باب مصر

«كلب المعمل»: فصل من رواية إبراهيم البجلاتي الجديدة

إبراهيم البجلاتي

بعد قليل من البحث، اعتمادًا على الوصف الذي خلا -كالعادة- من اسم الشارع ورقم البيت، تمكَّنتُ من العثور على مكان السهرة: بيت قديم في حي الحسينية -عند تقاطع سور مدرسة “الملك الكامل” القديمة والشارع العمودي على سور محطة القطار- يعود إلى تلك الأيام التي نسمع عنها ونرى بقاياها المتآكلة في الأحياء العريقة. أيام أن كان للبيوت سقوف عالية وأبواب ضخمة من الخشب الثقيل، وعلى كل باب تاج محفور من الورود أو رأس أسدٍ مهيب.

في منتصف الشارع المعتم وقفت أمام البيت المقصود، إطار خشبي ناحل بلا باب، كأنه إطار لفوهة الظلام المطلِّ من ورائه. رفعت عيني قليلًا فميَّزتُ تاجًا مكسورًا من الورود فوق الإطار الواسع، ودخلتُ. لم تُبدِّد الولَّاعة المشتعلة في يدي اليسرى سوى أقلِّ القليل من الظُّلمة المكثَّفة حولي، لكن شُعلَتها كانت كافية لكي أرى سُلَّمًا عريضًا في آخر المدخل الواسع. تحسَّستُ الدرابزين بيمناي، ومن ملمس الخشب العتيق تأكَّدتُ أن أحدًا لم يصعد هنا منذ عقود. كان منطقيًّا في هذه الظلمة المربكة ورخام الدرجات المنحول أن أتعثر نصف عثرة، وأن أقوم وأشعل الولَّاعة، التي لسعَت سخونتها أصابعي، من جديد. خشب كئيب متصالب على نافذة كبيرة تتوسَّط السُّلَّم، عالِقةٌ في مُربَّعاتها بقايا من زجاج ملوَّن. بالطابق الثاني باب شقة مُغلَق ولا أثر لأي ضوء بالداخل. بيت مهجور تمامًا. رأس سنة في بيت الأشباح، أم مجرد حرص على إخفاء بهجة معيبة؟ وواصلتُ صعودي المتحسِّس إلى الطابق الثالث.

**

في ردهة الشقة الواسعة والمهملة بجدارةٍ خَلقٌ منتشرون على كراسي ليس لها طراز مُحدَّد وكلها في حال أسوأ من بعضها. أعرف قِلَّةً منهم معرفة حميمة، وأعرف بعضهم معرفة سطحية، أما الغالبية فلم تكن من الطائفتين. البيرة في كل مكان، والسجائر المحشوة ملفوفة وجاهزة في مكان بارز على طاولة عريضة يتوسَّطها زجاجة كبيرة من الويسكي لم تُفتَح بعدُ. وقبل أن أجلس كان صاحب المكان -وهو مخرج مسرحي تربطني به صِلة قرابة بعيدة ومعرفة سطحية- قد فتح زجاجة بيرة مُثلَّجة وقدَّمها لي وهو يزيح واحدًا من مُمثِّليه ويُجلسني مكانه، والذي جاء بالمصادفة على يسار الأستاذ ياسين المالكي.

كانت المرة الأولى التي أرى فيها الأستاذ ياسين في مكان آخر غير “مقهى المحطة” الذي اعتاد الجلوس عليه في أوقات محدَّدة من أيام مُعيَّنة كل أسبوع. وكانت المرة الأولى التي أرى في يده شرابًا غير فنجان القهوة، لكنه حتى في هذه الأجواء لم يتخلَّ عن بدلته الكاملة وربطة العنق المُحكَمَة، وفوق كل هذا معطف أسود غاية في الأناقة. ومثلما يخصِّص له النادل في المقهى كرسيًّا مميَّزًا خصَّص له المخرج المسرحي الفوتيه الوحيد الذي يبدو في حال جيدة.

