتي الذي كانت تتغذى عليه، بالإضافة إلى الصيد المكثف من قبل البشر.

    ومن المعلومات اللافتة التي يكشف عنها مانليوس، أنه في حوالي عام 1880، أنشئت مزرعة للنعام في منطقة المطرية بالقاهرة، كادت تستعيد الحضور القوي للنعام في مصر. حتى أنها احتوت على قرابة 1400 طائر بحلول عام 1895. وكان الهدف من إنشائها هو الحصول على ريش النعام لاستخدامه في الأزياء والملابس والمراوح. إلا أنها أغلقت في عام 1913، بعدما بطلت موضة ارتداء ريش النعام، ليواصل النعام انحساره عن الأرض التي عاش عليها آلاف السنين.

    النقوش على وجهي بيضة النعامة كما نشرت في تقرير المستكشف سيسيل مالابي فيرث عام 1909.
    النقوش على وجهي بيضة النعامة كما نشرت في تقرير المستكشف سيسيل مالابي فيرث عام 1909.
    بيض النعام.. أواني وحلي

    أما عن بيض النعام بالتحديد، فتقول عزالدين في دراستها، إن قشر بيض النعام يتمتع بأهمية أثرية كبيرة. حيث يعتبر من بين أقدم القطع الأثرية التي ترجع إلى مصر القديمة. كما أنه قابل للخضوع لتحليل “الكربون المشع”، وهو عملية تساعد الباحثين في معرفة أعمار القطع الأثرية بدقة. وبالتالي يساهم بدور هام في عملية التأريخ الأثري.

    وتضيف أن المصري القديم كان يستخدم قشر بيض النعام بطرق مختلفة بعدما يقوم بتفريغه. ويستخدمه إما كحاويات للسوائل مثل الماء والحليب، بالرغم من أنه كان أضعف من الفخار، أو يقوم بتقطيع القشر إلى حبيبات دائرية وأقراص لعمل الخرز والتمائم والحلي.

    وفي حالة الاستخدام كحاوية، كان كثيرا ما يتم نقش بعض الزخارف على القشرة الخارجية للبيض، مثل الزخارف الزهرية والخطوط الهندسية أو الأشكال الحيوانية والبشرية. حيث كان يصل طول البيضة الواحدة إلى 15 سم وقطرها 13 سم، وقد يصل سمك قشرتها إلى 3.5 ملم، في حين قد يبلغ وزن قشر البيضة حوالي 1.5 كيلو جرام.

    ويشير مانليوس إلى أن شظايا قشر بيض النعام شائعة جدا في المواقع التي ترجع إلى العصر الحجري القديم ومواقع ما قبل التاريخ في مصر. وذلك على طول نهر النيل، بينما من النادر العثور على الطائر نفسه في تلك المناطق.

    بيضة متحف النوبة، حيث تظهر عليها الأشكال الهرمية وإلى جوارها خط متعرج غير محدد الملامح.
    بيضة متحف النوبة، حيث تظهر عليها الأشكال الهرمية وإلى جوارها خط متعرج غير محدد الملامح.
    جبانات الدكة بأسوان

    ذكر الدكتور سليم حسن في موسوعة مصر القديمة، عند حديثه عن عصر ما قبل التاريخ في بلاد النوبة السفلى، أن جبانات منطقة الدكة أرقام (101، 102، و103)، كانت تحتوي على أكثر من 600 مقبرة. وتعد من أعظم المدافن النوبية من عهد ما قبل التاريخ حتى العهد النوبي المتوسط. وقد كانت أقدم مقابر هذه الجبانة تقع في مستعمرة عتيقة في الجنوب، وتمتد منها الجبانة نحو الشمال.

    ويضيف أن هذه الجبانات احتوت على مقابر صغيرة مسطحة، حيث كان يوضع فيها جسد المتوفى في وضع مضطجع ومقرفص على جانبه الأيسر. بينما رأسه يتجه نحو الجنوب، وفي العادة يغطى جسم المتوفى بحصير أو جلد حيوان.

    وكان من أبرز ما يميز طريقة الدفن في هذه المقابر، هو احتوائها على بعض الأثاث الذي كان يستخدمه المتوفى في حياته. مثل الأواني الفخارية والسكاكين والحراب ورؤوس السهام.

