باب مصر

وثائق| هاني شكر الله يكتب: أفكار في مشروع تأسيس جريدة يومية لليسار (1)

hani 4

 في عام 2006 بدأ التفكير في تأسيس جريدة البديل، ودارت مناقشات عديدة بين رموز اليسار استغرقت شهور عديدة. كان هاني شكر الله حاضرا في المناقشات، وقدم تصورا مهما لمفهوم جريدة يومية. المثقف البارز سيد كراوية أحد مؤسسي البديل احتفظ بالأوراق التي تم تقديمها من رموز اليسار ومن بينها الورقة التي قدمها هاني شكر الله. وسوف ننشر الجزء الأول منها هنا، على أن ننشر تباعا بقية الوثائق الخاصة بهاني شكر الله والتي اختصنا بها من سيد كراوية الذى كتب مقدمة قصيرة عن ظروف تأسيس البديل.. وقصة هذه الوثيقة الهامة:

«كان الوعي بالمهمة وراء فكرة تكوين مؤسسة ثقافية وإعلامية في شروط مجتمع تتكون فيه نواة مجال سياسي بعد 2005. ووسط محاولات حصره بين حزب سلطوي: الحزب الوطني، وتيار معارض: التيار الإسلامي والإخوان المسلمين أساسا. فكان الطموح بوجود تيار بديل عنهما، تيار مدني ديموقراطي بإصدار جريدة استقر على أن تكون “بديلا ” ومقاوما للهيمنة السلطوية بين التيارين. وبطبيعة المهمة التي كلف تيار اليسار الديموقراطي نفسه بها، كان لابد أن يتم عصف ذهني حول التصورات النظرية لهذه المهمة بتكوين سياسة تحريرية للصحيفة. لدينا كتابات مهمة حول تصور مفكرين مهمين منهم كتابات د. محمد السيد سعيد، والدكتور الفنان أحمد عز العرب، والدكتور سامر سليمان.. وهاني شكر الله. هذه رؤية هاني ونحن بصدد تأسيس شركة التقدم صاحبة جريدة “البديل”.

وفيما يخص هاني شكر الله والصحافة كمهنة ونشاط ورسالة فهو ظاهرة قليلة في أوساطنا. فوعيه وإصراره على الأصول المهنية باعتبارها شرطا حازما كان مسألة مبدأيه. ولذلك حتى لما اضطرته ظروف خاصة بالابتعاد عن تجربة البديل، فكان اهتمامه بالعمل في مؤسسة هيكل وسط هيكل وسيمور هيرش الصحفي الاستقصائي الشهير. الذي كشف عن جرائم الجيش الأمريكي في فيتنام وأبوغريب باعتبارها محاولة لترقية المجال الصحفي عبر تدريب شباب الصحفيين تدريبا راقيا».

مقدمة

لا يخفي عن أي منا أن المبادرة لتأسيس جريدة يومية لليسار قد وضعتنا أمام تحدي هائل يبدو للوهلة الأولى متجاوزا بمراحل عدة لإمكانيات اليسار ولحقائق الواقع السياسي والثقافي الراهن في بلادنا.

ولكن يبدو أن حجم التحدي يقابله حجم الحماس والإلهام الذي سري في صفوف مجموعة مؤسسة واسعة تشكل في الحقيقة ظاهرة فريدة وبالغة الجدة في تاريخ اليسار المصري منذ السبعينيات. ما يهمني التأكيد عليه في هذه المقدمة الموجزة هو أننا بصدد مسعى جديد تماما على كل خبراتنا السابقة. ينطوي ضمنا على مفهوم لليسار أكثر ديمقراطية بمراحل عما عهدناه من قبل.

والتحدي الأول هو أن ننسجم في تجسيدنا لهذا المفهوم وتعبيرنا عنه. المجموعة المؤسسة (وسيجري المزيد من توسيعها) لا تنتمي إلى “خط سياسي واحد”. وليست معنية ببرنامج سياسي موحد سواء في حده الأدنى أو الأقصى. وهي ليست بكل تأكيد جماعة أيديولوجية بالمعنى الضيق للعبارة، تنطلق من منظور واحد ومتسق للعالم وللواقع المصري والعربي. ما يجمعنا في المحل الأول هو مجموعة من القيم والمثل والمبادئ والرؤى شديدة العمومية. هي تلك التي شكلت خلال قرنين ماضيين من الزمان الإطار الأشمل لعدد حافل وشديد التنوع من النضالات والمنتجات الفكرية والسياسية والثقافية. تنتمي رغم كل ما فيها من اختلاف وتنوع ونجاحات وإخفاقات إلى ذلك التيار العريض في الفكر الإنساني الحديث الذي اصطلح على تسميته باليسار.