غلاف الرواية
غلاف الرواية
**

أخذتُ جرعة طويلة من الزجاجة الخضراء مباشرة، فيما يقرع الآخرون الأكواب ويشفطون الرغوة الهشَّة. الحديث قد بدأ قبل وصولي، وكان جُلُّه يدور حول استقالة جورباتشوف التي لم يمرُّ على إعلانها سوى ستة أيام فقط. أحدهم يتكلم بحماس عن الخطايا السوڤييتية الكبرى، بدءًا بتصفية تروتسكي وديكتاتورية ستالين الغليظة، مرورًا بخليج الخنازير وانتهاء بالمستنقع الأفغاني الذي سبق نهاية الإمبراطورية بقليل، فيما يردُّ عليه أحدهم بأن التحليل الذي قدَّمه حزبه منذ منتصف السبعينات كان يؤكِّد على حتمية زوال الإمبراطورية السوڤييتية التي أضرَّت بوحدة اليسار العالمي وأساءت إلى سمعة الاشتراكية التي غدرها الجميع.

كان نصف دماغي حاضِرًا ونصفه الغائب يلعن “علي طه” الذي أوقعنا في هذا الفخ في ليلة كهذه. ثم انبرى المخرج المسرحي ووضع كوب البيرة جانبًا وقام واقفًا، بشكل مسرحي ركيك، وبدأ -مستخدِمًا يديه وعينيه وشاربَه الاستاليني- خطبةً عميقة عن عبادة الماضي، مساويًا بين الفَرِحين والمحزونين. فكل فريق يعبد وهمه الخاص عن الدولة والتاريخ، وكلا الفريقين سَلفيٌّ بامتياز.

**

ثم ختم خطبته -التي حرمها انصراف الكثيرين عنها من سطرين إضافيين- بأنه علينا أن نجيب على سؤال اللحظة: هل العالم بدون الاتحاد السوڤييتي سيكون أفضل أم لا؟ بدا لي للحظة أن قريبي هذا قد جمع كل هذا الحشد خصيصًا ليلقي عليهم خطبته الغريبة هذه. توقَّعتُ أن يجلس لكي يحصل على ما يستحقُّ من تصفيقٍ يعفيني من شعور عابر بالخجل، لكنه وبنفس الأداء المسرحي سار خطوتين ودار إلى اليمين مترنِّحًا قبل أن يختفي لبعض الوقت في ممرٍّ مُظلِم يقود -فعلًا- إلى الكواليس.

وأنا أبلع الكلام بجرعة أخرى طويلة من البيرة مال الأستاذ ياسين عليَّ هامسًا: مالَك؟ قلت مباشرة ودون تفكير أو تردُّد وأنا أعيد الزجاجة إلى الطاولة: هل العالم بدون كلاب سيكون أفضل أم أسوأ؟ اتَّسعَت عينا الأستاذ دهشة، فانتبهت واعتدلت في جلستي وأنا أشعل سيجارة وأقول: القافية حكمت. ثم قلت له: تصوَّرْ أنه في اللحظة التي كان جورباتشوف يدخل الكرملين للمرة الأخيرة ويُغيِّر وجه العالم، كنت أنا أدخل معمل التجارب الحيوانية للمرة الأولى وأدسُّ يدي في بطن كلب، ولديَّ إحساسٌ بأن أشياء كثيرة ستتغير في حياتي بعد هذه التجربة.

قال كأنه يؤكِّد على كلامي إن حياة الأفراد لا تتأثر بالأحداث العظيمة في الحال، هذا يستغرق زمنًا حتى يبين أثره، أما بعض المصادفات التي تحدث للفرد مباشرة فتؤثِّر في حياته بشكل أسرع، وربما بشكل أعمق ممَّا كان يتصور. ثم حكيتُ له بشكل مختصر عن رعبي المزمن من الكلاب، وعن توزُّعي طوال الأسبوع الماضي بين جراحات البشر في العمليات التي فوق، والتجريب في الكلاب في المعمل الذي تحت، وأنني تقريبًا أُغرَمتُ بالنوع الثاني أكثر من النوع الأول.

**

أوشكت أن أقول له إن هذا ربما يكون غرامًا سطحيًّا بالجديد -كعادتي- لكنه سبقني قائلًا: إن موقفي هذا يشبه إلى حدٍّ بعيد الموقف العام من الكلب، هذا الموقف الموزَّع بين التبجيل والاحتقار، بين تقدير الكلب لوفائه والقرف من نجاسة لعابه. قبل أن أستوعب حدود التشابُه البعيدة بين حالتي وبين الموقف العام عاجلني هو: هل تعرف أنه رغم الحكايات الكثيرة جدًّا والقديمة جدًّا عن وفاء الكلاب هناك مَن يُشكِّك في حقيقة هذه الصفة الآن استنادًا إلى كلب “باڤلوڤ” نفسه.