    وفي إحدى هذه المقابر، وبالتحديد في المقبرة رقم 96 بالجبانة 102 بمنطقة الدكة في النوبة السفلى، عثر المستكشف الإنجليزي سيسيل مالابي فيرث، أثناء قيامه بالتنقيب، على قشر بيضة النعامة التي ستصبح لاحقا الأثر رقم 440 المعروض متحف النوبة في أسوان.

    الجبانة رقم 102 بمنطقة الدكة في النوبة السفلى بأسوان، التي عثر فيها على بيضة متحف النوبة
    الجبانة رقم 102 بمنطقة الدكة في النوبة السفلى بأسوان، التي عثر فيها على بيضة متحف النوبة
    محتويات المقبرة رقم 96

    كشف فيرث في تقريره عن موسم تنقيب 1909 – 1910 الخاص بالمسح الأثري في منطقة النوبة. العثور على تلك البيضة في المقبرة رقم 96 بمنطقة جبانات الدكة في النوبة السفلى. يقول إن تلك المقبرة كانت من بين المقابر القليلة الموجودة في الجبانة رقم 102. التي ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات المتأخر. أي أنها ترجع إلى الفترة ما بين عصر ما قبل الأسرات، وعصر الأسرات المبكر. ما يعني أن عمر محتويات المقبرة ومن بينها بيضة النعامة، لا يقل عن 6500 سنة.

    ويوضح فيرث أن المقبرة كانت بيضاوية الشكل، ومساحتها 110 × 70 سم، وبعمق 115 سم. وقد خصصت لدفن جثمان طفل، وضع داخلها في وضع القرفصاء على جانبه الأيسر، ورأسه تجاه الجنوب الغربي.

    وقد عثر المستكشف الإنجليزي داخل المقبرة، على 12 قطعة أثرية، أغلبها أواني وأدوات وخرز وتمائم. بالإضافة إلى قشر بيضة النعام المنقوشة، التي ظهرت عليها المثلثات الثلاث.

    وعن النقوش الموجودة على تلك البيضة. تقول الدكتورة دينا عز الدين في دراستها، إن البيضة نحت عليها من الخارج تصاميم حيوانية وهندسية، من بينها شكل حيوان مجهول الهوية، رجحت أن يكون زرافة. إضافة إلى نقش قالت أنه “مثير للاهتمام” لثلاث مثلثات، حيث تتقاطع أجسام الحيوانات والمثلثات مع عدد من الخطوط. كما أن الثقب الموجود أعلى البيضة له شكل فريد محفور حوله.

    وبفحص الصور التي تمكنا من التقاطها للبيضة في متحف النوبة، والصور التي أوردها فيرث للبيضة في تقريره. يظهر أن للبيضة وجهان، الأول يتضمن ثلاثة أشكال هرمية متلاصقة وعليها خطوط عرضية، وبجوارها ما يشبه الحيوان أو الطائر. وعلى الوجه الآخر ثلاث أشكال هرمية أخرى لها نفس السمة، وبجوارها نقش متعرج يشبه الثعبان.

    فما الذي أراد أن يرمز له المصري القديم من نقشه لتلك المثلثات، في هذا الوقت المبكر جدا من عمر الحضارة المصرية القديمة؟

    القبر رقم 96 الذي عثر فيه على بيضة متحف النوبة، حسبما نشر في تقرير المستكشف سيسيل مالابي فيرث عام 1909.
    القبر رقم 96 الذي عثر فيه على بيضة متحف النوبة، حسبما نشر في تقرير المستكشف سيسيل مالابي فيرث عام 1909.
    هل هي أهرامات الجيزة؟

    تفسير المثلثات الثلاثة على الأثر رقم 440 بمتحف النوبة، أخذ عدة أشكال واتجاهات، أكثر هذه الاتجاهات شيوعا، والذي يمكن أن تعثر عليه بسهولة منشورا بمئات المواقع الإلكترونية غير المتخصصة على الإنترنت. هو القول بإن تلك المثلثات هي تجسيد لأهرامات الجيزة الثلاثة، أهرامات خوفو وخفرع ومنكاورع!