وبشكل أخص ينطوي تجمعنا حول هذه المبادرة على إدراك مشترك بأن اليسار بمعناه الواسع هذا يمتلك بديلا محتملا للواقع السائد في بلادنا سياسيا وفكريا وثقافيا. بل وتعكس جسارة المبادرة وما ارتبط بها من الهام هذا الجمع الفريد من أبناء حركة اليسار للمجازفة والتوحد. هو مشروع بكل طموح مشروع الجريدة اليومية. تعكس شعورا مشتركا بالالحاج البالغ لطرح ذلك البديل على المجتمع المصري والعربي والعمل على بلورته بأوسع شكل ممكن. وهو ما يعكس بدوره إدراكا مشتركا لبؤس وقتامة الوضع الراهن ورفضا مشتركا للبدائل المطروحة عليه.

أهم ما أرغب في التأكيد عليه هذا هو أن هذه المشتركات بكل عموميتها هي مصدر قوة وليس ضعف. تغنى ولا تفقر وتقدم في نهاية المطاف سبيلا لإعادة صياغة معنى اليسار ونوع البديل الذي يقدمه. وأول ما يقتضي هذا الإدراك منا هو التحلي بهذه الروح الديمقراطية إلى أقصى حد واحترام ما بيننا من تنوع وتبايانات ليس حفاظا على وحدة حد أدنى بليدة تخاذلنا جميعا. إلى أفقر قاسم مشترك أعظم ولكن لأن مشروعنا نفسه هو مشروع يقوم على التنوع والتباين والتعدد في الرؤى والمصالح.

الورقة الخاصة التي قدمها هاني شكر الله في تأسيس جريدة يومية لليسار
الورقة الخاصة التي قدمها هاني شكر الله في تأسيس جريدة يومية لليسار

ومن هذا المنطلق وحده أقدم هذه الورقة، ليس بهدف إدارة خلاف ولكن بهدف إبراز تنوع.

الورقة تنقسم إلى قسمين أساسيين، القسم الأول يطرح بعض مما أتصوره جوهري في تشخيص حالة وواجبات اليسار في المرحلة الحالية. ولعلي أوضح من البداية أن ليس ثمة رابطة مباشرة بين هذا القسم وبين مشروع الجريدة. قمت بكتابته اهتداء بالمقدمة السياسية العامة المتضمنة في ورقة الزميل والصديق محمد السيد سعيد. وذلك بهدف توضيح أن التوحد على المشروع وعلي الرؤى العامة التي يعكسها لا يتطلب أو يفترض توحد تام في المنطلقات.

ولا شك في أن التباين بين رؤيتي ورؤية الزميل محمد السيد سعيد ليس هو المظهر الوحيد للتباين فيما بيننا جميعا في هذا الميدان. بل ولعلي أرجح أن التباينات بيننا تكاد تساوي عددنا. ومن ثم فلست أطرح هذا القسم كموضوع للنقاش فيما يتعلق بمشروع الجريدة. ويمكن لمن لا يرغب أن يتخطاه تماما ويكتفي بالاطلاع على القسم الثاني. القسم الثاني يعني مباشرة بمشروع الجريدة، وهو بدوره ينقسم إلى قسمين أساسيين:

الأول يتضمن عرضا للأهداف والمبادئ العامة والثاني يستعرض ما اعتقده ملامح أساسية لسياسة التحرير واعتبارات جوهرية أدعو إلى مراعاتها في صياغتها. القسم المتعلق بالأهداف والمبادئ يتطابق في الكثير منه مع ورد في ورقة الزميل محمد السيد سعيد. والقراءة المدققة لما ورد عنده وعندي بهذا الشأن تكشف عن مساحة كبيرة لتوافق عام أعتقد أنه يعكس توافقا عاما بيننا جميعا. وقد قمت مع ذلك بكتابة هذا القسم بهدف تبيان أن التوافق ليس تطابقا،.وأنه يمكن ويجب أن ينطوي على مساحات للتمايز والتنوع والاختلاف في الأولويات والصياغات المفهومية.

القسم الأخير المتعلق بالاعتبارات والملامح الأساسية لسياسة التحرير هو القسم الذي أدعو للنقاش الموسع حوله فيما بيننا وبين الطاقم الأساسي للجريدة حال تحقيق تقدم في تشكيله. بل واستطلاع آراء خبرات من خارج المجموعة المؤسسة. ويهمني هنا أن أؤكد مزيدا من التأكيد على أن الهدف من هذا النقاش ليس إدارة خلاف. وإنما إغناء تصوراتنا في هذا المجال إلى أقصى حد ممكن. بعض الزملاء طرحوا ما بيني وبين الزميل محمد السيد سعيد في هذا المجال باعتباره يعكس خلافا سياسيا. وهذا من وجهة نظري بعيد كل البعد عن الحقيقة. ليس لأنه ليست هناك تباينات واختلافات فكرية وسياسية بيني وبين الزميل محمد، بل وبين أكثرنا، وبعضنا البعض. ولكن لقناعتي التامة والعميقة ليس فقط بأن مشروع الجريدة يسمح تماما بهذه الاختلافات والتباينات بل بأنها، كما قلت أعلاه، مصدر قوته وثراءه.