**

كنت قد بدأت أشعر بدوار خفيف لا أعرف إذا كان هذا من تأثير البيرة التي لم أُنهِ زجاجتي الأولى منها بعد، أم من تأثير الكلام الذي قاله الأستاذ. وقبل أن أشعل سيجارة جديدة مال حمدي طه -الجالس على يمين الأستاذ- علينا وهو يقدِّم سيجارتين ملفوفتين. رفض الأستاذ السيجارة الملفوفة بأنفه قائلًا إنه لا يدخن مثل هذه الأشياء، فاقترب حمدي مني أكثر وهو يقول: ولَّع دي أحسن. وأنا أشعل السيجارة الملفوفة قال حمدي بصوت عميق مبحوح، كأنه يعبِّئ الهواء في حلقه قبل أن يدفعه مع الحروف المتقطعة:

**

أطلق حمدي قهقهة ممطوطةً وبعيدة المدى، ثم دعك عينيه الدامعتين وهو يقول:

ثم مال على الأستاذ أكثر وهو يقول بصوتٍ غير مسموع للآخرين: عمومًا الحال من بعضه يا أستاذ، وأنا تلميذك في كل حاجة، واللي حصل لي في الأول حصلك في الآخر. وقام واقفًا وهو يقول لأخيه بنبرة أعلى: إيه يا عم علي النكد اللي أنت جايبنا ليه ده؟ فجذبه أخوه من يده: هوَّ فيه إيه؟ اقعد يا ابني رايح فين؟ فقال حمدي وهو يحاول التماسُك: إيه يا عم أنت كمان… رايح الحمام واللَّا عندك مانع.

**

مال علي طه على الأستاذ مُعتذِرًا نيابة عن أخيه وملمِّحًا -في أدب جم- إلى خطأ الأستاذ في تذكير حمدي بمأساة طلاقه والتي لم يستطع تجاوزها حتى الآن. لم يعتذر الأستاذ -الذي صار وجهه قريبًا من لون معطفه- عن تجاوُزه، لكنه عبَّر عن صدمته في أستاذ الرياضيات الذي يتكلَّم ويتصرَّف كأنه سائق تاكسي أو ميكروباص. ولَفَّنا صمتٌ كئيب حتى عاد حمدي من الحمام وحشر نفسه مرة ثانية بين أخيه وبين الأستاذ، وحين استقرَّ في موضعه أشعل سيجارة ملفوفة وسحب منها نَفَسًا عميقًا وكتمه في صدره حتى دمعت عيناه. في هذه اللحظة التفت إليَّ الأستاذ مستأنِفًا ما كان بيننا من حديث ظنَنتُ أنه قد انتهى: سمعت عن رواية اسمها قلب كلب“. لم أرد عليه بالسَّلب أو بالإيجاب، وراح هو يحكي عن الرواية دون أن أسمع ممَّا قاله حرفًا واحدًا.

كنتُ مشغولًا تمامًا بـ”قلب طفل” أغلق عينيه على الكثير من الطيبة المفرطة والدخان، وغرق في “علم جمال الضحية”، حتى أصبحت عودته مستحيلة. رُحتُ أكرِّر داخلي قلب طفل… قلب طفل كأنه اكتشاف، وهو ليس كذلك؛ لأن حمدي منذ تعرَّفتُ عليه عن طريق أخيه علي وهو على هذه الحال. حتى في المرات التي قابلته فيها دون أن يكون “مُحلِّقًا” كان أيضًا هكذا، كأنه مُحلِّق أبَديٌّ في حزن بلا قرار. وهذا ما جناه من ارتباط مرضي بأشخاص خذلوه، وفق رواية أخيه، ويبدو أن هذا هو سِرُّ غضبته من الأستاذ الذي سحب من الكلب صفة الوفاء فكشف -بغير قصدٍ- عن قلبٍ باڤلوڤيٍّ بامتياز.