    ولكن الرأي السابق يصطدم بما هو معروف عن عمر أهرامات الجيزة، من أنها بنيت في الأسرة الرابعة (2600 ق.م – 2500 ق.م). أي أن عمرها قرابة 4500 سنة، بينما بيضة النعامة موضوع التحقيق ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات المتأخر. أي أنها نقشت قبل عام 3200 ق.م (بداية عصر الأسرات) وبالتالي فإنها أقدم بمئات السنين من العمر المعروف للأهرامات! فما معنى ذلك؟!

    الباحث المصري أحمد عدلي، هو واحد ممن يتبنون الرأي السابق، والذي سبق وأشار إليه أكثر من مرة عبر حلقاته التي يبثها في قناته على منصة “يوتيوب”. ويطرح من خلالها نظرية أكبر مفادها أن عمر الحضارة المصرية القديمة أكبر مما نتخيل، وأن كثيرا من آثارها هو أقدم مما نعتقد، وعلى رأسها أهرامات الجيزة وتمثال أبوالهول.

    يقول عدلي لـ”باب مصر” في تفسيره لنقوش بيضة متحف النوبة، إن الأشكال الهرمية المرسومة عليها “تطابق تماما نسق أهرامات الجيزة، خاصة إذا نظرنا إليها من الجهة الجنوبية، فسوف نراها مرتبة من الأكبر للأصغر. كما أن هناك شكلا على البيضة يمثل نهر النيل -الرسم الشبيه بالثعبان- إضافة إلى أن الأشكال الهرمية الثلاثة تحوي خطوطا متوازية تمثل الصفوف أو المداميك الحجرية لأهرامات الجيزة”.

    بيضة متحف النوبة وإلى جوارها رسم جرافيك لأهرامات الجيزة ونهر النيل، كما نشره الباحث أحمد عدلي في أحد حلقاته على "يوتيوب".
    بيضة متحف النوبة وإلى جوارها رسم جرافيك لأهرامات الجيزة ونهر النيل، كما نشره الباحث أحمد عدلي في أحد حلقاته على “يوتيوب”.
    حضارة نقادة

    عدلي اعتبر في حديثه أن كل هذا لا يمكن أن يكون مجرد “صدفة”، مشيرا إلى أن حضارة نقادة -التي ترجع إليها هذه البيضة- احتوت على فخاريات حملت أشكالا كثيرة. ولكن لم يعثر على أي شكل مطابق لأهرامات الجيزة والنيل في النسق مثلما يظهر في بيضة متحف النوبة، معتبرا أنها دليل على قدم عمر أهرامات الجيزة، وأن شعب نقادة رأى الأهرامات الثلاثة وصورها على تلك البيضة!

    الباحث الذي عرف على الشبكات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة بحلقاته التي حملت اسم “الحضارة المفقودة”. استند في رأيه إلى القول بأن عمر أهرامات الجيزة ليس مقطوعا بصحته حسب وجهة نظره. مشيرا إلى أن الأدلة التي يتم الاستناد إليها في تحديد عمر الأهرامات، حولها خلاف كبير حتى الآن، حسب قوله.

    وأوضح أن خرطوش خوفو مثلا، الذي عثر عليه الإنجليزي هوارد فايس داخل غرف تخفيف الأحمال بالهرم الأكبر -ويستند إليه بشكل رئيسي في تحديد عمر الهرم وربطه بالملك خوفو- تثور حوله الشكوك. حيث دون اسم الملك بشكل غير لائق وبطريقة غير احترافية. كما أن الخرطوش حمل بعض الأخطاء في علامات الكتابة. مثل علامة (وج) التي كتبت خطأ قرابة 8 مرات في الغرف.

    وأضاف أن عالمة الآثار المصرية بجامعة أبردين الإسكتلندية، عبير العداني، أجرت تحليلا بالكربون المشع لتحديد عمر قطعة من الخشب. عثر عليها المستكشف الإنجليزي واينمانديكسون في ممرات غرفة الملكة داخل الهرم الأكبر. وكانت المفاجأة أن عمر الخشب يعود إلى (3341 ق.م – 3094 ق.م) أي قبل التاريخ الرسمي للهرم الأكبر بـ500 إلى 800 عام. معتبرا أن كل ذلك وغيره، أدلة ترجح أن عمر أهرامات الجيزة أقدم مما هو متعارف عليه. وبالتالي فإن القول بأن نقوش بيضة متحف النوبة كانت تجسيدا لأهرامات الجيزة هو قول مقبول جدا ويتوافق مع عمر الأهرامات كما يعتقد.