القسم الأول: منطلقات ومنظورات سياسية

ليس هذا مجال نقاش واقع ومهمات اليسار المصري في اللحظة الراهنة. ولكن في ضوء الورقة المفهومية المقدمة من الزميل والصديق محمد السيد سعيد والتي طرح فيها عددا من التصورات حول وضع وواجبات اليسار المصري. ربما يكون مفيدا أن أعرض بإيجاز وتكثيف قد يكون مخلا إلى حد ما لبعض مما أعتقده جوهريا في تشخيص حالة اليسار المصري اليوم، ولما أتصوره ملامح عامة للتوجه نحو صياغة وبلورة تيارا يساريا ديمقراطيا محتملا وكامنا في معطيات واقعه الحالي. وإن لم يكن موجودا بالفعل بعد، وذلك في النقاط التالية:

اليسار المصري (والعربي بوجه عام) يواجه منذ سنوات حالة من الاستقطاب الحاد ما بين النزعة الليبرالية من جهة والنزعة القومية الإسلامية من جهة أخرى. وذلك في ظل ظروف انحدار متواصل وبعيد المدى للتيار القومي وصلت به إلى تقارب عميق مع التيار الإسلامي الصاعد. وجعلت في الوقت نفسه من التيار الإسلامي بمثابة الوريث الأول للميراث القومي المعادي للاستعمار في المنطقة العربية. وقد وصل بنا هذا الاستقطاب إلى وضع يصعب فيه التعرف على خطاب يساري متميز (فكرا أو ممارسة) عن التيارين الرئيسيين. بعد أن تمكنا من ترسیم حدود صارمة للنقاش الفكري والسياسي العام يلقي بكل ما هو خارجها إلى هامش مهمل ومهمش وغير منظور.

هاني شكر الله

ليست الصورة القاتمة التي رسمتها في النقاط السابقة بدعوة للقنوط أو الإحباط. وإنما هي محاولة لعرض بعض مما اعتقده جوهريا في إدراك حجم ونوع التحدي الذي نواجهه. ومن ثم في تبيان وتعيين بعض من واجباتنا إزائها. كما أنني لا افترض قط أو أطلب الاتفاق مع ما طرحته من آراء وتصورات في إطار تأسيس جريدة يومية لليسار. بعض ما طرحت يتقاطع مع ما طرحه الزميل محمد السيد سعيد. وبعضه يتباين عنه وبعضه في خلاف معه. ولكنني مقتنع تمام الاقتناع بأن مشروعنا المشترك يسمح بذلك النوع من التعدد والتنوع في الأفكار والرؤى ويتطلبها.

وأغلب الظن أن التباينات بين مؤسسي الجريدة والمرشحين للعمل فيها تساوي عددهم. وليس في هذا ما يضيرنا بل يمكن وينبغي له أن يكون أرضية لإثراء الجريدة وحركة اليسار بوجه عام ما ينبغي أن نتوصل إلى توافق عام حوله. حتى ولو اختلفنا بعض الاختلاف حول الصياغات وترتيب الأولويات. هو الأهداف الرئيسية للجريدة اليومية والمبادئ الأساسية التي تحكم سياسة تحريرها. فضلا عن تصورات عامة حول سياسة التحرير وطرائق العمل. مع التأكيد على أن بلورة الأخيرة تتوقف في جانب جوهري منها على استكمال الطاقم التحريري الأساسي. وفي جانب آخر لا يقل أهمية على ما تقدمه الممارسة الفعلية لإصدارها من تجربة من شأنها بطبيعة الحال أن تضفي عليها التعديلات تلو التعديلات.

اقرأ أيضا:

ملف| أن تكون هاني شكر الله

هالة شكر الله تكتب: أخي العنيد، الصامت، المتأمل

أميرة هويدي تكتب: مديري هاني شكر الله

باسل رمسيس يكتب: هاني شكر الله بين لحظتين

رندا شعث تكتب: كانت فلسطين دائما في قلبه

خالد جويلى يكتب: طرف من خبر بدايات «هاني»

نادر أندراوس يكتب: «النقد اللاذع لكل ما هو موجود».. الماركسية الممتعة لدى هاني شكر الله

عزة كامل تكتب: 7 مشاهد من حياة هاني شكر الله

أكرم ألفي يكتب: السير على الخط الرفيع

كمال عباس يكتب: أسئلة معلقة إلى «هاني»

لينا الورداني تكتب: هاني شكر الله الحاضر دائما

من السهل أن تكون صحفيا ولكن من الصعب أن تكون هاني شكر الله

Exit mobile version