**

لا أعرف متى انتهى الأستاذ من حكايته، لكني فوجِئتُ بحمدي يعتدل في جلسته ويقترب من الأستاذ، وبنفس اللسان الثقيل والجفون المكسورة يسأله: تعرف يا أستاذ الكلاب بتشم في…. بعضها ليه؟ كدتُ أنقلب على قفاي من الضحك؛ فالموقف برُمَّته لم يكن يُحتَمل. لكن الأستاذ تمالك نفسه ورَدَّ بنبرةِ مَن يحاول كشط التوتُّر السابق:

نظر له حمدي بتركيزٍ كأنه يحاول أن يفهم، ثم، وكأنه أدار الكلام في رأسه الثقيل، واكتشف ما يقصده الأستاذ فقال وهو يلتفًُّ على نفسه وينظر إلى مؤخِّرته هو شخصيًّا:

 **

يبدو أن الأستاذ لم يفطن إلى أن حمدي ورغم غياب ثلاثة أرباع دماغه قد عاد من الحمَّام وفي الربع الصاحي من دماغه هدفٌ واحد: هو استفزازه، وقد كان. بدأ الأستاذ يتكلم بنبرة حادة منتقدًا تقسيم حمدي للكلاب إلى نوعين بلدي ورومي، مشدِّدًا على أن الكلاب أنواع كثيرة جدًّا، ليس من بينها الرومي أصلًا، ولا هذا البلدي الهجين. وأن الأنواع المصرية المعتمدة من قِبَل الأندية العالمية هي السلوقي والأرمنت. وبينما كان الأستاذ يتكلَّم بغاية الجدية والحِدَّة كان حمدي غارقًا في الضحك، وقد نال مراده، ثم وضع وجهه في الأرض وهو يقول:

قمت من فوري إلى الحمام، كأنني كنت في انتظار هذا “الأمر” من حمدي، وفعلًا كانت مثانتي على وشك الانفجار.

رجعت من الحمام فوجدت شريف الألماني يحتلُّ مكاني، فحشرت نفسي على الكنبة إلى جوار حمدي وفاصلًا بينه وبين الأستاذ. كان شريف يتكلم بحماس عن كلب حمويه الأبيض بنقط سوداء، وأن حمويه يصحبان الكلب مرة كل شهر إلى سوبر ماركت متخصص في بيع أكل الكلاب، وأنهما يشتريان من هذا الماركت كميات من الطعام لزوم الكلب ويرتِّبانها بنظام مُعيَّن في “الديب فريزر” الخاص بالكلب. أما الكلب نفسه -واسمه كاتو، كما هو مدوَّن في جواز سفره الخاص- فله بيطري مخصوص يتابعه دَوريًّا، ويسجِّل مواعيد التطعيم في شهادة خاصة بالكلب لزوم السفر إلى أماكن التزلُّج على الجليد، وهو ما يحبه الكلب ويجيده، على عكس شريف نفسه الذي كُسِرَت ذراعه العام الماضي إثر محاولة فاشلة لتعلُّم ما يتقنه الكلب.

       **

مال حمدي على أذني القريبة منه هامسًا: يا ريتني كاتو، ثم رفع صوته بدرجة محسوبة: شُفت الكلاب يا عم الأستاذ، وأنت عَمَّال تقول لي أرمنت وسبع الليل وبيجيبوه من الصحرا يحرس الغنم. ثم فتح عينيه قليلًا ورفع صوته بدرجة أكبر موجِّهًا كلامه إلى شريف:

قام حمدي مُتَّكِئًا على فخذي من ناحية وعلى فخذ أخيه من الناحية الأخرى ووقف مترنِّحًا ثم مال على شريف وقبَّل خديه وهو يقول: ينصر دينك يا خواجة، هو ده الكلام. ثم عاد إلى مكانه مسندًا رأسه إلى ظهر الكنبة وهو يقول: خد راحتك يا دوك.

**

استغلَّ علي طه الحركة التي أحدثها أخوه، وتمكَّن من الإفلات من لسان الجار الذي استولى على أذنيه منذ بدء السهرة، ومال تجاهي مُتَّكِئًا على فخذ أخيه الجالس بيننا:

**
**

الأستاذأونووده كان بروفيسور في الجامعة الإمبراطورية في طوكيو اشترى الكلب هاتشي وهو لسَّه جرو ابن شهرين. ولمَّا الجرو كبر وبقى كلب محترم كده ابتدا كل يوم يوصَّل الأستاذأونولمحطة القطر الصبح ويرجع لوحده، وبعدين يروح يقابله في المحطة الساعة خمسة بالظبط ويرجعوا البيت سَوَا. كل يوم كده يوصله ويرجعوا سَوَا وفضلوا على الحال ده سنتين تقريبًا وفق رواية السيد المحترمواو“.