    التل الأزلي الذي بدأ منه الخلق

    على الجانب الآخر، يرفض الأكاديميون تلك التفسيرات لنقش بيضة متحف النوبة. ويقدمون آراء عدة لفهم هذا الأثر المثير للجدل.

    الدكتورة دينا عزالدين، أشارت إلى الأثر رقم 440 بمتحف النوبة، في بحثها عن بيض النعام في مصر ما قبل الأسرات. إلا أنها لم تفسر تلك الأشكال الهرمية المنقوشة عليها، واكتفت بوصفها بأنها “مثيرة للاهتمام”. لذا حرصنا على أن نتواصل معها لنعرف رأيها وتفسيرها لهذه النقوش، وما تقدمه من دلالات.

    بداية، رفضت عز الدين في حديثها لـ”باب مصر” أن يكون هذا النقش مقصودا به أهرامات الجيزة الثلاثة. مشيرة إلى أن تاريخ الأهرامات ثابت بدلائل تاريخية وأثرية مختلفة. مثل خرطوش الملك خوفو الموجود بغرف تخفيف الأحمال، وبرديات وادي الجرف التي اكتشفت قبل عدة سنوات وكانت تتحدث عن فترة بناء الهرم الأكبر في عهد الملك خوفو.

    أما عن تفسيرها لهذا النقش، فأوضحت أستاذة علم المصريات أن الشكل الهرمي كان له مغزى ديني مهم وراسخ في العقيدة المصرية منذ القدم. لأنه مرتبط بفكرة “التل الأزلي” الذي بدأ منه الخلق. كما أنه مرتبط بعبادة الشمس لذا ليس من المستغرب أن يتم العثور على أشكال هرمية على قطع أثرية ترجع إلى فترة ما قبل الأسرات حسب قولها.

    وأضافت أن بيضة متحف النوبة لفتت الأنظار وأثارت كل هذا الجدل. لأنها تضمنت ثلاثة أشكال هرمية متجاورة، شبيهة بالطريقة التي يرسم بها الأطفال أهرامات الجيزة في وقتنا الحالي. وهو ما دفع البعض للاعتقاد بأنها تمثل الأهرامات الثلاثة. مؤكدة أن ذلك النقش “ملفت للنظر” بالفعل، ولكن لا يمكن أن يكون المقصود به هو أهرامات الجيزة.

    بيضة متحف النوبة
    بيضة متحف النوبة
    أكثر من مئة هرم

    الأثري والمرشد السياحي بمنطقة كوم أمبو بأسوان، أحمد سيد، يتبنى وجهة نظر شبيهة. حيث قال لـ”باب مصر”، إن الأشكال الهرمية المنقوشة على بيضة متحف النوبة. هي تجسيد للأشكال التي كان يراها الإنسان المصري القديم في الطبيعة، مثل التلال التي كان يراها في الصحراء. كما كان يرسم أشكال دائرية تعبيرا عن المناظر التي يراها في الرمال أو تعبيرا عن أشعة الشمس أو أشكال الأكواخ التي كان يقطنها.

    أما عن الربط بينها وبين أهرامات الجيزة بسبب كونها ثلاث مثلثات،.فقد اعتبر سيد أن ذلك أيضا قولا غير دقيق، لأن مصر بها أكثر من مئة هرم وليس ثلاثة فقط. وبالتالي لا يرى مبررا لربطها بأهرامات الجيزة تحديدا. مضيفا أن مسألة عمر الأهرامات قد قتلت بحثا وحسمت. وبات من المؤكد أنها ترجع إلى عصر الأسرة الرابعة في الدولة القديمة، التي اشتهرت ببناء المقابر على الشكل الهرمي. قبل أن تتخلى عن هذه الطريقة وتتجه إلى إخفاء مقابرها تجنبا للصوص المقابر.

    كما استبعد سيد أيضا، أن تكون هذه الأشكال تجسيدا لمباني كانت قائمة في فترة ما قبل الأسرات واندثرت، مشيرا إلى أنه لم يعثر على أي مباني قائمة ترجع إلى تلك الفترة. حتى أن أقدم مبنى معروف كان مشيدا من الطوب اللبن ويرجع إلى أحد ملوك الأسرة الثانية. أي بعد الفترة التي ترجع إليها بيضة متحف النوبة بمئات السنين.

    وعن كيفية تحديد عمر البيضة، قال سيد، إنها خضعت لتحليل الكربون المشع، إضافة إلى تحديد عمرها من خلال المقارنة مع قطع أخرى معروف تاريخها. وثالثا عبر تاريخ المقبرة التي عثر فيها على البيضة، وهي مقبرة ترجع إلى حضارة نقادة.

    جانب آخر لبيضة متحف النوبة، ويظهر عليه نفس الأشكال الهرمية وبجوارها رسم لكائن غير محدد الملامح.
    جانب آخر لبيضة متحف النوبة، ويظهر عليه نفس الأشكال الهرمية وبجوارها رسم لكائن غير محدد الملامح.
    أهرامات مروي في السودان

    الدكتور أسامه عبدالوارث، أستاذ علم المتاحف، وواضع سيناريو العرض بمتحف النوبة الذي توجد به البيضة موضوع هذا التحقيق. هو واحد من أكثر من اقتربوا من هذا الأثر النادر ودرسوه. لذا حرصنا على التواصل معه لمعرفة رأيه وتفسيره لهذه النقوش.

    قدم عبدالوارث تفسيرا مختلفا، حيث قال لـ”باب مصر”: لو صح بأن المقصود بهذه النقوش أهرامات فعلا، فهي أشبه بأهرامات السودان في منطقة (مروي) لا بأهرامات الجيزة. وبالتالي فإن دراسة نقوش هذه البيضة لا يدفعنا لإعادة النظر في تاريخ أهرامات الجيزة، بل ربما يجعلنا نعيد النظر في تاريخ أهرامات (مروي). مختتما بقوله “وربما كانت تجسيدا لأهرامات بدائية، ولكنها اندثرت قبل سنوات طويلة”.

    في النهاية، وأيا كان تفسير هذه النقوش المثيرة للاهتمام والجدل معا. إلا أن الأكيد هو أن الحضارة المصرية ستظل مصدر دهشة وحيرة وإلهام لنا. وربما احتجنا عشرات السنوات وربما أكثر قبل أن نتمكن من كشف كل أسرارها. وفهم حجم الإنجاز الحضاري الاستثنائي الذي شيده المصري القديم على ضفاف وادي النيل.

    اقرأ أيضا

    مقبرة رمسيس الثامن.. حلم الأثريين المصريين لتكرار معجزة هوارد كارتر

  • مقبرة رمسيس الثامن.. حلم الأثريين المصريين لتكرار معجزة هوارد كارتر

    مقبرة رمسيس الثامن.. حلم الأثريين المصريين لتكرار معجزة هوارد كارتر

    شكل اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون التي عثر عليها بكامل محتوياتها عام 1922 في وادي الملوك بالأقصر، درة الاكتشافات الأثرية في مصر طوال تاريخها. وظل بمثابة المقياس الذي تقاس عليه أهمية الاكتشافات اللاحقة عليه، ومعجزة أثرية يأمل الأثريون المصريون في تكرارها يوما.

    ولكن ظل هناك سؤال عالق دائما، كلما ثار الحديث عن مقبرة توت عنخ آمون وما تمثله من أهمية استثنائية في التاريخ المصري. وهو: هل نتوقع أن نعثر على اكتشاف آخر يضاهي فعلا قيمة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون؟ أم أن أرض مصر جادت بكل أسرارها وانتهى عصر الاكتشافات الكبرى؟

    ولأن مصر تحتفل هذه الفترة بمرور مئة عام على الاكتشاف الذي قاده المستكشف الإنجليزي هوارد كارتر. فقد تجدد هذا السؤال الملح، والذي كانت تظهر له عادة الكثير من الإجابات والترجيحات. إلا أن هناك إجابة بعينها يتفق عليها كثير من الأثريين المصريين والأجانب، هذه الإجابة هي مقبرة رمسيس الثامن، الملك الوحيد من بين ملوك مصر الأحد عشر الذين حملوا اسم رمسيس، الذي لم نعثر على مقبرته قط!