وفي يوم أخونا الكلب هاتشي وَصَّل أخونا الأستاذ أونو المحطة الصبح ورجع عشان يقابله بالليل لكن أونو ما جاش في الميعاد. قعد يستنَّى القطر اللي بعده ما جاش، واللي بعده مفيش. رجع البيت يدوَّر على الأستاذ أونو لَيكون رجع البيت لوحدهمفيش، قام راجع المحطة تاني يدور على الأستاذ. وفضل رايح جاي من المحطة للبيت وبالعكس لغاية ما استوعب إن الأستاذ ما رجعش من الجامعة أصلًا. وفضل مستنِّي ع الرصيف يبحلق في اللي نازلين من القطورات كلها وبرضه مفيش.

المهم فضل رابض في مكانه في المحطة كتير: عشر سنين يا أستاذنا، تَصوَّر عشر سنين مستنِّي على رصيف المحطة. والناس اللي شافوه مع صاحبه قبل كده عارفين الحكاية من أول يوم، وعارفين إن الأستاذ أونو أصيب بأزمة قلبية وهو في الجامعة ومات ومش راجع. طبعًا كناس محترمين قَدَّروا إخلاص الكلب ووفاؤه لصاحبه اللي مش موجودين عند البني آدمين، وبقوا يقدِّموا له الأكل والشرب ويطبطبوا عليه. وطبعًا الكلب في العشر سنين دول استحمل البرد ورزالة الصِّيَّع والمتشرِّدينما هو برضه اليابان فيها صِيَّع ومتشردين، مش كله يعني بولايت بيبول زي الكتاب ما بيقول.

**

المهم أخونا هاتشي فضل مستنِّي لغاية ما مات مكانه ع الرصيف. وأولاد الحلال في اليابان كتير برضهقاموا بالواجب ودفنوه جنب صاحبه الأستاذ أونو. لكن القصة نفسها خرجت من المحطة إلى طوكيو، ومن طوكيو ذاعت في اليابان كلها، وبقى أخونا هاتشي رمز للوفاء. والرمز ده ألهم واحد نحَّات ياباني محترم قام عامل تمثال كبير للكلب هاتشي. وحطُّوا التمثال في الميدان اللي قُدَّام المحطة. ده قبل الحرب العالمية التانية، فلما قامت الحرب، سيَّحوا التمثال وعملوه بنادق.

وبعد ما الحرب خلصت جه ابن النَّحَّات الأوَّلاني وكان نَحَّات برضه زي أبوه وعمل تمثال جديد للكلب هاتشي والتمثال ده هو اللِّي موجود في المحطة دلوقتي. المهم يا أستاذنا واحنا واقفين قُدَّام التمثال لقينا واحد عجوز جدًّا ماشي على عُكَّاز وقف ومسح بإيده على ظهر التمثال، ووقف يتكلِّم مع الأخ واو ييجي نص ساعة. سألت واو الراجل ده كان بيقول لك إيه؟ قال بيقول إنه كان يعرف هاتشي كويس جدًّا، وإنه وهو عيِّل صغير كان بييجي المحطة ويجيب له أكل.

**

بعد قليل من الصمت الذي بدا ضروريًّا قال الأستاذ:

**

هَبَّ حمدي واقفًا بشكل مفاجئ وهو يكلِّم نفسه: ولمَّا هوَّه مش كلامك قلبت بيه دماغنا من أول الليلة ليه؟ نقول وَفي يقول لك منعكس شرطي، نقول له الحكاية دي مش في الوفاء يقول لك لا ده وفاء غريزي…. حاول علي أن يجذب أخاه من يده ليجلسه لكنه جذب يده من يد أخيه بعُنفٍ مُتَّجِهًا صوب الباب: هوَّ خالِف تُعرَف واللَّا إيه؟ يَلَّا يا عم علي نروَّح، الفجر قرَّب يطلع.

قام علي من مكانه كأنه مُضطَرٌّ للقيام، وانحنى على الأستاذ الجالس وقَبَّل وجنتيه: كل سنة وأنت طيب يا عمنا، وحقَّك عليَّ أنا، ده واد مسطول. ثم التفت لي: يلَّا يا دكتور عشان أوصَّلَك، ما أنا عارف… هتخاف تروَّح لوحدك.

فصل من رواية «كلب المعمل» الصادرة مؤخرا عن دار المحروسة

اقرأ أيضا

«طب وثقافة وناس»: فصل المقال فيما بين الطب والعزبة من اتصال

Exit mobile version