    حيث يؤمن قطاع كبير من الأثريين أن مصر ستكون على موعد مع اكتشاف استثنائي يضاهي اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون. وربما يتفوق عليه، حال العثور على مقبرة رمسيس الثامن، التي تظل المقبرة الوحيدة من بين مقابر ملوك الأسرة العشرين التي لم يعثر عليها في وادي الملوك حتى الآن، والتي يأمل البعض أن تكون محتفظة بكامل محتوياتها.

    فلماذا يحلم الأثريون بالعثور على هذه المقبرة؟ ولماذا يظن البعض أن اكتشافها قد يشكل حدثا استثنائيا في تاريخنا الحديث؟ وإلى أين وصلت الجهود المصرية للبحث عن هذه المقبرة؟

    تمثال من البازلت لرمسيس الثامن، غير متقن الصنع، يظهر فيه الملك مع آمون حاملا صولجان - المتحف المصري بالقاهرة
    تمثال من البازلت لرمسيس الثامن، غير متقن الصنع، يظهر فيه الملك مع آمون حاملا صولجان – المتحف المصري بالقاهرة
    البحث عن مقبرة كاملة

    يقول الدكتور ممدوح الدماطي، عالم المصريات ووزير الآثار الأسبق، إن السبب وراء اعتقاد العلماء بأن اكتشاف مقبرة رمسيس الثامن قد يشكل حدثا استثنائيا. هو أنه لم يعثر حتى الآن لا على المقبرة ولا على مومياء الملك، ما يعني على الأرجح أن الجثمان لا يزال داخل مقبرته في أمان. ما يعني بالتبعية أن المقبرة من المحتمل جدا ألا تكون قد تعرضت للنهب. خاصة وأن المقتنيات التي تخص رمسيس الثامن وعثر عليها حتى الآن قليلة للغاية.

    وأضاف الدماطي في حديثه لـ”باب مصر”، أن إمكانية العثور على مقبرة تضاهي في أهميتها اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، لا يتعلق فقط برمسيس الثامن. ولكن بأي مقبرة سيعثر عليها بكامل محتوياتها وهو ما يميز مقبرة توت عنخ آمون حتى الآن. مؤكدا أنه تم العثور على مقابر ملوك أعظم وأكبر تأثيرا من توت عنخ آمون ورمسيس الثامن، مثل رمسيس الثاني وسيتي الأول وغيرهما. إلا أن مقابرهم كانت فارغة ومنهوبة، وهو ما يمنح إمكانية العثور على مقبرة رمسيس الثامن كاملة، أهمية خاصة.

    وزير الآثار الأسبق، لم يستبعد أيضا أن يكون السبب وراء عدم عثورنا على مقبرة رمسيس الثامن حتى الآن، أن يكون الملك لم يحظ بالتكريم اللائق ولم تكن له مقبرة ملكية. خاصة وأن هناك دراسات تشير إلى أن فترة حكم رمسيس الثامن كانت مضطربة وتشكل مرحلة من مراحل ضعف الدولة الحديثة. إضافة إلى قصر فترة حكمه وغموض مصيره، وفي ظروف كتلك كل شيء وارد.

    فما الذي نعرفه عن رمسيس الثامن؟!

    آثار محدودة.. وتاريخ مجهول!

    يقول عالم المصريات الفرنسي نيكولاس جريمال في كتابه “تاريخ مصر القديمة” إن رمسيس الثامن (1130 – 1129 ق.م) هو واحد من أكثر ملوك الأسرة العشرين غموضا. نتيجة قلة المعلومات المعروفة عنه، بسبب فترة حكمه القصيرة للغاية والتي لم تتجاوز في بعض التقديرات عاما واحدا. ويضيف أن المعلومة الأكيدة المعروفة عنه، هو أنه كان آخر أبناء الملك رمسيس الثالث.

    وهو نفس ما يؤكده الدكتور سليم حسن، في الجزء الثامن من “موسوعة مصر القديمة”. حيث يقول إن الأدلة على وجود هذا الملك قليلة للغاية، أبرزها ذكر اسمه ضمن قائمة الأمراء الموجودة بالمعبد الجنائزي لرمسيس الثالث بمدينة هابو. إضافة إلى ذكر اسمه كذلك على عدد من الجعارين. وهو ما جعل حسن يقول بأنه ليس هناك دليل واضح على ترتيب رمسيس الثامن بين ملوك الأسرة العشرين، بينما يرى جريمال أن ترتيبه كان السابع.

    جعران من العاج يحمل اسما ملكيا لرمسيس الثامن - أحد متاحف القدس المحتلة
    جعران من العاج يحمل اسما ملكيا لرمسيس الثامن – أحد متاحف القدس المحتلة
    رمسيس الثامن والعرش

    ومما يدل على قصر الفترة التي قضاها رمسيس الثامن على العرش، هي أن الآثار التي ترجع إلى رجال من عصره أيضا قليلة للغاية، من بينها لوحة محفوظة بمتحف برلين، عثر عليها في العرابة المدفونة بأبيدوس، والتي ظهر فيها رمسيس الثامن وهو يقدم رمز (ماعت) أمام خمسة من الآلهة، وفوق صدره الخرطوش الذي يحمل اسمه. ثم نقش طويل يتضمن صلوات للآلهة لكي تطيل أمد بقاء رمسيس الثامن في الحكم. وكذلك تمثال وحيد من البازلت موجود بالمتحف المصري بالقاهرة، والذي يظهر من تفاصيله غير المتقنة أنه صنع بشكل متسرع. حيث يظهر رمسيس الثامن بملامح خالية من القوة.

    فيما يرى بيتر كلايتون في كتابه “تاريخ الفراعنة”، أن رمسيس الثامن، قد تولى الحكم بعد ابن أخيه رمسيس السادس. وهو ما يوحي بأنه كانت هناك مشكلة داخلية في تولي الحكم بمصر خلال تلك الفترة. لأنه لو كانت الأمور تسير بشكل طبيعي، لكان من المفترض أن يتولى رمسيس الثامن العرش (العم) قبل رمسيس السادس (ابن الأخ).

    في النهاية، تتفق أغلب المصادر أن رمسيس الثامن لم يقم بأي مشاريع بناء كبيرة أو حملات عسكرية. ويعتقد أنه كان حاكما ضعيفا، ويرون أن فترة حكمه القصيرة هي تجسيد لحالة التدهور التي كانت قد بدأت تشهدها الأسر الحاكمة خلال الدولة الحديثة. كما لا يستبعدون أن يكون رمسيس الثامن قد أبعد عن الحكم أو توفي نتيجة مكائد داخل قصر الحكم.

    نقش يجسد رمسيس الثامن عندما كان لايزال أميرا، على أحد جدران معبد والده رمسيس الثالث في مدينة هابو بالأقصر
    نقش يجسد رمسيس الثامن عندما كان لايزال أميرا، على أحد جدران معبد والده رمسيس الثالث في مدينة هابو بالأقصر
    البحث عن مقبرة ملك غامض!

    تضم جبانة وادي الملوك، الواقعة على الضفة الغربية من نهر النيل المواجهة لمدينة الأقصر، مقابر ملوك الأسرات 18، 19 و20. حيث ظلت المنطقة مستخدمة كجبانة لقرابة 500 عام.

    وقد بدأت عملية البحث عن المقابر الملكية واستكشاف الجبانة بدءا من أواخر القرن الثامن عشر. وخلال فترة امتدت لأكثر من مائتي عام، تم اكتشاف 65 مقبرة داخل الوادي، شملت مقابر معظم ملوك الدولة الحديثة.

    وبالرغم من أن عمليات الاستكشاف في وادي الملوك، لم تتوصل حتى الآن إلى بعض مقابر ملوك الأسرة 18. إلا أن المستكشفين عثروا على جميع مقابر ملوك الأسرة العشرين. باستثناء ملك واحد فقط، وهو رمسيس الثامن.

    وتشير المصادر إلى أن المقبرة التي تحمل رقم KV19 في وادي الملوك، والتي تم تخصيصها لدفن الأمير مينتوهرخيبشيف، ابن رمسيس التاسع، لم تكن مخصصة لدفنه في الأصل. بل كانت مخصصة لدفن رمسيس الثامن عندما كان لا يزال أميرا. ولكن عندما وصل إلى العرش، رأى أن تلك المقبرة لم تعد تناسب مكانته بعدما أصبح ملكا، لذا فقد تخلى عنها. وقام بإعداد مقبرة أخرى تليق به، وهي المقبرة التي لا تزال غير معروفة حتى الآن.

    ولم نعثر على أي جهود لأثريين أجانب بشأن البحث عن مقبرة رمسيس الثامن بشكل محدد. كما حدث في حالة هوارد كارتر ومقبرة توت عنخ آمون، التي كان يبحث عنها كارتر بشكل محدد ومقصود لأسباب عدة. إلا أن جهود الباحثين الأجانب كانت تشمل الوادي بشكل عام، بحثا عن أي مقابر ملكية تكون قد نجت من أيدي اللصوص.

    جهود البحث المصرية

    يكشف أرشيف الصحافة، أن الجهود المصرية للتنقيب في وادي الملوك ترجع إلى عدة سنوات مضت. حيث أعلن وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني في مارس 2008 عن تشكيل أول بعثة أثرية مصرية برئاسة الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار حينها د. زاهي حواس، للبحث في الوادي عن مقابر عدة ملوك. في مقدمتهم رمسيس الثامن وتحتمس الثاني.

    حواس قال في تصريحات صحفية حينها إن التنقيب في الوادي ظل حكرا على البعثات الأجنبية لعدة عقود. حيث كانت جميع المقابر المكتشفة حتى ذلك التاريخ بواسطة البعثات والعلماء الأجانب. مضيفا: “آن الأوان للأثريين والخبراء المصريين بالكشف عن مقابر وكنوز أجدادهم”.

    وأضاف حواس أن البعثة المصرية التي تشكلت برئاسته في ذلك الوقت، اختارت المنطقة الواقعة ما بين مقبرتي الملكين مرنبتاح ووالده رمسيس الثاني للبحث عن مقبرة رمسيس الثامن. إضافة إلى البحث عن عدد من المقابر الملكية وغير الملكية. مشيرا إلى أن عمليات التنقيب الأولية التي قامت بها البعثة، عثرت على عدد من القطع الأثرية، مثل تماثيل الأوشابتي. وهي تماثيل جنائزية صغيرة توضع مع المتوفى في المقبرة لمساعدته على الإجابة على الأسئلة التي يتلقاها في العالم الآخر، إضافة إلى مجموعة من الأواني الفخارية.

    شقفة من الحجر الكلسي تصور رمسيس الثامن عندما كان لايزال أميرا، وهو يتعبد، عثر عليها في وادي الملكات بالأقصر - المتحف المصري بتورينو
    شقفة من الحجر الكلسي تصور رمسيس الثامن عندما كان لايزال أميرا، وهو يتعبد، عثر عليها في وادي الملكات بالأقصر – المتحف المصري بتورينو
    جلين داش للبحوث الأثرية

    جهود البعثة المصرية التي استمرت لعدة سنوات لاحقة. استعانت في عملية البحث داخل وادي الملوك بمؤسسة “جلين داش” للبحوث الأثرية لاستخدام تقنية المسح الراداري في التعرف على محتويات أرض الوادي. وخلال عملية التنقيب حققت البعثة عددا من النتائج الهامة. مثل الكشف عن نظام التحكم في الفيضانات الذي ابتكره المصريون القدماء للحفاظ على المقابر بعيدا عن مياه النيل.

    وبالرغم من أن الفريق المصري كان يأمل في الاستفادة من هذه التقنية في العثور على مقبرة ملكية. وعلى الأخص رمسيس الثامن. إلا أن بعد سنوات، وجدوا أن استخدام أجهزة الرادار يظهر نتائج غير دقيقة في بعض الأحيان خاصة في مكان معقد وله تضاريس صعبة مثل وادي الملوك. وهو ما يكلفهم الكثير من الجهد بدون أي طائل. بحسب تصريحات صحفية للدكتور عفيفي رحيم، رئيس فريق البحث الميداني في وادي الملوك. الذي أكد أن لديه أمل في العثور على مقبرة ملكية كاملة في وادي الملوك رغم كل ذلك.

    ومنذ تشكيل تلك البعثة وحتى الآن، لم تتوقف الجهود المصرية في التنقيب داخل وادي الملوك، والبحث عن المقابر الملكية التي لم يعثر عليها حتى الآن. وفي مقدمتها مقبرة رمسيس الثامن، وبالرغم من طول عملية البحث، إلا أن الأمل لم يتبدد يوما في أن تجود أرض مصر بكشف ثمين تستعيد بها عصر الاكتشافات الكبرى.

    اقرأ أيضا

    اكتشاف تمثال لأبو الهول شرق معبد دندرة بقنا

باب مصر